الوحي والقرآن والمصحف.. القوة التخييلية ومعضلة اللوح السحري المحفوظ

ثمّة أزمة رافقت النص الديني منذ تعميم “الجهل المقدس” بتعبير الباحث والأكاديمي الفرنسي المختص في شؤون الإسلام السياسي، أوليفيه روا، وتوالي انتصارات أصحاب نظرية الحق الإلهي. هذه المعضلة متمثلة في تعطيل التجربة الإيمانية كمعطى شخصي، يخضع له الفرد بحرية مُطلقة من دون إرشادات قسرية بواسطة كُتل صلبة مؤسسية، وأجهزة دينية وثقافية، تُعنى بتعميم قيمها، وفرض مقولاتها الثابتة والنهائية، ونمط التدين.

الدور الرعائي الذي تقوم به النخبة الدينية المؤدلجة، تاريخياً، إنّما يهدف إلى شلّ الإرادة والتفكير. فتضحى القوة، في يد السلطة المتعالية وفي قداستها المتوهمة؛ وهي قوة رمزية وأحياناً مادية تتخفى في هذا المقدس بينما تتحول لعلامة قانونية، عبارة عن ممارسات أيدولوجية عميقة تتسلل لعمق الحيز الاجتماعي الذي يبقى مرغماً على نتائج وصور مماثلة لما في عوالم متخيلة وبعيدة، لكنها تخدم إرادات العنف والهيمنة.

تغييب العقل والحرية في ظل رفض التعاطي مع النص الديني، وفق شروط جديدة معرفية تضع في الاعتبار المناهج الحديثة، التاريخية والألسنية والأركيولوجية والفيلولوجية، راكم أجساداً متهالكة وضعيفة ومنبوذة لتقوية التصورات (والأجسام) السلطوية. فلم يعد مسموحاً أن يكون الفضاء العام قابلاً لاستقبال أفراد لديهم القدرة على إعلان أنماط مغايرة من الإيمان والتدين نظرياً أو في الممارسة بخلاف ما هو رسمي وسائد.

تفضح هذه الأعراض كافة تقنيات السلطة المتفشية في المجال العام، والتي تفضح الرغبة المكبوتة في التطويع، تطويع القوى الاجتماعية، وأن تظل الأخيرة حوامل لمخزون هائل من الأفكار والحقائق والهواجس بواسطة النظم التي تشكلها وتؤطرها في دائرة نفوذها ومجال رؤيتها. هذا الجسد اللين، الضعيف المكبوت، كما تصوره أساطير وخطابات فلسفية عديدة، هو الجسد الاجتماعي المتوقع والذي لا يشكل ثمّة تهديد مستقبلي لأيّ قوى تاريخية أو سياسية، بينما لا يملك فعالية لاستكمال أي معركة ضد الميتافيزيقا وفق التصور النيتشوي.

إذاً، لم يكن عفوياً استخدام مفاهيم مثل: الوحي والقرآن والمصحف باعتبارها ذات معنى واحد، من دون تمييز الفوارق بينهم على أساس أنّها ظواهر تشكلت في التاريخ، في حين تحمل كل ظاهرة خصوصيتها وملابساتها ومنطق اشتغالها الداخلي والمرتبط، حتماً، بالرسالة الإلهية في المحصلة. بل كان الخلط المتعمد وسيلة إجرائية لتشكيل رؤية أسطورية مغلقة حول النص الديني الذي نزل به الملاك جبريل لفظاً ومعني على الرسول، وفق التصور الديني القديم الذي قدمته الأنظمة اللاهوتية التاريخية. وهذه الأسطرة سوف تشكل ممانعة أمام أيّ محاولة لفهم بنية النص، وبناء مقاربات حداثية.

وبدلاً من أن يكون النص الديني خطاباً لغوياً متعدد الأصوات ومنفتح على تأويلات جمّة من الناحية اللغوية والنفسية (مع الأخذ في الاعتبار أنّ المستشرق الألماني تيودور نولدكه قد ألح، مثلاً، على مسألة لافتة في منهجية ترتيب القرآن وصفها بــ”الحماس النبوي” من خلال تتبع الحالة الشعورية في درجاتها القصوى ثم خفوتها أو انحسارها وتحولاتها على مدار الدعوة حتى اكتمالها) وحتى التاريخية، تحول إلى أداة أيدولوجية تؤدي دوراً وظيفيا براغماتياً.

الوحي، الذي كان آلية تبليغ الرسالة عبر الاتصال بكائن متعالٍ، وفي مرتبة وجودية مفارقة للبشر، لم يكن أمراً عرضياً أو مباغتاً في بيئة النص القرآني في شبه الجزيرة العربية، بل كان متداولاً في السياق الثقافي العربي. هذا أول ارتباط عضوي بين النص المؤسس وشرطه التاريخي الذي لم يتجاوز الباراديم الثقافي أو حتى النظام اللغوي القائم. فكان التواصل بين العرب (شعراء وكهانة) والعوالم الخرافية، كالجن (في وادي عبقر الأسطوري) بواسطة الإشارات الخفية والملغزة، سابقاً على الإسلام.

يقول نصر حامد أبو زيد في كتابه: “مفهوم النص”، إنّ العلاقة بين النبوة والكهانة في التصور العربي أنّ كليهما “وحي”. أي اتصال بين إنسان وكائن آخر. ويوضح أبو زيد أنّه “وفي هذا الاتصال/ الوحي ثمّة رسالة عبر شيفرة خاصة لا يتاح لطرف ثالث أن يفهمها على الأقل لحظة الاتصال”. وفي هذا لا يصبح الوحي “ظاهرة غير طارئة على الثقافة بل مفروضة عليها”. وهي تؤشر إلى وجود ارتباط عضوي للنص الديني مع الشروط التاريخية لحظة نزول الرسالة.

بالتالي، لم تكن فكرة نزول ملاك من السماء على بشر سوى جزء من بنية تكوين العقل العربي، ثقافياً، ومحايثة لواقعه، وتتماثل معه. فالعربي الذي “يدرك أن الجني يخاطب الشاعر ويلهمه شعره، والكاهن والعراف يستمدان نبوءاتهما من الجن، لا يستحيل عليه أن يصدق بملك ينزل بكلام على بشر”.

الوحي، إذاً، هو القوة التخييلية لدى النبي التي جعلته يتحمل أو يتمثل الصور الوحيانية والرموز والإشارات الإلهية. وهذا الوحي الذي كان يحس به النبي محمد كمثل “صلصلة الجرس”، وفق تعبير جلال الدين السيوطي في كتابه: “الإتقان في علوم القرآن”، إنّما يكشف عن مشقة النبوة التي لم تكن سهلة، بل هي بمثابة اشتباك يومي مع عوالم متشظية، برموزها وعلاماتها الدلالية الجديدة، الخفية والغامضة والمعلنة والمباشرة.

بل إنّ السيوطي، في الكتاب ذاته، ألمّح إلى احتمالية أن يكون النبي محمد قد تلقى الرسالة من جبريل معنى، ققط، ثم نطق بها بلغة العرب. وهذا ما يمكن اعتباره عملية تأويل لظاهرة الوحي تجعل من النبي “فاعلاً في الرسالة وليس مجرد وعاء سلبي” وفق الباحث التونسي جلال الربعي في كتابه: “من القرآن إلى المصحف”,

فالانتقال لدائرة الإيمان الجديد أو الاستجابة للمعطى الإلهي (والوحي)، لم يحدث بنزاع دموي أو تصفية وقطيعة تامة مع ذاكرة النبي المتخمة بالحوادث والأشخاص والأماكن وحمولات ذلك كله النفسية والمعنوية، إنّما بإعادة البناء والتركيب عوضاً عن الهدم، فضلاً عن الآيات التي تكشف عن مسار الوحي لطمأنة النبي كما في سورة الضحى: “والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى”.

وكما يخاطب القرآن النبي: “سنلقي عليك قولاً ثقيلاً”، فإنّ الحالة ذاتها يؤكدها الوحي في قوته وغموضه، وربما، عمق تأثيراته النفسية كما ورد في مسند أحمد. إذ ينقل عن عبد الله بن عمر قول النبي له: “ما من مرة يُوحى إلي إلا ظننت نفسي تفيض”. النفس الذي تفيض هنا إشارة إلى فائض للمعنى الذي يتولد من حالة التلقي الجديدة مع عوالم التجربة الإيمانية.

وعليه، الوحي هو “اعتمال داخلي في ذات الإنسان المهيأ إليه قلبياً ونفسياً وجسدياً وثقافياً”، كما يذكر الباحث التونسي جلال الربعي.

اللافت أنّ الربعي يشير إلى طبيعة الوحي المزدوجة حيث هو “كلام الله” من جهة المصدر المتعالي، كما أنّه “كلام البشر” حيث ينتمي إلى لغة الأخير وثقافته، بشروطها الحضارية والتاريخية، في لحظة حدوثها.

وينتقل الربعي إلى مفهوم القرآن الذي هو الكلام الذي نطق به الرسول شفاهة وانمحت بعض خصائصه بفعل الزمن، تحديداً ما يتصل بالتلفظ النبوي ومنها: “النبرة، الحركات، علامات الوجه، …إلخ). ويكاد لا يختلف ما ذكره الربعي عن ما ورد في كتاب المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون المعنون بـ”محمد: سيرة نبي الإسلام” بأنّ النبي “كان غالباً ما يشعر في أول الوحي بإلهام داخلي لا يعبر عنه بكلام واضح. وإذا كف عنه الإلهام يتلو كلاماً يتناسب بصورة واضحة في ذهنه مع ما كان قد ألهم به”.

ويصل الباحث التونسي إلى المصحف والذي كان نتاجاً لعملية تدوين القرآن.

كما أن الإمام محمد عبده في “رسالة التوحيد” يرى أنّ الوحي “عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنّه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة. والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت. ويفرق بينه وبين الإلهام بأنّ الإلهام وجدان تستيقنه النفس وتنساق إلى ما يطلب على شعور منها، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور، ومن النفوس البشرية ما يكون لها من نقاء الجوهر بأصل الفطرة ما تستعد به لأن تتصل بالأفق الأعلى وتنتهي من الإنسانية إلى الذروة العليا وتشهد من أمر الله شهود العيان ما لم يصل غيرها إلى تعقله أو تحسسه بعصا الدليل والبرهان، ووجود بعض الأرواح العالية وظهورها لأهل تلك المرتبة السامية مما لا استحالة فيه عقلًا، وتمثل الصوت وأشباح لتلك الأرواح في حس من اختصه الله بتلك المنزلة ليس بالأمر الغريب”.

إذاً، فالقرآن كان بمثابة تأويل الرسول لهذه الشيفرة التي تلقاها وفق قدراته التأويلية. بينما جاء المصحف العثماني الذي كان لحظة تاريخية أنهت المصاحف المتعددة في يد الصحابة، وكذا الحالة الشفاهية للنص، ثم تدوينه وتجميعه وتبويبه وترتيبه، في نسق معين، استمر حوالي نصف قرن وهو ما يصفه جورج طرابيشي في كتابه إشكاليات العقل العربي بـ “مصحفة القرآن”. غير أنّ ثمة فارق بين معنى كمال النبوة وكمال الوحي. فهذا المعنى الملتبس بين الاثنين تمّ فرضه، بشكل قسري، حتى استغله التيار التمجيدي في الإسلام بهدف تعطيل الانفتاح على النص، وتجديده وتثويره وعدم تحريره من سكونيته وجموده، فضلاً عن اختبار إمكانية تأويله الحداثي بمعطى وشرط تاريخي جديدين كما كان في لحظة التأسيس عبارة عن ديالكتيك صاعد.

المفكر محمد إقبال في كتابه: “تجديد الفكر الديني” يقول “إنّ النبوة في الإسلام لتبلغ كمالها في إدراكها الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها. وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمداً إلى الأبد على مقود يقاد منه، وأن الإنسان، لكي يحصل كمال معرفته لنفسه، ينبغي أن يُترك ليعتمد في النهاية على رسائله [أو وسائله]”.

ويكاد المفكر والفقيه الإيراني، عبد الكريم شروس، في تصنيفه للقرآن بأنّه “نابع من نور إلهي” غير أنّه “ليس كلام الله بالأخير”، أو بعبارة أخرى هو كلام الرسول “المؤيد من الله” على حد تعبير مفكر وفقيه إيراني آخر هو محمد مجتهد الشبستري، لا يتجاوز ما ذكره آخرون من فلاسفة منتمين للحضارة الإسلامية كابن عربي والفارابي، أو حتى في الغرب مثل اسبينوزا.

فالقوة الحدسية عند الفارابي كما ذكرها في كتابه: “آراء المدينة الفاضلة” هي “القوة المتخيلة إذا كانت في إنسان ما قوية كاملة جداً، وكانت المحسوسات الواردة عليها من خارج لا تستولي عليها استيلاءً يستغرقها بأسرها، ولا أخدمتها للقوة الناطقة، بل كان فيها مع اشتغالها بهذين، فضل كثير تفعل به أيضاً أفعالها التي تخصها، وكانت حالها عند اشتغالها بهذين في وقت اليقظة مثل حالها عند تحللها منهما في وقت النوم، ولما كان كثير من هذه التي يعطيها العقل الفعال، فتتخيلها القوة المتخيلة بما تحاكيها من المحسوسات المرئية، فإنّ تلك المتخيلة تعود فترتسم في القوة الحاسة، فيصير –ما أعطاه العقل الفعال من ذلك– مرئياً لهذا الإنسان، ولا يمتنع أن يكون الإنسان –إذا بلغت قوته المتخيلة نهاية الكمال– فيقبل في يقظته، عن العقل الفعال، الجزئيات الحاضرة والمستقبلة، أو محاكياتها من المحسوسات، ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة، وسائر الموجودات الشريفة ويراها، فيكون له –بما قَبلَه من المعقولات– نبوة بالأشياء الإلهية”.

يتفق في ذلك ما قاله المستشرق الألماني تيودور نولدكه في كتابه: “تاريخ القرآن” بأنّه “لا يجوز أن نغفل عن أنّ معظم الوحي حدث ليلاً كما يبدو، حين تكون النفس أكثر قابلية لاستقبال التخيلات والانطباعات النفسية عما هي عليه في وضح النهار. ونحن نعلم بالتأكيد أنّ محمداً كثيراً ما قضى الليل متهجداً وأنّه كثيراً ما صام. وتشتد بالصيام القدرة على مشاهدة الرؤى كما اكتشفت الفيزيولوجيا الحديثة، مؤخراً”.

فيما سبق المستشرق الألماني الشاعر والمفكر العراقي، معروف الرصافي، الذي فض النزعة السحرية عن النبوة، ووضعها في إطارها البشري الواقعي والتاريخي، في كتابه: “الشخصية المحمدية”. فانقطاع النبي محمد في غار حراء ثم تمثل جبريل وتلقي الوحي إنما كان نتيجة الضغوط النفسية الملحة والأعباء الداخلية المرتبطة بالبحث عن الإيمان. من ثم، لم تكن الحالة التي عانى ظروفها وعاين ملابساتها حدثاً مراوغاً من خارج التاريخ، بل جزء من ذاته وتشكيله الذهني الذي تحرى أفق يلامس الحدود اللانهائية.

فيقول الرصافي: “فلا ريب فيه أنّه (أي النبي محمد) في خلوته بغار حيراء كان لا يفكر إلا في أمر النبوة، وإن تفكيره كان مقروناً بتخيّل جبريل وتصوره كيف يأتيه وكيف يناديه ويوحي إليه، ولا يستطيع طبعاً أن يتخيله إلا بصورة إنسان. فهذه العوامل كلها من خلوته وطول تفكيره وتخيله وانطباع الصورة المخيلة في نفسه هي التي أثرت في أعصابه حتى اعترته حالة رأى فيها جبريل في أفق السماء، وهو في الحقيقة ليس في أفق السماء، بل في ذهنه ونفسه، وحتى سمع منه ما كان يفكر فيه: (يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل)”.

هذا الطرح، الذي قدمه مفكرون وفلاسفة حول الوحي والقرآن والمصحف للكشف عن تاريخية النص، فضلاً عن حركيته مع التاريخ وقد تعاطى مع حوادثه ولم يكن متعالياً على البناء الثقافي والاجتماعي أو حتى النفسي لأفراده إنما انخرط في بناء وعي يتناسب ودرجة تطورهم الحضاري والمعرفي، يضع الأولوية للإنسان الذي مضى في تبعية ودرجة أدنى تحت وطأة العقل اللاهوتي والأنظمة البطريركية. فالنص مع لحظة تنزيله الأول مع الوحي ودخوله حيز الزمن والتاريخ تحول من “نص إلهي” إلى “نص إنساني” كما يقول نصر حامد أبو زيد في كتابه: “نقد الفكر الديني”. أو كما يصفه بالتحول من “التنزيل” إلى “التأويل”.

في المحصلة، تبدو قوة الحدس والخيال التي تمكن الأنبياء والرسل من تلقي الرسائل والإشارات الإلهية صفة خاصة وقدرة غير عادية، فاسبينزوا في كتابه: “رسالة اللاهوت والسياسة” يقول عن آيات الوحي إنّها كانت “تتفاوت حسب آراء الأنبياء وقدراتهم بحيث لا يمكن للآية التي تعطي اليقين لهذا النبي أن تقنع آخر مشبعاً بآراء مختلفة. لذلك اختلفت الآيات باختلاف الأنبياء وكذلك اختلف الوحي عند كل نبي طبقاً لمزاجه على النحو التالي: إذا كان النبي ذا مزاج مرح توحى إليه الحوادث التي تعطي الناس الفرح مثل الانتصارات والسلام. وبالفعل نجد أنّ من لهم هذا المزاج قد اعتادوا أن يتخيلوا أمور كهذه. وعلى العكس من ذلك، إذا كان النبي ذا مزاج حزين توحي إليه الشرور كالحرب والعذاب. وإذا كان النبي رحيماً ألوفاً غضوباً قاسياً.. كان قادراً على تلقي هذا الوحي أو ذاك”.

وفي عبارة مقتضبة يقول: “لم يتلق أي شخص وحياً من الله دون الالتجاء إلى الخيال، أي كلام أو صور، وينتج عن ذلك أن النبوة لا تتطلب ذهناً كاملاً بل خيالاً خصباً”.

ومع تحويل النص إلى أداة من أدوات الهيمنة الثقافية والدينية، بل لحماية امتيازات طبقة اجتماعية، وكذا قوى سياسية تتحرى التفويض الإلهي، فإنً محاولات فهم النص على ضوء تاريخيته تبدو متواضعة ومهمشة. فيما تظل النسخة النهائية للنص المؤسس “المصحف” ضمن تيار تاريخي تمجيدي يرفض النقد أو المراجعة أو المساءلة، ويتموضع في مساحة القداسة لمنع تداوله، فضلاً عن حيازته كسلطة أو التبرك أو الزينة. وهو تيار عمد إلى الاستعانة بالنص، أو بالأحرى مأسسته وأدلجته، ليخرج من وظيفته الإيمانية التعبدية لأغراض أخرى رافقتها الحروب والصراعات الدموية لجهة منع التعدد والحرية، وتأبيد الجبرية الدينية والسياسية.

فالنزوع الأيدولوجي في التاريخ دائماً ما كان يسعى إلى مرجعية نصية شمولية لتعيين حقيقة مطلقة تتخذ صفة مقدسة، دينية أو ميثولوجية. وهنا، لا يعدو النص أكثر من كونه مجرد أداة لعسكرة الدين ورؤية خلاصية باتجاه الموت أو البحث عن “الشهادة”، وتبديد الحياة عوضاً عن إيجاد معنى جديد للسؤال الوجودي حول الإنسان وموقعه ومآلاته. لكن مع تأميم النص الديني، فإنّ النظرة التي تتسيّد الرؤية الإيمانية هي ماضوية انتحارية وتجعل التاريخ عبارة عن مسار دائري (الأمويين والعباسيين والشيعة والخوارج)، وقضايا وجدالات حول (الحرية والجبرية وخلق القرآن).

وهذه الرؤية هي المتسببة، حتماً، في انعزالية القرآن عن العالم الحديث، أو بالأحرى جعل الدين في أزمة وصدام متكرر مع الحداثة والعلم والتاريخ بقيمهم المغايرة وآلياتهم المعرفية المتطورة. هذا التاريخ الذي لم تعد شروطه كما في العالم القديم قائمة على “الولاء والبراء” أو “السبي” أو “الفيء” أو “الجزية” وطلاق أو زواج “اللائي لم يحضن”.

لذا، لا يمكن بأي حال من الأحوال “تحويل كلام الله المتمثل بمنطقه الشخصي ذاته وبصفته أزلياً، أبدياً، متعالياً، لا نهائياً وغير قابل للاستنفاد من قبل أيّ جهد بشري، إلى كتاب عادي مادي نلمسه باليد ونتحسسه ونفتحه ونقرؤه” كما يقول المفكر الجزائري محمد أركون في كتابه: “القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني”.

 

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete