النص المؤسس والنص الحاجب

النصوص المرجعية الكبرى كانت دوما بحاجة إلى عمليات شرح وتفسير وتأويل، لاسيما النصوص الدينية التأسيسية، ولعل تعدد المذاهب والفرق الكثيرة داخل الملة الواحدة مرده في النهاية اختلافات حول تأويل وفهم النصوص المؤسسة، بالرغم من الاجتهادات التي كان يبذلها العلماء والفقهاء في ضبط قواعد القراءة والتأويل لهذه النصوص، “فقد دأبت فئة مخصوصة في كل ديانة على القيام بقراءة النص الديني وتحديد قواعد لعملية القراءة وضبط من له أهلية القراءة”[1]، والغرض الأساس لهذه القواعد هو الفهم الدقيق للنص، بإدراك ما ينص عليه، حتى لا تحيد أفهام الناس عن المعنى الحقيقي لهذه النصوص، فالأنبياء تحدثوا بألغاز ورموز لا يدركها إلا الخاصة من الناس كما كان يقول فيلون الإسكندري ليبرر تفسيره الرمزي للتوراة والذي أسماه (مشنا تورا) أو التوراة الثانية، والنص الديني فيه ظاهر وباطن كما قال ابن رشد مؤكدا أن إدراك المعنى الباطن مقتصر على الخاصة من الناس أو “الراسخون في العلم” عبر التأويل الذي شرح ضوابطه في كتابه الشهير (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال).

وبالرغم من التراث التأويلي الضخم الذي تراكم حول النصوص التأسيسية عبر التاريخ إلا أن مشكلة فهم هذه النصوص لا تزال مطروحة وبقوة، سواء تعلق الأمر بالإنسان العادي أو النخبة المثقفة، وكثيرة هي الصراعات الفكرية التي ترتد في عمقها إلى “صراع تأويلات” محركها الرغبة في امتلاك المعنى “الصحيح” للنص، وبالتالي امتلاك الحقيقة، ومن ثم إقامة الحجة على الطرف الآخر المختلف واتهامه بسوء التأويل والانحراف عن المعنى الصحيح، حتى يصل الأمر إلى إصدار أحكام الردة والكفر والزندقة، والأمثلة على ذلك كثيرة وفي مختلف الأزمنة.

والحقيقة أن قراءة النصوص التأسيسية وشرحها وتفسيرها وتأويلها طرحت في كل الديانات وعبر مختلف الأزمنة إشكاليات كثيرة ومعقدة، سواء تعلق الأمر بمشروعيتها أو ضوابطها وحدودها وغاياتاها، أو علاقاتها بالأطر الاجتماعية والثقافية والسياسية، وسنحاول مناقشة إحدى الإشكاليات المرتبطة بهذا الموضوع، والتي نعتقد أنها بحاجة لبحوث مستفيضة بالنظر لأهميتها البالغة، بالرغم من عدم ظهورها للسطح، أقصد بذلك، إشكالية سلطة النصوص، خاصة سلطة النص الثاني، أي النص الشارح أو المفسر، والتي قد تصل لدرجة حجب النص المؤسس أو النص الأول، والغاية من طرح هذه الإشكالية هو التنبيه إلى ضرورة تخليص النص الأول من هيمنة وصاية النص الثاني.

تأسس الإسلام على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فهي النصوص الأولى التي أخبرت عنه وحددت تعاليمه، ومن ثم فهذه النصوص تمثل السلطة العليا في كل ما يتعلق بالإسلام، ولكن الذي حدث تاريخيا بفعل تطور مشاغل المسلمين ونمو حاجاتهم، هو توسيع دائرة النص الديني حتى يجيب عن مشاغلهم وأقضيتهم، وذلك ما يظهر في النصوص التفسيرية والاجتهادات الفقهية والكلامية، يقول أحد الباحثين: “النص الإسلامي قد تشكل على التدريج في نصوص ثوان، إذا لا يفهم النص المقدس إلا عبر تلك النصوص الثواني، ومن خلالها”[2]، وإذا كان الغرض من هذه النصوص الثواني(الشارحة) هو تيسير فهم النصوص المؤسسة للناس والاهتداء بهديها في مختلف مناحي الحياة، فإنها بمرور الزمن تكسب سلطة كبيرة على حساب سلطة النص الأول، ويتم توظيفها والاحتجاج بها، وكأنها تمثل “الحقيقة” مثلها مثل النص الأول، على اعتبار أنها تمثل الفهم الأوحد لهذا النص المؤسس، مع أنها في الحقيقة، اجتهادات وأحكام بشرية مرتبطة بالسياق التاريخي والمرتكزات المذهبية لقائليها وكفاءتهم العلمية والشروط المحيطة بهم أثناء عملية التأويل أو التفسير.

كثيرا ما نسمع أو نقرأ عبارات على شاكلة؛ “الإسلام يحكم”، “الإسلام يرى”، “الإسلام هو الحل”، “أنت تسأل والإسلام يجيب”.. إلخ، كلها عبارات مضللة كما يقول عبد الرحمن بوقاف أستاذ الفلسفة بجامعة الجزائر، لأن كاتبها أو الداعية الذي يتلفظ بها هو الذي يحكم وهو الذي يرى ويجيب، طبعا بالعودة إلى نصوص، ولكنها عودة انتقائية، أو قل إنها محكومة بما يعرفه هذا المفكر أو الداعية وبما تسمح به أدواته المنهجية وكفاءته المعرفية، و”نحن نعلم أن القرآن الكريم وضع التوجيهات العامة، ولكنه لم يجزئ ولم يفصل، وهذا ما قام به جمهور الفقهاء في متسع من التاريخ الإسلامي، ولكنه كان دائما مبنيا على رؤية بشر وفهم بشر أملته حاجة الإنسان وهي حاجة تاريخية”[3] أو قل “إنها مسارات ناجمة عن فهم معين للإسلام تحركه مصلحة معينة شخصية أم طبقية”[4]، وليس خطأ أن تحرك فكرا ما مصلحة ما، بل الخطأ في عدم الإقرار بأن مشروعية هذه المصلحة يحددها فضاء اجتماعي معين، وأنها مرتبطة بلحظتها التاريخية بكل حيثياتها. وبمرور الزمن تتلاشى الحيثيات التاريخية الموجهة –بقدر قليل أو كثير-لإنتاج النص الشارح أو المفصل، ويظهر هذا الأخير مستقلا عن شروطه التاريخية ويمارس دوره بهذه الاستقلالية، حتى أنه وفي ظروف معينة ونتيجة تحالفات مصلحية بين السلطة السياسية ورجال الدين يمكنه أن يصبح ذورة عليا، حاجبا بذلك النص الأول المؤسس(القرآن الكريم والسنة النبوية ).

يمكننا أن نضيف للعبارات سالفة الذكر عبارات من قبيل: “إغلاق باب الاجتهاد”، “إنكار المعلوم من الدين بالضرورة”، “…دون تجاوز الضوابط الشرعية”..الخ، كلها عبارات متداولة ويتم توظيفها في كثير من الحالات لأغراض مختلفة، وترتب عن هذا التوظيف اتهام كثير من المفكرين بالردة أو الكفر، عبارات تبدو بسيطة وواضحة المعنى غير أنها تطرح الكثير من الإشكاليات وتضمر دعمها لتكريس سلطة بشرية تاريخية معينة، يمكننا أن نطرح مجموعة من الإشكاليات حول العبارات على شاكلة: ماذا يعني غلق باب الاجتهاد؟ ثم من الذي أغلق باب الاجتهاد؟ متى وكيف كان ذلك؟ من أين استمد السلطة التي تخوله إغلاقه؟ ثم ما هو المعلوم من الدين بالضرورة؟ كيف نفهم هذا المعلوم؟ من الذي له السلطة أو المشروعية للحكم على أفهام الناس وتحديد إنكارهم للمعلوم من الدين من عدمه؟ من أين استمد هذه السلطة؟ وبنفس الطريقة نتساءل: من الذي يحدد الضوابط الشرعية التي لا يجوز تجاوزها؟ ومن أين يستمد هذا الامتياز أو الشرعية؟..الخ، تضاف إلى هذه الحزمة من الإشكاليات، إشكالية لا تقل أهمية عنها وأقصد بها إشكالية دور السلطة السياسية الكبير في توجيه مثل هذه القضايا لخدمة مصالحها، والتاريخ الإسلامي يحدثنا عن محن عسيرة عاشها مفكرون وفقهاء بسبب هذه المسائل(محنة ابن حنبل، محنة ابن تيمية، محنة ابن رشد..)، من المؤكد أن هناك مسائل متفق عليها خصوصا في عمومها، ولكن، هناك أمورا أخرى محل خلافات وتأويلات متعددة، خاصة حين يتعلق الأمر بتفصيلات جزيئة، ولا أحد بإمكانه الحكم على هذه التأويلات بالصحة أو الخطأ، فالنصوص “حمالة أوجه”، كما أن السياقات التاريخية تلعب دورا مهما في بناء التصورات والأحكام، لذلك فالفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان. وإذا كان اختلاف العلماء رحمة كما يقال، فإن المشكلة تطرح على مستوى العوام، حينما تؤمن جماعة معينة بقطعية فتوى أو نص شارح أو قضية معينة، فإنها ترفض ما عداها، وتعتبره بدعة وضلالة وكل ضلالة في النار، ومن ثم تصبح مستعدة لفعل أي شيء تجاه المخالف لها بما في ذلك هدر دمه !!، والسبب هو إلغاء فكرة التاريخية أولا، ثم احتجاب النص الأول بالنص الشارح بالنسبة لهذه الفرقة أو الجماعة، كاعتبار بعض الجماعات المتطرفة المعارضة لنظام معين أن كل من يشتغل مع الدولة أو مع ذلك النظام “طاغوتا”، أو دعوة بعض الجماعات منذ سنوات –بناء على فتاوى لفقهاء عاشوا في القرون الوسطى ضمن ظروف ومعطيات معينة- إلى تحريم الاشتغال ببعض العلوم (الكيمياء مثلا) أو تحريم الأكل بالملاعق، ليصل الأمر إلى تحريم ركوب السيارات ومشاهدة التلفزيون !!

النصوص في التاريخ شبيهة بالكائنات الحية من حيث الصراع والتنافس من أجل البقاء والسيطرة، وهذا يتم عبر الحوار والمحاجة، فــــ”هناك دائما محكمة تفصل في الأمر بإصدارها أحكاما لصالح هذا أو ذاك، والمشهد التاريخي للفكر يبين أن الواقع العلمي أو السياسي أو الإنساني على وجه العموم هو هذه المحكمة، وبعد صدور الحكم الفصل يتقدم النص الفائز ليبسط سلطته على المشهد، محاولا إقصاء غيره من النصوص”[5].

لذلك ينبغي أن نميز جيدا بين النص الأول المؤسس وهو في حالة الإسلام: القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والنص الثاني، أي النص الشارح القارئ الذي أنتجه البشر وفق اجتهاداتهم وقدراتهم ومعطيات لحظتهم التاريخية، وهذا الأخير هو المعني بالنقد، يقول بوقاف في هذا السياق:” عندما نتحدث عن الإسلام لا نتطرق إلى النصوص التي أخبرت عنه وأسسته، بل نعني الخطاب الديني الذي أنتجه البشر )النص الشارح(  وهو قراءة، تأويل للنص المرجع، وهنا تتدخل المواقع التاريخية لأصحاب القراءة”[6]، وكثيرا ما يتم تجاهل مسألة التاريخية أثناء الحديث عن قضايا تاريخية، أي مؤطرة في الزمان والمكان وخاضعة للمعطيات الواقعية التي رافقت ظهورها، مثال ذلك حينما يتم الحجاج والاستدلال على بعض القضايا الراهنة باستعمال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فإن ذلك يتم وفق طريقة ذات اتجاهين متعاكسين؛ الوراء والأمام، فبالرجوع إلى الوراء يحرك الخطاب الديني دلالة النص المؤسس طالبا التبرير والسند، وبالذهاب إلى الأمام يحرك النص تحريكا عنيفا فيهاجم وينتقد ويتحامل ويكفر..الخ، وهذه العملية التي يمكن وصفها بالتعامل البراغماتي مع النص فيها تعسف مزدوج؛ تعسف في طلب الحجة وتعسف في الحكم على الواقعة، لأن العملية ليست أكثر من اجتهاد شخصي، بمعنى أنها ممكن  فقط ضمن ممكنات كثيرة، غير أنها تقدم وكأنها ضرورة وتفيد اليقين، وبالتالي تتمتع بسلطة فرض نفسها وحجب غيرها من النصوص، وهناك أمثلة كثيرة على هذه الممارسة التي تلغي التاريخية وتؤبد معنى النص ضمن ممكن واحد.

