الوحدانيَّة عند إيليَّا النَّصيبينيّ (ت 1046م)

 تكوين

«إنَّني أعتقد أنَّ كلَّ نصرانيٍّ مُوَحِّدٍ محمودٌ فائزٌ، وإن كان لا يعترف بنبوَّة محمَّد بن عبد الله».

الوزير أبو القاسم الحسين بن عليّ المغربيّ

شغلت إشكاليَّة وحدانيَّة الله الفكر العربيَّ في العصر الوسيط. فقد اتَّفق المتكلِّمون والفلاسفة المؤمنون بوجود الله على وحدانيَّته لكنَّهم اختلفوا في تحديد مفهوم الوحدانيَّة. وقد دارت أبحاثهم على ثلاثة وجوهٍ للواحد:

  • الواحد بالعدد
  • والواحد بالذَّات
  • والواحد المنزَّه عن أيِّ شبهٍ بالمخلوقات.

سأدرس في بحثي هذا مفهوم الوحدانيَّة عند إيليَّا النَّصيبينيّ في السِّياق الإسلاميّ، ولا سيَّما الكلامي؛ وسأبيِّن مصادره الفلسفيَّة. وبما أنَّ الدِّراسات عن إيليَّا باللُّغة العربيَّة قليلةٌ فسأقدِّم نبذةً عن حياته وأبرز مؤلَّفاته قبل الكلام على الوحدانيَّة عنده.

إيليَّا النَّصيبينيّ متكلِّم عربيٌّ مسيحيٌّ ينتمي إلى الطَّائفة النَّسطوريَّة[1]. ولد إيليَّا يوم الخميس 11 شباط سنة 975م، في السِّنّ، وهي قريةٌ تابعةٌ لأبرشيَّة تكريت، وتبعد عنها نحو 35 كلم. عندما بلغ التاسعة عشرة رسمه المطران نثنائيل كاهنًا، وعيَّنه رئيسًا على دير مار سمعان، وكان ذلك يوم الأحد 15 أيلول سنة 994م. وفي سنة 996م انتقل إيليَّا إلى دير مار مخائيل، بالقرب من مدينة الموصل، حيث درس مختلف العلوم الرِّياضيَّة والفلسفيَّة واللَّاهوتيَّة على يد الرَّاهب يوحنَّا الأعرج. وفي سنة 1002م رُسم مطرانًا على أبرشيَّة بيت نهاذرة. وبعد وفاة يهبالاها مطران نصيبين انتقل إيليَّا إلى نصيبين، وتمَّ تنصيبه مطرانًا عليها، وكان ذلك يوم الأحد 26 كانون الأوَّل سنة 1008م. توفِّي إيليَّا يوم الجمعة 18 تمُّوز سنة 1046م[2].

وضع إيليَّا مؤلَّفاتٍ باللُّغتَين العربيَّة والسُّريانيَّة في عدَّة مجالات: اللُّغة والمنطق والفلسفة والتَّاريخ والعلوم واللَّاهوت والقانون الكنسيّ. أبرز مؤلَّفاته: رسالة في وحدانيَّة الخالق وتثليث أقانيمه؛ جواب مار إليَّا القدِّيس الطَّاهر النَّفيس، مطران نصيبين، عن مسألة أخيه، زاهد العلماء أبي سعيد عيسى بن منصور، مُجدِّد البيمارستان الفارقيّ، في معنى لفظة ”كيان“ ولفظة ”إله“ في لغة السُّريانيِّين، على ماذا يقعان ويدلاَّن؛ مجالس إيليَّا مطران نصيبين؛ رسالة في حدوث العالم ووحدانيَّة الخالق وتثليث الأقانيم؛ كتاب البرهان على صحيح الإيمان؛ خمسة صكوك وأجوبتها؛ تفسير الأمانة الكبير؛ مقالة في نعيم الآخرة؛ كتاب دفع الهَمّ؛ رسالة في فضيلة العفاف؛ وكتاب الأزمنة[3].

اهتمَّ إيليَّا بالدِّفاع عن دينه المسيحيِّ في وجه منتقديه؛ فشرح عقيدة التَّثليث، والتَّجسُّد، وقانون الإيمان، والعفَّة. وتناقش مع المسلمين في عدَّة مناسباتٍ بأمور العقيدة. وتدلُّ مؤلَّفاته على اطِّلاعٍ واسعٍ على الدِّين الإسلاميِّ، وعلى احترامٍ كبيرٍ للآخر المختلف في الدِّين ورقيٍّ في الحوار معه.

سأعالج في بحثي إشكاليَّة الوحدانيَّة عند إيليَّا معتمدةً بشكلٍ أساسيٍّ على رسالتَين له، هما: رسالة في حدوث العالم ووحدانيَّة الخالق وتثليث الأقانيم، ورسالة في وحدانيَّة الخالق وتثليث أقانيمه. وسأقسِّم بحثي ثلاثة أقسام. أتكلَّم في القسم الأوّل منه على أدلَّة إيليَّا على أنَّ الخالق واحدٌ بالعدد؛ وأبيِّن في القسم الثَّاني معنى القول إنَّ الخالق جوهرٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم؛ وأوضح في القسم الثَّالث كيف نفهم وصف الخالق أنَّه لا نظير له أو ليس كمثله شيء، وذلك في ثلاث نقاط:

  • أوَّلًا– الخالق واحدٌ بالعدد.
  • ثانيًّا– الخالق جوهرٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم.
  • ثالثًا- الخالق ليس كمثله شيء.

أوَّلًا- الخالق واحدٌ بالعدد

ذكر إيليَّا عدَّة أدلَّةٍ على وحدانيَّة الخالق وأنَّه واحدٌ لا اثنان ولا ثلاثة في رسالته في حدوث العالم ووحدانيَّة الخالق وتثليث الأقانيم. والرِّسالة، كما يدلُّ عنوانها، يبرهن فيها على أنَّ العالم حادثٌ مخلوقٌ يدلُّ على وجود الخالق. وهو يذكر في هذا السِّياق أمثلةً من الكون وحركة الكواكب وتغيُّر الفصول وأمر الإنسان والحيوان والطُّيور والأشجار والنَّبات[4]، ليستنتج أن «ليس شيءٌ من المخلوقات، كبيرها وصغيرها، نفيسها وحقيرها، إلَّا وفيه مصلحةٌ ودلالةٌ على حكمة الخالق وعنايته»[5]؛ وعلى أنَّ للعالم مدبِّرًا يدبِّر أمور النَّاس فتجري حياتهم على «مقتضى الحقيقة وموجب العناية الإلهيَّة»[6].

إقرأ أيضًا: لن أفقد الأمل رسالة من مسيحي سوري إلى مسلم سلفي جهادي

ويمكنني أن ألخِّص أدلَّته على أنَّ الخالق واحدٌ بالعدد بأربعة، هي:

1- دليل المنطق: يقول إيليَّا إنَّ إقامة الدَّليل على أنَّ الخالق واحدٌ لا اثنان أو ثلاثة أو أكثر ليس واجبًا على مَن يقول إنَّه واحدٌ إنَّما يجب على مَن يقول إنَّه أكثر من واحد؛ لأنَّ الإجماع قد وقع على أنَّ العالم مخلوقٌ عند القائلين بأنَّ الخالق واحدٌ والقائلين بأنَّ الخالق أكثر من واحد؛ وقولهم «مخلوق» يقتضي خالقًا. فإذا قال المؤمن بخلق العالم إنَّ الخالق واحدٌ، فقد قال قولًا يجيزه العقل ولا ينكره، وهو لن يُسأل: لمَ صار للمخلوق خالقٌ واحدٌ لا أكثر؟ أمَّا إذا قال إنَّ الخالق أكثر من واحد، فقد قال قولًا لا يجيزه العقل إلَّا بدليل. وسيُسأل حينها: لمَ صار للمخلوق خالقان أو ثلاثة أو أكثر، ولمْ يكن له أقلُّ من ذلك أو أكثر؟ وإذا كان الأمر كذلك فيجب إذًا على القائل بتعدُّد الخالقين إقامة الدَّليل على قوله لكنَّه غير واجبٍ على مَن يقول بخالقٍ واحد[7].

2- دليل العقل: يقسِّم إيليَّا الموجودات أربعة ضروب من حيث إدراكنا لها:

  • موجودٌ ظاهر الذَّات ظاهر الفعل، مثل النَّار الَّتي ذاتها ظاهرةٌ للعيان وأفعالها ظاهرةٌ للحسِّ وهي الإحراق والإسخان.
  • وموجودٌ خفيُّ الذَّات خفيُّ الفعل، وهذا ليس معلومًا ولا موجودًا. وإن جاز أن يكون موجودًا فلا يُمكن إدراكه؛ «إذ ليس يُعلم الشَّيء إلَّا إذا شوهدَت ذاته أو رُئيَت أفعاله، وإلَّا فليس يُعقل وليس يقع له صورةٌ في النَّفس».
  • وموجودٌ ظاهر الذَّات خفيُّ الفعل، مثل الأدوية الَّتي ذاتها مدرَكةٌ بالحسِّ وأفعالها خفيَّةٌ مستورةٌ، لكن تُدرَك بالتَّجربة.
  • وموجودٌ خفيُّ الذَّات ظاهر الفعل، مثل العقل الَّذي ذاته خفيَّةٌ وأفعاله ظاهرةٌ، ونستدلُّ على وجوده من أفعاله[8].

وكما نستدلُّ على وجود العقل من أفعاله كذلك نستدلُّ على وجود البارئ من أفعاله. فالبارئ كالعقل ذاته خفيَّةٌ وأفعاله ظاهرة. وكما نعلم أنَّ للإنسان مدبِّرًا واحدًا هو العقل كذلك نعلم أنَّ للكون مدبِّرًا واحدًا هو الخالق؛ إذ لا فرق بين العقل والخالق في خفاء الذَّات وظهور الأفعال[9].

إنَّ تقسيم إيليَّا الموجودات إلى أربعة ضروب والاستدلال منها على وجود البارئ قد اقتبسه من مقالة في التَّوحيد ليحيى بن عديّ[10] (ت 974م). يقول يحيى في هذه المقالة إنَّ كلَّ موجودٍ لا يخلو من أن يكون:

  • إمَّا خفيُّ الجوهر والأثر معًا، وهذا لا سبيل لنا إلى أن نتصوَّر شيئًا من معناه ولا من لواحقه.
  • وإمَّا ظاهر الجوهر والأثر معًا، كالنَّار مثلًا، فإنَّ جوهرها ظاهرٌ للعيان وأثرها بيِّنٌ للحسّ.
  • وإمَّا ظاهر الجوهر خفيُّ الأثر، كالدَّواء جرمه محسوسٌ وفعله يُعرَف بالامتحان والتَّجربة.
  • وإمَّا خفيُّ الجوهر ظاهر الأثر، فكالنَّفس والعقل والبارئ[11].

نلاحظ التَّشابه بين إيليَّا ويحيى في تقسيم الموجودات إلى أربعة ضروب وفي الألفاظ المستعملة (ظاهرٌ وخفيّ). لكنَّ الاختلاف بينهما هو أنَّ يحيى يستدلُّ على وجود البارئ فحسب. أمَّا إيليَّا فقد أضاف إلى ما اقتبسه من نصِّ يحيى الاستدلال على وحدانيَّة البارئ، فقال إنَّ للكون مدبِّرًا واحدًا كما أنَّ للإنسان عقلًا واحدًا يدبِّره.

والجدير ذكره أنَّ تشبيه تدبير الله للكون بتدبير العقل للبدن نجده عند الفلاسفة القدماء والعرب. يقول الكنديّ (ت 873م) في رسالته في حدود الأشياء ورسومها:

«السُّؤال عن البارئ، عزَّ وجلَّ، في هذا العالم، وعن العالم العقليّ؛ وإن كان في هذا العالم شيءٌ فكيف هو الجواب عنده؛ هو كالنَّفس في البدن، لا يقوم شيءٌ من تدبيره إلَّا بتدبير النَّفس، ولا يمكن أن يُعلَم إلَّا بالبدن بما يُرى من آثار تدبير النَّفس فيه… فهكذا العالم المرئيُّ لا يمكن أن يكون تدبيره إلَّا بعالِمٍ لا يُرى. والعالِم الَّذي لا يُرى لا يُمكن أن يكون معلومًا إلَّا بما يوجد في هذا العالم من التَّدبير والآثار الدَّالة عليه»[12].

3- دليل القوَّة: يقول إيليَّا إنَّ الإجماع قد وقع على أنَّ قوَّة الخالق على خلق العالم كلِّه أعظم من قوَّة الرَّجل الجبَّار على حمل حبَّة خردل أو شعرة. وإذا افترضنا أن يكون مع الخالق خالقٌ آخر للزم أن يكونا: كاملَي القوَّة، أو ضعيفَي القوَّة، أو مختلفَي القوَّة؛ أي أن يكون أحدهما كامل القوَّة والآخر ضعيف القوَّة. فإن كانا معًا كاملَي القوَّة، فإنَّ اشتراكهما معًا في خلق العالم مثل اشتراك رجلَين جبَّارَين في حمل حبَّة خردل أو شعرة. فكما لو رأينا رجلَين عظيمَي القوَّة قد اشتركا في حمل شيءٍ خفيفٍ مثل حبَّة خردل أو شعرةٍ لنَسَبنا إليهما الضُّعف والهزل؛ كذلك يلزم في افتراض وجود خالقَين كاملَي القوَّة اشتركا معًا في خلق العالم. أمَّا إذا كانا ضعيفَي القوَّة، فهما ليسا بخالقَين لأنَّ الضَّعيف القوَّة ليس بخالق. وأمَّا إذا كان أحدهما كامل القوَّة والآخر ضعيف القوَّة، فالكامل القوَّة هو الخالق والضَّعيف القوَّة ليس بخالق. وإذا كان الأمر كذلك بطل أن يكون للعالم خالقان كاملا القوَّة أو ضعيفا القوَّة أو مختلفا القوَّة. وإذًا بطل أن يكون للعالم خالقان أو ثلاثة خالقين أو أكثر[13].

4- دليل المشاركة: يشبه هذا الدَّليل دليل القوَّة من حيث تأكيده على أنَّ القول بأكثر من خالقٍ للعالم ينتج عنه عجز الخالق. وهو ينطلق من الإجماع على أنَّ العالم معلولٌ لعلَّةٍ أحدثته بعد أن لم يكن. والمعلول تكون علَّته الفاعلة له إمَّا واحدةً مثل الابن الَّذي علَّته أبٌ واحد ولا يجوز أن يشاركه فيه أبٌ آخر؛ وإمَّا يكون للمعلول أكثر من علَّةٍ مثل اشتراك بنَّاءَين اثنين أو ثلاثة أو أكثر في بناء بيت، أو مثل اشتراك عدَّة أشخاصٍ في صنع كرسيٍّ أو بابٍ أو سفينة. ويجوز أن يكون للباب والكرسيّ والبيت والسَّفينة أكثر من علَّةٍ واحدةٍ لعجز صانعٍ واحدٍ عن فعل ذلك الشَّيء من دون مساعدة أحد. لكن لا يجوز أن تكون العلَّة الفاعلة للعالم أكثر من واحدةٍ لأنَّ البارئ ليس بعاجزٍ ولا محتاجٍ إلى مساعدة. فهو إذًا وحده علَّة العالم من غير مشاركة علَّةٍ أخرى له فيه، تمامًا كما الأب علَّة الابن من غير مشاركة أبٍ آخر فيه[14].

ولتسمية الخالق أبًا فائدةٌ عند النَّصارى وفقًا لإيليَّا؛ فهو يقول إنَّ من بين الأسباب الَّتي لأجلها سمَّى النَّصارى الخالق أبًا هو ليتقرَّر في نفوسهم وحدانيَّته كما تقرَّر في نفس كلِّ واحدٍ منهم وحدانيَّة أبيه[15].

يشبه دليل المشاركة عند إيليَّا دليل التَّمانع والتَّغالب عند المتكلِّمين المسلمين من حيث أسلوب التَّقسيم والتَّفريع والاستدلال على وحدانيَّة الخالق بإثبات أنَّ القول بأكثر من إلهٍ يدلُّ على العجز. يقول الإمام الجويني (ت 1085م) في كتابه لمع الأدلَّة إنَّ صانع العالم واحدٌ ويستحيل وجود إلهَين. والدَّليل على وحدانيَّته أنَّنا لو فرضنا وجود إلهَين للعالم، وفرضنا غرضَين ضدَّين، وقدَّرنا إرادة أحدهما لأحد الضِّدَّين وإرادة الآخر للثَّاني، فلا يخلو من أحد ثلاثة أمور:

  • إمَّا أن تُنفَّذ إرادتهما، وهذا محال لاستحالة اجتماع الضِّدَّين.
  • وإمَّا لا تُنفَّذ إرادتهما، وهذا محال لاستحالة خلو المحلِّ من كلا الضِّدَّين، ولما يلزم عن ذلك من عجز الإلهَين.
  • وإمَّا تُنفَّذ إرادة أحدهما من دون الآخر. فالَّذي لا تُنفَّذ إرادته يلحقه العجز فلا يكون إلهًا. وأمَّا الآخر الَّذي نُفِّذَت إرادته فهو الإله القادر على تحصيل ما يشاء.

ويستحيل توافقهما وعدم اختلافهما مطلقًا[16]، وتأكيد ذلك هو مضمون قوله:

«لَوْ كَانَ فِیهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا یَصِفُونَ»[17].

ثانيًّا- الخالق جوهرٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم

فقد ثبت إذًا أنَّ البارئ واحد. ولا يخلو هذا الواحد أن يكون إمَّا قائمًا بنفسه أو موجودًا في غيره مثل الأعراض؛ لأنَّه لا يوجد شيءٌ من الأشياء إلَّا وهو إمَّا قائمٌ بنفسه أو موجودٌ في غيره. ومن البديهيِّ أنَّ القائم بنفسه أفضل وأجلُّ من الموجود في غيره لأنَّه لا يحتاج في وجوده إلى غيره. ومن المحال أن يكون الخالق محتاجًا إلى غيره؛ فهو إذًا قائمٌ بنفسه[18]. ولا يخلو هذا القائم بنفسه أن يكون حيًّا أو غير حيّ، ومن المحال أن يكون خالق الحياة غير حيّ؛ فهو إذًا حيّ. ولا يخلو هذا القائم بنفسه الحيُّ أن يكون حكيمًا أو غير حكيم، ومن المحال أن يكون خالق الحكمة غير حكيم؛ فهو إذًا حكيم. فالبارئ إذًا قائمٌ بنفسه حيٌّ حكيم. والنَّصارى يسمُّون القائم بنفسه جوهرًا، ويسمُّون الحياة والحكمة أقانيم[19]. يقول إيليَّا: نحن معشر النَّصارى نعتقد «أنَّ البارئ (جلَّت قدرته!) واحدٌ، لا إله إلَّا هو، وأنَّه كيانٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم»[20].

ولمَّا كان قول إيليَّا والمسيحيِّين إنَّ البارئ جوهرٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم (يُسمُّونها صفات) يثير شبهة تعدُّد الآلهة عند المسلمين فقد نفى المعتزلة وبعض الفلاسفة المسلمين الصِّفات عن البارئ[21]. فقال واصل بن عطاء (ت 131هـ): «مَن أثبت معنًى [و] صفةً قديمةً فقد أثبت إلهَين»[22].

إقرأ أيضًا: إبراهيم النظام المعتزلي أول من تمرد على المنظومة الأصولية: الجزء الأول

ولإيضاح معنى وصف البارئ أنَّه جوهرٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم، سأتوقّف عند شرح إيليَّا مصطلح «جوهر» وعند صيغة التَّثليث «القائم بنفسه الحيُّ الحكيم» الَّتي يوردها في مؤلَّفاته.

1- الجوهر

يميِّز إيليَّا بين معنيَين للجوهر. المعنى الأوَّل: الجوهر هو «ما حمل الأعراض». والمعنى الثَّاني: الجوهر هو «القائم بنفسه». ويقول إنَّ النَّصارى يقصدون بوصفهم البارئ جوهرًا المعنى الثَّاني، أي القائم بنفسه. والقائم بنفسه يُسمُّونه بالسُّريانيَّة كيانًا وبالعربيَّة «جوهرًا»[23].

ويذهب إلى أنَّ هناك سببَين لتسمية البارئ «جوهرًا» عند النَّصارى:

  • السَّبب الأوَّل: إنَّ حقيقة الجوهر ومعناه وحده عندهم هو القائم بنفسه، والبارئ قائمٌ بنفسه.
  • السبب الثَّاني: إنَّ كتابهم ولغتهم أطلقا على البارئ تسمية الجوهر[24].

ويقول إنَّ النَّصارى اختاروا لفظة «جوهر» للتَّعبير عن عبارة «القائم بنفسه» لأنَّهم لم يجدوا في لغة العرب لفظةً تصلح لأن يعبِّروا بها عن هذه العبارة غير اسم الجوهر[25]. ويضيف أنَّه يتبيَّن من الاطِّلاع على كتب المسلمين أن لا خطأ في هذه التَّسمية إذا كان المقصود بها «القائم بنفسه». وهو يذكر أقوال ثلاثة متكلِّمين مسلمين وصفوا البارئ أنَّه جوهر. فمنهم الشَّيخ العالم أبو جعفر أحمد بن الأشعب[26] الَّذي يقول في الباب الثَّاني عشر من المقالة الأولى من كتابه العلم الإلهيّ:

«قد بُيِّن أنَّ المحرِّك الأوَّل أوَّلٌ على الإطلاق فهو إذن علَّة الموجودات كلِّها. وما كان كذلك فلا يخلو من أن يكون إمَّا جوهرًا وإمَّا عرضًا. ومن المحال أن يكون عرضًا لأنَّ الجوهر علَّة وجود العرض، والله علَّة وجود كلِّ شيء، ولولا الجوهر لم يوجد العرض قائمًا بذاته… فبقي أن يكون جوهرًا أو شيئًا أشرف من الجوهر أو جوهرًا يخصُّه أو كيانًا أو عينًا كيف شئتَ تقول بعد أن يكون المعنى محفوظًا»[27].

ومنهم القاضي أبو بكر محمَّد بن الطَّيِّب المعروف بابن الباقلانيّ (ت 1013م) الَّذي يذكر في كتابه الطَّمس على الأصول الخمس أنَّ الخلاف بين المسلمين والنَّصارى في تسمية البارئ جوهرًا هو في الإسم، أمَّا المعنى فصحيح[28].

ومنهم أيضًا القاضي أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن شبل[29] الَّذي يقول في كتابه في أدب الجدل إنَّ الَّذي دلَّ المسلمين على أنَّ الله قادرٌ عالمٌ هو الَّذي دلَّ النَّصارى على أنَّ الله جوهرٌ إذ كان الجوهر عندهم القائم بنفسه. فأمَّا مَن يعتقد أنَّ الجوهر هو ما حمل العرض فقد كَفَر[30].

وبعد مراجعة ثبت مؤلَّفات الباقلاَّنيّ لم أجد بينها الكتاب الذي ذكره إيليَّا النَّصيبيّ[31]، وأشير إلى أَن الباقلاَّنيّ قد انتقد في كتابه التَّمهيد قول النَّصارى إنَّ البارئ «جوهر»[32].

والجدير بالذِّكر أنَّ تسمية البارئ «جوهرًا» كانت شائعةً عند جميع متكلِّمي الفرق المسيحيَّة وفلاسفتهم، وعند بعض المتكلِّمين المسلمين وفلاسفتهم. نجدها عند متكلِّمي فرق النَّصارى الثَّلاث (الملكيَّة والنَّساطرة واليعقوبيَّة)، مثل: يوحنَّا الدِّمشقيّ (ت 749م)، وعمَّار البصريّ، وطيموتاوس الأوَّل ( 823م)، وأبو رائطة التَّكريتيّ (ت بعد 829م)، وثاودورس أبو قرَّة (ت حوالى 830م)، وإبراهيم الطَّبرانيّ، وإسرائيل الكسكريّ (ت 872م)، وسعيد بن البطريق (ت 940م)[33].

ويرجع سبب إطلاقهم مصطلح جوهر على البارئ إلى أنَّه يعبِّر عن معنى القائم بذاته الَّذي لا يحتاج في قوامه إلى غيره. يقول عمَّار البصريّ إنَّ الأئمَّة الَّذين نظروا في الأمور الإلهيَّة «لم يجدوا في الأمور المدروكة شيئًا أكمل في ذاته ولا أعلى في ماهيَّته ولا أغنى بنفسه عن الضَّرورة إلى غيره في قوام ذاته من الجوهر، فسمُّوه لهذه العلَّة جوهرًا»[34]. ويعرِّف يحيى بن عديّ الجوهر بأنَّه «ليس هو في موضوع»، ويقول إنَّ وصف البارئ جوهرًا يُقصَد به أَنَّه «ليس هو في موضوع، لا كجزءٍ منه، ولا يمكن أن يكون قوامه خلوًا ممَّا هو فيه»[35].

أمَّا الفلاسفة والمتكلِّمون المسلمون، فقد أباح بعضهم تسمية البارئ جوهرًا، مثل الفارابيّ (ت 951م) وابن كرَّام (ت 255هـ) [36]. يقول الفارابيّ إنَّ البارئ جوهرٌ «مباينٌ بجوهره لكلِّ ما سواه»[37]، وأَنَّه الجوهر الأَوَّل الذي يفيض عنه كلُّ وجود[38]. أمَّا ابن كرَّام فقد انتقده عبد القاهر البغداديّ (ت 429هـ) لوصفه البارئ جوهرًا لأنَّه يماثل النَّصارى في ذلك. أمَّا الكِنديّ والمعتزلة فقد رفضوا تسميه البارئ جوهرًا لأنَّ الجوهر محدَثٌ وحاملٌ للأعراض[39].

2- صيغة التَّثليث: «البارئ قائمٌ بنفسه حيٌّ حكيم»

لجأ المسيحيُّون إلى ذكر صيغٍ مختلفةٍ للتَّعبير عن عقيدة التَّثليث، منها: «جوهرٌ حيٌّ ناطق»، و «جوَّادٌ حكيمٌ قادر»، و «عقلٌ عاقلٌ معقول». وقد ذكر إيليَّا عدَّة صيغٍ للتَّعبير عن التَّثليث، أبرزها: «قائمٌ بنفسه حيٌّ حكيم». فالبارئ قائمٌ بنفسه، أي جوهرٌ (أو كيان)، وهو حيٌّ بحياةٍ حكيمٌ بحكمة. والحكمة والحياة ليستا عرضَين لأنَّ ذات البارئ غير قابلةٍ للأعراض، فهما إذًا أقنومان[40].

يشبه تعبير إيليَّا «حيٌّ بحياةٍ حكيمٌ بحكمة» أسلوب الأشاعرة في التَّعبير عن صفات البارئ، لكنَّه يتعارض مع المعتزلة الَّذين أنكروا الصِّفات. فالصِّفات عندهم هي عين الذَّات لا زائدة عليها. وقد كان إيليَّا مدركًا موقف المعتزلة فناقشهم في رسالته في وحدانيَّة الخالق وتثليث أقانيمه، وردَّ على اعتقادهم أنَّ النَّصارى إذا أثبتوا للبارئ حياةً وحكمةً فقد أثبتوا معه قديمَين، فقال لهم: نحن وأنتم مُجمعون على أنَّ البارئ حكيمٌ حيّ، ونعلم من اللُّغة والقوانين المنطقيَّة أنَّ الأسماء المشتقَّة مأخوذةٌ من معانٍ موجودةٍ بها للمسمَّيات بالأسماء المشتقَّة. فالحكيم مشتقٌّ من الحكمة، والحيُّ مشتقٌ من الحياة. ولمَّا كان البارئ حيًّا حكيمًا وجب أن يٌثبَت له حياةٌ وحكمة؛ إذ «لا يكون حكيمٌ إلَّا بحكمةٍ ولا حيٌّ إلَّا بحياةٍ كما لا نحويٌّ إلَّا بنحوٍ ولا مهندسٌ إلَّا بهندسة». ولو كان هذا القول يُلزم النَّصارى الشِّرك لكان أكثر المسلمين أحقُّ من النَّصارى بالشِّرك لأنَّهم يثبتون لله صفات العلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام والسَّمع والبصر. فإن كانوا مع إثباتهم هذه الصِّفات بريئين من الشِّرك، فالنَّصارى أيضًا مع إثباتهم لله الحياة والحكمة بريئون من الشِّرك[41].

ولم ينفرد إيليَّا بنقد المعتزلة لقولهم بردِّ الصِّفات إلى الذَّات، فقد انتقدهم كذلك عددٌ من الفلاسفة والمتكلِّمين المسيحيِّين، مثل: عمَّار البصريّ، وإسرائيل الكسكريّ، ويحيى بن عديّ[42].

وإذا رجعنا إلى كتب المتكلِّمين فإنَّنا نجد عندهم قوائم من أربع أو سبع صفات، وإن كان الجدال بينهم قد دار على ثلاث صفات أساسيَّة، هي: الحياة والعِلم والقُدرة[43]. وثمَّة اختلافٌ أساسيٌّ بين المتكلِّمين والفلاسفة المسلمين من جهةٍ والمتكلِّمين والفلاسفة المسيحيِّين من جهةٍ أخرى حول الصِّفات وعلاقتها بالذَّات الإلهيَّة. فالمعتزلة لم يثبتوا لله إلَّا صفات الحياة والقُدرة والعِلم، وهي صفات إيجابيَّة لفظًا ومعنًى، يوصَف بها البارئ ولا يوصَف بأضدَّادها من موتٍ أو عجزٍ أو جهل. أمَّا الأشاعرة الَّذين أثبتوا الصِّفات فقد قالوا إنَّها معانٍ زائدةٌ على الذَّات، وأنَّها مجرَّد اعتباراتٍ عقليَّةٍ لا وجود عينيًّا لها. فالصِّفات عند أَبي هاشم الجبائيّ (ت 303هـ) مثلاً هي أحوالٌ لا تُعلَم إلاَّ مع الذَّات وبالذَّات. وما تمايز المعلومَين (أي الصِّفتين) إلاَّ لتعدُّد الاعتبارَين أو الحالَين، بدون أن يناظرهما وجودٌ عينيٌّ لموجودَين[44].

والسُّؤالان الَّلذان يطرحهما المسلمون على المسيحيِّين دائمًا: لمَ جعلتم الأقانيم ثلاثة لا أكثر ما دامت صفات البارئ كثيرة؟ وما الَّذي حملكم على القول إنَّ الله ثلاثة أقانيم هي الآب والابن وروح القدس؟

يقول إيليَّا ردًّا على السُّؤال الأوَّل إنَّ أسماء البارئ ضربان:

  • الأسماء الذَّاتيَّة: وهي تخصُّ كيانه وذاته، مثل قولنا «القائم بنفسه الحكيم الحيّ»[45]. وإثباتنا صفات الحكمة والحياة للبارئ مثل إثباتنا الذَّات له «لأنَّ حكمته وحياته ليستا بقوَّتَين مركَّبتَين مثل حكمة المخلوقين وحياتهم، لكنَّهما ذاتيَّتان كيانيَّان غير متجزِّئتَين من الذَّات وغير متبعِّضتَين من الكيان»[46].
  • الأسماء الفعليَّة: وهي تتعلَّق بأفعال البارئ ومشتقَّةٌ منها، «مثل قولنا الخالق الجوَّاد الرَّازق الرَّحيم الحليم السَّميع البصير وما شاكل ذلك من الأسماء»[47]. فصفة «الخالق» مشتقَّةٌ من خَلَق يَخلق وتتعلَّق بالخالق وبالمخلوقين؛ وصفة «الجوَّاد» مشتقَّةٌ من جادَ يجودُ وتتعلَّق بالبارئ وبالَّذين يُجادُ عليهم؛ وصفة «الرَّحيم» مشتقَّةٌ من رَحَمَ يرحَم وتتعلَّق بالبارئ وبالمرحومين. وهكذا في باقي الأسماء الخارجة عن الذَّات والحكمة والحياة[48].

ولمَّا كانت الذَّات والحكمة والحياة خواصَّ ذاتيَّة، والإرادة والجود والرَّحمة وما شاكلها من الصِّفات فعليَّةً، سُمِّيت الذَّات والحكمة والحياة خواصَّ وأقانيم، وسُمِّيت الإرادة والجود والرَّحمة وما شاكلها صفات[49]. فالذَّات من حيث إنَّها ليست قوَّةً مركَّبةً ولا عرضًا هي أقنوم؛ والحياة من حيث إنَّها ليست قوَّةً مركَّبةً ولا عرضًا هي أقنوم؛ والحكمة من حيث إنَّها ليست قوَّةً مركَّبةً ولا عرضًا هي أقنوم. ولذلك يقول النَّصارى إنَّ البارئ كيانٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم[50].

أمَّا ما يميِّز الأقانيم عن الصِّفات فهو أنَّ الأقانيم لا تنفصل عن الذَّات؛ فالله قائمٌ بنفسه ذو حكمةٍ وحياة، وحياته وحكمته «ذاتيَّتان غير منفصلتَين من الذَّات وغير متبعِّضتَين من الكيان»[51].

وثمَّة تشبيهاتٌ يمكن أن تقرِّب فكرة التَّثليث إلى الأذهان، كالقول إنَّ الكلمة مولودةٌ من الذَّات كولادة النُّطق من النَّفس والضَّوء من الشَّمس، والحياة منبعثةٌ من الذَّات كانبعاث الحياة من النَّفس والحرارة من الشَّمس. وكما أنَّ النَّفس والنُّطق والحياة نفسٌ واحدة، والشَّمس وضوءها وحرارتها شمسٌ واحدة، كذلك ذات البارئ وكلمته وروحه إلهٌ واحد. والنَّصارى يُسمُّون الذَّات أبًا، والكلمة ابنًا، والحياة روحًا قدسًا. ويقولون إنَّ ذات البارئ وكلمته وروحه إلهٌ واحدٌ كيانٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم. وقولهم كيانٌ واحدٌ يعني القائم بنفسه. وقولهم ثلاثة أقانيم يقصدون بها: الذَّات والحكمة والحياة[52].

وبهذا الاعتقاد ينفصل النَّصارى من الَّذين يعتقدون أنَّ الطَّبيعة الَّتي لا حكمة لها ولا حياة هي المدبِّرة للعالم، ومن المرقيونيَّة الَّذين يعتقدون بوجود ثلاثة أرباب، ومن المانويَّة الَّذين يعتقدون بوجود ثلاثة أكيانٍ وثلاثة آلهة، ومن أهل المذاهب المخالفة للإنجيل[53].

أمَّا السؤال الثَّاني الَّذي يطرحه المسلمون على النَّصارى، وهو: ما الَّذي حملكم على القول إنَّ الله ثلاثة أقانيم هي الآب والابن وروح القدس؟

يردُّ إيليَّا على هذا السُّؤال بإجابةٍ بسيطة، وهي أنَّ الإنجيل قال ذلك. ويقول إنَّ المسلمين أيضًا يصفون البارئ بالصِّفات الَّتي وردت قي القرآن. فيقولون إنَّ البارئ غير ذي جسمٍ وغير ذي جوارح وأعضاء وغير محصورٍ في مكان. ويقولون أيضًا إنَّ له عينَين يُبصر بهما، ويدَين يبسطهما، ووجهًا يُولِّيه إلى كلِّ الجهات؛ فيوهمون السَّامع أنَّ لله جسمًا ذا أعضاء وجوارح، وهم بريئون من هذا الاعتقاد. فما الَّذي دفعهم إلى وصف البارئ بهذه الصِّفات؟ إنَّ العلَّة في ذلك هي أنَّ القرآن نطق بذلك. والمراد بهذه الأوصاف هو غير ظاهر اللَّفظ، لذلك يجب أن لا يُحمل هذا القول على ظاهره. وكذلك فالعلَّة في قول النَّصارى إنَّ البارئ ثلاثة أقانيم أبٌ وابنٌ وروح القدس هي أنَّ الإنجيل نطق بذلك؛ والمراد به الله وكلمته وروحه[54].

ثالثًا- الخالق ليس كمثله شيء

تبيَّن إذًا أنَّ البارئ إلهٌ واحدٌ بالعدد، وأنَّه جوهرٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم. وهو كذلك لا يشبه شيئًا من مخلوقاته. سأنقل نصًّا لإيليَّا يذكر فيه صفات البارئ وتميُّزه عن سائر المخلوقات، ثمَّ أعلِّق عليه.

يقول إيليَّا:

«إنَّنا معشر النَّصارى الموحِّدين نؤمن بربٍّ واحدٍ لا إله إلَّا هو وحده. لا شريك له في الأزليَّة ولا مثل له في الذَّاتيَّة ولا نظير له في الرُّبوبيَّة. ولا صاحب له يعاونه ولا ضدَّ يقاومه ولا ندَّ ينازعه. وإنَّه غير جسمٍ وغير مركَّبٍ وغير مؤلَّفٍ وغير محسوسٍ وغير متحيِّزٍ وغير متبعِّضٍ وغير مستحيل. فلا يشغل حيِّزًا ولا يقبل عرضًا ولا يحويه مكانٌ ولا يحصره زمان. قديمٌ بلا ابتداءٍ باقٍ بلا انتهاء. خفيٌّ في ذاته ظاهرٌ في أفعاله. منفردٌ بالقدرة والكمال متوحِّدٌ بالعظمة والجلال. مَعدِن النِّعم وينبوع الحكم. مُحدِث كلِّ شيءٍ من لا شيءٍ منشئ كلِّ الموجودات من غير مادَّة. وصانع الخلائق بأمره ومكوِّن البرايا بمشيئته. عالمٌ بالأمور قبل كونها وعارفٌ بالسَّرائر قبل إضمارها. حيٌّ لا يموت ثابتٌ لا يزول قويٌّ لا يحُول قادرٌ لا يعجز. قريبٌ لكلِّ أحدٍ مجيبٌ لمَن يدعوه مغيثٌ لمَن يرجوه. كافٍ لمَن يتوكَّل عليه ملجأٌ لمَن يلتجئ إليه. يُديم النِّعم إذا قوبلَت بالشُّكر ويُزيلها إذا قوبلَت بالكفر. يُعين الصَّالحين يجيب الطَّائعين. عدوُّ العاندين قابل التَّائبين غيَّاث المستغيثين. إلهٌ رحيمٌ ربٌّ كريمٌ خالقٌ حكيم. خلق الدُّنيا لمَّا شاء وكما شاء ويُفنيها إذا شاء كما شاء. ثمَّ يأذن بالبعث والنُّشور ويُحيي مَن في القبور. ويُجازي الأخيار بإيصالهم إلى النَّعيم والأشرار بتخليدهم في الجحيم. إلهٌ واحدٌ خالقٌ واحدٌ ربٌّ واحدٌ معبودٌ واحد. لا إله قبله ولا بعده ولا خالق إلَّا هو. ولا ربَّ غيره ولا معبود سواه. ونعتقد أنَّ ذات هذا الرَّبِّ الَّذي هذه أوصافه (تقدَّست أسماؤه) ونطقه وحياته، أعني كلمته وروحه، جوهرٌ واحدٌ في ثلاثة أقانيم آبٌ وابنٌ وروح القدس. ونتبرَّأ إليه (جلَّ جلاله) من كلِّ مَن يعتقد أنَّ هذه الجواهر كالجواهر المخلوقة وأنَّ هذه الأقانيم الثَّلثة هي ثلثة جواهر أو ثلثة آلهة مختلفة أو متَّفقة… ومن كلِّ مَن يعتقد أنَّ لهذا الإله نظيرًا أو ضدًّا أو يعتقد أنَّه جسمٌ مؤلَّفٌ أو مركَّب. ومن كلِّ مَن يعتقد أنَّه يشغل حيِّزًا أو يَقبل عرضًا. ومن كلِّ مَن يعتقد أنَّه ينتقل من مكانٍ إلى مكانٍ أو يكون في جهةٍ دون جهةٍ أو أنَّه رُئِيَ[55] أو يُرى. ومن كلِّ مَن يعتقد أنَّه نَكح أو يَنكح أو نَسل أو يَنسل أو اتَّخذ زوجة. ومن كلِّ مَن يعتقد أنَّه يقدر أن يخلق إلهًا مثله أو يعمل عملًا فيه فسادٌ أو قباحة. ومن كلِّ مَن يعتقد أنَّ له ابتداءً أو انتهاءً وأنَّه خلق الخلائق من عنصرٍ أو مادَّة. ومن كلِّ مَن يعتقد أنَّه لا يعرف الأشياء قبل كونها أو أنَّه طبيعةٌ يدبِّر العالم بطبعها. ومن كلِّ مَن يجحد النُّبوَّات وظهور الآيات على أيدي الأنبياء والرُّسل الصَّالحين. ومن كلِّ مَن يعتقد أنَّ العالم قديمٌ غير حديثٍ ويجحد القيامة والبعث والآخرة. فكلُّ نصرانيٍّ يعتقد أنَّ مذهبنا يجيز هذه المذاهب الَّتي تبرَّأتُ منها أو أنَّ لنا فسحةً في اعتقاد بعضها فلينكر ذلك عليَّ»[56].

يمكنني أن ألخِّص ملاحظاتي على هذا النَّصِّ بالآتي:

  1. يشبه نصُّ إيليَّا من حيث الأسلوب والمضمون كلام المسلمين والمعتزلة. فهو يعتمد مثلهم وصف البارئ بالصِّفات السَّلبيَّة، كما يذكر صفاتٍ تنتمي إلى الثَّقافة الإسلاميَّة، حتَّى أنَّنا إذا حذفنا من النَّصِّ العبارة الواردة فيه عن التَّثليث لأمكننا القول إنَّ كاتبه متكلِّمٌ مسلم.
  2. يؤمن إيليَّا بحدوث العالم وبأنَّه مخلوقٌ من العدم من غير مادَّة، وأنَّ بقاءه مرتبطٌ بإرادة الله.
  3. يقول بعلم الله بالأشياء قبل كونها. وهي مسألةٌ لم تشغل المسلمين فحسب لكنَّها شغلت المسيحيِّين أيضًا. فثاودورس أبو قرَّة وضع مقالةً عالج فيها هذه المسألة بإسهاب[57]، وكذلك فعل حنين بن اسحق (ت 873م)[58].
  4. يذكر إيليَّا مسألة رؤية الله، وهي من المسائل الَّتي عالجها الفقهاء والمتكلِّمون والفلاسفة في العصور الوسطى.
  5. يذكر إشكاليَّة ولادة الابن من الآب، وهذه أيضا دار الجدال بين المسلمين والمسيحيِّين عليها. لذلك يوضح معنى الولادة فيقول إنَّ النَّصارى يتبرَّؤون ممَّن يقول إنَّ البارئ نَكَح أو نَسَل أو اتَّخذ زوجة. فالمسيحيُّون يميِّزون بين نوعَين من الولادة: الولادة الأزليَّة وهي ولادة الابن من الآب، والولادة الزَّمنيَّة وهي ولادة المسيح الإنسان من مريم العذراء.
  6. يؤمن إيليَّا بالقيامة والبعث والثَّواب والعقاب.

في خاتمة هذا البحث يتبيَّن مدى الاتِّفاق بين المتكلِّمين والفلاسفة المسلمين والمسيحيِّين على وحدانيَّة الله. فالله عند المسيحيِّين والمسلمين إلهٌ واحدٌ بالعدد. لكنَّ الخلاف بينهم هو على الوجه الثَّاني من وجوه الوحدانيَّة، أي الوحدانيَّة بالذَّات. أمَّا الوجه الثَّالث، وهو الواحد الَّذي لا يشبه المخلوقات، فهم يتَّفقون على هذا الوصف لكنَّهم يختلفون في فهم ماهيَّته وتفسيره. فالبارئ عند المسلمين لا يشبه المخلوقات بأيِّ وجهٍ من الوجوه. أمَّا عند المسيحيِّين فهو لا يشبه المخلوقات من حيث إنَّه جوهرٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم.

وهنا أقول: مضى أكثر من ألف عامٍ على النِّقاش والجدال في إشكاليَّة الوحدانيَّة وصل إلى التَّكفير أحيانًا، وما يزال الجدال مفتوحًا وسيبقى… ويستحيل الوصول إلى إجابةٍ مؤكَّدة أو معرفةٍ ثابتةٍ لأنَّ موضوع الجدال ليس في حدود العقل. فلمَ الخلاف والتَّشبُّث باعتقادٍ ورأي؟ فالاعتقاد، وإن كان يستند إلى النُّصوص الدِّينيَّة، فهو ليس كافيًّا لتبرير الخلاف مع الآخر؛ لأنَّ تفسير النَّصِّ الدِّينيِّ يعتمد على العقل ويحتمل تفسيراتٍ وتأويلات، ولا يمكن أن ينتج عنه حقيقةٌ ثابتةٌ كالحقيقة العلميَّة الَّتي هي بدورها قابلةٌ للتَّغيير.

في خاتمة هذا البحث أودُّ أن أطرح سؤلَين: ما أهمِّيَّة دراسة إشكاليَّة الوحدانيَّة عند إيليَّا النَّصيبنِّي بعد انقضاء أكثر من ألف سنةٍ على وفاته؟ وكيف نقرأ مقالاته وأفكاره اليوم؟

إنَّ الوحدانيَّة إشكاليَّةٌ شغلت رجال الدِّين والمتكلِّمين والفلاسفة، المسلمين والمسيحيِّن، في العصور الوسطى وما تزال موضوعًا حيويًّا تُكتَب عنه مئات الدِّراسات كلَّ سنة. وإيليَّا متكلِّمٌ وفيلسوفٌ عربيٌّ مسيحيٌّ لم تأخذ مؤلَّفاته حقَّها من الدِّراسة مثله مثل عشرات المتكلِّمين والفلاسفة العرب المسيحيِّين الَّذين ما يزال قسمٌ كبيرٌ من مؤلَّفاتهم مخطوطًا لم يٌنشَر بعد. هؤلاء المتكلِّمون والفلاسفة المسيحيُّون أسهموا إسهامًا كبيرًا في نهضة الحضارة العربيَّة من خلال مشاركتهم في حركة التَّرجمة والنَّقل من جهة، ووضعهم المؤلَّفات في جميع العلوم: الفلسفة والأدب وعلم الكلام والفلك والطِّب والتَّاريخ… [59] وها أنذا أذكر ذلك في نهاية بحثي، بعد أن بيَّنتُ مدى ارتباط إيليَّا بثقافة عصره من خلال معالجة إشكاليَّة الوحدانيَّة عنده. وسأضع قريبًا مقالاتٍ أدرس فيها تفسير إيليَّا آياتٍ من القرآن الكريم، ومواضيع أخرى له أيضًا.

أختم مقالي بالقول إنَّ قراءة نصوص إيليَّا ودراستها تسهم في الإضاءة على علمٍ من أعلام الفكر العربيِّ المسيحيِّ من جهة، وتُظهر أهمِّيَّة الحرِّيَّة في التَّعبير، واحترام الاختلاف، ومدى رقيِّ الحوار مع الآخر المختلف في الدِّين من جهةٍ أخرى. إيليَّا النَّصيبنِّي نموذجٌ يُحتذى في سعة ثقافته وغنى معرفته وسموِّ أخلاقه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قائمة المصادر والمراجع

ابن أبي أصَيبِعة، عيون الأنباء = ابن أبي أصَيبِعة، عيون الأنباء في طبقات الأطبَّاء، ج 2، ط 4، بيروت، دار الثَّقافة العربيَّة، 1987.

أبو بكر الباقِلانيّ، كتاب التَّمهيد، تحقيق الأب رتشرد يوسف مكارثي اليسوعيّ، بيروت، المكتبة الشَّرقيَّة، 1957.

أبو المعالي الجويني، لمع الأدلّة، تحقيق فوقيّة حسين محمود، ط1، مصر، المؤسّسة المصريّة العامّة، 1965.

أحمد محمود صبحي، في علم الكلام، دراسةٌ فلسفيَّة لآراء الفِرق الإسلاميَّة في أصول الدِّين، 1- المعتزلة، بيروت،  دار النَّهضة العربيَّة، 1985.

إيليَّا، حدوث العالم= إيليَّا النَّصيبينِّي، «رسالة في حدوث العالم ووحدانيّة الخالق تقدّس اسمه وتثليث الأقانيم تأليف الأب الأوحد مار إيليّا مطران نصيبين وأعمالها بركاته علينا آمين»، في: مباحث فلسفيَّة دينيَّة لبعض القدماء من علماء النَّصرانيَّة، تحقيق القسّ بولس سباط، القاهرة، مكتبة فريدريغ، 1929.

إيليَّا، كتاب المجالس = إيليَّا النَّصيبيّ، «كتاب المجالس لمار إيليَّا مطران نصيبين»، في:

«Entretien d’Élie de Nisibe avec le vizir al-Maġribī sur l’Unité et la Trinité», in : Islamochristiana 5, 1979.

إيليَّا النَّصيبيّ، «مجالس إيليَّا مطران نصيبين»، في: محاورات جدليَّة ومجالس دينيَّة ولاهوتيَّة، تحقيق الأب لويس شيخو اليسوعيّ، بيروت، مطبعة الآباء اليسوعيِّين، 1923.

إيليَّا، وحدانيَّة الخالق= إيليَّا النَّصيبيّ، «رسالة في وحدانيَّة الخالق وتثليث أقانيمه»، في: مقالات دينيَّة قديمة لبعض مشاهير الكتبة النَّصارى من القرن التَّاسع إلى القرن الثَّالث عشر، عُني بنشرها وتصحيحها الأب لويس شيخو اليسوعيّ مع الأبوَين لويس معلوف اليسوعيّ وقسطنطين الباشا ب م، ط 2، بيروت، مطبعة الآباء اليسوعيِّين، 1920.

بسَّام عبد الحميد، «محاولة ببليوغرافيَّة في آثار أَبي بكر الباقلاّنيّ (403/1013)»، في المشرق، السنة السَّايعة والسّتون، الجزء الثَّاني، كانون الثّاني- حزيران، 1993، ص 461-490؛ السنة السَّايعة والسّتون، تمّوز- كانون الأوّل، 1994، ص 153-174.

ثاودورُس أبو قرّة، ميمَر في الحرِّيَّة، جزآن، تحقيق سمير خليل سمير، ط1، بيروت، دار المشرق، 2006.

حنين بن إسحق، في الأعمار والآجال، تحقيق سمير خليل سمير، ط1، بيروت، دار المشرق، 2001.

سمير خليل سمير اليسوعيّ، إيليَّا النَّصيبينِّي (975- 1046م) والوزير أبو القاسم المغربيّ (981- 1027م) ، المشرق، السنة السَّادسة والسَّبعونون، الجزء الثَّاني، كانون الثّاني- حزيران، 2002، ص 443- 458.

الشَّهرستاني، المِلل والنِّحل = محمَّد عبد الكريم الشَّهرستاني، المِلل والنِّحل، ج 1، تحقيق محمَّد سيِّد كيلانيّ، القاهرة، مطبعة الحلبيّ، 1961.

عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث = نادين عبّاس، نظريَّة التَّوحيد والتَّثليث الفلسفيَّة عند يحيى بن عديّ في كتابه “الرَّد على الورَّاق” (تحقيق المخطوطات ودراستها)، “مجموعة البحوث العربية المسيحيّة”، 3، بيروت، جامعة القديس يوسف، مركز الشرق المسيحي للبحوث والمنشورات، 2014.

عمَّار البصريّ، «كتاب المسائل والأجوبة»، في: كتاب البرهان وكتاب المسائل والأجوبة، تحقيق وتقديم ميشال الحايك، بيروت، دار المشرق، 1986.

الكندي، «رسالة في حدود الأشياء ورسومها» في: رسائل الكندي الفلسفيّة، تحقيق محمّد عبد الهادي أبو ريدة، القاهرة، دار الفكر العربيّ، 1950.

نادين عبّاس، «الفلسفة العربيّة الوسيطيّة (يحيى بن عديّ وعيسى بن زُرعة نموذجَين) » في: المشرق، مجلَّة المشرق الرَّقميَّة، العدد العشرون، حزيران، 2022.

يحيى بن عدي، مقالة في التَّوحيد، تحقيق سمير خليل اليسوعيّ، سلسلة «التُّراث العربيّ المسيحيّ»، 2، جونية، المكتبة البولسيَّة، 1980.

Fārābī al-, Perfect State = al-Fārābī, On the Perfect State (Mabādi’ ārā’ ahl al-madīnat al-fāḍilah). Revised text with introduction, translation and commentary by Richard Walzer; Oxford,  Oxford University press, 1998.

Samir Khalil, «Bibliographie du dialogue islamo-chrétien : Élie de Nisibe (975-1046)», in : Islamochristiana 3, 1977, p. 257-286.

[1]          النَّسطوريَّة طائفةٌ من الطَّوائف السيحيَّة الكبرى. تعتقد النَّسطوريَّة أنَّ المسيح أقنومان: أُقنومٌ إلهيٌّ وأُقنومٌ بشريّ؛ وطبيعتان: طبيعةٌ إلهيَّة وطبيعةٌ بشريَّة؛ ومشيئةٌ واحدةٌ وفعلٌ واحدٌ إلهيّ.

[2]          سمير خليل سمير، «إيليَّا النَّصيبينِّي (975- 1046م) والوزير أبو القاسم المغربيّ (981- 1027م)»، المشرق، السنة السَّادسة والسَّبعون، الجزء الثَّاني، كانون الثّاني- حزيران، 2002، ص 445- 446.

[3]      Samir Khalil, «Bibliographie du dialogue islamo-chrétien : Élie de Nisibe (975-1046)», in : Islamochristiana 3, 1977, p. 258-284.

[4]          إيليَّا النَّصيبينِّي، «رسالة في حدوث العالم ووحدانيّة الخالق تقدّس اسمه وتثليث الأقانيم تأليف الأب الأوحد مار إيليّا مطران نصيبين وأعمالها بركاته علينا آمين»، في: مباحث فلسفيَّة دينيَّة لبعض القدماء من علماء النَّصرانيَّة، تحقيق القسّ بولس سباط، القاهرة، مكتبة فريدريغ، 1929، ص 75- 94.

[5]          إيليَّا، حدوث العالم، ص 85.

[6]          إيليَّا، حدوث العالم، ص 91.

[7]          إيليَّا، حدوث العالم، ص 95.

[8]          إيليَّا، حدوث العالم، ص 96.

[9]          إيليَّا، حدوث العالم، ص 96- 97.

[10]        يحيى بن عديّ فيلسوف عربيّ مسيحيّ يعقوبيّ. وُلِد في مدينة تكريت العام 893م، ترأّس المدرسة المنطقيَّة في بغداد بعد وفاة أبي بشر متّى بن يونس، وهو تلميذ الفارابيّ. وضع مؤلّفاتٍ كثيرة في الفلسفة واللاَّهوت المسيحيّ (التَّوحيد والتَّثليث، التَّأَنُّس، صدق الإنجيل وتفسير بعض آياته). وقد تميّز في استناده إلى العقل والمنطق في الدِّفاع عن العقائد المسيحيَّة. للتعرُّف إلى سيرته راجع: نادين عبّاس، نظريَّة التَّوحيد والتَّثليث الفلسفيَّة عند يحيى بن عديّ في كتابه “الرَّد على الورَّاق” (تحقيق المخطوطات ودراستها)، “مجموعة البحوث العربية المسيحيّة”، 3، بيروت، جامعة القديس يوسف، مركز الشرق المسيحي للبحوث والمنشورات، 2014، ص 51- 63.

[11]        يحيى بن عدي، مقالة في التَّوحيد، تحقيق سمير خليل اليسوعيّ، سلسلة «التُّراث العربيّ المسيحيّ»، 2، جونية، المكتبة البولسيَّة، 1980، ص 243- 245.

[12]        الكندي، «رسالة في حدود الأشياء ورسومها» في: رسائل الكندي الفلسفيّة، تحقيق محمّد عبد الهادي أبو ريدة، القاهرة، دار الفكر العربيّ، 1950، ص 174.

[13]        إيليَّا، حدوث العالم، ص 97- 98.

[14]        إيليَّا، حدوث العالم، ص 98- 99.

[15]        إيليَّا، حدوث العالم، ص 99.

[16]        الجويني، لمع الأدلّة، تحقيق فوقيّة حسين محمود، ط1، مصر، المؤسّسة المصريّة العامّة، 1965، ص 86- 87.

[17]        سورة الأنبياء، الآية 22.

[18]        إيليَّا، حدوث العالم، ص 99- 100.

[19]        إيليَّا النَّصيبيّ، «رسالة في وحدانيَّة الخالق وتثليث أقانيمه»، في: مقالات دينيَّة قديمة لبعض مشاهير الكتبة النَّصارى من القرن التَّاسع إلى القرن الثَّالث عشر، عُني بنشرها وتصحيحها الأب لويس شيخو اليسوعيّ مع الأبوَين لويس معلوف اليسوعيّ وقسطنطين الباشا ب م، ط 2، بيروت، مطبعة الآباء اليسوعيِّين، 1920، ص 125.

[20]        إيليَّا، وحدانيَّة الخالق، ص 125.

[21]        عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص 213.

[22]        الشَّهرستانيّ، المِلل والنِّحل، ج 1، تحقيق محمَّد سيِّد كيلانيّ، القاهرة، مطبعة الحلبيّ، 1961، ص 46.

[23]        إيليَّا، وحدانيَّة الخالق، ص 127.

[24]        إيليَّا النَّصيبيّ، «كتاب المجالس لمار إيليَّا مطران نصيبين»، في «Entretien d’Élie de Nisibe avec le vizir al-Maġribī sur l’Unité et la Trinité», in : Islamochristiana 5, 1979, p 73.

[25]        إيليَّا النَّصيبيّ، كتاب المجالس، ص 101- 105.

[26]        لعلَّ المقصود في نصِّ إيليَّا هو أبو جعفر أحمد بن محمَّد بن أبي الأشعث. يقول ابن أبي أصيبعة عنه إنَّه متفقِّهٌ قي الدِّين، وأنَّه كان عالمًا بكتب جالينوس خبيرًا بها، وشرح كثيرًا منها. وله تصانيف كثيرة منها كتاب العلم الإلهيّ. توفِّي سنة «ثلثمائة ونيِّف للهجرة».راجع ترجمته في: ابن أبي أصَيبِعة، عيون الأنباء في طبقات الأطبَّاء، ج 2، ط 4، بيروت، دار الثَّقافة العربيَّة، 1987، ص 246- 249.

[27]        إيليَّا، وحدانيَّة الخالق، ص 127- 128.

[28]        إيليَّا، وحدانيَّة الخالق، ص 128.

[29]        هو أبو علي الحسين بن يوسف بن شبل. يقول ابن أبي أصيبعة في ترجمته له إنَّ مولوده ومنشأه في بغداد. وأنَّه «كان حكيمًا متكلِّمًا وفيلسوفًا فاضلًا وأديبًا بارعًا وشاعرًا مجيدًا». وكانت وفاته ببغداد سنة 474هـ. راجع ترجمته والأشعار الَّتي يوردها له ابن أبي أصيبعة في: ابن أبي أصَيبِعة، عيون الأنباء، ص250- 257.

[30]        إيليَّا، وحدانيَّة الخالق، ص 128- 129.

[31]        بسَّام عبد الحميد، «محاولة ببليوغرافيَّة في آثار أَبي بكر الباقلاّنيّ (403/1013)»، في: المشرق، السنة السَّايعة والسّتون، الجزء الثَّاني، كانون الثّاني- حزيران، 1993، ص 461-490؛ السنة السَّايعة والسّتون، تمّوز- كانون الأوّل، 1994، ص 153-174.

المشرق، السنة السَّادسة والسَّبعون، الجزء الثَّاني، كانون الثّاني- حزيران، 2002،

[32]        الباقلاّنيّ، كتاب التَّمهيد، تحقيق الأب رتشرد يوسف مكارثي اليسوعيّ، بيروت، المكتبة الشَّرقيَّة، 1957، ص 75-79.

[33]        عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص 200- 201.

[34]        عمَّار البصريّ، «كتاب المسائل والأجوبة»، في: كتاب البرهان وكتاب المسائل والأجوبة، تحقيق وتقديم ميشال الحايك، بيروت، دار المشرق، 1986، ص 162- 163.

[35]        عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص 199.

[36]        عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص 201.

[37]        al-Fārābī, On the Perfect State (Mabādi’ ārā’ ahl al-madīnat al-fāḍilah). Revised text with introduction, translation and commentary by Richard Walzer, Oxford, Oxford University press, 1998, p. 58.

[38]        Fārābī al-, Perfect State , p. 94.

[39]        عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص 202.

[40]        إيليَّا، وحدانيَّة الخالق، ص 125.

[41]        إيليَّا، وحدانيَّة الخالق، ص 126.

[42]        عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص 241.

[43]        عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص 229.

[44]        أُنظر:

أ. الشَّهرستانيّ، الملل والنِّحل، ص 82.

ب. أحمد محمود صبحي، في علم الكلام، دراسةٌ فلسفيَّة لآراء الفِرق الإسلاميَّة في أصول الدِّين، 1- المعتزلة، بيروت، دار النَّهضة العربيَّة، 1985، ص 321-323.

[45]        إيليَّا، وحدانيَّة الخالق، ص 126.

[46]        إيليَّا، وحدانيَّة الخالق، ص 127.

[47]        إيليَّا، وحدانيَّة الخالق، ص 126- 127.

[48]        إيليَّا، وحدانيَّة الخالق، ص 127.

[49]        إيليَّا، وحدانيَّة الخالق، ص 127.

[50]        إيليَّا، حدوث العالم، ص 101.

[51]        إيليَّا، حدوث العالم، ص 102.

[52]        إيليَّا، حدوث العالم، ص 101– 102.

[53]        إيليَّا، حدوث العالم، ص 102.

[54]        إيليَّا النَّصيبيّ، كتاب المجالس، ص 101- 105.

[55]        في الأصل: رُوْي. وهو خطأ إملائي.

[56]        إيليَّا النَّصيبيّ، «مجالس إيليَّا مطران نصيبين»، في: محاورات جدليَّة ومجالس دينيَّة ولاهوتيَّة، تحقيق الأَب لويس شيخو اليسوعيّ، بيروت، مطبعة الآباء اليسوعيِّين، 1923، ص 51- 52.

[57]        ثاودورُس أبو قرّة، ميمَر في الحرِّيَّة، جزآن، تحقيق سمير خليل سمير، ط1، بيروت، دار المشرق، 2006.

[58]        حنين بن إسحق، في الأعمار والآجال، تحقيق سمير خليل سمير، ط1، بيروت، دار المشرق، 2001.

[59]        نادين عبّاس، «الفلسفة العربيّة الوسيطيّة (يحيى بن عديّ وعيسى بن زُرعة نموذجَين)» في: المشرق، مجلَّة المشرق الرَّقميَّة، العدد العشرون، حزيران، 2022.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete