تكوين
جاك بيرك. “في مدلول القبيلة بشمال إفريقيا “.
ع. الله العروي. من ديوان السياسة. |
من منطلق التاريخ للأحداث والوقائع القائمة على الحروب والمواجهات، يتنامى البحث عن الهُويات ذات المنحى الديني العقدي والعرقي. الاندماج والتوحد داخل المجموع يعني بداية السياسة، ففي سياق البحث عن الحرية والعدالة الاجتماعية يتبدى وجه الصراع هذا وملخصه نقاء الجماعة وصفاؤها، ونراه في تقابل وتضاد مع آخر يفتقر إلى حس الاعتراف والإيمان، والبديل الطبيعي عند الجماعة هنا هو عنف مُفَكَّرٍ فيه، ويستمد هذا العنف شرعيته من خصوصيات الذات والهُوية الجامعة تلك التي يطالها التقديس. في هذا السياق بالذات يمكن الحديث عن الجماعة الدينية، هي بهذا مهيأة- بفعل الصراع- إلى التوجه نحو قيمة عليا أو قداسة مستخلصة من ألوهة متعالية ناصرة للمظلومين والمستضعفين في الأرض. “رُوح الجمع- يقول السيد مرسيا إلياد- يتوجه إلى الأعلى ليثبت الاختلاف والتميز باعتباره قيمة”.[1]
لكن دعونا نُسائل هذه الهُوية المتعالية عن الزمن تلك التي يسميها الراحل الجابري “بالقبيلة السياسية“، وذلك عندما يطرح السؤال عن أسباب التعالي هذه، ليستنتج أنه مشروط بادعاء غياب العدالة الاجتماعية بدءًا، وبحثٌ متنامي عن الكرامة انتهاءً. هكذا يتحول الخيال كما تم فهمه وتأويله -أي الدولة الدينية العادلة- إلى رموز وعلامات تظهر في اتجاه إنتاج أنساق معرفية وسياسية مستمدة من الدين. هذه الأنساق قادرة على صناعة الوَحْدة من داخل الاختلاف ومن داخل المتغيرات التاريخية التي تبدو متنافرة، فكل سيرة السلف من منظور القداسة هذا تصبح نموذجًا متعاليًا عن الزمن خارج دائرة الحكم لا تنتظر غير التحيين كما يقول الراحل آركون[2]. والمقصود أن الرموزَ الدينية، بما هي شخصيات ووقائع وأحداث ومعارك… إلخ قد تَأَسْطَرَتْ وترسخت في الذاكرة ومعها يظهر التاريخ السياسي المفعم بالدين متآلفا ومتماسكًا لا نتوء فيه ولا توترات، التراث كله قيمة تتعالى على كل القيم.
في حدود هذا التفاعل القائم على الانتماء إلى مجموعة بشرية ما، تترسم الذاكرة وتتحدد الثقافة بوصفها هذا الكلَ المترابط الذي يؤسس الهُوية في تآلفها أولًا، وفي تعددها واختلافها ثانيًا. الانتماء باللغة والدين يؤسس “القبيلة السياسية” ويصنعها ولنسميه نحن تساكنًا موسومًا ببصمة العقيدة ورُوح الإيمان كما النسب (الشرف). ويتمدد هذا الوجدان بفعل الانتماء إلى التاريخ المجيد؛ تاريخ السلف الصالح كما يراه المثقف الموجه برؤية دينية وعقدية صرف.
للهُوية تجليات وامتدادات -كما قلنا في الزمن- تتحول في المجمل إلى طقوس وأعياد واحتفالات جماعية، هي بمعنى آخر قادرة على أن تظهر بمظهر القداسة. فالمارونيين في لبنان، كما الشيعة في العراق والجماعة الأحمدية في باكستان، لها ما يميزها أولًا؛ هي فكر وثقافة وتدين، كما ولها القدرة بوصفها جماعةً على صناعة تاريخها الخاص بما أنها تقدم نفسها بوصفها جماعةً مختلفة في المظهر والرؤية الدينية والسياسية. نقول بهذا إن:
- 1- مكونات الهُوية أولًا، هي الذاتُ التي أصبحت جماعية، القادرة على أن تنتصر (من النصرة) إذا تطلب الأمر الكفاح بغاية إثبات الحق في الوجود أو نشدان الحرية. ومثاله (جماعة النصرة بسوريا/ ج. العدل والإحسان بالمغرب/ والإخوان المسلمين بمصر).
- 2- من منظور القداسة هذا تُوظف الهُوية بما هي جزء من الذاكرة الجماعية، ومن النص المقدس تستمد تعريفها بوصفها جماعة وصية على حماية الدين ونصرته.
- 3- بعد هذا تشهر هذه الجماعة ذاتها بوصفها وَحْدة ثقافية ودينية مجاهدة، وفي هذه الحدود بالذات تبدأ السياسة عندها كما الأيديولوجيا بوصفها مشروعَ كفاح وجهاد.
تدخل هذه الهُوية في سياق صراع أيديولوجي وحضاري مع الآخر الخفي، بما هي مكون جامع تُرى في اللغة والعرق لتستحيل إلى عقيدة دين، والدين من خلالها وعبرها يصبح هو السياسةُ.
تقدم السلطة بما هي مؤسسةٌ سياسية ودينية في الآن نفسه ذاتها على تخوم التعدد والاختلاف في تعارض مع قداسة الجماعة الدينية هذا، ملخصه الوسطية وهو ما يعني عندها دينًا خالصًا غير مشوب بمبدأ العنف مؤداه الاعتدال و شعاره (خير الأمور أوسطها/ لا ضرر ولا ضرار) هذا الشعار له امتداد في النص المقدس والمتطابق مع منطوق الآية (وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا). البقرة. الآية: 143.
في هذه الحدود تتجلى عقيدة الدولة المغربية وتتمظهر، بما هي أشعرية العقيدة ومالكية المذهب، جنيدية الطريقة. الإسلام السني من هذا المنظور يقدم بوصفه قيمة حضارية كبرى لا يختلف في شيء عن معنى كونية الإسلام. كما يقدم هذا التعدد بوصفه بداهةً، فالهُوية هنا منفتحة على الماضي المجيد والسلف الصالح، والمقصود أنها هُوية أصيلةٌ ومتسامحة بما أنها تشمل الجميع وتتسع للكل.
اللاهوت السياسي المعاصر
بفعل التحولات الفكرية والسياسية والثقافية العامة التي انعكست على الوعي الجمعي العربي، بدا المثقف السلفي في عصر النهضة -بعد مرحلة الكولونيالية- مسكونًا بإشكال عدالة الدولة والسيادة، ومسألة حقوق الفرد داخل المجتمع، وإن كان هذا المثقف مسكونًا بالتراث السياسي والديني كما فهمه من سيرة السلف، كذا عند ع. ع. الرازق وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ففي جُهدهم المعرفي والنظري بحثًا عن الحلول تُخالف دولة القرآن كما رآها ونَظَّرَ لها كلٌ من المودودي وحسن البنا وسيد قطب.
طرح الفكر النهضوي مشروع المثاقفة، وهو في هذا مشدود إلى التراث والسلف وإن بخلفيات نظرية ومعرفية مختلفة تدفع في اتجاه هُوية تأصيلية سميها الهُوية الدينية إن شئت، وذلك باعتماد التعليم والتربية اعتماد الوسيلة للتصحيح والإصلاح، كما هو الحال عند محمد عبده، أو بالنظر إلى العدالة الغائبة وسببها الاستبداد كما فهم ذلك الكواكبي والتي يلزم تعويضها بالتشريعات والقوانين. كانت فكرة العدالة الاجتماعية عند العروبيين يومها موجهة بفكرة القومية والعروبة كما العَلمانية التي رفع شعارها الليبراليون بديلًا موضوعيًا لدولة ديمقراطية وعادلة. باختصار الهُوية والدولة كانتا وجهين لعملة واحدة.
لم يتطور اللاهوت السياسي العربي المهتم بشؤون الدولة في اتجاه الفصل بين الديني والأخلاقي، كما وقع مع اللاهوت الغربي الذي قام على حرية القول كما الاعتقاد والحق السياسي في إبداء الرأي وتأمين الاختلاف. فُهِمَ الفصل يومها -عند السلفيين قبل الجهاديين- على أنه إقصاء وتهميش لكلام الله وتعويضه بقوانين البشر، وقد نعت جمال الدين الأفغاني من يتمثل هذا التصور بالدهريين، ومع هذا أصبح مفهوم الدولة في العالم العربي بعيدًا عن دلالات التحديث ومقاصده، ورجع اللاهوت السياسي العربي في أسلوب حراك، هو في العمق حراك جماعات دينية مجاهدة مؤمنة بعودة الخلافة الراشدة. الحاصل أن المقدس بات يعني استحضار الهُوية الجماعية للفكر الديني الثاوي في اللا وعي الجمعي ملخصه إسلام شيعي وآخر سني، وأصبح العالم العربي بعد هذا حاضنة للطوائف والأقليات الدينية القابلة للتكون والظهور في هيئة حراك مسلح مثاله داعش والنصرة، وجماعات الجهاد الإسلامي وقد تأصلت في كل ربوع تراب الوطن العربي.
بعد المرحلة الكولونيالية طغى على الوعي الجمعي العربي معاني الدولة الأمة ودلالاتهما، وكان هذا الوعي الهُوياتي حاضرًا في كَوْنٍ مُتخيل، تظهر فيه دولة الخلافة ظهورَ الدولة عادلة ونموذجًا يحتذى ننتظر حدوثه. وهو ما كان يبدو غريبًا عن العالم التجريبي في الساحة السياسية يومها بما هي مجال لتجريب الأفكار والأيديولوجيات. فيظهر هذا الكون وكأنه الوحيد الحاضر في الوجدان الجمعي وقد تشخص في جماعات ذات هُوية دينية منفتحة كما لو كنا نتحدث عن جماعة الدعوة والتبليغ والإرشاد… إلخ، وأخرى حادة منغلقة كما نرى في نموذجَيْ داعش والنصرة الآن، إنه كون تنحصر فيه كينونة الفرد الممتدة في الماضي البعيد دون رغبة في فهمه، فضلًا عن تجاوزه، ما كان يعني الكل هو استرجاعه وحسب بوصفه ماضٍ مجيدٍ.
هذه المنعطفات التاريخية الكبرى القائمة على التحرر والمكافحة، وضعت الهُوية المغاربية والعربية على محك المساءلة مُلخصه الذات الحرة المستقلة المتميَّزة بالعرق (العروبة) والدين (الإسلام).
في الجهة الأخرى وضع الاحتلالُ الإسرائيلي مسألة الهُوية العربية في مأزق آخر رآهُ الراحل الجابري (1933م/ 2012م) مقدمة للحديث عن الهُوية المفعمة بدلالات القومية والمستخلصة من مبدأ العروبة.
تخضع الهُوية إذن لتدبير سياسي، هي في المحصلة استعمالات أيديولوجية تقوم على استحضار الذاكرة الفردية والجماعية ومع هذا تتحول هذه الذاكرة إلى طاقةٍ رمزية قادرةٍ على الظهور بمظهر سجالي، وقد سماها “أمين معلوف” عن حق بالهُويات القاتلة، فعلا تلك التي تُعلي من التفرد البالغ حد الاعتداد بالذات، هُوية صماء كما يقول الراحل إدوارد سعيد “لا تسمع خطابًا آخرَ مُخالفًا لها ففي الاختلاف ضياعها”[3]. “التوحش” الذي اعتمده ابن خلدون في وصفه لمجتمع ما قبل العمران، قل ما قبل المَدَنِيَّة والحضارة، هي الصفة الملازمة لهذه الهُوية.
لنسائل الآن الهُوية العربية عبر باراديغمات اخترنا لها مثقفين. آراؤهم تصور نظري وشهادة على الواقع والمعيش ففيها ما يفي بمعاني الهُوية وكيف اخترق المفهوم الوعي الجمعي العربي، يتعلق الأمر بكل من الراحل محمد عابد الجابري وأمين معلوف وإدوارد سعيد.
تفكيك الهُوية، تغليب لفكرة الديمقراطية ويسميه الجابري بالهُوية الجامعة
يتحدث الجابري عن يوطوبيا الوَحْدة العربية، وقد ظهرت هذه اليوطوبيا/الحلم موازية لفكرة الهُوية الجامعة تلك التي تعلي من شأن العروبة والقومية رغبة في الرجوع إلى الجماعة والأمة بوصفها بديلًا موضوعيًا لما فرضه الاستعمار يومها والاحتلال الإسرائيلي واستباحته للأراضي العربية بعد ذلك. يقول الجابري: “اليوم أصبحت فكرة المغرب العربي الموحد نوعًا من التوحيد مسألة ممكنة التحقق موضوعيًا، وسيحدث الشيء نفسه في المشرق بعد سنوات عندما تقوم الدولة الفلسطينية وتأخذ في “الشبع” من نفسها الشيء الذي قد لا يستغرق مرحلة طويلة نظرًا إلى طبيعة المنطقة”[4].
لنتأمل مصطلح “شِبَعْ” الذي يظهر مُثْقَلًا باليوطوبيا، ففيه حلم بالوَحْدة العربية الذي يجب أن يمتد من المحيط إلى الخليج، وهو الأمر الذي كان يغري المثقف العربي يومها فيسعى في الدفاع عنها في خطابه المعرفي، بل وفي خطبه السياسية. الشِبَعُ يفي بمعاني الرجوع إلى البيت، وعليه لا قيمة للدولة القطرية في هذا السياق التاريخي فمآلها الاندماج والانخراط في مشروع الوَحْدة، ما كان يطرحه القوميون العرب بالذات وفي ذلك السياق السياسي والثقافي العام هو هذه الهُوية الجامعة، التي وجدت سندها في مؤسسة سياسية بقيمة الجامعة العربية يومها، ولنسم نحن هذه الهُوية بالهُوية المكافحة، تلك التي تلغي الفروق والحدود العرقية والدينية ولا تُبقي إلا على أيديولوجيا واحدة ثابتة، هي الإيديولوجيا المناصِرة للوَحْدة العربية من المحيط إلى الخليج، كما أرادها ورآها الزعيم السياسي جمال عبد الناصر الوجه الآخر لكل الأمة العربية يومها وهي رؤيةٌ مُشبعة بأيديولوجيا القومية والعروبة.
“الشِبَعُ” عند الجابري في هذه الحالة كان هو توقف الهُوية/الذات الموجهة بالقطرية عن مجارات مثيلتها من الدول التي استحدثتها اتفاقية سايكس بيكو. فالأقطار العربية وَحْدة واحدة، وفلسطين القُطر والدولة أرادت أن تؤكد ذاتها من جهة عندما دخلت التاريخ المعاصر بتحديدها لهُوية مخالفة، كان يراها القومي يومها أنها هُوية معزولة، بما أن قيمة الفلسطيني لا تظهر إلا في تآلف مع الهُوية الجامعة. الشِبَعُ بهذا هو “شعور بالقصور الذاتي والعجز التاريخي”[5] كما كان يراه محمد عابد الجابري.
ما يفهمه الجابري -الفيلسوف والمؤرخ- هذه المرة هو الرصد الدقيق لهذه العاطفة الجامعة التي لا ترى نفسها إلا في الائتلاف والوَحْدة ضدًا عن التفكك والاحتلال، كان من الطبيعي أن تُخفي هذه الأدلوجة الخلاف الديني والعرقي، بل وأن تُلغيه، لأنه لا يحمل هم التصحيح والإصلاح. فلا مجال للحديث عن مسيحيي لبنان والأردن وسوريا، وأقباط مصر، والأمازيغ غير الناطقين بالعربية.
هكذا فـ “الدولة العربية -يقول الجابري- كبيرها وصغيرها غنيها وفقيرها لم تعد في حاجة إلى تأكيد الذات، فذلك ما حققته في العقود الأخيرة، وإنما هي تشعر شعورًا متزايدًا بالقصور الذاتي “أعني قصور الدولة القطرية وعجزها عن مواصلة وجودها وتحقيقه والحفاظ على استقلاليتها”[6].
النموذج عند الجابري هو المثقف المسيحي الديانة “ميشيل عفلق”[7] فقد تخلى هذا الأخير عن هُويته الدينية لصالح هُوية جامعة موجهة بالعروبة أولًا (العِرْقُ) والدين الإسلامي ثانيًا، والدفع بهذا الوجدان في اتجاه واحد هو القومية العربية.
ما كان واقعًا هو تحررُ الشعوب العربية من الاستعمار وقد أصبح غاية، غير أن هذا التحرر لم يتعد البدايات المتعثرة والمحدودة الأفق، فكان هذا هو الممكن والمتاح، أما اليوطوبي فيعود إلى أن المثقف رأى في هذا الأمر -الهُوية الجامعة- خروجًا من نسق سياسي موجه بالقهر والغلبة والاستعمار إلى نسق سياسي آخر مفعم بدلالات الحرية كما الوَحْدة العربية الحالمة المحملة بمعاني الوَحْدة، وهو رأي ضد المنظومة الكولونيالية بأكملها والحل كان هو دولة عربية من المحيط إلى الخليج. بعد هذا كله يؤكد الجابري أن هذه الهُوية الجامعة آلت إلى الزوال والذي انتصر في الواقع هو الدولة القطرية، بل بقي التجزيء والرغبة فيه سمة هذه الدول المستحدثة بفعل القوى الخارجية، حين كان المعسكر الشرقي يواجه المعسكر الغربي في سياق ما عُرِفَ يومها بـ “الحرب الباردة”. “إن الأيديولوجيا القومية هذه- يقول الجابري- قد انتهت مهمتها بقيام نقيضها الموضوعي الذي هو الدولةُ القطرية العربية بوصفها حقيقةً دولية وعربية اجتماعية واقتصادية ونفسية، لم يَعُدْ من الممكن القفز عليها حتى على صعيد الحلم، فصار كلُ تفكير في الوَحْدة العربية اليوم وعْدًا لا ينطلق من واقع الدولة القطرية الراهنة، هو تفكيرٌ ينتمي إلى مرحلة مضت وانتهت، تفكيرٌ لم تَعُدْ له إطلاقًا أية وظيفة ولا مُهمة”[8].
الهُوية الجامعة في تلك المرحلة كانت تصب في معاني العروبة والقومية، وقد رأت الذات العربية نفسها في ماضٍ يجد صداه في العروبة واللغة والدم العربي.
الهُوية تبديدًا لفكرة الخلاف وتدعيمًا لمبدأ التنوع -أمين معلوف-
هناك دائمًا ما يُفيد معنى التعصب للهُوية عند الذات كما الجماعة -وقد سبق تأكيده- مَرْجِعُ هذا الكلام في التحولات الفكرية والثقافية الكبرى التي عرفتها المجتمعات العربية الحديثة، والمقترنة بالهجرة، ويعني هذا أيضًا أن الذات أو الأنا العربية موجودة وحاضرة بتنويعاتها الهُوياتية في قلب القارة الأوروبية والأمريكية، هذه المرة فكرًا وثقافة ورؤية إقليمية موروثة في العرق والدين والجغرافيا.
قلنا مع الجابري أن الدولة القطرية أصبحت هي الواقعُ والمعاش لا محيد عنه. غير أن الهُوية المهاجرة هذه قد أعلنت عن نفسها وهي تصوغ مفاهيم كبرى جعلتها على محك المساءلة من مثل مفهوم التسامح كما التعايش. كما طرحت الهُوية معنى الدولة العادلة في سياق التجريب، تلك التي تكون غايتها تأمين الاختلاف والدفع به اتجاه الاعتراف بالآخر بوصفه قيمةً حضارية وثقافية مختلفة. “لا توجد ديانة خالية من التعصب -يقول أمين معلوف- لكنْ إذا قمنا بجرد لهاتين الديانتين “المتخاصمتين” (ويقصد بهذا الإسلام والمسيحية) لتبين لنا أن صورةَ الإسلام ليست بهذا السوء، لو كان أجدادي مسلمين في بلد فتحته الجيوش المسلمة، لا أظن أنهم استطاعوا الاستمرار في العيش لمدة أربعة عشر قرنا في مدنهم وقراهم محتفظين بعقيدتهم، ماذا حدث فعليًا لمسلمي إسبانيا وصقلية؟ لقد اختفوا حتى آخرهم، ذُبحوا هُجِّروا أو عُمدوا بالقوة”[9].
يسائل أمين معلوف إذن هذه الهُوية المتدينة ويضعها على محك التاريخ -الشهادة والوثيقة- ليفهم منها أنها مستمرة استمرار هُويةٍ دينية شريطة أن تكون مرنة تستوعب الآخر القَصِيَّ البعيد والغريب أيضًا، كي لا ننسى بما أن عقيدته مخالفة لعقيدتي. الدين بعد ذلك وبفعل التحولات السياسية الكبرى جعل من هُوية الفرد المسلم هُوية مغلقة مقاتلة (داعش/النصرة/دولة طالبان) قد لا ترى في الآخر غير ذات قَصِيَّةٍ وبعيدةٍ عن الطريق السوي المستقيم. في هذا الإحراج الذي يسجله أمين معلوف- وهو استمرار المسيحيين في الوجود لمدة أربعة عشرا قرنًا تحت لواء المسلمين، واختفاء المسلمين -كل المسلمين- من إسبانيا وصقلية أو تحويلهم عن ديانتهم “تعميدهم بالقوة”. فماذا حدث الآن حتى يسم المجتمع الغربي الآخر المسلم بالإرهابي!؟
يُصاغ هذا السؤال الموجه بالراهن في المجتمع الغربي كله، وهو سؤال يفرضه الحاضر المتسم بالتوتر والمواجهة والتشظي ومفاده: “لماذا يرهبوننا في ديارنا؟” الإسلام الحاضر في جغرافية الآخر لا يحمل إلا معاني العنف والقتل، فهل يعني هذا أنه مفرغ من قيمة التعايش والتسامح!؟
يرى أمين معلوف أن الإسلام منذ بداياته كانت له “هذه القدرة المميزَّة على التعايش مع الآخر، وفي نهاية القرن الماضي كان يوجد في إسطنبول عاصمة القوة الإسلامية الأساسية أغلبية غير مسلمة تتألف من اليونانيين والأرمن واليهود، هل يمكن أن تخيل في العصر ذاته أن يكون نصف سكان باريس أو لندن أو فيينا من غير المسيحيين والمسلمين واليهود، وحتى اليوم يتفاجأ عديدٌ من الأوروبيين لسماع المؤذن في مدنهم”[10].
لخص الآخر المحتل والكولونيالي كل الاجتهادات الفكرية والثقافية والسياسية عند العرب وجسدها في دراسات نعتت يومها بالدراسات الاستشراقية، تلك التي خصت الهُوية العربية بالدرس والتحليل والتمحيص أحيانا، ورأت فيها هُوية متعددة المشارب -قل هُوية عالمة- فهناك الفلسفة والعلوم والتصوف والفقه والتفسير والحديث والشعر والأدب… إلخ لكن الإشكال يعود إلى الصورة النمطية تلك التي صنعها الآخر عن العالم العربي وفهم بها هذه الهُوية. هذا التقيد بالذاكرة الجمعية للهُوية العربية أجاب عنه؛ بل ورد عليه باقتدار إدوارد سعيد في كتابه الموسوم بـ “الاستشراق”، فالعربي أو الشرقي عمومًا هُويته ملخصة في حُبِّهِ للمال والمتعة والجنس، كما الربح والدَعَة والانبساط، باختصار العربي هو الوجه الآخر للشبق المتستر خلف هُوية دينية أَلْغَت حسه النقدي والعقلي معا، هذه الهُوية هي الوجه الآخر لحكايات ألف ليلة وليلة. هكذا فالعجائبي والغرائبي كما السحر، هو خاصية الشرق وسمته وهذه مؤولات الذات العربية التي تضع الشرق كل الشرق في دائرة العاطفة والخيال في تقابل وتضاد هذه المرة مع هُوية ترى نفسها محصنة بالعقلانية. الهُوية التي تفرغ الآخر من حس التفكير تلغي في الآن نفسه التنوع والاختلاف، لصالح أنا سجالية تعلن فيه الذات المهيمنة عن مقاومة ما لا تراه متطابقا مع أناها هي بهذا تقوم على خلاف مؤداه العنف والمواجهة، أما الاختلاف الهُوياتي -كما يراه أمين معلوف- فهو محصور في النخبة المثقفة/الإنتليجينسيا- تلك التي ترى الاختلاف وقد أصبح فلسفةً يؤطر بالاعتراف بالآخر تأطير ذاتٍ حرة عاقلة لها ما يؤسس نسقها المعرفي المختلف. أما الخلافُ الهُوياتي فمرجعه في ثقافة الجمهور، ولنفهم أن الذي يتمدد في الواقع ليس الاختلاف بوصفه قيمة حضارية وثقافية، ما يَتَعَقلن أو يجرب بآلة العقل هو ذلك الخطاب الذي خضع لمنطق الجدل والمناظرة، في هذه الحدود تريد الهُوية أن تُظهر ذاتها وقد أصبحت قيمة مختلفة عن الكل. فيظهر المسلم في تقابل مع المسيحي، والأمازيغي في تقابل مع العربي، والإفريقي في تقابل مع الأوروبي والتركي في تقابل مع الألماني… وهكذا. الهُوية هنا مؤصلة بمبدأ الصراع منغلقة قاتلة، بل ومميتة.
هذا التعارض تُغذيه السياسة المحكومة بوازع المصلحة، فتعطيه صفة الوجود، هي بالضبط ما ينعته بورديو “بالحوارات المغلِّطة” تلك التي تدعي الإعلاء من شأن الحوار، غير أن غايته لا تتعدى إثبات الذات وانتزاع صفة الاعتراف من الآخر، بل وقد يحمل هذا الحوار مقاصد أخرى محملة بمعاني الازدراء والسخرية من الآخر البراني.
الهُوية القائمة على المثاقفة عند إدوارد سعيد
يطرح إدوارد سعيد مسألة الهُوية المثقفة والناقدة بديلًا لهُوية سجالية، تلك التي تدخل في خصام مع الآخر لتلغيه بعد ذلك، وهو في هذا يعتمد تصور غرامشي لمعنى المثقف العضوي الذي يكمن دوره في تصحيح الوعي قبل تثويره داخل المجتمع، المثقف بهذا يضطلع بالدفاع عن رأيه والترافع به ضدًا عن التغليط القائم على رسم صور وتمثلات وقد ترسخت في أذهان الأفراد والمجتمعات ذاك الذي صنعته الآلة الإعلامية التي أخضعت النفوس ووجهت الأهواء ويعني هذا تعطيل فاعلية العقل وتكييف المنطق والتشويش على نظام القيم وتوجيه الخيال وتنميط الذوق وقولبة السلوك، والهدف هو تكريس نوع معين من الاستهلاك لنوع محدد من المعارف والسلع والبضائع “معارف إشهارية تُمَثِّلُ في عمومها ما يطلق عليه إدوارد سعيد بثقافة الاختراق”[11].
ينعت إدوارد سعيد المثقف المحايد الذي يتخلى عن دوره في توجيه الوعي وتصحيحه في المجتمع بالخائن، حين يرى هذا المثقف أن كل الثقافات هجينة بدائية وغير أصيلة ومن ثمة لا تستحق الظهور. يُمثل لهذا بمسألة الزنوجة في المجتمع الأمريكي. فالأسود ينتمي إلى دولة المواطنة وهذا وحده سبب كاف لإلغاء هُويته وتاريخه لصالح هُوية جامعة اسمها دولة أمريكا. التعدد يتبدد لصالح التشابه والوَحْدة. هذا الرأي له “تكلفة سياسية” كما يقول ويؤكد إدوارد سعيد حين يتطلب هذا الأمر عند متبِنيه رفض أي خيار قائم على الاختلاف الهُوياتي، وأي فكر يستند إلى الحدود العرقية أو الدينية أو القومية يلزم عنه التفكير في الهُوية بوصفها مظهرًا مُتحجرا ومنغلقًا، والحال أنها عمليةٌ مستمرة في تطوير الذات بالمثاقفة والمفاكرة.
الحاصل من كل هذا أن مسألة الهُوية -بهذا الاعتبار- هي مسألةٌ محورية في أعمال مفكرين كبار من طينة: محمد عابد الجابري ومحمد أركون وأمين معلوف وشومسكي وحنة أرندت وإدموند عمران المالح، وإدوارد سعيد نفسه لا يشذ عن هذه القاعدة، كان يشعر أنه مُلتقى لعديدٍ من الثقافات العربية والفلسطينية والأمريكية والإنجليزية والمصرية، ومن ثمة فالكائن البشري ذات متعددة في تقاطع مستمر مع ديناميات المجتمع الثقافية والجغرافية والسياسية والتاريخية. إن الواحد لا يَختزل أبدًا المتعدد، تقاس قيمة الذات بتعدد هُويتها وبما تصنعه بها وبالطريقة التي تضطلع بها وتعيد ترتيبها. فـ “الإسلام لم يصبح رمزًا للرعب والدمار وأفواج ممقوتة من البرابرة الخبثاء بصورة اعتباطية، عند أوروبا كان الإسلام صدمة قوية دائمة وممتدة في الزمن، بل وحتى نهاية القرن السابع عشر كان الخطر العثماني المتربص بأوروبا يُمَثِّلُ تهديدًا دائمًا عند الحضارة المسيحية كلها”[12].
هكذا صنع الآخر للأنا/العربية ذاتًا متخيلة مُمتدة في الوضاعة والتيه، ولا يظهر هذا العربي في المتخيل الجمعي الغربي الأمريكي والأوروبي على السواء، إلا وجهًا آخر للرعب والخوف والرهبة، الإسلام آلة متجددة للقتل والدمار والتشريد. “في الأفلام وفي التلفاز يرتبط العربي إما بالفسق أو الخديعة المتعطشة للدماء فيظهر مُنحلًا ذا طاقة جنسية مفرطة، قادرًا دون شك على المكيدة البارعة والمُرَاوِغة في جوهره سادي خؤون ومنحط، تاجر رقيق، وراكب جِمال متلاعب بالأموال حسب الظروف، هذه بعض الأدوار التقليدية للعربي في السينما، وخلف جميع هذه الصور يتربص خطر الجهاد المُهدِّد، النتيجة خوف من أن المسلمين أو العرب سيحتلون العالم”[13].
هل أصبح حضور المسلم والعربي في المجتمع الغربي مشروطًا بهبة التعايش والتسامح التي يمنحها له الغرب!؟ هذا البديل الموجه بسياسة ليبيرالية والقائم على التقابل بين أنا عقلانية تسم نفسها بالسمو والاستعلاء وأنا منحطة هجينة وبربرية نراه بديلًا مغلوطًا، لأنه يلغي حس المثاقفة والحال أن الآلةَ الإعلامية تضع مبدأ التسامح والتعايش هذا في الواجهة فيظهر في هيئة محاضرات ومناظرات ولقاءات تلفزيونية، وهو بديل مغلوط، لأنه محكوم في الوعي الجمعي بمنطق سجالي (أقبله/لا أقبله)، أسامحه وأتعايش معه رغم توحشه وبربريته[14]، فما معنى أن أُخضع الهُوية -وهي تعدد في الأصل- إلى الآلة السياسية المُغَلِّطَةِ تلك التي تُغذيها كل وسائل الإعلام. لتصير امتدادًا للعنف ورمزا للمواجهة والقتل!؟
ما يهم هنا ليس الهُوية في ذاتها، ولا حتى المُغَايَرَةُ لذاتها، فلا أحد يستطيع تبديل لونه أو عرقه، وحتى دينه وجنسه، دون أن يخضع لكل المؤثرات الكبرى التي يفرضها منطق السوق والتجارة الحرة، الحريات إذن بعضها مُقلص إلى درجة الانصهار مع الذات (اللون والعرق) وبعضها ممتد (الجنس والدين) في منظومة القيم الليبيرالية الجديدة كما تراها السوق الحرة.
الحاصل أن العروبةَ لم تَعُدْ مرجعًا في الظهور، ولا تعبيرًا عن الاختلاف داخل الوَحْدة، بل وأصبح ظهورُها رهينًا بهُوية مرنة قل منفتحة لا يحق لها أنْ تُلغي الآخر فهو جزء من الكل، بل وعليها، كي تستمرَ أنْ تحتفظ بحس التسامح الذي يعني احتواء الكل والعيش المشترك.
الهُوية في العالم الرَقْمي
تظهر الوسائطُ كما المثقف الذي يقدم نفسه فيها وعبرها هذا الحس المرن ويجسده بكلمة (تمغربيت) هي الكلمة الجامعة والمؤثرة في الآن نفسه، وتفهم في شقين: شق تنويري يؤمن بالاختلاف يظهر به الفرد بوصفه قيمة حضارية مشخصًا ومرئيًا في اللباس والأكل وفي الحديث عن (البلْدي) في تقابل مع (الرومي) أي الأصيل في مقابل الدخيل. أما الشِق الأيديولوجي فهو ذو منحى دعائي، ويعني ذلك أنه دعاية لإثبات الأصل وميزة الاختلاف. السياسة بما هي سلاح موجه بإرادة السلطة والهيمنة تعترف بوجود المكونين معا، الشِق الأيديولوجي يُوَجِّه الآخر التنويري ويلغيه في الآن نفسه فالأصيل هو ما يميزني وأختلف به عن الآخرين. هكذا فالبعيد عليه أن يتفهم أناي/أي هُويتي عن طريق اللباس والفولكلور، الأكل والمعمار، كما لو كنت أتحدث عن (الكسكس، والزليج وأتاي) بوصفه تفردًا له صفة الكونية. للعالم الافتراضي الآن القدرة على تحويل الهُوية إلى فرجة فحواسنا وعواطفنا، مزاجنا أيضًا موجه نحو الظهور بمظهر المختلف المتعالي والأصيل.
يتحدث صاحب الهُوية انطلاقا من قناعاته، وبما أنها كذلك فسرديات الهُوية تتوجه صوب الحدث السياسي (احتجاج/حراك سياسي هُوياتي) وتوضع هذه السردية في تقابل؛ بل وتعارض أحيانا مع دستور يؤمن بالحريات، ويرسخ معاني العدالة الاجتماعية والديمقراطية، وتتحول هذه السردية في اتجاه معنى ما اسمه المواطنة، غير أن هذه المواطنة تستحضر ثقافة الأغيار المحملة بدلالات العنصرية والإقصاء. فحادثة ج. فلويد (سلب رجل أبيض لحياة رجل أسود) لا تظهر إلا تلك الهُوية المتوحشة والبدائية المتطابقة مع اللون، لتصبح بعد ذلك مصدرًا للتعالي والسيطرة والعنف في أقصى تجلياته.
إذا كانت الهُوية في منطلقات الأنثروبولوجيات المدرسية هي الكشف عن “مزاج الجماعات البشرية” المحصنة بجغرافيا معينة (جبلي، ريفي، صحراوي، سوسي، دكالي…) فالأنثروبولوجيات الحديثة تعتمد الكشف عن الهُويات الموجهة بالعنف الكامن فيها بغاية تبديده ذلك، لأن مخرجاتها قد تكون في الحروب والصراعات الطائفية والمذهبية، البدهي إذن أنه ليست هناك هُوية خالصة (Pure)، هي في الحقيقة مفهوم هلامي يتركبُ من جميع العناصر المختلفة يُسهم فيها التاريخ، يحتفظ فيه الفرد بحس الانتماء لا يتعداه، الهُوية تتحدد باللغة والدين والعرق أيضًا، هل هي بهذا الاعتبار قدرًا وحتمية!؟ يظهر في العمق أن هناك هُوياتٍ تقليديةً مؤسساتية لها امتداد في الحزب والزاوية كما ولها امتداد الآن في الفرق الرياضية. (الرياضة هي الوجه الآخر لإثبات صفة الانتماء والمواطنة). إننا لا نعيش الهُوية بالحس القيمي والأخلاقي وحتى السياسي نفسه. فالحركة الوطنية كما يراها ع. الله العروي وإن تمثلت هُوية جامعة تقوم على المقاومة والكفاح، فإن مشاربها متعددة بين السلفي والليبيرالي والاشتراكي.
الهُوية وسؤال الاختلاف
ليست مسألة الهُوية إذن بالإشكال النظري، هي في الحقيقة ممارسة فعلية تتمظهر في الحياة اليومية ظهور سلوكٍ مناهض ومقاوم أو مكافح، بل وعنيف أحيانا، لها بهذا الاعتبار قيمةً إنسانية وحضارية توازي في الدلالة والعمق معنى الحرية. مجال الهويات بهذا الاعتبار هو التاريخ أولا، حتى لَو أنَّ الأمريكي الأبيض لم يستوعب بعد في الحيز الجغرافي الذي يسكنه وينتمي إليه هُوية مختلفة لها أصول إفريقية وزنجية. “قصة الجنوب وأمريكا في الواقع يقول -بورجهارتديبوس- هي قصة كثيرٍ من البيض الذين يرون أنفسهم متفوقين عاليِّي القَدر، متحضرين خلافًا لأمريكي آخر جاء من إفريقيا”[15] إن مسار الاعتراف هذا قد مرّ بتاريخ طويل -وهو سياسي في العمق- وكأنه تاريخ موجه بمبدأ الصراع القائم على الاعتراف بالآخر المختلف والمخالف في العرق واللون.[16]
طرحت الفلسفات الحديثة -القائمة على مبدأ الاعتراف بالآخر الأسود- والنظر إليه بمعزل عن العقيدة والعرق مسألة المواطنة وربطتها بالحريات تلك التي تمتد في التفكير وتجد صداها في حق الاعتقاد والتدين غير أن الصعوبة -بل والاستحالة أحيانا- تبدأ حينما نستقرئ مفهوم المواطنة هذا في الواقع السياسي ونعرضه على محك المساءلة فيظهر وكأنه يوطوبيا أو حلم الأفراد داخل الجماعات التي تنتمي إليها.
المواطن الأمريكي يتساءل والواقع يجيبه “ما الجنوب!؟ الجنوب ليس جغرافيا (مجال يسكنه السود) بل هو أسلوب حياة، طريقة في الأكل، في اللباس والموسيقى (الجاز)، إجمالًا هو طريقة في العيش. هُوية مختلفة ولا نقول مخالفة. الناس من الخارج يروننا أسلوبًا واحدًا نمطًا واحدًا وهذا هراء”[17] لقد أثبت الدستور الأمريكي يوم تأسيس الولايات المتحدة (1776/م) عن حقوق الأفراد اعتمادًا على مبدأ المساواة داعما ذلك بمبدأ حقوق الشعوب والأقليات في تقرير مصيرها.
عادة ما يتم الحديث من الأنثروبولوجيين عن التنوع والاختلاف الهُوياتي بما هو شرط في تميز الأفراد والجماعات له سياق ثقافي خاص وخالص، ويكون هذا الأمر مقدمة لجعل ذلك ميزة وتفردا. لكن الواقع يحمل عكس هذا تمامًا.
كان لحادثة جورج فلويد إذن الأثرُ في طرح السؤال- وهو إشكالي في العمق- يقتضي فهم الأسباب والدواعي التي تجعل فردًا أو جماعة بشرية في لحظة تاريخية معينة قادرة على الظهور بمظهر العنف والكراهية مستحضرة ما يميزها عن باقي الأفراد والجماعات الأخرى، فالهُوية هي اعتقاد في التميز والتعالي أولا. فلا الدين ولا الفلسفات ولا الأخلاق هذَّبَت وغيَّرت من طبائع البشر، وبقي التوحش الصفة الملازمة للإنسان رغم تحضره وتمدنه. البربرية هي الوجه الآخر الذي يحيا به هذا الإنسان كما يرى الأنثروبولوجي تودوروف[18].
من هذا المنطلق النظري تخضع الهُويات -بما هي تمثلات وجدانية قابلة للتكوُّنِ والظهور-بالمظهر السياسي بحسب المنعطفات التاريخية الكبرى التي تجعل منها أداة للصراع أو الحروب تلك التي تعطي صفة الوجود والحضور حضورَ كِيانٍ سياسي مستقل لجماعات بشرية ذات ملمح عرقي أو ديني أو قبلي الذي يؤول بفعل الصراع إلى مؤسسات سياسية جديدة أو دول تلغي أخرى.
كان تفكك الاتحاد السوفياتي إيذانًا بالحديث عن هُويات وعرقيات وقد تجسدت في هيئة دول مُستقلة لها جغرافيا وحدود، الهُوية بهذا الاعتبار هي فعل (Acte) سارٍ في الزمن الاجتماعي والسياسي أيضًا وهذا أمر حتمي، بما أن الصراع الهُوياتي اقترن في العصر الحالي بمعني الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، بل وتحول هذا الصراع إلى حركات سياسية تطلب الاستقلال وتنشد الانفصال نموذجه ما يقع في السودان الآن (انفصال الشمال عن الجنوب).
الهُوية في الأصل، قل قبل تكونها تكون المعنى في ذهن حاملها هي مكمنُ الكينونة والوجود، نقول: مغربي، عربي، عروبي، أمازيغي، قبطي كاثوليكي بروتيستانتي مسيحي، ألماني، فرنسي، أوروبي، سلافي، إفريقي، مغربي، آسيوي وهكذا، ما إن نضع الهُوية على محك المساءلة والتأمل حتى تبدو قيمةً ممتدة في الوجدان الفردي كما الجماعي، مائعة لا تظهر إلا ظهور الاستحالة، إن هي بدت أو ظهرت فطبيعتها تعتمد على استحضار الذات كما الجماعة في إيديولوجيا موجهة بصفة الظهور كما الكفاح والمواجهة، فإثبات وجودي وقيمتي وأناي رهين بهُويتي! وهذا أمر في غاية الدقة. عندما أبدأ في رصد هذه العلاقة المتوترة مع الآخر البراني قل الغريب القريب ونمثل له بالتناظر الأيديولوجي بين الأمازيغي والعربي، أو الغريب البعيد ونراه في التناظر بين مِصري مسلم وآخر قبطي. وهذه فقط أمثلة، أقول ما إن نبدأ في رصد هذه العلاقة إلا وتطفو على السطح قيم من قبيل: التسامح والتعايش فضلًا عن معنى ودلالات المواطنة.
لا يتعدى التمظهر الهُوياتي في أولانيته ظهورًا صوريًا صرفًا، باللون والعرق والجنس وحتى الدين (أنا مسلم/مسيحي/يهودي) وهو ظهور لا يحمل إلا دلالات ومعاني الانتماء لا أقل ولا أكثر، لكن الأمر مختلف تمامًا حين تستحيل الهُوية إلى طائفة مغلقة على ذاتها. والمثال الأقرب لتفسير هذا هو إقصاء الماروني من طائفته حين يتزوج مسلمة أو مسيحية، “فإنه يخرج من مِلَّةِ وعقيدة الجماعة خروجًا مباشرًا”[19] سؤال الأنثروبولوجي الموجه بحس التاريخ، هو هذه الهُويات بالذات وكيف استحالت إلى عواطف وأهواء، وكيف تكوَّنت لتصنع هُوية جامعة في لحظة زمنية معينة. رصد دقيق للمنعطفات التاريخية التي أعطت للهُوية الموجهة بحس التدين صفة الحضور والوجود حتى استحالت إلى جماعة معزولة ومتفردة بخصوصيتها الدينية والعرقية.
في الداخل -جغرافيا العالم العربي- نتحدث عن الاستعمار الذي هيَّأ بتدخله إلى إحداثِ هُوية مناهضة/جامعة تلخصت في معنى الدولة الوطنية. أظهر حس المواطنة والانتماء هذا ذاتا منصهرة مع الماضي المجيد -أي السلف- ويحضر فيه الدين حضورَ قيمةٍ سياسية حين جعل من الكفاح والجهاد مسؤولية جماعية. لكن هذه الهُوية المُسماة دينية لم تكتمل إلا حين وضعت الدولة المفهوم نُصْبَ أعينها فبدأ المجموع يتلمس العدالة الاجتماعية ويتوخى حضورها في الواقع كما ترسخت في وجدانه، غير أن الواقع يقول إن الدولة لا تستقيم إلا بالمؤسسات والقوانين، لهذا السبب يرى الراحل الجابري أنها هُوية “مُتعثرة لم تكتمل في التكون ولا الظهور”[20] فبقيت حُلْمًا. من هذا الموقع يبدو لي أن سؤال الهُوية بمرجعياته الكبرى الدينية والعرقية على السواء يختلف عن غيره من الأسئلة الوجودية الأخرى رغم كونه أحد الأسئلة الوجودية الأساسية الخاصة بأصل كل من الوعي والحياة والكون الذي ينتمي إليه الإنسان، وذلك وَفْق الأسباب الآتية.
- 1- تتداخل الهُوية بما هي كذلك مع كينونتنا ونظرتنا إلى الحياة في ذاتها. وهي بهذا ليست تركيبًا مُحايدًا أو مستقلًا، بل ولها الأثرُ في أحايين كثيرة في صناعة المعنى السياسي الذي يوجه جماعة بعينها، إنْ من منطق: ديني أو عرقي أو جغرافي… تتسم بالظهور وتسعى في إثباته سواء وُظِّفَ من السلطة أو استندت في هذا الظهور على مقوماتها الداخلية الخاصة والخالصة تلك التي تجد سندها في التاريخ كما لو كنا نتحدث عن طائفة الشيعة في العراق، ونظيرتها في لبنان مثلًا فالمنطلقات الدينية واحدة والأيديولوجيات مختلفة. الهُوية بهذا المفهوم تأخذ نمط الظهور السياسي والمجابهة في رؤيتها للسلطة كما المجال السياسي عمومًا، إما مشاركة أو مؤسسة.
هناك دائما مجموع/جماعة بشرية على تخوم المواجهة، فالجماعات الدينية أو المقدسة تشارك في بناء النسج الاجتماعي إن بحثًا عن توافقات تُمليها السياسة -كما هو الحال في العراق- أو بالاعتراض والمخالفة كما هو حال الجماعة الشيعية في لبنان، هناك دائمًا مساحات لفرض السيطرة وتوجيه الرأي العام نحو معنى المقاومة، وهذا أمر بات مفهومًا، فالهُوية نزاعة بطبيعتها إلى التميز والظهور.
- 2- يبقى معنى الهُوية مشروطًا بدلالات ومعاني الحياة، أي التعايش في أفقه السياسي. “فلا هُوية ترغب في الاختفاء”[21] إن هي أحست بما يهدد وجوده، أما ظهورها فقد يستحيل إلى عنف مفكر فيه.
- 3- ثمة اقتران مشروط بين الهُوية ومعنى الرغبة في إثبات الوجود والاستمرار في الحياة فتجد الهُوية سندها في أخلاقيات وقيم دينية وحتى عرقية وأيديولوجية، ولك أنْ تفكر في تمظهرات الهُويات هذه المفعمة بمعاني ودلالات الحرية حين تُوظَّفُ سياسيًا توظيفًا يُوهم أنها حاضرة في الفضاء العام ، قائمة على التعدد والاختلاف وحرية الرأي والتعبير والاعتقاد، وهذه كلها أساليب في التعبير وحتى الظهور لما يُسميه فوكو بإرادة الهيمنة[22]، فالسلطة حاضرة هنا، لإثبات مبدأ الاختلاف الهُوياتي هذا وتقديمه بوصفه ثراءً فكريًا وقيمة حضارية كبرى.
إثبات الوجود رهين بالذاكرة والتذكر -كما يقول بول ريكور- الهُوية في الأصل حبيسة النسيان أيضا فالأنا لا تتعرف على ذاتها إلا داخل المجموع وقد تطبعت بكل الأشكال الممكنة التي تجعلها تنسى تفردها، فالذات تَمَيُّزُ وعندما تنصهر في المجموع تنسى أنها قد تميزت[23]. ما أن أرى هُويتي حتى يتراءى لي الأصيل الذي يميزني والغريب المفارق الذي يُقلقني، ولنفكر في سني يحاور شيعيًا تحت غطاء هُوية جامعة اسمها الإسلام، وفي قبطي يحاور مسلمًا في ظل هُوية جامعة اسمها دولة مصر (جمهورية مصر العربية).
تبدو الهُوية من هذا المنظور في القديم كما في الحديث، منغلقة ومقفلة على ذاتها فالياباني كما المغربي، الفرنسي والتركي، الأمريكي والإفريقي اليهودي، كما المسلم والمسيحي… سواء باستحضاره للعامل الديني أو الجغرافيا والعرق، لا يتعرف على ذاته إلا بتخيل كل الصور الرمزية من طقوس وعبادات وعادات، ولباس، ولغة، وتاريخ وجغرافيا… هي ذات الذاكرة والتذكر، ولنسميها نحن التخيل الطبيعي الملازم لكل شخص يَمْتَحُ مما يعدُّهُ هُويته، وليكن الدين أو العرق أو الجغرافيا والتاريخ.
التاريخ إذن هو الذي يفعل في هذه الأنا ويحولها إلى قيمة رمزية وقد تجسدت في سرديات كبرى، ضخمة؛ سميها الأسطورة أو الميثيولوجيات إن شئت، تلك التي تجعل من هُويتي هُوية قائمة وحاضرة بالقدر الكافي الذي يجعلها آلة مُحملة بالعنف والمواجهة كما يقول أمارتيا صن[24].
الهُوية المغلقة والأخرى المنفتحة- الفضاء الرَقْمي
في تعارض مع هذه الهُوية المنفتحة نستحضر هُوية أخرى نسميها بالمغلقة (fermé) بما أنها تدعو إلى الوَحْدة في تعارض مع هُوية أخرى ترى نفسها منافسة على الحقل السياسي/السلطة. التحاج باسم الهُوية هنا يسير في سياق ترسيخ حقيقة أقرب إلى العقيدة واليقين.
يُعلن إبراهيم الكوني -المثقف والأديب- نفسه مدافعًا عن الأمازيغية برؤيتها قيمة حضارية وفكرية وثقافية في تضاد مع نسق هُوياتي آخرَ محصن بثقافة العروبة والقومية.
تحول الصراع الهُوياتي إذن إلى الفضاء الرَقْمي/الفايسبوكي وهذا الرصد دال، لأنه يعكس الوعي الجمعي كله وهو يفكر في مسألة الهُوية بوصفها عرقًا. يُحاجج إبراهيم الكوني عن أصالة الأمازيغية، قل الهُوية قبل التشظي والاختلاف. صفاء الهُوية ونقاؤها هو ما يعنيه.
يرى الأمازيغي في ذاته عنوان الانتماء الأصيل للوطن، هكذا تقدم الوسائط الرَقْمية هذا الرأي، بوصفه أصيلًا، هذا الأمازيغي عند إبراهيم الكوني “بدل أن تكون هُويته الأصلية شفيعًا لاستمراره في البقاء على قيد الحياة، صارت له هذه الماهية ذريعة للاختفاء والذوبان في ساحة الوجود، بل وفي رحاب الوطن لا سيما إذا اكتشفنا أنه أغلبية في الواقع وليس أقلية”[25] المثقف هنا والمهتم بالهُوية يتحدث عن الأغلبية في تقابل مع أقلية وهي مقدمة للصراع والعنف. ما نفهمه من الاستمرار في البقاء على قيد الحياة هو أن الهُوية الجامعة المحصنة ضد الآخر، أصبحت عنده آلة للمواجهة والصراع فيها دعوة إلى الأحقية في الوجود. العربي عند الكوني أضاع حق الأمازيغي في الحياة والظهور.
إثبات الانتماء للجماعة معناه مواجهة السلطة القائمة. إذا فهمنا مقومات هذه الحجج فالمترتب عنها إثبات الحق في الوجود (الكينونة)، فالطبيعي إذن أن يُنبه المنتصر لهُويته عن صنوف الكفاح التي يوجهها في سبيل نصرة جماعته “لم تكتفِ السلطات باقتراف صنوف التضييق في حق هذا المكون الشقي بداية من حرمان أبنائها من حق تَقَلُّدِ مناصب المسؤولية”.
يستند المدافع عن هُويته على طابعها الأصيل والممتد أيضًا “فالعرب لم يكونوا سوى بربرًا استعربوا بعد الحملات/الفتوحات، كما تُبربر العرب الذين استوطنوا الوطن بعد الحملات”.
الصراع إذن بين الأمازيغي -الممتد على خريطة العالم العربي والعروبي- تُغذيه السياسة الرسمية بالحوارات تلك التي يسميها ب. بورديو بالحوارات المُغَلِّطة كما سبق، لأن منطلقات الحوار الموجهة بحس المسؤولية وتبادل الرأي والحق في الاختلاف يُلغى ولا يبقى من الحوار غير السجال والثرثرة (Bavardage) إن لم يكن محادثة في أحسن الأحوال.
يُحاجج إبراهيم الكوني هنا من أجل هُويته (هُوية تمازيغن) ويحول سؤاله إلى احتجاج -هو في العمق- تنديد بالواقع السياسي فيه الرغبة في احتلال المواقع فضلًا عن تغييرها إذ “كيف تتيح النخبة السياسية لنفسها الدعوة إلى الوَحْدة العربية إذا كانت لم تفلح في صَوْن وديعة في عهدتها هي الوَحْدة الوطنية “بل وكيف تتيح النخبة السياسية لنفسها الدعوة إلى تحقيق وَحْدة عربية، في غياب الاعتراف بالاختلاف الهُوياتي؟!”[26].
يدفع المثقف في اتجاه الاعتراف بالخصوصية والتميز. فيلغي مسألة المثاقفة وحتى الانصهار داخل المجموع ويرى ذلك سببًا في فقدان هُويته فيستحضر بدلًا عن ذلك حس التفرد الذي يرى فيه ما يُحصن ذاته وما يضمن استمراره في الوجود.
الهُوية والمقدس
الفكرة الأساسية في كل السوسيولوجيات تلك التي تستدعي مسارات الواقع ومآلاته الموجهة بالوعي البشري، ونقصد بها تلك الرؤية النقدية التي أصَّلَ لها كلٌ من: ماكس فيبر وبعده جورج زيمل وبورديو المفسرة لرُوح الجماعات الدينية من مثل الكاثوليك، قد تحولت بفعل الهيمنة الاقتصادية إلى رؤية عقدية وسياسية جديدة ومخالفة، تُناهض الرؤى الدينية السابقة فاستحالت بهذا إلى رُوح العصر. البروتيستانتية دين جديد وجماعة بشرية في الآن نفسه لها رؤية لبيرالية تقوم على تحرير السوق وتوسيع دائرة المنافسة العادلة كما سَجَّلَ ولاحظ السوسيولوجي ماكس فيبر[27].
في كلمة رُوح (Esprit) هذه نرصد معنى العقلانية من جهة كما الوجدان المتدين المؤمن من جهة أخرى، والمقصود بهذا هو أن الأحداث والوقائع البشرية كما الدين تؤول بفعل التغيرات في الواقع السياسي إلى مهاد طبيعي لكل المناظرات والحوارات والتخاطب السياسي والديني، فهي المجال أو الحقل والميدان الذي تتصارع فيه كل القيم والأخلاقيات والأيديولوجيات. وعليه فالمقدس الديني لا يرى في أبعاده الاجتماعية إلا حين يستحيل إلى سلطة وقوة الجماعة (Power) هي وحدها القادرة على إعطائه صفة الحضور والقيمة. وهذه القيمة ممتدة في معنى الحقيقة واليقين، الطبيعي بهذا الاعتبار هو أن الدين أداة للهيمنة والسيطرة لا يُرى إلا من كُوَّةِ الألوهة الخالصة القوية والمتعالية، وحدها الجماعة الممتدة في السلطة قادرة على إنطاقه بالرؤية التي تلائم كينونتها ووجودها.
في منظومة القبيلة/القبايل، كما هو الحال عند السوسيولوجي بورديو، الصلحاء هم كذلك خالدون في وجدان الكل وإلى الأبد، لا يمكن التفكير خارج هذا النسق، بل الأسلم والأصح أن نسير على هداهم. كل الطقوس والمراسيم والاحتفالات المرافقة للسلطة هي بمعنى آخر تجليات لإبراز قيمة الفرد ووجاهته في المجتمع الذي ينتمي إليه، كل حدث طقوسي دنيوي قل بشري من مراسيم وزواج، ختان وترانيم، وعبادات… ذات حمولة دينية وسياسية أيضا هي بمعنى آخر علامة على كون منسجم ومتكامل قل مقدس، الجماعة كما الفرد داخلها يُرى بوصفه وجهًا آخرَ للطهارة والصلاح والاستقامة والطاعة أيضًا وهذا أمر في غاية الأهمية.
في المجتمعات الحديثة، الموجهة بمنطق الدولة، تكون هُوية الفرد، موضوعه الذي يظهر وبه يتجلى مستترًا دائمًا تحت خاصية السجال والحوار والمناظرة، فالمجموع يرغب في الظهور ظهورًا مختلفًا يَدَّعي الأصالة والتميز نقول هذه المرة عربي، أمازيغي، آري، أرميني، تركي، فرعوني، سلافي، أحمدي، مسيحي/ قبطي، مسيحي/ كاثولوكي، يهودي، بوذي، سيخي، مسلم… التنوع لا يعني الاختلاف البتة، والوازع الديني يظهر مُماثلا لمعاني ودلالات العرقية والطائفية. انطلاقًا من هذا المبدأ، تنادي السوسيولوجيا الناقدة إلى بناء سؤال الموجه بالرؤية والنظر إلى الوقائع الطارئة في المجتمعات بُغية تصحيحها، وذلك عندما تستحيل الهُوية إلى آلة للعنف والمواجهة.
الهُوية والجسد: سؤال التحديث
أدَّى الاهتمام بتمظهرات الجسد هذه المنحوتة الخالصة والمفضلة للشركات الموجة بعلم التجميل ومواد التطيب إلى التوجه نحو صناعة الجسد/الصورة والمآلات هي الحديثُ عن كمال الأجسام، وملكات الجمال! غاية السوق والتجارة صناعة وعي يقوم على الاستهلاك، هذا الوعي الذي يطال الكل، ما هو إلا امتداد لهذه المؤسسات التجارية الكبرى الغارقة في إفراغ الجسد من كل مقوماته وخصائصه البيولوجية الصرف.
لنعد إلى السجالات والمناظرات والتي قد ينخرط فيها السوسيولوجي بوعي منه أو بدونه. فالأمور لا تسير إلا في سياق الحديث عن الحريات المعارضة لصلابة الوعي الجمعي العربي المسلم وتكلس دينه أمام موجة الحداثة هذه. ولنتخيل مناظرة بين فيلسوف/سوسيولوجي يتمثل الحق في الاختلاف ورجل دين فقيه يدعو إلى الالتزام بكلمة الله، كل الحجج سواء من هذا الطرف أو ذاك تسير في الاتجاه الذي يريده صانعو الخطاب السياسي، فإذا كانت غاية الفيلسوف هي إثبات فكرة معينة مفادها الحق في ملكية الجسد مع تصريفه وَفْق الحاجات الذاتية والأخلاقية القائمة على مبدأ التبرع بالأعضاء مثلًا، فهذه المسألة المثيرة وذات القيمة الحضارية والإنسانية قد يوافق عليها رجل الدين من باب إحياء النفس وإنقاذها من الموت المحتم، وهو ما يراهُ الفقيه صدقةً وتكرمًا نابعين من الحس الديني الموجه بقيمة الكرم والإيثار والتقوى، فينصب اهتمامه في الحديث عن الصدقة الجارية، ومع هذا الحوار والمناظرة يظهر المتدين/الفقيه مُحملًا بقيم التسامح والانفتاح فضلًا عن كفاءة النظر والاجتهاد في الدين.
إن ما نتخيله هنا فعلًا هو جزءٌ لا يتجزأ من المجال أو الميدان كما تم توسيعه، فالساحة السياسية والثقافية الممتدة في الفضاء السيبراني يحضر فيها هذا الحوار في كل لحظة وحينًا صاخبًا، بل ومُحمَّلًا بكل معاني الإقناع والمُحاججة. الحاصل أن الجمهور هو الذي يعطي للسلطة الحق في الاجتهاد والتشريع ويمتعها بصفة الحضور، وهو المدار الذي تتوخاه السلطة فعلًا إذ تتحول إلى حَكم (Juge) حين يطلب منها ذلك.
يحدد فرانسوا. ليوتار طبيعة الحقيقة السياسية الموجهة بقيمة المنفعة تلك التي يمكن استخلاصها واستنتاجها من الواقع والمتمثلة في انشغالات المثقف العالم المهتم بمستقبل المجتمعات والشعوب، غايته في هذا هو الحصول على معرفة فلسفية ودينية وحتى أخلاقية تُسهم في ضبط الحدود وترسيخ علاقات إنسانية في هذا المجتمع المعاصر الموسوم بالتِقَانة والافتراضي في مجمله، وهو مجتمع لا يقوم في العمق إلا على تطبيق معيار الأداء أو فعالية السلوك على المعرفة؛ مجتمع وقد حول الجسد إلى سلعة محكومة بمنطق السوق. الفكرة الأساسية عند ليوتار هي أن المجتمعاتِ الرأسماليةَ المتقدمة والحديثة أو تلك التي تدور في فلك الرأس المال والأعمال والشركات المنتجة للمواد الكيماوية والطبية والصيدلانية… لم تعد تُعَوِّلُ على السرديات الكبرى -أي تلك السرديات المُستخلصة من النصوص المقدسة- والتي كانت تُكسب في العادة المجتمع إحساسًا بالهُوية والقيمة الحضارية. الطبيعي أن هذه النصوصَ هي التي كانت تُضفي بطريقة حاسمة الشرعية على دور المعرفة الدينية في بناء جماعة قوية وصلبة مؤمنة مكافحة والمقاتلة في الآن نفسه. باختصار الهُوية الدينية بطبيعتها كانت تحمل طابع العنف والمواجهة. الذي وقع بعد هذا أن القواعد القائمة على الحوار والاعتراف بالآخر بوصفها قيمة فكرية وحضارية انهارت بفعل الصراع الديني والمذهبي والطائفي، الحروب الدينية بذلك أفرغت الحس الإنساني من المعرفة التي كانت تبدو جلية في أنواع التخاطب الفلسفية المقبولة في الجدل والمناظرة والحوار. هذا الواقع السياسي الجديد أنتج أنماطًا غير مقبولة من الحوارات المغَلّطة والعنيفة انصبت على الحريات الدينية، بل وتخصصت فيها.
الملاحظ أن هذه الحوارات التي تخصصت في الحريات يومها في مجتمع ليبرالي لا ترى إلا في الأبعاد النفعية الصرف، ففي الوقت الذي رفع فيه شعار العَلمانية ضد استعمال الحجاب داخل المؤسسات التعليمية بفرنسا مثلا، وكذا الرسوم الكاريكاتورية التي خصت النبي محمد وعمت أرجاء أوروبا، كانت حرية التعبير هذه تُزَاحَم بمسألة الجنوسة والإجهاض والأمهات المستأجرة للبطون، بل وتطرحها على محك المساءلة في غياب نصوص تشريعية وقانونية ملزمة، التحرر كان يعني الانفتاح الهُوياتي (الحرية في إبداء الرأي). هكذا فالهُوية الجامعة للمجتمع الفرنسي يومها لم تكنْ تؤمن بالتعدد والاختلاف، بل ولا ترصده إلا في بعده الثيولوجي والديني الصرف. الحرية من هذا المنظور باتت تعني ازدراء الأديان ومعتقدات الآخر. “إننا نجهل اللعبة اللُغوية –بتعبير بورديو- التي لم تعد تحتاج إلى سرد أو قصة من أجل أن تكتسب شرعيتها”[28]، فالداخل يُلغي البرَّاني بقيمه وثقافته، بل ويرفضه.
تخضع قضية الهُوية هنا لمبدأ الأداتية، أي لمبدأ الفعالية والحضور ثم الاستهلاك بعد ذلك، تلك الهُوية التي تنفتح على التِقْنية والقائمة على فعالية النظرية المستمدة من السوق الإنتاجية التي تبرر أَيَّ آلة للتمويل والاستهلاك. هكذا فشرعية العلم تصبح متأصلة ومتلازمة، بمعنى أن العلم يأخذ شرعيته بتتبع المنتوج المتاح بدلًا من تتبع الحقيقة المعرفية، هذه هي النقطة التي يبدأ عندها بورديو بوضوح في شرح التغليط في المُحاججة السياسية، وذلك عندما يُبيِّنُ الحاجة الضاغطة إلى تأصيل الرغبة في العدالة الاجتماعية بممارسة الاستدلال في التفكير والاعتماد على سياسة المقاومة، وذلك بالبحث عن عدالة يُمكن أن تزدهر في إطار تكاثر القضايا المنفصلة عن السلطة المُوَجِّهة للرأي العام، ما يقع الآن من تدفق المعلومات: الدعاة وأنصار الهُوية المغلقة المحاورون المناظرون المناقشون وأصحاب المحاضرات السياسة الافتراضية التي لا تحترم الرغبة في العدالة التي تساوي بين الرغبة في المجهول وتلغي الأرضية الأخلاقية في التواصل. فهذا يثير من جهة أخرى الاهتمام الممكن في عدالة مرتقبة تُسقط الصراع الهُوياتي من حساباتها.
الدين لغة وقد تحول في الساحة السيبرانية إلى مناظرة وسجال فيه الداعية وقد أصبح آلة إعلامية ونقصد قطعًا ما يرافق هذه الآلة الممتدة في التجسيد والمسرحة والتشخيص، هذا رأي بورديو وهو يتحدث عن الثقافة المهيمنة -والدين واحد منها- إلى رأس مال رمزي عليه نقاتل وبه نوجِّه الرأي العام، وهو الجُهْدُ الذي تقوم به جماعة دينية أو الفرد الداعية حين يتكلم هذا الشخص بالنيابة عن الجمهور. الفقيه في الفضاء الرَقْمي هُويته موجهة برؤية الآخر تلك التي تحوله إلى صورة مرئية موجهة بالقول والكتابة يتقن الدور حتى، لأن المخاطب يتيقن من صدق دعواه وقيمته ويستسلم لفكرته.
الهُويات إذن تعود في صورة طوائف دينية، سياسية وعرقية محايثة لمن بيده قدرة التدبير والتسيير، والمؤدلج بلغة السياسة التي تسميه تدبير الاختلاف، وهو ما يدعمه بوعي أو دونه مثقف الآلة الإعلامية. غاية ذلك هو توجيه البِنى الذهنية أو ما يُمكن تسميته بالتمثلات الموجِّهةُ للمتخيل الجمعي مصدر الظهور والتجلي المؤطر للهُوية الجماعية لتحوله إلى مشروع مبطن للعنف والمواجهة مثاله داعش والنصرة في العراق وسوريا، وقد تجسد في مرحلة الحراك السياسي العربي. يمكن لهذا التمثل -مشروع الخلافة على منهاج النبوة- أن ينتج نشاطًا مشتركًا لعدد من الأفراد الموجودين في وضعية مماثلة، أي لفئة اجتماعية متطابقة ذات تصور مسنود بإرادة الفعل السياسي مثلها في هذا جماعة الإخوان المسلمين في مصر.
“من المتعذر -يقول فوكو- تحليل خطاب خارج الزمن الذي تظهر فيه”[29]. وهذا بدهي إذا فهمنا أن التحولات الهُوياتية التي عاشها العالم العربي والإسلامي في مرحلة ما بعد الكولونيالية خارج سياق الدولة قطرية التي تأسست خارج قواعد الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، المُهيمن يومها كان هو الهُوية الجامعة التي تحدث عنها الراحل الجابري، وبجانبها كان يتنامى المفهوم الخاص والخالص لهُوية دينية مُثقلة بحس السلف ويوطوبية الدولة المقدسة (دولة القرآن والحق والعدالة الاجتماعية)، دولة الخلافة الراشدة التي رأت الجماعات الدينية يومها (الإخوان المسلمون في مصر وبعدها الجهاديون) أنها مقاومة وكفاح في وجه هُوية مُستلبة بحس التبعية والاستعمار المُبطنة بلغة الكُفْر، فالطبيعي أن يرى فيها جمال الدين الأفغاني الدولة وقد تخلت عن شرع الله.
الذاكرة الجمعية العربية والإسلامية محط تقلبات وتحولات أسهم فيها التاريخ السياسي، معه نتحدث عن الهُوية بوصفها حدثًا وقد تكوَّن في الوعي الجمعي. الذاكرة بطبيعتها متقلبة متعددة ومتحولة لأنها تقع في المعيش -الذي لن يكون غير السياسة- والحميمي القائم في الوجدان (الأمة وتاريخها المجيد)، فتظهر الهُوية/الذاكرة الجماعية وقد أصبحت مُتشظية، لأن رقابة الحاضر بسلطته البصرية أفرغها من حس الانتماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
بالعربية.
1- إدوارد سعيد. * الاستشراق. تر. كمال أبو ديب. مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت. 1980.
2- * تغطية الإسلام. تر. محمد عناني. رؤية للنشر والتوزيع. ط. أ. 2005.
3- إمارتيا صن. الهُوية والعنف. عالم المعرفة. تر. سحر توفيق. نونبر. 2008.
4- أمين معلوف. الهويات القاتلة. تر. نبيل محسن. سوريا دمشق. ط. أ. 1999.
5- تودوروف. الخوف من البرابرة. ما وراء صدام الحضارات. تر. ماجد جبور. ط. أ.2009.
6- الجابري. مسألة الهُوية: العروبة والإسلام والغرب. م. د. و. ع. ط 4. 2012.
7- الربيعي منتصر حسن. التعايش الديني في العراق وسوريا. دار مسامير للطباعة والنشر العراق. 2021.
8- فوكو ميشيل. حفريات المعرفية. تر. سالم يافوت. المركز الثقافي العربي، ط. 1. 1981.
9- الكوني إبراهيم. الأعمال الكاملة. المؤسسة العربية للدراسة والنشر. بيروت/ لبنان. ط1. 2006.
10- فيبر ماكس. الأخلاق البروتستانتية ورُوح الرأسمالية. تر. محمد علي مقلد. مركز الإنماء القومي. لبنان. 2014.
11- مرسيا إلياد. البحث عن التاريخ والمعنى في الدين. تر. سعود المولى. م. د. و. ع. ط. أ. 2007.
12- وليام. إ. يورجهارتديبوس. رُوح الشعب الأسود. تر. أسعد حليم ط. أ. 2002 المجلس الأعلى للثقافة. القاهرة.
بالأعجمية.
- Jean François Ia condition poste moderne. Minuit. Paris 1979.
- M .Ilade. Le profane et le sacre. Galimare.1965.
- Remi Avril. Arndet et la question noir. Point 2022.
- Rlcoeur (P). Parcours de la reconnaissance. Folio essais .Ed 2004.
المقالات.
1- آركون محمد. “رهانات المثاقفة بالمغرب العربي الكبير بعد الاستقلال. مقاربة تاريخية وأنثروبولوجية”. فكر ونقد. عدد 19. ماي 1999.
2- Bourdieu (P). Les faux debat. Le monde diplomatique 1992.
[1]-M. Ilade. Le profane et le sacre.Ed. Galimare.1965. P :65
[2]– آركون محمد “رهانات المثاقفة بالمغرب العربي الكبير بعد الاستقلال. مقاربة تاريخية وأنثروبولوجية” فكر ونقد عدد 19. ماي 1999.ص:26
[3]– إدوارد سعيد. الاستشراق. تر. كمال أبو ديب. مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت. 1980.
[4]-الجابري محمد عابد. مسألة الهوية: العروبة واالهوية: الغرب.م.د.و.ع. ط 4. 2012.ص:54
[5]-نفسه. ص:54
[6]-نفسه. ص:56
[7]-نفسه. ص:58. (ميشيل عفلق، مثقف لبناني مسيحي، عاش زمن المد القومي، بدل من عقيدته ودينه صالح الأيديولوجيا القومية حينها والقائمة في اللغة ورابطة العرق).
[8]-الجابري محمد عابد.م.س. ص:58
[9]-أمين معلوف. الهويات القاتلة. تر. نبيل محسن. ط 1 .1999. سوريا/ دمشق. ص:65
[10]-أمين معلوف. الهويات القاتلة. م، س، ص: 68
[11]-إدوارد سعيد. تغطية الإسلام، تر. محمد عناني. ط 1. رؤية للنشر والتوزيع. ص: 62
[12]-نفسه. ص: 64
[13]-نفسه. ص: 68
[14]– نفسه. ص:69
[15]-ويليام. إ.يورجهارتدييبوس. روح الشعب الأسود. تر. أسعد حليم. ط 1. 2002. المجلس الأعلى للثقافة. القاهرة. ص: 215
[16]-نفسه. ص: 216
[17]-نفسه. ص: 218
[18]-تودوروف. تيزفيطان. الخوف من البرابرة. ما وراء صدام الحضارات. تر. ماجد جبور. ط 1 .2009
[19]– الربيعي منتصر حسن. التعايش الديني في العراق ولبنان. دار السامرة للطباعة والنشر. العراق 2021. ص.ص: 113-114
[20]-الجابري محمد عابد. مسألة الهوية: العروبة والإسلام والغرب. م.س ص:69
21-Remi Avril. Arndet et la question noir. Ed.Point 2022 P :65
[22]-فوكو ميشيل. حفريات المعرفية. تر، سالم يافوت. المركز الثقافي العربي، ط.1. 1981
23-Ricoeur (P). Parcours de la reconnaissance. Folio essais .Ed 2004. P: 202.
[24]-أمارتينا صن. الهوية والعنف. عالم المعرفة. تر. سحر توفيق. نونبر 2008. ص: 12
[25]– الكوني إبراهيم. الأعمال الكاملة. المؤسسة العربية للدراسة والنشر. بيروت/ لبنان. ط1. 2006. ص: 360.
[27]– فيبر ماكس. الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية. تر. محمد علي مقلد. مركز الإنماء القومي. لبنان. 2014.
[28]– Lyotard. Jean François Ia condition poste moderne. Minuit. Paris 1979. P. 98.
[29]– Bourdieu P.Les faux debat. Le monde diplomatique 1992.