من القضايا التي يظهر فيها بوضوح اشتغال آلية حجب النص الأول قضية ميراث البنات، ومعروف في الكثير من المناطق في الجزائر إلى الوقت الراهن – بعض القبائل بمنطقة الأوراس شرق الجزائر مثلا- أن البنات يحرمن من الميراث في معارضة صريحة للنص المؤسس، ويتم ذلك بمباركة المؤسسة الدينية، فالوثيقة التي تسمى “الحبس” والتي يتم الاتفاق عليها من قبل أعيان القبائل أو الأعراش-وفيهم الفقهاء وحفظة القرآن- في اجتماعات كانت تعقد في الزوايا والمساجد، يعلم الجميع بتعارض مضمونها مع النص المؤسس لكنهم لا يعترضون على مضمونها، طبعا، تحت ضغط التقاليد والأعراف القبلية المتوارثة، والتي كانت تبرر حرمان البنات من الميراث بأمن القبيلة وعدم فسح المجال للأجنبي (زوج البنت أو ابنها) أن يمتلك أرضا أو عقارا وسط أبنائها، مقابل هذا الحرمان تنص “الحبوس” على حق البنات في الرعاية والحماية على إخوانهن في حال لم يتزوجن أو تطلقن أو ترملن، ومن جهتهن –البنات- يتقبلن هذا الأمر بلا تفكير أو مناقشة، فهذه القضايا تدخل ضمن الممنوع التفكير فيه، وأنى للمرأة أن تناقش مثل هذه القضايا في مجتمع أبوي محافظ كمجتمعنا، إذ يندر أن تجد بنتا تطالب بحقها من تركة والدها عبر المحاكم، وذلك يعتبر خرقا للمحرمات و”إثما مبينا”، قد يترتب عنه قطع صلتها تماما مع أخوتها الذكور في حال أقدمت على هذا “الفعل الشنيع ” وطالبت بحقها الذي نص عليه القرآن الكريم بكل وضوح.

تروي والدتي عن والدها رحمهما الله، وكان معلما وحافظا لكتاب الله، في حادثة معبرة بوضوح عن هذا الموضوع، أنه عاد للبيت في يوم من الأيام متأخرا، وكان قد حضر اجتماع أعيان العرش لتجديد وثيقة “الحبس”(الحادثة في العقد الخامس من القرن العشرين)، فسألته: أين ذهبت يا أبي؟ فأجابها قائلا: “ذهبنا لذبحكن“، كم هي عميقة ومؤلمة هذه الإجابة رغم اقتصارها على كلمتين، فهي تلخص بدقة مختلف تعقيدات الموضوع وبعديه النفسي-الذاتي والاجتماعي-الموضوعي، العبارة تعلن وتفضح رفضه لهذا الإجراء في أعماقه انطلاقا من معرفته بحكم النص الأول، وانطلاقا من شعور الأبوة الذي ينتاب الإنسان تجاه أولاده ذكورا كانوا أو إناثا، كما تكشف شعور الوالد بالذنب تجاه بناته لدرجة أنه وصف العملية التي شارك فيها كمن يذبح بناته، وأي فعل أشنع من هذا؟ ولكنه في الوقت نفسه كان ملتزما اجتماعيا وغير قادر على خرق التقليد السائد والخروج على تعاليم القبيلة أو العرش، لأن ذلك ستكون له تبعات غير ملائمة تماما، كلعنة الحرمان والإخراج من القبيلة، ومن ثم فهو –وغيره- لا يملك إلا أن يشارك في فعل مناقض تماما لمشاعره ومعرفته، بتبني نص بشري “براغماتي” يحجب النص المؤسس ويلغيه.

يمكننا فهم هذه الوضعية بالعودة إلى موقف محمد أركون من التراث الذي فصلنا فيه ضمن دراسة سابقة[7]، وهو موقف مستمد من دراسات قام بها الأنثروبولوجي الفرنسي المعاصر جورج بالانديه Georges Balandier (1920-2016) في بعض الدول الإفريقية، وخلص من خلالها إلى أن التراث مكون من طبقات شبيهة بالطبقات الجيولوجية للأرض؛ فهناك الطبقة الأصلية وهي العادات والتقاليد السابقة على وجود الإسلام في هذه المناطق، ثم تأتي طبقة التراث الإسلامي، وأخيرا الطبقة الأكثر حداثة والتي تشكلت منذ التدخل الاستعماري في هذه المناطق، هذه الطبقات ليس ثابتة إنما هي متفاعلة ومتبادلة التأثير والتنافس، مشكلة مزيجا شديد التعقيد، وفي حالة موضوعنا، أقصد حرمان المرأة من الميراث، فإن الأمر يتعلق باستدعاء طبقة التراث السابقة على الإسلام وتطبيق تعاليمها، ومعلوم أن الكثير من القبائل الإفريقية المسلمة لا تزال تحرم المرأة من الميراث أو تعطيها حصة أقل بكثير من الحصة التي نصت عليها التشريع الإسلامي، يقول أحد الباحثين:” فالمجتمعات القبلية تتجه إذن، تحت تأثير الإسلام، إلى الاعتراف للنساء بحق في الميراث، ولكن ينبغي ألا نتصور أن هذا الأمر يتحقق في سهولة ويسر، فكل الشواهد تدل على أن الاعتراف للمرأة بالحق في الميراث يلقى مقاومة عنيدة، فهناك مجتمعات اعتنقت الإسلام ولا زالت، مع ذلك، تنكر عليها كل حق في هذا المجال..”[8].

لا تقتصر عملية حجب النص الأول على الحقل الديني فقط، بل يمكننا الحديث عن الكثير من الحالات التي يتم فيها حجب النص الأول-المرجع-المؤسس، ففي الخطاب السياسي مثلا نلاحظ أن الكثير من دساتير الدول العربية والإسلامية تنص على أن الإسلام دين الدولة، مع أن مواد هذه الدساتير ليست كلها مستمدة من النصوص التأسيسية، بل قد تتعارض بعض هذه المواد مع النصوص التأسيسية للدين الإسلامي، والكثير من المؤسسات الموجودة في الدولة لم ينص عليها الإسلام لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية، وهي المسألة التي أثارها في بدايات القرن العشرين علي عبد الرازق في كتابه الشهير “الإسلام وأصول الحكم”، وأثارت جدلا كبيرا في تلك الفترة، في نفس الخط يسير عبد الرحمن بوقاف إذ يرى أن: “إقامة الدول والأشكال التي تتخذها تكون من صنع البشر، وهي تخضع في ذلك للأنماط التاريخية المحددة بوعي الإنسان”[9]. يمكننا أيضا الحديث عن عملية حجب النص في الحقل الثقافي أو الرياضي أو غير ذلك.

من المؤكد أن وجود النصوص الثواني أو الشارحة ضروري ومهم، غير أن هذه النصوص وبسبب نسيان أو إلغاء تاريخيتها قد تقوم بحجب النص المؤسس أو بتأبيد معناه في ممكن واحد، أو حتى تجاوزه وربما التلاعب به–كما رأينا في مسألة الميراث- وهذا ما كان سببا –ضمن أسباب أخرى- لنشأة التطرف والاستبداد بالرأي الذي أدى إلى إطلاق أحكام الردة والتكفير (قضية نصر حامد أبو زيد مثلا) وشرعنة العنف والاقتتال في كثير من المناطق والأزمنة، مما حرم المجتمعات الإسلامية الاستفادة من رحابة المعنى واللين واليسر المبثوث في النصوص المؤسسة.

وفي ظل المنجز الفلسفي المعاصر أصبح استحضار المعطى التاريخي ضروري جدا للبحث في القضايا المرتبطة بالتاريخ، كما أن زمن التأويل اليقيني انقضى “وصار التأويل الصحيح اليوم هو موضع الشك غدا، وهذا يعني في نهاية المطاف أن كل التأويلات من دون استثناء منخرطة في تاريخ بشري هو تاريخ أصحابها وسواء عبرت عن وجهة نظر لاهوتية أو اجتماعية أو بيانية أو إصلاحية أو غيرها فهي تكشف عن جانب من حقيقة النص ولكنها لا تعبر عن النص في مجمله، بل تعبر عن الممكنات التأويلية التي يتيحها النص في سياق ومقام مخصوص، “[10] كما أن كل تأويل يعبر بصورة أو بأخرى عن مصالح سلطة معينة مستفيدة من هذا التأويل.

المراجع:

[1] محمد حمزة: إسلام المجددين، بيروت: دار الطليعة، ط1، 2007، ص 45.

[2] المرجع نفسه، 52.

[3] عبد الرحمن بوقاف: أفق المقدس، الخبر الأسبوعي، العدد 124، من 16 إلى 22 جويلية 2002، ص 14.

[4] المصدر نفسه، الصفحة نفسها

[5] عبد الرحمن بوقاف: آليات التكفير، الخبر الأسبوعي، العدد 126، من 30 جويلية إلى 05 أوت 2001، ص 14.

[6] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[7] فارح مسرحي: الحداثة في فكر محمد أركون، بيروت-الجزائر: الدار العربية للعلوم- منشورات الاختلاف، 2006، ص 90 -91.

[8]  ينظر: محمود سلام الزناتي: الإسلام والتقاليد القبلية في إفريقية، بيروت: دار النهضة العربية، ط1، 1969، ص 165.

[9] عبد الرحمن بوقاف: من الدعوة إلى التنظيم السياسي، الخبر الأسبوعي، العدد 129، من 20 إلى 26 أوت 2001، ص14.

[10] محمد حمزة: مرجع سابق، ص 62.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete