تكوين
“داخل كل ثقافة ما وفي لحظة بعينها، ليس ثمة سوى الإبستمية التي تحدد شروط إمكان أي معرفة، سواء كانت تلك المعرفة التي تتزي بزي النظرية، أو تلك التي تدعم من خلف وبصورة ضمنية ممارسة ما” ميشيل فوكو([1]).
مقدمة
تنطلقُ مجموعة المقالات المُقدمة تحت عنوان “المفاهيم المؤسسة للعقل العربي المعاصر” من رؤية للعقل بوصفه مجموعةً من المفاهيم التي كَوَّنت بِناءه وطريقة تعاطيه وإدارة شأنه الدنيوي. وتعمل مجموعة المقالات لتحديد المفاهيم المؤسسة للعقل العربي المعاصر، زاعمةً أنها تُسهم في بناء رؤية بشأن العقل العربي المعاصر، ومن ثم رؤية بخصوص إدارة شأنه الدنيوي وممكنات المستقبل التي يُمكن أن يُفضي إليها هذا العقل بالمفاهيم المُكونة له والتي تنعكس على واقعه المأزوم والمُهْزم حضاريًا.
يرتكن تحديد هذه المفاهيم في الزاوية الأولى إلى قدرة الثقافة على تمرير نفسها داخل القوالب الجديدة التي تُطرح عليها وتتسلل داخلها، إن لم تُعِدْ صياغة نفسها في هذه القوالب من جديد، ومهارة التخفي والاتحاد مع المُقدس لتضمن لنفسها البقاء والتأبيد، وتضمن الدفاع عنها الذي يأخذ بُعدًا عقائديًا يضمن لها القدسية وعدم المساس.
وفي الزاوية الثانية إلى المؤثرات الخارجية في بناء هذا الجهاز المفاهيمي الذي يغلب عليه الطابع السلفي/الوهابي الدفاعي المتمحور حول الذات، نتيجةً للتاريخ الاستعماري والاستغلال السياسي للتفوق المعرفي والحضاري لفرض النظم السياسية هيمنتها على العالم من طريقه.
وبصمة التيار السلفي/الوهابي في المفاهيم المُؤسسة للعقل العربي المعاصر التي لها الحضور الأقوى، لأنها جاءت بنزوع ودعوى إعادة إحياء الذات الإسلامية القديمة ومقاومة الثقافات المختلفة، وأسست لهذا مجموعةً من المفاهيم الصارمة التي قدمتها بوصفها المفاهيم المكونة للضمير الإلهي من جانب، والمُعبرة عن الذات العربية الإسلامية من جانب آخر، وكلا الجانبين أسهما في انتشارها وبسط سيادتها من بُعد أنها دعوى عقائدية، وبُعد أنها مقاومةٌ للتفكك المُمنهج وحفاظًا على الهُوية.
ويأتي الجهاز المفاهيمي المُكون للعقل العربي المعاصر من مفهوم الهُوية النقية والمُهَدَّدَةِ، ويستدعي مفاهيم الماضي وإنجازاته ويستحضرها في الراهن، ويضعها في حالة تماهي مع الهُوية ومُحددًا لأدوات بناءه وتعامله الواقعي. وتأتي المفاهيم المؤسسة للعقل العربي المعاصر من أفق الانهزام والتهديد الحضاري الذي مَثله الاستعمار بقيمه الحداثية وتكنولوجيته العسكرية. وتحت ضغط المطالبة بالحضور النِدِّي، نجد عديدًا من المفاهيم بُنيت بنزوع مُقاوم، فتحت ضغط الواقع المُنهزم والمُلح على التجديد وتقديم الحداثة الأوروبية لنفسها في صورة أداة التقدم والتحضر وقاطرة التاريخ، وعدم إمكان إنتاج مفاهيم موازية للمفاهيم الحداثية التي تطرح نفسها بالقوة الواقعية، لجأ العقل العربي إلى استدعاء المفاهيم التراثية الجاهزة، ووضع هذه المفاهيم في حالة توحيد بين الهُوية والعقيدة، فأضحت المفاهيم التراثية تُستدعى بطريقة أداتية تَفتقد الحيوية والفاعلية، وتُعتمد بوصفها مُمثلًا للعقيدة وللهُوية وللاستقلالية.
ومن هذا الأفق المُهدد والبنية المفاهيمية ذات البُعد العقائدي والنضالي يأتي مفهوم النقد في العقل العربي المعاصر، ومن طبيعة العقلية السائدة التي ترى في كل مراجعة تهديدًا وفي كل اختلاف خيانة، ويتحول النقد من كونه سؤالًا معرفيًا مشروعًا إلى أداة للهجوم الشخصي أو الخصومة الأيديولوجية. ويتبلور النقد في العقل العربي بوصفه موقفًا عدائيًا لا بوصفه جهدًا معرفيًا، ومن ينتقد يُتهم سريعًا بأنه “يهدم الثوابت” أو “يتطاول على الرموز”، وكثيرًا ما تُقابل أطروحات النقد بالرفض أو حتى بالعنف الرمزي والمادي. ويخرج هذا المفهوم من حالة التمترس خلف المفاهيم التراثية وتوليها مشكلات الحاضر، ووضعها لتكون حائطَ صدٍّ أخيرٍ وجدارَ حمايةٍ للذات/النحن العربية، ومن ثم يأخذ النقد بعد التآمر والخروج عن العقيدة التي يضعها في حالة تماهٍ مع ما يستدعيه من مفاهيم، والنقد بما له من قدرة على خلخلة الهيمنة واختبار الثوابت؛ يُمثل تهديدًا واضحا في هذه الحالة، وذلك لهشاشة هذه الثوابت وعدم خروجها من العقل المعاصر ومن أزماته.
في مفهوم النقد
نشأت الحضارة الإنسانية مع خروج الإنسان عن المألوف من طبيعة الأشياء، وتحريكها من ثباتها الوظيفي، فأنتج من الحجارة أدواتًا يستعين بها على الحياة، ومن الأشجار أخشابًا يستخدمها في حياته اليومية استخدامًا مختلفًا. وكان النقد هو قوام الحضارة الإنسانية، إذ تُنقد الصورة القائمة التي تفرض نفسها لتكون بدهيةً وحيدةً ولا سبيل لغيرها، وهذا ما فعله الإنسان البدائي حين انتقد الثبات الوظيفي لطبيعة الأشياء ووظفها وفق احتياجاته. وجاء الفكر الإنساني بمختلف أفرعه ومجالاته قائمًا على النقد، فلم تأتِ نَقلة في التاريخ الإنساني -بخاصةً المعرفي- إلا وكانت من طريق نقد رؤية تسبقها، وتفرض نفسها بوصفها الحقيقة النهائية. ويخرج النقد عادة من الحاجة إلى التغيير وعدم ملائمة الأنساق القائمة لحاجة الإنسان، فيقوم الإنسان بالنقد عند التفكير في حاجاته ومحاولة ملائمة الوجود وفقها، ويبدأ في تحريك الأشياء والأفكار وإعادة ترتيبها وفق حاجته، لذا كان النقد في عديدٍ من الأحيان لصيقَ بناء ذاته والتعبير عنها، لما يُمثله من التعبير عن حاجته وإعادة ترتيب الأنساق وفق رؤيته.
ومع سيطرة الرؤية اللاهوتية في العصور الوسطى في أوروبا، ووضع الوجود والإنسان في خدمة الله، ووضع الكهنة نوابًا عن الله، ليصبح الإنسان والعالم في خدمة الكهنة ورؤيتهم، ويصبحون المرجعية في كل شيء، أخذ النقد بُعدًا جديدًا، فقد أصبح يُمثل نضالًا لنيل الإنسان حريته أو دخول الإنسان في المعادلة والتعبير عن ذاته، ومحاولة نقد الانساق والمرجعيات التي تحكمه: كالأخلاق والقانون والعرف… لتقديم أنساق توافق احتياجاته وتعبر عنه.
وظهر الشك الديكارتي على يد الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت René Descartes (1596 –1650)، من أفق سيطرة الرؤية اللاهوتية ومتأثرًا بالنزعة المنهجية التي جاء بها العصر، محاولًا بناء نسق فلسفي علمي على غرار اليقين الرياضي، وينطلق من الكوجيتو الديكارتي “أنا أفكر إذًا أنا موجود“[2]، ويضع الشك قوام التفكير وأساسه، ومقدمة المنهج وأساس البناء المعرفي الذي يُقدمه، مما يجعل تأويل الكوجيتو الديكارتي “أنا أشك إذن أنا موجود” ممكنًا، بل مرجحًا، ليعلن النقد بوصفه نمطَ الوجود الإنساني. ومع المنهج الديكارتي يُصبح النقد أساس البناء المعرفي، ويأخذ موضع إعلان الإنسان عن وجوده وإعمال عقله.
إقرأ أيضًا: مذهب الشك في الفكر الفلسفي القديم والحديث (خمسة نماذج)
ويُعد الفيلسوف الألماني (إيمانويل كانط Immanuel Kant ) (1724 – 1804) أهم من كتب في النقد، ويعتمده عديدٌ من الدارسين كونه فيلسوفَ النقد الرئيس ويُعرف بذلك، فهو صاحب ثلاثية النقد (نقد العقل الخالص، نقد العقل العملي، نقد ملكة الحكم) التي تُقدم الفلسفة في صورة النقد تقديمًا واضحًا وصريحًا. وجاء نقد كانط في نظرية ((الشيء في ذاته)) والسؤال عما إذا كانت الذات الإنسانية بإمكانها إدراك الشيء في ذاته؟ ويقدم الإجابة في كتابه ((نقد العقل الخالص)) موضحًا حمل الأشياء طبائع داخلية مختلفة عما يظهر منها، وإن كانت طبيعة الأشياء في ذاتها يُمكن أن تكون موضوعًا للتفكير، إلا أنه يُصر أننا لا نعرف عنها شيئًا محددا[3]، وليس بإمكان الذات الإنسانية إدراك الشيء في ذاته. وتبني الذات الإنسانية معرفتها بالأشياء من تركيب ظواهر الأشياء كما تبدو لها، ومن ثم فإن للذات الإنسانية دورًا في بناء الأفكار والتصورات عن الأشياء، فالمقولات والصور قد فُرضت على الطبيعة من طريق الذات الإنسانية، وما يُقدم ما هو إلا إسقاطٌ لما تحمله الذات على الأشياء[4].
وقد جاء النقد الكانطي في صورة رسم الحدود المعرفية، ليقدم نظرية للمعرفة يوضح فيها الانحياز الإنساني الذي يجعل المعرفة في حالة عدم استقرار، ومن ثم يضع النقد ضمن أعمدة البناء المعرفي. ومنذ أن قدم كانط نقده للعقل ومحاولة تحديد ما هو معرفة وما هو غير ذلك، من خارج الإطار اللاهوتي وبمقومات العقل الإنساني وأدواته، وأخذ العقل مكانته الأساسية من قدرته على النقد وفحص الواقع، وحضوره في التاريخ[5]. ففتح مشروع كانط النقدي الباب أمام حضور العقل ليكون مرجعية يُمكن من طريقها بناء المعرفة وتحديدها، وكان هدفه في ذلك تحليل المعرفة الموضوعية وإنقاذها من السيطرة اللاهوتية، وبنى فلسفته على أساس النقد وقدرة العقل عليه.
وجاء برادلي F. H.) (Bradley (1846 – 1924) يؤكد أن “لكل فرد منا عالم يُسميه ((العالم الحقيقي)) لا يكون خارج المكان والزمان“[6] ويبرز دور الذات البشرية في بناء الموضوع الذي يجعل الحديث عن الحقيقة في ذاتها أمرًا يجانب الصواب مجانبةً كبيرةً، فكل ما لدينا بعض الفهم للحقيقة، أو إن شئت الدقة الحقيقة، كما نُحب أن نَصيغها من زاوية رؤيتنا، وعليه يُعد رؤية المقترحات أو النظريات إما صحيحة تمامًا أو مطلقة، أمرًا غير مقبولٍ للعقل الإنساني، ويتضح هذا في تاريخ العلم بخاصة[7]. وبتوضيح برادلي ذاتية الرؤية وغياب الحقيقة المًطلقة، ونقد الرؤى التي تُقدم بوصفها حقيقة ونفي وجودها، يجعل النقد أحد أهم مكونات المعرفة ويؤكد ما طرحه كانط، إذ يُعد النقد هنا أداة توازن المعرفة وموضوعيتها، فهو بوصلتها وأداة تحجيم الذاتية في البناء المعرفي.
والنقد وفق هذا التقديم يُعد أداةً إنسانية يُوظفها الإنسان وفق احتياجه، ويكتشفها يومًا تلو الآخر، وما كان طرح ديكارت إلَّا إقرارًا بقيمة النقد المعرفية التي تطلبها هذه المرحلة التي كانت تسودها الرؤى الثابتة والنهائية، في مقابل الشك الدائم والرفض، ليطرح ديكارت الشك المنهجي الذي يُفضي إلى معارف اعتُمدت بعد نقدها. وتقديم كانط للنقد بوصفه أداةَ بناء المعرفة خرج من حاجة الإنسان إلى بناء نسق معرفي متناسق قادر على تقديم المعرفة (الإبستيمولوجيا) وما يحكم العقل بأنها كذلك، وحاجة العقل إلى الحضور في ساحة المرجعيات، في الوقت التي تسيطر فيه المرجعية اللاهوتية. وتوضيح ذاتية المعرفة الذي طرحه برادلي جعل النقد أداة تقويم المعرفة وإعادة توجيهها، ومن ثم أداة بنائها لتكون معرفة موضوعية.
والنقد بما له من سلطة رقابية يُعد مكونًا أساسيًا لبناء المعرفة، وفي حالة غياب النقد تُنفى المعرفة من إطار المنهجة، ومن كونها معرفة (إبستيمولوجيا)، وتُصبح تمنيًا أو مجموعة من الخواطر أو الرغبات المُصاغة في صورة علمية، أي شيئًا غير أن تكون معرفة ذات بناء متماسك وقادرًا على بناء الواقع. وذلك لما يُقدمه النقد للمعرفة من قوة، لأنه عادة ما يُعيدها إلى صوابها ويُبين ما تحمله من نقاط ضعف ونقاط قوة، لتُعيد بناء نفسها في صورة أكثر قابليةً وقوةً وتطورًا، كعادة البناء المعرفي التراكمي القائم على التراكم وقد الرؤى السابقة، ومن ثم فإن غيابه يجعل العملية المعرفية ذاتها مُفتقدة لطبيعتها ووظيفتها، لطبيعتها كونها عملية بنائية تسعى في الخروج من أفق المجهول إلى أفق المعلوم، والبحث عن كل ما هو مجهول ليكون معلومًا، وطبيعتها الوظيفة في دفع المجتمع نحو أفق أفضل ورؤية أشمل، وتحمله إلى ما يحتاجه من مقومات وأدوات وقيم وأفق وقوانين.
وتضمن السلطة الرقابية عادة سلامة النسق أو البناء، وضمان بناءه الوظيفي، وقديمًا كان النقد أداة أساسية لاختبار الحصون والقلاع، وذلك من خلال رجمها بالمجانيق، حتى يتبين مناطق الضعف فيها أو المناطق التي ضعفت مع الزمن. من هنا عُد النقد لصيقًا بطبيعة الأشياء والحفاظ على حياتها، لما يُقدمه لها من تجديد يجعلها قادرة على المضي قُدمًا مع صيرورة الحياة وتغيراتها. وتظهر قيمة النقد ووظيفته الحيوية في المجتمعات وتطور أنساقها (العائلة، العشيرة، القبيلة، الجماعة) وأطرها القيمية والمرجعية (الأخلاق، العرف، القانون)، فعادة ما تُعبر المجتمعات عن حاجاتها النابعة من صيرورة الحياة حولها في نقد الأنساق والأطر القائمة وتقديم أنساق وأطر بديلة.
وطبقًا للبناء السياسي الديمقراطي الليبرالي المُسيطر على الفكر الإنساني المُعاصر، يُعد النقد أداة لحفظ حق الشعب في المشاركة وإدارة الدولة، فالنقد يُمثل السلطة الرقابية التي ترسم الحدود للسلطة السياسية، وتعيدها إلى موضعها إذا تجاوزت إطارها، ويضمن النقد السياسي للمجتمع عدم الاستبداد السلطوي، أو وجود سلطة مُطلقة تهدد بنية المجتمع وحرية الأفراد. ويضمن كذلك النقد للمجتمع والأفراد مشروعية السؤال وعدم التخلي عن حاجاتهم وحيواتهم مقابل نُظم تُفرض عليهم لمصالح فئات محددة، أو رؤية محافظة توقف حركة الاجتماع الإنساني خوفًا على ما ورثته من قيم، وتفقد المجتمع حركته وديناميته، وربما حياته مقابل الحفاظ على النُظم التي تُعطيها قدسية أكبر من حاجة الإنسان وحياته، لا لشيء غير أنها قديمة وورثوها عن أجدادهم ويعدونها تمثيلًا لهُوتيهم.
النقد في السياق العربي
وفق رؤية الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucault (1926 – 1984) يخرج مفهوم النقد من الإبستمية العربية المعاصرة التي تحدد الأفق المعرفي وشروط إنتاج المعنى، وهي إبستمية مُهَدَّدَةٌ استعادت المفاهيم العقائدية القديمة، لتحتمي خلفها مما يهددها من تفوق الآخر الحضاري والمعرفي، وسياساته الامبريالية التي تنطلق من تفوقه الحضاري والمعرفي. فحالة التهديد الهُوياتي التي تعيشها الذات/النحن العربية المعاصر، تجعلها في حالة دفاع منحصرة في رد الفعل، وفي ظل حالة الدفاع تتمترس الذات خلف مفاهيم ورؤى سابقة تعطيها قُدسية ندية للتفوق الحضاري الذي يُهددها، وفي هذه الحالة يُعد النقد أداة تهديدٍ إضافية لما تقدمه من صورة غير واقعية لتاريخها ومفاهيمها.
ومن داخل البناء المفاهيمي الإبستيمي العربي المعاصر صاحب البنية الفقهية العقائدية، إذ تُفكر الذات/النحن العربية المعاصرة باستخدام العقل الفقهي وترى في ذاتها امتيازًا وجوديًا مبنيًا على العقيدة الدينية ذات الأساس الميتافزيقي، يأخذ النقد بعد المؤامرة، إذ يكون في هذه الحالة يُمثل نقدًا للعقيدة، والعقيدة عادة ما قَدَّمت نفسها في صورة متعالية على الفهم والنقد، ولا يُوجد فعل إنساني موجهٌ إليها سوى الإيمان والتصديق المُطلق، كونها جاءت من بعد ميتافزيقي وعقلٍ إلهي لا يسعُ الإنسان فهمه وتداركه، فضلًا عن أن العقيدة في حالة التهديد الهُوياتي التي تعيشها الذات/النحن العربية المعاصرة تُمثل الدرع الذي تحتمي خلفه، وأداة الحضور الندي لها أمام الآخر الغربي، وتأخذ عليه عادة عدم انتمائه العقائدي، وتعده انحرافًا قيميًا ودينيًا، وتعبر عنه في أن ما قدمه هي حضارة فاوستية باعت رُوحها للشيطان، خالية من أي بُعدٍ رُوحي.
ومن أفق التهديد الهُوياتي واستدعاء البنية الفقهية العقائدية والتمترس خلفها، يخرج النقد في شكل التآمر والخروج عن العقيدة الإسلامية، وأضحى مرفوضًا وغير مقبولٍ في المحيط العربي الإسلامي. وقوبلت الأعمال النقدية برفض قاطع من الشخصية العامة في المحيط العربي الإسلامي، حتى أصبح رفع الغُمَّةِ عن الأمة الإسلامية –في نظر العقل العربي الإسلامي- مرهونًا بِجَرْحِ راوٍ أو نَقْدِ روايةٍ[8]، مما يجعل أصحاب المشاريع مغامرون بمحيطهم الاجتماعي، وأحيانا بحريتهم، وهذا حدث مع فرج فودة في حادثة عيد ميلاد ابنه وقتله فيما بعد، فضلًا عما حدث مع الشيخ علي عبد الرازق وطه حسين ونصر حامد أبو زيد وغيرهم.
إقرأ أيضًا: حرب على النقد
ويتضح الأفق المفاهيمي للعقل العربي المعاصر وبنائه لمفهوم النقد في افتتاح فيلسوف النقد العربي صادق جلال العظم (1934-2016) لتقديم مؤلفه: ((النقد الذاتي بعد الهزيمة)) قائلًا: “أرجو أن يكون التفكير العربي الواعي قد وصل إلى مرحلة تجاوز فيها رؤية النقد بوصفه عملية تجريح أو تعداد للعيوب ومثالب ونقائص لا تنتهي فحسب. أي أن يكون قد حقق مستوى يعتبر على أساسه النقد أنه تحليل بغية تحديد مواطن الضعف وأسباب العجز والمؤثرات المؤدية إلى وجود العيوب والنقائص”[9]. وحاول العَظْمُ رد هزيمة حزيران 1967 إلى أسباب ذاتية وسعى في فهمها داخل هذا الإطار لتتمكن الذات/النحن العربية من فهم قصورها والسعي في تجاوزه. ولم يتلقَ العقل العربي طرحَ صادق جلال العظم أفضل مما تلقى به غيره، فإن لم يُكفر ويُقصى خارج الدائرة الإيمانية لتجرؤه على النقد، نُظر إليه نظرةَ المتآمر غيرُ الموالي للعقيدة.
ويفهم الموقف العربي من النقد في إطار التهديد الهُوياتي والعقائدي الذي جاءت به الحداثة في صورة التفوق والعنف الرمزي، والمدافع والاستعمار والعنف الصريح، وكانت أداة المقاومة التي عرفتها هي رفض الراهن وتمثيله للذات، ووضع الماضي ليكون تمثيلًا فعليًا للذات، أو إن شئنا الدقة تصورها الطوباوي عن الماضي. وأعطت إلى الماضي صورة عقائدية لتوحد بين التهديد الهُوياتي والعقائدي، ويُفرض الماضي في صورة العقيدة وأخذت نموذج الداعية ليعبر عن المناضل الساعي في حفظ الأمة والدين، وإعادة هيبة الذات/النحن العربية، وأضحت ضمنيًا تُطالب المجتمع العربي كافةً بأن يكون داعية للماضي الإسلامي، والعقيدة الإسلامية، حتى أنها تأخذ على المسيحيين العرب عدم تفانيهم في الدفاع عن صورة الماضي الإسلامي الخالي من أي عيوب أو انحيازاتٍ إنسانية، ومن ثم فمن يخرج عن دور الداعية للماضي الإسلامي يكون في دائرة الاتهام بالتقصير والعمالة، وعدم التمثيل الإسلامي وتُنزع عنه صفاته الإيمانية.
ومن الناحية الأخرى ينتمي النقد الموجه للذات العربية إلى خلفية حداثية؛ ينبني على الحداثة بوصفها معيارًا للتقدم وممثلًا للعقل الإنساني، فيأتي في صورة تتضمن اللوم أكثر من الفهم، تحاول فرض الحداثة على الواقع العربي، متغافلة عن كونها (أي الحداثة) تُمثل رافدًا لمرحلةٍ تاريخيةٍ واختمارٍ معرفيٍ عاشتهما المجتمعات الأوروبية، فجاءت الحداثة بوصفها أحد المنجزات الاجتماعية من داخل بنية الاجتماع على العكس من الدول العربية، ولعل هذا ما دفع ناصيف نصار إلى القول بأن: “أهم ما يتضمنه إعادة البناء، بوصفه سمة عامة للنهضة العربية الثانية، هو تحرير لهذه النهضة من فكرة النموذج”[10].
وانطلاق النقد من الحداثة بوصفها معيارًا للتقدم وممثلًا للعقل يعطيه الصورة الامبريالية للحداثة، ويُورثه العداء المُضمر للحداثة لما تُمثله من تهديد هُوياتي وعقائدي، ويبرر الرؤية المتوجسة تجاهه، وفي الوقت نفسه يُفقد النقد طبيعته الوظيفية، إذ يُصبح أداةَ قيادة المجتمع إلى الحداثة، وليس نقدًا داخليًا نابعًا من حاجة الفرد والمجتمع، وتصبح وظيفته قيادة المجتمع إلى ما يُفرض عليه، وليس النظر إلى ما يحتاجه. والنقد يكتسب أهميته في التعبير عن حاجة الإنسان والمجتمع، إذ إنه يُعد أداة الاتزان التي باستخدامها يُعبر عن رغبات الفرد والمجتمع، وتُصاغ الأنساق والأفق الاجتماعية، وَفْقَ أهوائهم واحتياجاتهم. وعليه فإن النقد بهذا المعنى يُمكن أن يُسمى لومًا، تقريعًا، تجريحًا، أي شيء غير أن يكون نقدًا، بما له من سلطة رقابية وقدرة للتعبير عن حاجة الفرد والمجتمع.
نقد الآخر في الفكر العربي المعاصر
يأتي نقد صورة الآخر في الفكر العربي المعاصر من رؤيته للنقد بوصفه ذمًّا وتجريحًا وتقريعًا، ويُلحق كل ما يرفضه بالآخر، ويرسم صورة شيطانية له في بعض الأحيان، وصورة العاجز عن بناء ذاته وفي حاجة إلى الإرشاد في أحيان أخرى. ويخرج نقد الآخر في الفكر العربي المعاصر مما يتمخض عن غياب الثقة بالذات وما يتبعها من عدم الثقة بالآخر، الناجمين عن الانهزام السياسي والحضاري أمام التاريخ[11]، من الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة والذات المكتملة التي تُضفي على التاريخ والحضارة والآخر شرعية وجوده ومنجزاته، والتعالي بامتلاك القيم والحقيقة والذات المُكتملة وحراستهم[12]. ويحضر الآخر الغربي في المخيال العربي الإسلامي بوصفه عاجزًا عن بناء الذات المتناسقة – وفقًا لرؤيتهم للذات الإسلامية المُتخيلة- وهم حاملو أداة بناء هذه الذات، المتمثلة في النص الديني وما يحمله من قيم أخلاقية، والتراث الإسلامي الذي قُدم عن القرآن، ويُمثل طرحهم أيديولوجية من الأيديولوجيات الكبرى، كالماركسية… وغيرها، التي ترى في نفسها حق تنظيم حياة الجميع، بيد أن طرحهم يتمتع بالامتياز الميتافزيقي المتعالي على الأيديولوجيات الإنسانية، وما تحمله من اختلافات فردية، فهو طرح ميتافزيقي جاء من عقل إلهي.
وينطلق نقد الآخر في الفكر العربي المعاصر طبق ما يقول المفكر الجزائري محمد أركون من الاعتقاد بأن هناك “امتيازٌ أنطولوجي يزعمون أن الإسلام يمتلكه دون سائر الأديان أو الأنظمة المعرفية الأخرى”[13] يُؤطر فيه الصلاحية الفكرية والعلمية والسياسية والأخلاقية والتشريعية لكل المنجزات التاريخية التي يرضى عنها الإسلام[14]. وترى الذات/النحن العربية –كونها مالكةً للإسلام- حق إضفاء الشرعية على المنجزات الفكرية والعلمية والسياسية والأخلاقية والتاريخية… ويُمكننا القول بما أنها تتحدث باسم الذات الإلهية، فإن لها الحق لإضفاء الشرعية على كل المنجزات البشرية، أو سحبها منها، ومن ثم تكون هي الوصية على العالم بما يملكه من معارف وتاريخ وذوات.
وإذا كانت الذات/النحن العربية تملك الذات المكتملة، وأداة الإرشاد الدنيوية والأخروية كذلك وهي الوحي القرآني والتراث الإسلامي، فإنها بذلك لا تعرف منطق نقد الذات الساعي نحو ذاتٍ أكثر تكاملًا وتحققًا في الواقع، إذ إن الذات الموجودة تُعد ذاتًا مكتملة، في غير حاجة إلى نقدٍ أو تطوير، بل إن العالم هو الذي يحتاج إلى أن ينصاع لرؤيتها. وتجاه عدم حضورها الندي الحضاري والتاريخي والسياسي تلجأ الذات/النحن العربية بصورة غير مفهومة إلى لوم الآخر العاجز، على وضعها المنهزم، وذلك لحياكة المؤامرات تجاهها ووقوعها في نطاق المفعول به، وهو ما لا يتوافق مع ادعائها بامتلاك الذات المكتملة. ويخرج هذا البناء المتوتر وغير المفهوم من سياق الهُوية المهددة، التي تحاول الدفاع عن نفسها باستخدام أدواتٍ ومفاهيمَ تُعطيها صورة أداتية غير متوافقة فيما بينها أو متناسقة البناء، وتكون في صورة أقرب إلى الثوب المُرقع برقعٍ غير متناسقة يُغطي الجسد ولا يصمد أمام هَبَّةِ ريح.
ويُعد حضور الآخر في العقل العربي/الإسلامي المعاصر حضورًا ملتبسًا، قائمًا على بناء متناقض، ينتقد حاضر المسلمين وتخلفهم تجاه الحضارة –الذي أنتجها الآخر الغربي- وينتقد عقل الغرب وإنجازاته، ويراها لا تُمثل إلا إنجازات فارغةً وأفكارًا متهافتة وعقلًا ضالًا[15]. وعن المسؤولية تجاه الوضع الإسلامي، فالأمر متوتر وغير مفهوم أيضًا، فوفقًا للقوامة الدينية –كما يرى أركون– الذي يضعها الفكر الإسلامي في مقابل القوامة المعرفية والحضارية للغرب[16]، بل يجعلها أعلى منها (فإذا كان لديه علم، فإننا تملكنا أصل العلوم) والوصاية القيمية التي يعطيها إلى نفسه على العالم بوصفه مالك القيم (فإذا كان الغرب يرى أن المجتمعات العربية تعاني إفلاسًا فكريًا وعلميًّا، فإنه يرى أن العالم الغربي يُعاني إفلاسًا قيميًا، ويُمثل خطورة أكبر بطبيعة الحال)[17] وتكون له الوصاية القيمية على العالم. بيد أن هناك لوم يوجه للآخر الغربي بوصفه المسؤول عن الوضع العربي/الإسلامي المتأزم، وتتمثل كل مشكلات المجتمع في تآمر الأعداء على الإسلام، ومحاولاتهم الظفر به![18]
وفي الوقت عينه نجد أيضًا نزعة لوم طاغية على الخطاب العربي الإسلامي تجاه المجتمع الإسلامي وتقاعسه، ووقوع المسؤولية عن هذا الوضع المتردي على المسلمين وتخاذلهم، وظهر هذا منذ أن سَحبت النخبة صفة المسلمين من المجتمعات العربية فور الحضور الباهر للحداثة، والعجز عن الندية لها، ومن ثم سحبت صفة المسلمين من هذه المجتمعات غير المتحضرة، وغدت تطالبهم بالعودة إلى الإسلام، كل جماعة حسب ما تراه من إسلام. فاللوم لا يكون موجهًا نحو المجتمع العربي -المَعْنِي بالمسؤولية والمعالجة– وَحْدَهُ، بل يُوجه إلى الآخر أيضًا –إن كان بنزعة أشد- مطالبين إياه بتغيير موقفه، والكف عن حياكة المؤامرات والتربص للدين والمجتمع الإسلاميين.
نقد الذات
- النقد داخل البناء المعرفي
“من تمسك بالأصل خرج من عهدة المطالبة بالدليل”
إن ما يُميز أيَّ بناء معرفي عند العقل المعاصر هو القدرة على النقد، لما للنقد من قدرة على تحجيم العنصر الذاتي وخلخلة الهيمنة، بيد أن الوضع في البناء المعرفي في السياق العربي مختلفًا كثيرًا في هذا الأمر، لأنه يسعى عادة في هيمنة المنظومة التراثية والتفكير من طريقها، ووضعها مرجعيةً أساسية للفكر. ويأتي البناء المعرفي للعقل العربي المعاصر وفق ما يحدده مفكر النقد العربي محمد عابد الجابري (1935-2010) “انطلاقًا من أصل وينتهي إليه وبتوجيه منه، الأصل الذي يحمل معه سلطة السلف إما في لفظه أو في معناه“[19]. والعقل العربي المُعاصر يسعى في الهيمنة، منطلقًا من حالة التهديد التي يعيشها، ويعمل لجمع الأدوات التي يعمل باستخدامها لمواجهة هذا التهديد، ومن مُجمل هذه الأدوات تتلخص في الخطاب القرآني[20]، والتراث الذي بُني عليه[21]، ويَعتمد تصورًا للخطاب القرآني والتراث بوصفهما يحملان المعرفة والإجابة عن كل سؤال، ما كان وما يكون وما سيكون، ومن ثم فهما الأصل الذي يجب أن ينطلقوا منه، والأصل الذي يوجههم، والأصل الذي ينتهوا إليه.
إقرأ أيضًا: النقد الذاتي للإسلام السياسي: الجزء الأول متى يدخل الإسلاميون في الإسلام؟
وإذا كان البناء المعرفي يرى أن مُجمل المعارف صيغت في الماضي، وأن الخطاب القرآني والاجتهادات التي تمت عنه تملك الإجابات النهائية عن جميع التساؤلات، يغيب المجهول الذي يستوجب النقد ليكون معلومًا، فكل شيء معلومًا في الماضي، وقَدَّمَهُ السابقون، وما علينا إلا معرفته وتقديمه، ومن ثم يأتي البناء المعرفي العربي المعاصر منحصرًا في اجترار ما قدمه السابقون من جانب، ومن جانبٍ آخر أن يُثبت صلاحية هذه المعارف للعقل المعاصر، وأن القرآن يُجيب عن كل التساؤلات، ويستنطقه بالمنجزات الغربية. ويُولي العقل العربي المعاصر الخطاب القرآني أزماته ومشكلاته ويُطالبه بالحلول، ويضع نفسه في حالة تماهٍ مع الخطاب القرآني ويتنطع عليه ويستنطقه بما يُنتجه العقل المعاصر من المعارف، وينسب الفضل إلى نفسه بوصفه مالك القرآن، ويسحب مشروعية هذا المنجز وأصوليته لينسبه إلى القرآن ثم يسطو على القرآن ويُعدُ نفسه مالكه، وينسبُ فضل هذه المعارف إلى نفسه بصورة تلفيقية مُهَدَّدَة.
ومن داخل البناء المعرفي في العقل العربي المعاصر، تُعد المعرفة جاهزة وفي حاجة إلى الحفظ والاطلاع فقط، وليست سعيًا نحو معرفة المجهول، إذ لا مجهول بالأساس، فالنص القرآني جاء بكل المعارف، وأكملها السابقون، لذا تتضمن الأيديولوجيا المطروحة (العودة إلى الدين، الحاوي لكل المعارف سابقًا) التي كثيرًا ما تَعني حمل الراية الإرشادية ذات الطابع النبوي، حاملة العصمة والمعرفة الشاملة، ومن ثم تنبني صورة المعلم العارف بكل العلوم والمعصوم عن الخطأ. وعليه يأخذ النقد في البناء المعرفي العربي المعاصر صورة معول هدم الثوابت والهُوية والعقيدة، وذلك لحالة الخلط والتماهي (الناتجة عن الذهنية المُهددة) التي يُمارسها العقل العربي المعاصر، بين المعرفة والعقيدة والهوية.
- النقد داخل البناء السياسي
في مفهوم الخلافة أوضحنا أن العقل المعاصر ما يزال يعمل بمنطق الخلافة، ولكن بصورة شكلانية للدولة الحديثة، فلا نجد نظامًا فعالًا للتعددية الحزبية في العقل السياسي العربي، وكذا أيضًا يُتماهى عادة بين النظم السياسية والدولة. وفي ظل غياب التعددية الحزبية لا تُفهم السلطة في صورة إدارة الدولة أو السلطة المحدودة (المُقننة)، وتأخذ الإدارة السياسية السلطة بكل مضامينها أو السلطة المُطلقة التي تجعل النقد في هذه الحالة يُمثل هدمًا للسلطة المتماهية مع الدولة، أي هدمًا للدولة. ويأخذ النقد في هذه الحالة صورة التآمر على الدولة وعدم الوطنية، إذ يُعد نقدًا -بما للنقد من تصورٍ سلبي في العقل العربي- للرؤية السلطة التي تُقدم نفسها في صورة الدولة.
والنقد كما يُقدم يُعد أداة خلخلة الهيمنة وسلامة البناء، وهو كذلك داخل البناء السياسي، فالنقد داخل البناء السياسي ضامن لحدود السلطة وفاعليتها في إدارة الدولة وتقديم الخدمات للمواطنين، وغيابه يعكس منطق الدولة، فيصبح الشعب في خدمة الحكومة، وتخرج السلطة عن وظيفتها ومضامينها، فالسلطة داخل البناء السياسي المعاصر تستمد شرعيتها مما تقدمه للمواطنين، ومن قبولهم لها ومن قدرتها على تقبل النقد. والشاهد أن النظم السياسية الكبرى تتباهى بما تعرفه من ديمقراطية تفتح الباب أمام النقد الذي يرسم لهم حدود السلطة، ويعيد توجيه البوصلة نحو غاية ومصلحة المواطن. وفي النظم السياسية العربية لا يختلف المنطق، ولكن يختلف التطبيق، إذ تتباهى السلطة عادة بوضعها مصلحة المواطن في قمة أولويتها، وأنها موجودة من طريق الشرعية التي يُعطيها المواطن لها، ولا تنتبه إلى أنها تُحدد مصلحة المواطن وفق رؤيتها هي وفقط، دون أن تكون هناك مساحة لتعدد الرؤى الذي يُترجم في الصورة السياسية من طريق التعددية الحزبية.
وغياب النقد داخل البناء السياسي ليس من شأن السلطة السياسية بقدر ما هو مسؤولية العقل العربي المعاصر، ورؤيته للنقد الذي يُفرغه من مضامينه المعرفية، النقد حين يُفرَّغ من محتواه المعرفي، ويُفهم بوصفه تهجمًا شخصيًا، فإنه يفقد وظيفته في زعزعة البنى المتصلبة، ويُحوَّل إلى وسيلة لتصفية الحسابات أو تثبيت السائد. ويتضح هذا من وجود عناصر النقد السياسي التي تأخذ الدين بوصفه أداةَ نقد تُنتقد بها السلطة السياسية وممارساتها، وتوظف جميع الأحداث، لتشيطن صورة السلطة السياسية وتطمح في أن تكون البديل لهذه السلطة، وتسعى في تصفية حساباتها من باب النقد. والنقد هنا لا يخرج عن الصورة المعهودة داخل العقل العربي المعاصر، بوصفه ذمَّا أو تجريحًا فقط، لا يكون نقدًا ممنهجًا يحترم مساحة النقد وكيفية، إذ يكون النقد من داخل البنية السياسية وعلى أساس واقعي، دون أن يكون نقدًا من البنية الدينية، الذي عادة ما يُكفر السلطة السياسية القائمة ولا يسعى في تطور الرؤية السياسية العامة. وهذا المنطق للنقد السياسي يجعل الإسلام السياسي عادة هو البديل للنظم السياسية القائمة، ولا تجد تجربة سياسية حقيقية فعالة تفهم دور السلطة وكيفية بنائها.
-
النقد في التراث العربي الإسلامي
في التراث الإسلامي نجد جماعات مارست النقد في صورة غير موجودة في الواقع المعاصر الذي يُعد أكثر تطورًا وتقدمًا، فقد طرح علم الكلام النقاش بشأن الذات الإلهية وكيفية رؤيتها، وعن القرآن وما إذا كان مخلوقًا أم لا، كل هذه التساؤلات التي تُمثل مجموعة من المحاذير اليوم كانت تُطرح على الفكر الإسلامي وتُداول في ساحته، وقد مثلت المعتزلة أول حركة تنويرية في التاريخ الإسلامي، فطرحت كثيرًا من القضايا للنقاش وقالت بخلق القرآن عملا بحرية الإنسان، وسعت في تكريس مسؤولية الإنسان عن أفعاله وحضوره في معادلة الوجود والمعادلة اللاهوتية، إلى حد أن سأل أحد رواد الفكر الاعتزالي وهو إبراهيم النظام “هل يستطيع الله أن يظلم”، وأجاب: أن الله لا يقدر على الظلم لأنه ألزم نفسه بالعدل، إذ وصف نفسه بذلك. وكانت تقف الأشعرية مع المعتزلة على النقيض، وتجعل الأفعال كلها خلق لله، وأن الله يفعل ما يشاء، وكل ما يفعله عدل، لأنه تصرف في ملكه.
ورغم النقاش المحتدم بين المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من المدارس الكلامية الذي أفضى إلى التكفير في عديدٍ من الأحيان، إلا أن النقاش كان موجودًا ولا تستطيع فرقة إلغاء الأخرى، مهما اتهمتها بالكفر، على خلاف الوضع المعاصر الذي لا يسمح بوجود مساحة من النقد، والنقاش الفكري. وتاريخيًا فإن انتصار الأشاعرة لم يخرج بتلقائية من بنية المجتمع أو من البنية المعرفية، ولكنه جاء بآليات الفرض السياسي، إذ حكم الخليفة المتوكل بتحريم الفكر الاعتزالي، وتبني الفكر الأشعري، ومنذ ذلك الحين وظهور الفكر النقدي أو تبنيه له تبعات اجتماعية، تجعله بمنزلة محاولة انتحار اجتماعي، أو المخاطرة بحمل عارِ النقد داخل المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه.
والنصوص التراثية توضح درجة حضور النقد وعمله في بناء العقل الإسلامي حينها، بل يُمكن القول إن النقد كان أساس البناء المعرفي حينها، الذي يظهر لنا في هذه النصوص التراثية، وربما يعود ذلك لفتح الباب على الممكن وعلى التجربة، وعدم تقديس منظومة مُحددة، بل إنه كان مهتمًا بإنتاج تجربة تختلف عن تجربة الجاهلية. بيد أن الواقع العربي المعاصر يُقدم المنظومة التراثية لتكون منظومةً تُعبر عن ذاته المُفتقدة التي يجب أن يعود إليها، ومن ثم فإنه مُقيدٌ بتجربة يضعها بوصفها ممثلةً لذاته المُهددة، ويوليها مشكلاته وأزماته. والنقد هنا يُمثل عدم صلاحية هذه المنظومة وقابلية التخلي عنها والانفتاح على الممكن، وهو ما يُمثل بالنسبة له تهديدًا هُوياتيًا صريحًا، خاصة أن له تاريخ مع محاولة فرض النظم الفكرية عليه، والاستعمار المكاني والفكري، ومن ثم يرى في التراث الذات الكاملة ونهاية الممكن، وما يجب أن يكون وما يُعبر عن استقلاليته، في ظل هيمنة النظم الفكرية المعاصرة، وعجزه عن إنتاج نظم بديلة.
خاتمة
يُعدُّ النقد أحد أهم آليات الوعي والتقدم في المجتمعات، إذ يُمثل عملية مراجعة وتفكيك ونقاش تُسهم في إعادة النظر في المسلمات وتوسيع آفاق التفكير. غير أن العقل العربي المعاصر –في كثيرٍ من تجلياته الثقافية والفكرية والاجتماعية– ما يزال يعاني فهمًا مشوّهًا لمفهوم النقد، إذ يُقدَّم غالبًا في صورة ذمٍّ وتجريحٍ واتهامٍ، لا بوصفه فعلًا معرفيًا ضروريًا لنمو الوعي وتحرير الفكر. والنقد في جوهره، ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة حضارية، فالمجتمعات لا تتقدم إلا حين تُراجع نفسها وتفكك أنساقها المهيمنة، سواء كانت فكرية أو سياسية أو دينية أو ثقافية، والنقد هو الذي يكشف مناطق التكلس والتناقض، وهو ما يتيح إمكانات جديدة للفهم والحوار والتغيير.
وإذا كانت الذات تستعير مفاهيمها ورؤها ولا تبنيها من واقعها وأفقه، فإن النقد هنا يُمثل أداة هدم لها، إذ لا تصمد مفاهيمها وطروحها أما النقد، ولا تكون قادرة على إثبات صلابتها، لأنها غير ملاءمة لها. والذات العربية المعاصرة تستعير مفاهيمها من التراث الإسلامي، والبنية العقائدية لتكون ردًّا على حالة الهيمنة الحداثية المتضمنة التهديد للهُوياتي للذات العربية. وغياب النقد بمضامينه المعرفية وقدرته على تحديد ملامح الذات وقدرتها على بناء أنساقها، واختيار ما يلائمها، يُمثل ضمنيًا غيابَ الذاتية والانقياد لأي منظومة كانت. وتحرير النقد من اختزاله في الذمِّ والاتهام، هو شرط لتحرير العقل العربي ذاته، فالنقد، إن وُضع في موضعه، لا يَهدم، بل يُعيد البناء. لا يُهين، بل يُنير. ولا يُزعزع الثوابت إلا ليختبر مدى صلابتها، أو ليُعيد تكوينها على أسس معرفية أكثر رسوخًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمراجع:
[1] – فوكو(ميشيل)، الكلمات والأشياء، ترجمة مطاع صفيدي- سالم يفوت- بدر الدين عكرودي- جورج ابي صالح- كمال اسطفان، مركز الإنماء القومي، لبنان، 1989-1990، صـ 153.
[2] – ديكارت (رينه)، مقال عن المنهج لأحكام قيادة العقل وللبحث عن الحقيقة في العلوم، ت محمود محمد الخضيري، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2015، صـ 51 – 52.
[3] – كانط (إمانويل) نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الإنماء القومي، بيروت، ص 78، 197
[4] – انظر، زكريا إبراهيم، كانت أو الفلسفة النقدية، مكتبة مصر، القاهرة، صـ 78. انظر أيضا، إيمانويل كانط، نقد العقل المحض، ترجمة، موسى وهبة، مركز الإنماء القومي، بيروت، صـ 197 – 202.
[5] – إبراهيم الحيدري، النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة، دار الساقي، بيروت، ط1، 2-12، ص 93.
[6] – (Bradley) F. H, Essays on truth And Reality, Oxford at the Clarendon Press, 1962, pp, 208.
[7] – (Sayers) Sean, F. H. Bradley and the Concept of Relative Truth, University of Kent, pp, 4 – 6. An earlier version of this paper was given to a seminar on `The British Idealists at Oxford University in Hilary Term 1989. https://www.academia.edu/3035466/F_H_Bradley_and_the_Concept_of_Relative_Truth
[8] – علي مبروك، الأزهر وسؤال التجديد، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2016، صـ 29.
[9] – صادق جلال العظم، النقد الذاتي بعد الهزيمة، ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، بيروت، 2007، صـ29.
[10] – ناصيف نصار، باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل، ط2، دار الطليعة بيروت، 2013، صـ 26. في هذا الصدد راجع أيضا، أحمد برقاوي، في الفكر العربي الحديث والمعاصر، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2015، صـ 339.
[11] – حميد (حسن)، الذهنية العربية (الثوابت والمتغيرات مقاربة معرفية)، دار نينوي للنشر والتوزيع، سوريا، 2009، ص 137- 139. أيضًا، أحمد صلاح الملا، جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة (رشيد رضا ومجلة المنار)، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2013،ص ص 12-13. ، أحمد محمد سالم، صورة الآخر في الفكر العربي، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2016، ص 86
[12] – مبروك (علي)، مفهوم الشريعة (بين تسييس الإسلام وتحريره)، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط،2017، ص 145
[13] أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل (نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي)، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 1999، ص 95
[14] – السابق، الموضع نفسه.
[15] – زايد (أحمد صوت الإمام (الخطاب الديني من السياق إلى التلقي)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2019، ص 175- 176
[16] – أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ص 95
[17] – السابق، ص 176
[18] – ناشيد (سعيد)، الذرائع في خطاب الإسلام السياسي، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط، 2019 ص 48-49
[19] – محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط5، بيروت، 1996، ص564.
[20] – محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ت هشام صالح، ط6، دار الساقي، بيروت، 2016 صـ 13.
[21] – راجع، محمد أركون، الإسلاميات التطبيقية وأسئلة العقل الإسلامي، ترجمة عبد اللطيف فتح الدين، مؤمنون بلا حدود، الرباط، 2010، صـ 123.