الوحيُ وقراءاتُه: الجزء الثامن.. مفهوم الوحي عند علي مبروك (القرآن من أجل الإنسان)

 تكوين

مقدمة

انطلقت سلسلة الوحي وقراءاتِه: نحو تجاوز الاستهلاك الأيديولوجي للقرآن المعنية، من مُحاولة فهم العقل الإسلامي وأدواته، والسعي نحو أشكلة نظمه المعرفية ودراستها، والوحي يُمثل الركيزة الأساسية في العقل الإسلامي والعربي المُعاصر، وتتم عمليات الاستبداد المعرفية باسمه، وعلى ذلك آمنت السلسة بضرورة دراسة الوحي وقراءاتِه المقدمة، ومحاولة الخروج به من حالة الاستهلاك الأيديولوجي بغرض الاستبداد المعرفي أو المآرب السياسية والأيديولوجية. وقدم علي مبروك (1961- 2016) مشروعه عن مفهوم الوحي بأنه سَعْيٌ نحو عودة الإسلام من غربته، وعودة إلى القرآن الحي الذي يعمل من أجل الإنسان وله، ويزعم أن هذا ما جاء به الوحي وخاصة الوحي القرآني، والعمل بغير هذا المُقتضى يُعَدُّ عملًا ضد طبيعة القرآن، وتغريبًا له.

ووفق مبروك فإن القرآن مثَّلَ ساحة نزاعٍ سياسي في التاريخ الإسلامي أكثر مما مثَّلَ ساحة التقاءٍ معرفي، وهذا ما دفع السلطة السياسية للاحتماء خلف القرآن والتعامل معه تعاملَ سلطةٍ يجب أن يُذْعن الجميع لها، لا بوصفه خطابًا معرفيًا جاء ملائمًا مع طبيعة المتلقي ومتناغمًا معه؛ لهذا كانت السلطة السياسية هي الأكثر حرصًا على تحويل القرآن من خطاب إلى نص، ينتهي مع ذكره أي اعتراض حتى تتمكن من صياغة رغباتها في قالبٍ ديني. وحدث تغريب للدين والقرآن لصالح السلطة السياسية، ووضعته موضع المفردات السياسية، واستخدمته ضمن أدواتها، إلى أن انتهى به الأمر إلى تغريبه مضمونًا وجوهرًا وحضوره صوريًا لخدمة السلطة السياسية، وتأبيد رؤيتها وحُكمها من داخله.

ومن إيمان علي مبروك بدور المفاهيم في صياغة العقل والتعامل المُطلق معها، وهو ما سماه الأطلقة التي رأى أنها جزء من عملية تغريب الإسلام، بنى مشروعه على إعادة طرح المفاهيم بصورة جديدة وبدأ من تغريب الإسلام ووضع مفهومًا عكسيًا له، ليقف على النقيض من المنظومة السلفية والمنظومة الأصولية، ليرى أن التغريب هو في الالتزام بهذه المنظومات التي تُعلن إغلاق المعنى ونهايته، وامتلاك المعنى النهائي. ويطرح مفهومًا جديدًا للقرآن بوصفه خطابًا إلهيًا جاء بلُغة الإنسان وعقله المعني بالخطاب (المُخاطب)، وهذا يجعل المعنى النهائي للتنزيل يقع ضمن العلم الإلهي فقط، وليس من حق أي منظومة أن تزعم لنفسها هذا الحق، وإلا فإنها تعمل على حَصْر وتأطير ما هو إلهي وغير قابلٍ للحصر أو التأطير. وعليه فإنه يفتح الباب أمام التأويل والتعددية، فتحًا تطرح فيه كل قراءة نفسها بوصفها قراءة إنسانية تُدرك المعنى وَفْق سياقها المعرفي والإنساني، وليست قراءة نهائية تملك المعنى النهائي والإلهي.

ومن بِنية المفهوم الخطابي للوحي يُقدم مبروك مفهومه للشريعة على أنها كُلية تأسيسية، وأن ما جاء في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي هو تصور إجرائي لها، ولا يعني أنها الشريعة في مضمونها، بقدر ما هو الصورة الملائمة للمجتمع المُعاصر التي يُمكن أن تحضُر فيها الشريعة بصورتها التطبيقية؛ الإجرائية. وبهذا يفتح الباب أمام مرونة التشريع، وحق الإنسان في الإسهام بسَنِّ القوانين وتطويرها، وفي الوقت عينه يُرجع إلى الشريعة قوتها الكُلية وعملها بالخطوط العريضة، وعدم الوقوف على اجتهادات مثَّلَت عصرها وعبرت عن أزماته وتجاوزتها، ولكنها تُرعن العصر الراهن وتُقيده، أكثر مما تُفيده.

غربة الإسلام

ينطلق علي مبروك في مشروعه مما تنطلق منه تيارات الإسلام السياسي والسلفية، ويرى أن مشكلة المجتمعات الإسلامية تكمن في غربة الإسلام، ليعد بذلك منطلقًا من الثقافة والرؤية الإسلاميين، ويزعم أن مشروعه يُمثل عودة الإسلام الحيوي في الواقع الإسلامي، ورفع حالة الغربة عن الإسلام ولا يكون غريبًا داخل هذه المجتمعات، ولكنه يختلف مع هذه التيارات في طبيعة هذا الإسلام، ويمر بتساؤل مُهم للغاية؛ هل ما يعني بتحقيق القرآن ووجوده هو التنفيذ والاتباع الحرفي للنص كما يُطرح من الاتجاه السلفي، وتيارات الإسلام السياسي؟ أم البحث عن الغايات المتمثلة في أعماق النص؟ التي جاء ظاهره مُعبرًا عنها وليس مُتطابقًا معها، كون هذه الأعماق، التي هي أقرب إلى القيمة الكلية التي نسعى فيها، ونكون عاجزين عن التحقيق الكلي لها وإلا كانت نهايتها. وظاهر النص محكوم بآلية المخاطب ولغته وحدود فهمه وتلقيه واستيعابه، التي تكونها البيئة بطبيعة الحال، كونه يُمثل التقاءً بين هذه القيمة المجاوزة (الطلق/الكلي)، والتاريخ بتحديداته الجزئية.

ويجيب علي مبروك عن هذا التساؤل في كتابه مفهوم الشريعة، بقوله:

“إن الحضور الحقيقي للإسلام لا يمكن أن يتحقق عن طريق المظهر الخارجي الطقسي فقط”([1])

ويستدل على ذلك بقول الله عز وجل: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} ويراه نُصرة لمضمون الإيمان على صريحه، عن طريق إباحة إنكار الإيمان علنًا وقلبه مؤمن، وإلا يكون ذلك تعارضًا مع الرؤية الإلهية([2]). ويذهب إلى أبعد من ذلك، ليمثل الانتصار الحرفي والظاهري في الإسلام (وهو يُمثل تمثيلًا غيرَ قليلٍ طرح تياراتِ الإسلام السياسي) طغيان على حساب الرُوحي والجوهري، بما يُفضي إلى غربة الإسلام الرُوحي، التي يحضر فيها النص القرآني والطقوس الإسلامية الأخرى([3])، داخل مجتمع يُعاني الافتقارَ إلى أدنى الحدود الأدمية، بما يعني غياب رُوح الدين وجوهره المتمثل عادة في الرحمة والإخاء والمساواة والتصور الإنساني عن الأخلاق. فالانشغال بالأصول العميقة التي تؤسس ظاهر النص، هو وحده من يسمح للنص بالترجمة التطبيقية والحضور الحي داخل الساحة الاجتماعية العربية الإسلامية، ويسمح له بالتجاوب مع المتغيرات الإنسانية([4]).

تغريب الإسلام وحضور السياسة

يرى مبروك في حادثة رفع المصاحف إدراكًا مبكرًا من بني أمية لقوة المصحف التي هي أكثر حضورًا وإقناعًا من قوة السيف؛ وذلك لرفعهم المصاحف في حرب عَجَزَ السيف فيها عن الانتصار فاستُدعي القرآنُ ليكون قوةً بديلة، والشاهد التاريخي أنها بالفعل حققت ما طمح إليه معاوية([5]). ومنذ ذلك الحين مُزجَ السياسي بالديني([6])، وأضحى الدينُ مبرّرًا كافيًا للسيطرة السياسية وداعمًا للشخصيات الحاكمة التي تفتقر إلى مشروعية التأييد؛ وذلك عن طريق فرض صورة للحكم يكون الحاكم فيها أداة إلهية تعمل وفقًا للمراد الإلهي ويحكم الله به([7]). وبدأت عملية تغريب الإسلام مع الأمويين الذين قدموا نسخة دينية تتوافق مع أطماعهم السياسية، واستغلوا القرآن في ذلك، واستهلكوه في بناء شرعية لهم وتبرير أفعالهم.

والدين بداية من العصر الأموي أضحى مَطِيَّةَ السياسي، ويؤكد قائلًا:

“إنه (أي السياسي) راح يتخفى وراء الديني، وإلى حد تماهيه الكامل معه؛ وحيث يجوز التمييز بين الديني يحضر، ظاهرًا، على صعيد اللغة والمظهر، وبين السياسي يحضر، كامنًا، على مستوى الجوهر والبِنية الأعمق”([8])

أي أن الرغبات السياسية كانت هي المُحرك لمضمون القول وغاية المسألة، في حين كان الدين يُمثل القالب اللُغوي الذي تُقدم فيه هذه رغبات السلطة السياسية وأهدافها، وهذا ما جعلها تؤبد رؤيتها وتُطالب الرعايا بالطاعة بموجب العقيدة الدينية التي صاغتها وفق رؤيتها. ويرى علي مبروك أنه منذ ذلك الحين وأضحى الإسلام جوهريًا غريبًا، ولكنه حاضرٌ حضورًا صوريًا يُفقد مضمونه، واستقر في الذهن الإسلامي التطبيق الصوري للإسلام منه عن التطبيق الجوهري، وهذا ما جعل الإسلام غريبًا وفي حاجة إلى العودة من جديد، ويُحاول في مشروعه عودة الإسلام من غربته.

  • الأطلقةُ آليةً لصياغة السياسي عبر الديني

يرى مبروك أن لا شيء أكثر خطورة من تعامل البشر مع الأفكار –مهما كان موضوعها أو مصدرها- تعاملَ المطلق الثابت خارج دائرة الاجتماع البشري يتمتع بصلاحية متعالية على أي تحدٍّ؛ وذلك لما تتضمنه من إهدار للفكرة الإنسانية التي هي ديناميكية ومنفتحة بطبعها([9]). والتاريخ السياسي في نظر مبروك اعتاد أن يقدم رؤيته ويصيغ حكمه بنهجٍ مطلق؛ أي يجعلها من صلب العقيدة الدينية ويصيغها بعبارات ومفردات الخطاب الديني؛ وذلك عبر ما يسميه بـ ((الأطلقة))، وهو

“آلية يسعى بها بعضهموضع كل ما يدخل البشر في تركيبه على نحو جوهري (من الوحي وغيره)، ضمن مجال يخرج فيه التحدد بما يخص البشر (تفكيرًا وتاريخًا)”([10])

فهي آلية يتمكن البعض بها، وضع ما يدخل البشري في تركيبه ضمن المجال المطلق الخارج عن الحدود البشرية.

والفكرة الدينية يستحيل استيعابها خارج تحديدات الإطار البشري أبدًا، فيبدو جليًّا الدور الإنساني في التركيب المنطقي واللُغوي والتاريخي لتلك الظاهرة؛ فالتغيرات التي طرأت على الوحي، لا بد وأنها كانت نتيجة التفاعل الاجتماعي مع الوحي، وانتقال الإنسان من وضع لآخر، وإلا كانت هذه التحولات نتيجة تغيرات طرأت على الذات الإلهية. فالوحي جاء ليكون تركيبًا يقوم على الحوار المفتوح لتاريخ شبه الجزيرة العربية ونظام التفكير السائد حينذاك، فإنه في ذاته يعرب عن رُوح ترفض ((الأطلقة)) ([11])؛ فالوحي لم يفرض نفسه ليكون بِنيةً مغلقة ومطلقة متعالية على التفكير والتاريخ بقدر ما كان خطابًا آنيًا يحاور مجتمع شبه الجزيرة العربية عام 610 ميلاديًا ويجيبهم عن بعض التساؤلات ويُحاججهم إيمانيًا عدة مرات.

وكعادة التاريخ الإنساني، فقد كان للسلطة السياسية رأيٌ آخرَ، عندما سعت في تثبيت معنى النص القرآني؛ وذلك حين حدث الربط بينه وبين السيف/الرمح ليكون قوة إخضاع، يذكر مبروك صراحةً: “فإنه حين يصبح دور النص هو حراسة السلطة، فإن تلك السلطة سوف تكون هي الأكثر حرصًا –حماية نفسها- على تحويله هو نفسه إلى سلطة”([12])؛ وعليه حُوِّلَ النصُ القرآني إلى سلطة تحتجب خلفه السلطة السياسية احتجابًا يُلغي التمييز بينهما، ويتجلى هذا في نظره في جعل معاوية، ما قضى به من توريث السلطة لابنه يزيد بمكانة القضاء المُنَزَّلِ من الله عز وجل، وهذا ما يوضح أن الوحي الذي زعمت السلطة السياسية الارتكاز عليه، ليس هو نقطة الارتكاز بقدر ما كان أكبر ضحاياها؛ وذلك لإهدارها لطبيعته التفاعلية([13])، واتخاذه سلطةً تفرض رؤيتها بواسطته.

ولم تقف الأطلقة عند الوحي فحسب،

“وإنما حتى لتجرِبة الصحابة المنفتحة ذاتها، والتي استحالت -تبعًا لذلك- من تجرِبة لها تاريخ إلى ما يُشبه المطلق الذي يقف خارج أي تاريخ”([14])

لتصير بذلك نماذج مطلقة يُحكمُ من داخلها ويُصاغُ المجتمع على غرارها([15])، ويمتد فعل الأطلقة لأبعد من ذلك؛ فالسلطة السياسية حين لم تجد ضالتها في النص القرآني؛ وذلك لصمته حيال قضية الحكم السياسي وكيفيته([16]) (يلتقي مبروك هنا مع إحدى ركائز مشروع عبد الجواد ياسين، وهو صمت النص القرآني حيال قضية السلطة وطرائق الحكم وكيفية توليها)، فمُدِّدَ مشروع الإطلاقية، فلا يقف عند حدود النص، بل للسنة النبوية أيضًا، التي لم تُعبر بشيء عن السلطة السياسية سوى بالصمت هي الأخرى([17])، إلا أنها وُضِعت في حيز الأطلقة؛ لأنها كانت تقبل الإضافة والتنقيح على عكس النص القرآني، ومن ثم تعطي للسلطة إمكان صياغة احتياجاتها في صورة أوامر إلهية. فقد وصل الأمر إلى حد إسكات القرآن تماما واستنطاق السنة النبوية، وذلك لإمكان الإضافة والتنقيح بالأحاديث، ومن ثم أصبحت الأحاديث دينًا، وأصبح الحكمُ المرغوب فيه يوجد أولًا ثم توضع له الأحاديث([18]). وتصاغ على إثرها المذاهب والنظريات الفقهية التي تؤبد وتشرعن السلطة السياسية التي تعمل تحت إمرتها.

وأضحت التفسيرات والاجتهادات القديمة المقدمة من السلف لا تعبر عن إنتاج معرفة إنسانية تجاه القرآن محكومة بشروط إنتاج المعرفة في هذا العصر وأزماته وحدود الوعي، ولكنهم

“تلقوا المعنى على سبيل الهِبة المخصوصة لهم، وأن أحدًا بعدهم ليس له إلا أنْ يقف عند حدود هذا الذي تحصلوا عليه في لحظة فريدة، لا سبيل لتكرارها”([19])

وهذا ما يُعطيها مَيْزَة التقديس كونها تخرج من إطار الاكتساب الإنساني إلى الهبة الإلهية التي تجعلها ضمن دائرة المطلق، ومن ثم تتسع الشريعة –التي تحمل صفة الإطلاقية بطبيعة الحال– لتتضمن الفقه أيضًا، بل إلى حد الخلط بينهما، مع غفلة التمييز القرآني الحاسم بينهما([20])؛ وذلك لاعتباره هِبَةً إلهية وليس اكتسابًا إنسانيًا، وهو ما يوسع دائرة الأطلقة والمقدس ويُقيد حرية الإنسان أكثر ويصب في مصلحة السلطة السياسية ويعطيها إمكانًا أكبر ومرونة أعلى في صياغة رؤيتها ضمن البناء الديني.

  • هيمنة العقل الأشعري على حساب الإرادة

“إنها ((مطلق الإرادة))، وليس ((قانون العقل والحكمة)) هي ما يحدد تصور العالم الأشعري وبنائه”([21])

إن نمط الفكر السائد في العقل العربي/الإسلامي المعاصر والتاريخي وفق رؤية علي مبروك، هو النمط الأشعري الذي يُعد أساسه الهيكلي الذي يقوم عليه؛ مطلق الإرادة والقدرة لله وسلبها من الإنسان([22])، وليس أدل على ذلك من نظرية الكسب الأشعري، ويرى الفكر الأشعري أن الخرق في النظام الطبيعي والفوات جائز بإرادة الله، وعليه فإن فَهْمَ هذه الظاهرة أو التفكير فيها غير جائز بمعزل عن البناء السياسي القائم كلّيًا على سطوة الخرق([23])، فهذا التصور للعالم الحامل للخرق والفوات لم يكنْ من مقتضيات العقيدة بقدر ما كان من لوازم السياسة([24])، فالشاهد التاريخي أنه لم يكنْ ثمة نمطٌ محدد لتولي السلطة السياسية، بل كانت كل فئة تصيغ رؤيتها في نمطٍ عقائدي (ديني) وتعطي لنفسها مشروعية إلهية بعد توليها الفعلي للسلطة، وهو ما يكرس مبدأ الخرق والفوت وانعدام النظام والنظرية.

يصب إلغاء الإرادة الإنسانية ونصرة الحتمية في مصلحة السلطة السياسية ويعمل لها، وهذا ما جعل التيار الأشعري يكون مقربًا للسلطة وَفْق مبروك، وتم الاتفاق بينهما، وذلك لما يُقدمه التيار الأشعري من مقومات تمكن السلطة من التأسيس الديني لحكمها. وعلى إثر ذلك يرى أن التأسيس للحكم السياسي على الأساس الديني قد تحقق عبر المذهب الأشعري الذي كان مُتناغمًا مع السلطة، يُضفي عليها مشروعيتها. وليس أدل على ذلك مما ذكره مبروك قائلًا:

“إن الاحتجاج بمنع الفتنة قد ارتبط، في الخطاب الأشعري، والسني على العموم (والخطاب الأشعري عادة ما يقدم نفسه بوصفه خطابَ السنة، وله السيطرة على الفكر السني بالفعل)، بمنع الخروج عن السلطان الحاكم”([25])

فسلب القدرة الإنسانية لحساب القدرة الإلهية كان مدخلًا رئيسًا لتشريع ما تُقره السلطة بأنه من مراد الله لا مرادها، وأعطاها مساحة خطأ واسعة ومشروعة وإمكان صياغة النمط السياسي عبر المفردات الدينية. ويذكر أن الخطاب الأشعري راح يشتغل بكثافة في العمق لاستحالة الله إلى قناع للسلطان([26])، إذ يبدو للمرء أنه ينفذ الفروض الدينية، ويسعى وفقًا للتوجيه الإلهي المقدم في النسق الديني، بَيْدَ أنه يسلك حقًّا طريقًا يرسمه ويحدده السياسي.

ولرغبة السلطة السياسية استُقِرَّ على نمطٍ مُوَحَّدٍ للتعامل مع القرآن، ليبدو بذلك النمط الأوحد للتعامل مع النص القرآني، وهو النمط الأشعري([27]) -وهو صاحب نظرية الكَسْب الأشعري المعروفة*– الذي يضع نفسه في هُوية واحدة مع الدين الصحيح والصراط المستقيم، ليصبح مُتعاليًا على الخطابات المناوئة له، والتي تُعبر عن الآراء المنكوسة والمعكوسة([28])، وجعل النص القرآني سلطة لا يملك الفرد حيالها سوى الإذعان والتنفيذ، لتتمكن السلطة السياسية بواسطة المِنْبَرِ القرآني  من طرح وفرض رؤيتها([29])، التي تمتعت فيما بعد بالشرعية التي عرفها النص القرآني، وهو ما نتج عنه جو من الركود والثبات الفكري، لغلبة الطابع الأشعري على العقل العربي، الذي يرى آراء السابقين ومذاهبهم لم تكنْ ثمرة جُهد بشري بقدر ما هي هبات مخصوصة منحها الله لهم لتفانيهم في العبادة والعمل على خدمة الدين.

ويرى مبروك أن إلغاء الإرادة هو تغريب للإسلام الذي جاء يُعلن حرية الإنسان، ولم يوكل للأنبياء مُهمة غير البلاغ وجعل الهداية للعقل*، وجاء الخطاب القرآني موجهًا إلى العقل ويُطالبهم بإعمال العقل، وعدم التقليد الذي ذمه في مواضعَ كثيرةٍ. فضلًا عن ذلك فإن إلغاء الإرادة يعني تعديًا على المشيئة الإلهية التي شاءت أن يكون الإنسان حرَّ الإرادة، ومنحته حق الاعتراف بالوجود الإلهي من عدمه، فأعطى الله الإنسان حق إنكار وجوده. وعلى إثر ذلك يُعَدُّ إلغاء الإرادة تعديًا على جوهر الدين لصالح السياسية، لُتقصي السلطة الدينية الإنسانَ من جانب وتُنكر حريته، كي لا يكون أمامه خيار غير الطاعة، ولتبرر أفعال الحكام لأنها بذلك لا تكون من اختيارهم، ولكنها كَسْب لهم. ونتيجة للمدرسة الجبرية والأشعرية اللتان تبرران كل الأفعال بأنها قضاء الله وقدره، نشأت المدرسة القدرية التي تنكر القضاء والقدر لتولي الإنسان مسؤولية أفعاله، لتُحاسب الحكام على فظائعهم.

  • تغريب الإسلام من الأشاعرة إلى الإخوان

يجد علي مبروك اقتران المصحف مع السيف (في حادثة صفين الشهيرة) لا يزال حاصلًا للآن، ويأخذ الشعار الإخواني (وهو عبارة عن سيفين بينهما مصحف) دليلًا على حضوره([30])، فلا يزال الدين جزءًا من لُعْبة القوة وأهم أدوات السعي في امتلاكها([31])؛ فإدراك السلطة لقوة القرآن التي تفوق حد السيف، جعلت منه جِسرًا ذهبيًا يمكن العبور منه إلى السلطة، وقاموسًا يقدم لها مفرداتها ولغتها([32])، وهذا ما نجد صداه في الفكر المعاصر؛ إذ نجد حسن البنا يجعل الحكومة جزءًا من الدين([33]). فضلا عن أن القرآن أضحى يُعبر عن قناع متميز للسلطة يمكنها من تصفية مخالفيها وفعل ما يحلو بمباركات الإله، بل تجعل الأمر يبدو وكأنه أمر إلهي (وهي آلية أشعرية بامتياز، تِبعًا لإعلان الخطاب الأشعري نفسه مُمثلًا للدين)، وليس أدل على ذلك ما فعله تنظيم الإخوان الإرهابي عند صعوده إلى الحكم ومحاولة تعديل الدستور ووعد الموافقين بالجنة، وإنذار الرافضين بالنار([34]). ومن البدهي أن يطالب هذا التقنع للسلطة السياسية بالسلطة الإلهية، رفض القانون ونفي الضرورة لتكون السلطة مطلقة([35])، وغني عن البيان توضيح أنها كانت إحدى أدوات الفكر الأشعري لوجود السلطة المطلقة كما تم ذكره سابقًا، فامتزاج السلطة السياسية بالسلطة الإلهية إلى حد التماهي يجعل العلاقة بين الحكام والمحكومين على غرار علاقة العبد بربه، لا تحكمها قواعد أو قوانين أو إلزام، بل هي علاقةُ خضوع طرف لآخر. وعليه، أضحى السياسي يُحدد الأنطولوجي (الوجودي) بواسطة الديني؛ وذلك على غرار الأنطولوجية الأشعرية، التي تسلب أي دور أو تفاعل للإنسان وتضخم السلطة الإلهية، وتلغي أي التزام من جانبها([36]).

تبعًا لطرح مبروك، فإن الإسلام السياسي (الإخوان) هو امتداد للفكر الأشعري، ويرى في التصور القطبي (نسبةً إلى سيد قطب) للإنسان جذورًا في الفكر الأشعري، يكون الإنسان فيه مُسْتَقبِلًا فقط منفيًا عنه أي قدرة([37]). ولا يختلف عن الفكر الأشعري في ادعائه امتلاك صحيح الدين (الفهم الحقيقي التام للنص القرآني، والسنة النبوية)، فيقدم نفسه عادة كما يقول مبروك: على “أنه التحقيق المطابق لإسلام العصر الأول السابق على إسلام التأويل”([38])؛ أي الإسلام النقي الخالي من الشوائب والانحرافات والتأويل (الذي يُعد في هذه الحالة إسقاطًا لأهواء ورغبات الإنسان على النص)، ومن ثم فإن أي رؤية مخالفة أو نمط تأويلي يختلف مع المطرُوح من تيارات الإسلام السياسي، فما هو إلا انحراف عن صحيح الإسلام واتباع الهوى (بما تحمله هذه العبارة من ميراث سيء داخل الميراث الإسلامي). وعليه يكون له السيطرةُ على الشارع العربي المعاصر كما كانت من قبل للتيار الأشعري.

ويرى مبروك أن

“الأمر يتعلق بضرورة التعامل مع المفاهيم، بدلًا من التعامل السياسي معها الذي يُحيلها من موضوعات للدرس والفهم إلى محض أدوات للتعبئة والحشد”([39])

ما يجعلها (المفاهيم) فقيرة الدلالات ووسيلة المتحاورين للتقاذف والتصادم. فالحوار والتخلي عن فرض وجهة النظر والتمترس خلف الرؤى الدينية بوصفها قوةً مميزة ورابحة في السجال السياسي أمر ملح على الواقع الإسلامي، ولا يحدث هذا إلا عن طريق سحب النص من تحت أيدي رجال الإسلام السياسي الذين يزعمون امتلاك حقيقة النص، لطرح حوار مفتوح على الآخر يقبل الرؤى المختلفة ولا يفرض رؤيته لتكون رؤيةً عقائدية إيمانية. وعلى ذلك يطرح علي مبروك مفهومه الخطابي للوحي، ليضع الحقيقة الإلهي في مجالها الإلهي وينفي الحق البشري في الحديث عنها أو باسمها، ويفتح الباب أمام طرح القراءات الإنسانية للقرآن ومن ثم فتح باب التعددية والأفهام، وغياب الصوت الواحد المُسيطر باسم ما هو إلهي.

المفهوم الخطابي للوحي وعودة الإسلام

“المعرفة الإلهية تكون بطبيعتها، مطلقة وغير متناهية”([40])

يميز علي مبروك بين المعرفة الإلهية المطلقة/اللا متناهية/المجاوزة، وبين تمثيلاتها في العالم الإنساني؛ فالتمثيلات الإنسانية تخضع لواقعها وتتبدل بتبدل هذا الواقع وتكون متناهية بتناهيه، وإذا كان ثمة لقاءٌ بين ما هو إلهي ولا متناهٍ وبين ما هو بشري ومتناهٍ، فإن هذه اللقاء يكون عبر خطابٍ تقريبي للمتناهي والبشري، ويخضع لتصوراته، وذلك لآن ما هو إلهي ولا نهائي غير خاضعٍ للتصور. وبناء على ذلك بنى مبروك مفهومه الخطابي للوحي، ويقترب فيما يقدمه للتصور الأركوني للوحي بوصفه كلامَ الله المطلق الذي ينزل في صورة تتمكن من الالتقاء مع العقل الإنساني العاجز عن استيعاب اللا متناهي، ويتفق معه أيضًا أبو زيد وهذا ما يقدمه مبروك في نصه التالي:-

“إذا كان القرآن وغيره من مظاهر الوحي وصوره الأخرى هي تمثيلات للمعرفة الإلهية، تصدر عنها وترتبط بها، فإن ذلك لا يعني أنها بوصفها تمثيلاتٍ لتلك المعرفة تتطابق معها أو تستنفدها، بل إن المعرفة الإلهية تبقى مُجاوزة ومفارقة لتلك التمثيلات التي تصدر عنها”([41])

فإذا كان الوحي خطابًا مُصاغًا على نحو يلائم فهم المُخاطب واستيعابه وَفْق ما يقدمه، فإنه يتحدد بصدوره إلى الإنساني المحدود، وليس بطبيعة المعرفة الإلهية التي يحاول أن يُعبر عنها في قالب يلتقي فيه مع المدركات الإنسانية المحدودة.

يُحدد مبروك منطق عمل ظاهرة الوحي في كتابه (نصوص حول القرآن: في السعي نحو القرآن الحي) بأنه توصل غير مباشرٍ مع الله؛ أي عبر وسيط ما، وبنته الشعوب التي تعتقد أنها كانت في حالة فردوسية مع الله ثم انفصلت عنه لذنبٍ اقترفته، فقضي الله عز وجل بذلك[42]. والوحي جاء تعويضيًا عن حالة الانفصال هذه ليمنحهم التواصل غير المباشر مع ما هو إلهي، ولاختلاف العصور ومنطق عملها وحاجاتها وعقلها جاء الوحي متلائمًا مع الوضع العقلي والتاريخي لكل مرحلة، وللتحديات المرحلية التي تشغل المُخاطب ويعيشها وتستبد بوعيه، وإلا جاء منفصلًا عن وعي المُخاطب ولا يكون له معنى. وعلى إثر ذلك يرى مبروك أن خط الوحي الممتد تاريخيًا لا يأتي بصورة اعتباطية، ولكنه جاء متطورًا بتطور الوعي الإنساني، ومرهونا بتحديدات اللحظة التي نزل فيها، ويرى مبروك في ذلك إصرار على الفاعلية الواقعية للوحي، وهذا ما جعله يتجاوز كل مرحلة إلى الأخرى ويعطيه طابعًا شموليًا متجاوزًا لما هو إنساني.

ومن هذا التجاوز ولا نهائية الخطاب الإلهي، وختام سيرورة الوحي مع نبي الله محمد ﷺ مما يمنع تجاوز الوحي بوصفه تنزيلًا بعده، يبني مبروك شرعية التأويل بوصفها تجاوزًا يخدم الوحي والواقع، وذلك لأن الوحي دونه يفقد القدرة على الفاعلية الواقعية التي نزل من أجلها، ويخرجه من الانحصار في اللحظة التي نزل فيها[43]. ويُدافع مبروك عن التأويل بوصفه أداةً استمرارية الفاعلية الواقعية للوحي، عن طريق لا نهائية المعنى الإلهي والحاجة إلى التأويل والفهم الإنساني الذي يُعطي الوحي استمرارية دائمة، ويرى في تقديم أي معرفة تصدر مبنية على الوحي في صورة أنها مُطلقة تغريبًا للوحي وللإسلام، وذلك لأنها تُعلن نهاية الوحي والمعنى الكامل له ففي هذه اللحظة التاريخية، وعلى لسان هذا الفقيه أو المفسر وهذا ما يرفضه القرآن. ويقول في هذا الخصوص:

“إذا كان القرآن وغيره من مظاهر الوحي وصوره الأخرى هي تمثيلاتٌ للمعرفة الإلهية، تصدر عنها وترتبط بها، فإن ذلك لا يعني أنها تمثيلاتٌ لتلك المعرفة تتطابق معها أو تستنفدها، بل إن المعرفة الإلهية التي تصدر تبقى مجاوزة ومفارقة لتلك التمثيلات التي تصدر عنها”[44]

ويرى مبروك أنه على الرغم من إلحاح القرآن المستمر على أن العلم الإلهي مجاوز للمعرفة والتلقي البشريين، فإن هناك ما يُشبه الحقيقة القائمة بأن القرآن يُطابق العلم الإلهي الأزلي القديم([45])، ويرجع هذا للصراع القائم على القرآن كونه مخلوقًا أو أزليًا، واعتباره أزليًا هو ما يتنافى مع تعاطيه مع الواقع في شبه الجزيرة العربية ونزوله على بضع وعشرين سنة، والإصرار على أزلية القرآن مرتبط بمصدريته الإلهية في الذهن الإسلامي (الأشعري خاصة) ويركز عليها، ولا يفهم أنه يعلن عن نفسه بواسطة أدوات النداء أنه يتجه نحو المخاطب، وأدوات النداء هي مكونات أساسية للبِنيته الخطابية، ومراعاة الوحي للمدركات الإنسانية وحدودها لا ينفي المصدرية الإلهية بقدر ما يؤكدها، ويفتح في الوقت عينه الباب أمام الفهم الإنساني.

ويربط مبروك الحضور الثقافي لشبه الجزيرة العربية في القرآن بمفردة الكتاب كما فعل نصر أبي زيد من قبله، ويقول: “لعل دلالة الحضور الكثيف للفظة (الكتاب) في القرآن يرتبط بالقصد إلى نقل المُخاطبين (وهم عرب الجاهلية) إلى المرحلة الكتابية”[46]، وانتقال عرب الجاهلية من المرحلة الشفاهية إلى المرحلة الكتابية يعني انتقالها إلى طور حضاري مختلف، وأكثر تقدمًا ورقيًا، وذلك لما يصاحبها من منطق منظمٍ في التفكير وإنتاج مختلف للمعارف. وقد جاء القرآن ناقدًا للاتباع والتقليد المُلازمان لطبيعة الثقافة الشفهية، وطلبهم بإعمال العقل لاستقبال هدي السماء، ويرى مبروك أن الانتقال من الثقافة الشفهية إلى الكتابية يعني الانتقال إلى آليات الفكر والتعقل المُلازمان للحالة الكتابة، ومن ثم فتح الباب أمام الكشف والابداع، وليس النقل والترديد[47]، ولهذا فإن أي محاولة لإغلاق الباب أمام الكشف والإبداع وإحياء ثقافة النقل والترديد يراها مبروك تغريبًا للإسلام.

وعلى ذلك فإن الوحي وَفْق مبروك يُعَدُّ “ساحة التقاء يتواصل فيها الإلهي والإنساني”([48])، ويرى في هذا المفهوم تفسيرًا للتوتر القائم في القرآن بين ما يطلق عليه “((الكلي/التأسيسي)) الثابت، وبين ((الجزئي/الإجرائي)) المحدود”([49]) والكلي في رؤيته هو المعرفة الإلهية المجاوزة للحظة التنزيل، والجزئي هو تكون هذه المعرفة في قوالب ومحددات لحظة التنزيل. ومن ثم، فإنه يرى أن إهدار البعد الأفقي المختص بعلاقة القرآن مع الإنسان؛ أي التنزيل وكيفيته، وكيفية حضور ما هو إلهي في قالب ما هو إنساني، والتركيز على أن القرآن من صفات الله الأزلية، وعلى المد الرأسي للقرآن وعلي ما هو إلهي، دون الانتباه إلى كيفية نزوله وما هو إنساني يُعَدُّ إهدارًا لحيوية القرآن وإحالته إلى كينونة مغلقة وجامدة([50])، و كذلك التركيز على الجزئي يؤول إلى تلاشي فاعليته خارج لحظة تنزيله، كونه لا يحمل المرونة الكافية التي تجعله يحتوي ويتفاعل مع الواقع، وهذا ما جعل الإسلام يعود غريبًا في مضمونه حاضرًا في إطاره الخارجي، ومن ثم يطرح مشروعه عن القرآن الحي.

  • قرآن ما قبل المصحف

على غرار التمييز بين المعرفة الإلهية وتمثيلها في الواقع الإنساني المتناهي يميز مبروك بين القرآن والمصحف، ويرى أن من الثوابت الراسخة أن النسخة التي بين أيدينا التي استُقِرَّ عليها (تركيبًا وترتيبًا ولغة) هي الهيئة التي أقرها النبي ﷺ وتركها كما هي عليها، وما يعنيه هذا من التطابق بين القرآن والمصحف([51])، بَيْدَ أن هناك خمسة عشر عامًا بعد وفاة النبي والقرآن الذي تركه وبين مصحف الإمام الذي أقره عثمان بن عفان، فالثابت تاريخيًا أن القرآن قد كُتب كله في عهد رسول الله ﷺ ولكن غير مجموع أو مرتب السور، ومن ثم كان لكل واحد من كبار الصحابة “مجموعه الذي يخصه من القرآن، واصطلح على تسميته بالمصحف”([52])، وعليه فلا يمكن الجزم بأن نسخة الإمام التي استُقِرَّ عليها هي النسخة التي أقرها النبي ﷺ، وعلى الرغم من ذلك ثمة قطع وجزم بأن القرآن مكتوب بهذا الترتيب في اللوح المحفوظ([53])، ويرى في الاختلاف الذي حدث حول جمع القرآن وأي مصحف يُعتمد دليل على عدم ترتيب النبي ﷺ للقرآن قبل وفاته، وهو ما يجعل التطابق بينه وبين القرآن المكتوب في اللوح المحفوظ يُمَثِّلُ تضليلًا لا دليل عليه.

وينتهي مبروك إلى التمييز بين “ما يقال إنه قرآن ((الله)) القائم باللوح المحفوظ، وما يمكن القول إنه قرآن النبي من جهة، وبين المصحف من جهة أخرى”)[54](، وهو بهذا يميز بين المعرفة الإلهية المطلقة/المجاوزة، وبين القرآن المنزل إلى النبي، وبين المصحف الذي جُمِعَ. وبهذا التقسيم يلتقي مع ما قدمه أركون ومن بعده أبو زيد في التمييز بين كلام الله في ذاته، والوحي كونه أحد تجلياته، والمصحف المجمع، ولكن بطريقة أقل احترافية في بلورته.

من الضروري التنبيه على أن مبروك في التمييز بين المعرفة الإلهية، والقرآن الآني في شبه الجزيرة العربية، والمصحف، والحديث حول النسخة التي تركها النبي من المصحف لا يهدف إلى التشكيك فيما بين أيدينا من القرآن، ولكن لتوضيح مدى التباعد بين المصحف الذي بين أيدينا والمعنى النهائي في الضمير الإلهي الذي تزعم التيارات الدينية امتلاكه، ومن زاوية أخرى يحاول توضيح العامل الإنساني/السياسي في بناء النمط المعرفي القائم الذي يُتعامَل معه على أنه إلهي مفارق ومطلق.

  • المنهج التأويلي وحضور القرآن الحي

“إن اللغة الإلهية المطلقة لا بُدَّ من أن تكون حاملة لدلالة لا نهائية مطلقة بالمثل”([55])

ينتهي علي مبروك إلى أن اللاهوت يُمَثِّلُ خطابًا ناتجًا عن تصور بشري عن الله؛ فعلى الرغم من أنه تصور لله يجوز فيه الإطلاق والتعالي إلا أنه يأتي خطابًا بشريًا حول الله، تسكنه التحديدات والتحيزات الإنسانية، بهذا يعد الحديث عن الله ليس مرآة لله بقدر ما هو مرآة تظهر فيه ذواتنا واحتياجاتنا ومنطلقاتنا البشرية([56]). والدور الإنساني لا يمكن إنكاره في العملية التأويلية؛ ففي الأخير هي عبارة عن مدلولات تخرج عن إنسان محكوم بإطاره التاريخي ومكرهاته الاجتماعية وانحيازاته البشرية الطبيعية، وفي هذا الخصوص يقول: فـ “الحق أن القارئ بالنية لا يقرأ ما تقع عليه عيناه بقدر ما يقرأ ما تقع عليه جوانحه من الهوى والأوهام”([57])؛ ومن ثم تصير التأويلات والتصورات التي تضع نفسها في حالة تماهٍ مع الإرادة الإلهية، بعرض تأويلاتها في صورة تبدو وكأنها في حالة تطابق مع المراد الإلهي، محاولات للتخفي خلف السلطة الإلهية الهائلة، لتحقيق أغراض وغايات عادة ما تكون سياسية. ومن ثم يعد طرحه لمفهوم الوحي كما عُولجَ في السطور السابقة محاولة سحب زعم امتلاك المعنى النهائي للخطاب القرآني (الكامن في الضمير الإلهي)؛ لأنه في الأخير يتعامل مع نسخة أرضية –وَفْق التعبير الأركوني- من كلام الله تلائم تصوراته، ومن ثم فهو عاجز عن إدراك المعنى الصحيح والنهائي الكامن في الضمير الإلهي.

ويرى مبروك أن الحضور الحي للقرآن والفاعلية الواقعية له، تتم عبر القراءة التاريخية للنص القرآني التي تضعه في سياقه التاريخي ولا تعزله عن هذا السياق، ولا تعتبره أحكامًا كُلية مطلقة لا تحمل أي بعد اجتماعي، والتمييز في الخطاب القرآني بين المتجاوز بشموليته وكليته الشق ((التأسيسي)) في القرآن، وبين الشق الإجرائي الذي يراه؛ التحديدات الجزئية التي تسعى في تحقيق الشق التأسيسي الكلي في لحظة بعينها. ويصر على عدم جمود هذا التقسيم الذي لا يعبر عن طرفي نقيض، بقدر ما يعبر عن علاقة دينامية يكون ((التأسيسي)) جوهرها و((الإجرائي)) معبرًا عنها في السياق التاريخ داخل في تركيبها. و((التأسيسي)): يُمَثِّلُ مصلحة الإنسان، وهو أشبه بحقيقة علمية تتنامى وتتطور مع التاريخ؛ وذلك عن طريق نقدها وتصحيحها المستمر لنفسها، من دون الوقوف عند لحظة بعينها، وإلا تعد مهدرة لطبيعتها وتحكم على نفسها بالفناء([58]). وهذا ما يعطي إلى النص راهنيته الدائمة، إذ يُعَدُّ البحث عن التأسيسي بمنزلة البحث عما هو أفضل مرهون بلحظته التاريخية يأتي بواقع جديد ومختلف عادة ما يكون قادرًا على مواجهة أزماته ودراستها وتخطيها، وليس تجاهلها والاتكاء على حلولٍ يسرقها من التاريخ.

أما عن الطور التطبيقي للجوهر التأسيسي في النص، فيري أنه يُحكَم عن طريق الصلاح والوقت والعقل؛ فبغير الصلاح لا يتمكن النص من الصلاحية الواقعية، في هذا الوقت بعينه لا على مستوى الإطلاق، ولعل هذا نابع من طبيعة الإصلاح المتغيرة بالسياق الزماني والجغرافي. والوقت بوصفه متغيرًا فلا يسعنا أن نقول إن إصلاح اليوم يكون إصلاحًا للغد، بل يتميز الإصلاح براهنيته، ومحاولة تأبيد الإصلاح تعني فساده. والعقل وحده هو ما يمكنه القيام بهذا التحريك، وتحديد الصلاح وفقًا لمعطيات الواقع، واستيعاب الجوهر التأسيسي له، وربط العلاقة بينهما، وطرح رؤيته داخل حدوده التاريخية معترفًا بها[59]، ومن هذا المُنطلق بنى مبروك مفهومه عن الشريعة بوصفها الكُلياتِ التي تشترك فيها الإنسانية.

مفهوم الشريعة

يؤسس مبروك رؤيته لمفهوم الشريعة من داخل مفهومه الخطابي للوحي، ومن بِنية الخطاب القرآني، فيقول: “فقد أورد القرآن الجذر ((شرع)) (بالمعنى الدال على الشريعة) أربع مرات؛ كان، في ثلاث منها، منسوبًا إلى الله وحده. وفي المرة الوحيدة، التي نسب فيها القرآن الفعل ((شرعوا)) إلى البشر، فإن ذلك على سبيل الاستنكار والتعريض؛ بما يعنيه ذلك من عدم تصور إمكان نسبة هذا الفعل لغير الله أبدًا. وحين يُضاف إلى ذلك أن القرآن قد أورد مشتقات ((فقه)) عشرين مرة، كان فيها جميعًا في صيغة الفعل المنسوب للبشر فحسب”([60]). فالشريعة وفقًا للنص المُقدم فعل إلهي والفقه فعل بشري، ولا يجوز خلطهما ليحمل الأول قدسيته الإلهية ومزاياه المطلقة ويلتزم الثاني بحدوده الإنسانية والتاريخية.

وعن بِنية مفهوم الشريعة فيحددها مبروك من الآية 13 من سورة الشورى }شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ{، ويرى أنها تُمَثِّلُ المشترك الإنساني بين البشر وهذا المشترك يُمثل كليات الدين وأمهات الفضائل، التي جاء بها كل الأنبياء وأقروا بها، فهي تعبر عن “الكليات التأسيسية، التي يتشارك فيها، ليس الأنبياء فحسب؛ ولكنْ لعله يُمكن القول إن الكثيرين من بني البشر جميعا يؤمنون بها”([61]). فالشريعة كما لا تختزل في الأحكام والحدود، ولكنها المبادئ الأساسية التي يراها الإنسان ضرورة بوجهٍ عام وتقرها الأديان كافة (تُشبه كثيرًا إلى حد التطابق الأخلاق الكلية في مشروع ياسين)، مثل: تحريم القتل، فالقتل فعل غير مقبول على المستوى الإنساني وترفضه كل الأديان (إلا في حالات يرى فيها الإنسان أحيانًا وجوب القصاص، وتُقره الديانات أيضًا)، وأكل حقوق الغير، والحث على الرحمة والإخاء… وكل ما هو محمود ومستحب عند البشر، ويتضح مفهوم الشريعة أكثر حين يُعرضُ مفهوم الوحي.

خاتمة

ما تفصح عنه الصفحات السابقة أن مبروك يعرض نمطه القرائي للخطاب القرآني باستخدام مفاهيم جديدة تكون أكثر اتساعًا ورحابة؛ من داخل المفهوم الخطابي للوحي الذي يطرحه يُثبت عدم إمكان القبض على المعنى الإلهي للخطاب القرآني، لأنه إلهي مطلق وكون القرآن صورة تعبيرية/تمثيلية عنه/له. ومفهوم الشريعة، إذ تمثل التشريعات العامة والتأسيسية والمطلقات الأخلاقية التي يعرفها الإنسان (وتشبه كثيرًا الأخلاق الكلية عند ياسين)، وليس الأحكام التشريعية والأخلاقية الدقيقة، مما يعطي هذا المفهوم للشريعة طبيعة كُلية دينامية تمكنها من الحضور داخل أي نمط اجتماعي جغرافي تاريخي ما؛ فالإصرار على طرحها طَرْحَ الأحكام الدستورية الدقيقة يُفقدها مرونتها وتفاعلها مع المجتمع الإنساني. وتركيزه على المفاهيم؛ لأنه يعرف مُهمة التصور في بناء الواقع، فإن تصور الشريعة تصوُّرَ تعاليمٍ إجرائيةٍ جامدةٍ يفضي إلى واقع غير ملتزم بالشريعة أو القوانين؛ لأنها في هذا الحين لا تكون مُراعية للواقع واحتياجات الفرد التي يعجز عن تغافلها.

وَفْق ذلك فإن مشروع مبروك ينطلق من أفق حداثي وما بعد حداثي، يحاول أن يفصل الخطاب القرآني ومُرَادُه عن الأيادي الإنسانية التي تعلن نفسها ممثلة له، ويسعى في تقديمها داخل إطارها الإنساني. والسعي نحو تأويلية جديدة تضع في حسبانها المصلحة الإنسانية، بوصفها أحدَ غايات الخطاب القرآني وجوهر الدين، وقراءة هذا الخطاب في إطاره التاريخي وبمناهج معاصرة، مما يُفضي إلى تعاطي الخطاب القرآني مع الواقع ومرونته، واتساع في دلالاته؛ وذلك عن طريق الفهم التاريخي له، إذ لا يكون للشق الإجرائي الظاهري طغيان على الشق الجوهري التأسيسي. وللأفق الذي ينطلق منه مبروك ويعجز عن تجاوزه على كل حال نتائجه التي حاول بغير وعي منه أن يسقطها على النص، وهذا أمرٌ معروف ومشروع فالقراءة –أي قراءة- تعجز عن أن تكون موضوعية بصورة تامة، ولكنها تتحرَّى الموضوعية ولا تسعى في التضليل، وهذا ما وضعه أبو زيد في عبارة تفرق بينهما وهي (التأويل، والتلوين). وفي الأخير، فإن هذه القراءة تقدم نفسها لتكون قراءةً إنسانية لا لتكون مطابقةً للمراد الإلهي.

وإذا كان الله غير قابل للوصف أو الخضوع للتصورات الإنسانية ألا تكون المعرفة الإلهية كذلك؟ وإذا كانت المعرفة الإلهية مُطلقة وغير قابلة للحصر ألا يُعد مشروع أركون ومفهومه الخطابي للوحي يُمثل عودة إلى الإسلام من غربته كما يزعم؟

 

__________________________________________________________________
المراجع:

[1] – علي مبروك مفهوم الشريعة، ص 16

[2] – المصدر السابق، ص  15- 16

[3] – المصدر السابق، ص  18-19

[4] – مبروك نصوص حول القرآن، ص  126- 127

[5] – مبروك، القرآن والشريعة، ص25

[6] – مبروك، الخطاب السياسي الأشعري، ص 59

[7] – مبروك، نصوص حول القرآن، ص 24

[8] – الخطاب الأشعري المصدر السابق، ص 57

[9] – مبروك، نصوص حول القرآن، ص 13

[10] – المصدر السابق، ص  14-15

[11] – المصدر السابق،  ص  13-14

[12] – مبروك، القرآن والشريعة، ص 25

[13] – مبروك، نصوص حول القرآن، ص 14

[14] – المصدر السابق، ص 16

[15] – مبروك، القرآن والشريعة، ص 20

[16] – مبروك، نصوص حول القرآن ص 17

[17] – Jackson(Roy), FIFTY KEY FIGURES IN ISLAM, Routledge, ,London and New York, 2006, pp.9

[18] – مبروك، الأزهر وسؤال التجديد، ص 77-79

[19] – مبروك، القرآن والشريعة، ص 21

[20] – المصدر السابق ص 141. راجع أيضا، مبروك، أفكار ص 134

[21] – مبروك، الخطاب السياسي الأشعري من إمام الحرمين إلى إمام العنف، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2015، ص 41

[22] – المصدر السابق، ص 17

[23] – المصدر السابق، ص 24

[24] – المصدر السابق، ص 41

[25] – مبروك، الخطاب السياسي الأشعري، ص 61

[26] – الخطاب الأشعريالمصدر السابق، ص 58

[27] – مبروك، الأزهر وسؤال التجديد، ص  41-42

* – نظرية أشعرية مفادها أن الأفعال كلها خلق لله، والإنسان مكتسب لها فقط

[28] – مبروك، الإمامة والسياسة، ص  84-85

[29] – مبروك، نصوص حول القرآن، ص 9

* – يمكن في ذلك مراجعة الجزء الخامس من السلسلة: العقل مستقبلًا وشارحًا للوحي.

[30] – https://www.youtube.com/watch?v=1-bezmtNHIc

[31] – مبروك، في لاهوت الاستبداد والعنف، ص 63

[32] – المصدر السابق، ص 62

[33] – مبروك، مفهوم الشريعة ،سبق ذكره، ص 304

[34] – https://www.youtube.com/watch?v=-hai-1NhLE0

https://www.youtube.com/watch?v=7hii7clnid0

https://www.youtube.com/watch?v=bTYtfCFN2fk

https://www.youtube.com/watch?v=CMRZ_JhnOfM

[35] – مبروك، الخطاب السياسي الأشعري،  ص  69-70

[36] – المصدر السابق، ص 73

[37] – المصدر السابق، ص 138

[38] – مبروك، مفهوم الشريعة، ص 311

[39] – مبروك، القرآن والشريعة، ص 23

[40] – مبروك، نصوص حول القرآن، ص 150

[41] – المصدر السابق، ص 147

[42] – نصوص حول القرآن، ص 143-144.

[43] – السابق، ص 146.

[44] – نصوص حول القرآن، ص 147.

[45] – المصدر السابق، ص 162

[46] – السابق، ص 160.

[47] – نصوص حول القرآن ص 161.

[48] – المصدر السابق، ص 165

[49] – المصدر السابق، الموضع نفسه.

[50] – المصدر السابق، 162

[51] – مبروك، نصوص حول القرآن، ص 167

[52] – المصدر السابق، ص 169

[53] – المصدر السابق، ص 170

[54] – المصدر السابق، ص175

[55] – مبروك، نصوص حول القرآن، ص 216

[56] – مبروك، في لاهوت الاستبداد والعنف، ص 11

[57] – مبروك، القرآن والشريعة، ص 60

[58] – مبروك، أفكار مؤثمة، ص 72-74

[59] – المصدر السابق، ص 81

[60] – مبروك، مفهوم الشريعة، ص 84

[61] – المصدر السابق، ص 85

إقتباسات

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete