تكوين
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك 10)
“الشرعُ عقلٌ من خارجٍ، والعقلُ شرعٌ من داخلٍ”[1](أبو حامد الغزالي)
مقدمة
في الوقت الذي يُسيطر فيه القرآنُ على الخطاب الإسلامي المُعاصر، يظل في فضاء الكتاب المُغلق؛ فمنذ جمع القرآن في المصحف العثماني واعتماد اللهجة القرشية وما تلاه من تأميمٍ سياسي للقرآن على يد الأموين، والقرآن يُمَثِّلُ أداةً تحضر عند النزاع، لإفحام الخصوم والفوز بالنقاشات والنزاعات، وعند الصلاة وفي الجنائز والمناسبات. ويضعه العقل الإسلامي موضع العقل المُفكر والمُدبر للحياة بالعموم، وهو أمرٌ مفهوم؛ فالقرآن هو الخطابُ المؤسس للديانة الإسلامية، وكتاب الهداية والنور عند المسلمين، بَيْدَ أنه من غير المفهوم أن يُحَمِّلَ العقل الإسلامي المُعاصر القرآن ما ليس فيه، ويُسقط عليه رغباته واهوائه ويتعامل معه على أنه سوبر ماركت، يتبضع منه ما يحتاجه، ويحرج منه بحُجج تُبرر ما يفعله أو ما يُحاول إقناع الآخرين به، ليخرج القرآن من كونه خطاب هداية ونور إلى أداة إقناع أو إخضاع، ويتبلور مفهومه الأداتي الذي يُخرجه عن طابعه الخطابي المرن ويتم التعامل معه على أنه القرآن في ذاته، ولس مفهومًا يُمكن تغييره ونقده.
ورغم حضور القرآن القوي والكثيف في الخطاب الإسلامي بالعموم، إلا أنه يحضر بصورة تدعم سيطرة العقل الأصولي (المدرسي والسلفي) ويتعامل معه على أنه ملك له، وإرث قبلي يحكم من خلاله، ففي الوقت الذي يُصر فيه القرآن على إعمال العقل، وعد تعطيل العقل ذنبًا، وحث المسلمين على عدم التقليد والاتباع الأعمى لأسلافهم، تُصر السلطة الدينية التي يتزعمها التيار الأصولي (السلفي والمدرسي) على إلغاء العقل وتولي منظومة أخرى التفكير عنهم، وتقديس السلف وربما عبادتهم. وتحصر الأصولية القرآن فيما يُعطيه لها من امتياز فعليٍّ على مستوى المجتمع، وما يُبيح لها من سلطة لقيادة الأخرين، فحافِظُ القرآن داخل الأوساط الاجتماعية المسلمة يحمل عصمة ضمنية، لأنه حظي بهذا الشرف، وإنْ أخطأ، يُمكن أن يُتغاضى عن ذلك خوفًا من الوقوع في ذنب عدم احترام حامل كتاب الله (القرآن). ويرفض المجتمع ما لرجال الدين وحفظة القرآن من سلطة، ولكن في الخفاء خشية تكفيره، وذلك لسطوهم على الحق الإلهي بالحكم على المؤمن دون غيره، وإعطاء لنفسهم الحق في الحكم على المجتمع والأفراد بالإيمان من عدمه.
ولا تزعم سلسلة المقالات التي ستُقدم تحت عنوان “الوحي وقراءاته: نحو الخروج من أفق الاستهلاك الأيديولوجي” أنها ستُعيد القرآن إلى الحياة العامة، ولكنها تعمل بمنطق عمل العقل الإنساني الذي يؤشكل نظمه المعرفية ويدرسها، وتسعى نحو دراسة الوحي وقراءاته، وتعامل العقل المُعاصر مع الخطاب القرآني وما يُمكن أن يتم تطوريه ونقده للانفتاح نحو قراءات جديدة وواقعية. وتنطلق سلسلة المقالات التي بين أيدينا من الخطاب القرآني، وتسعى نحو إبراز المفهوم الخطابي المرن الذي يُعطي للقرآن طابعًا رساليًّا رُوحيًّا أبديًّا، ويفتح الباب أمام التأويلات المُختلفة، في مقابل حضور النص المُغلق المُفسر المُتسلط.
وتحاول هذه المقالات الانطلاق من طبيعة القرآن المختلفة وتؤكد على مصدريته الإلهية؛ ومن ثم تُعلن أن ما تقدمه هي رؤية إنسانية لطبيعة الوحي الإلهية التي تجعله غير قابلٍ للحصر داخل الإنتاج والاجتهاد الإنساني، وتنفي إمكانية الحديث عن المعنى النهائي للقرآن الذي يعجز العقل الإنساني عن انتاجه. وكون القرآن خطاب إلهي ينفي إمكانية تطبيق كافة نظريات القراءة والتأويل التي تنتجها فلسفات التأويل، ونظريات القراءة، ولا تهدف هذه المقالات إلى تطبيق نظريات القراءة المُعاصرة على القرآن بقدر ما تهدف إلى الأشكلة المنهجية، ولا تزاحم التفسيرات والتأويلات المطروحة لتقدم تفسيرًا أو تأويلًا جديدًا للوحي، وتحترم حدودها وتسعى نحو دراسة الوحي وطبيعته وقراءاته لتقدم رؤية لمناهج القراءة المطروحة يُمكن العمل من طريقها على انتاج قراءات وتأويلات جديد من قِبل المختصين.
وبدأت سلسلة المقالات بعملية وصفية للخطاب الإسلامي المُعاصر الساعي نحو السيطرة باستخدام الخطاب القرآني، ثم توجهت لتحديد بِنية الوحي وغياب المعنى النهائي عنه، وأوضحت في المقال السابق أن الخلقَ والغريزة ضمن الإرادة والوحي الإلهيين، ومن ثم فهما مُلزمان إلزامَ الوحي. وإذا انتهى المقال السابق إلى أن الخلق والغريزة بوصفهما وحيًا إلهيًا منظورًا، فإن العقل بموجب هذا يكون كذلك وحيًا إلهيًا، وذلك لأن الله عز وجل خلقه وشاء أن يكون على هذه الهيئة وهذه الشاكلة، ولم يخلقه عز وجل لينفيه، أو ينحيه جانبًا، وإلا فلماذا خلقه سبحانه، ويقول في القرآن:
“يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ” [آل عمران: 191].
وفي المقال الذي بين أيدينا نُوضح الهداية في الكتب المقدسة بتركيز على القرآن، وكيف كان العقل هو مسؤولُ الهداية وانحصر دور الأنبياء في التبليغ والبيان، واستند علماء الكلام إلى الخطاب القرآني وأهمهم المعتزلة في القول بأن معرفة الله واجبة بالعقل، وبنى ابن طفيل قصة حي ابن يقظان بإيحاء من قصة نبي الله إبراهيم في القرآن. وننتقل بعد ذلك إلى الفكر الإنساني والغزالي واعتداده بالعقل، وعدم استطاعة ابن تيمية بكل سلفيته أن يُنكر دور العقل في العملية الإيمانية، وجعله أساس الشرع، وينتهي المقالُ إلى توضيح بِناء الفقه على أن العقل مناط التكليف، وتفسير القرآن بأن تكريم ابن آدم كان بالعقل.
الهداية في الكتب المقدسة
نفى الله عز وجل الهداية عن أنبيائه، وأوعز إليهم بالدعوة والتبليغ فقط، دون لوم أو حساب عما يؤمن بدعوتهم ومن لم يؤمن، فوظيفتهم تقف عند حد البلاغ والدعوة. وفي الوقت الذي يرفع فيه اللهُ اللومَ عن أنبيائه في مسألة الهداية والإيمان يلوم الإنسانَ على عدم إعمال العقل الذي يُفضي إلى الإيمان بالله، وقد أقرَّت الكتبُ المقدسة للديانات الإبراهيمية الثلاث: (اليهودية، المسيحية، الإسلام) بأن الهداية لا تتم إلا بالعقل.
في العهدُ القديمُ لا يوجد لفظًا عبريًا يُعادل كلمة “عقل” بالمعنى الفلسفي المعروف لاحقًا (مثل nous باليونانية)، ولكنه يتحدث عن وظائف العقل باستعمال ألفاظٍ أخرى تُعبِّرُ عن الفكر والإرادة والفهم، مثل: לֵב (ليف): القلب، وهو أهم مصطلح يُشير إلى مركز الفكر والإرادة والشعور، وרוּחַ (روَح): الرُوح، وتُستعمل أحيانًا للدلالة على الوعي أو الإلهام الإلهي، وנֶפֶשׁ (نِفِش): النفس، وهي الحياةُ الداخلية للإنسان، وتشمل المشاعر والإدراك، وأقرب المفاهيم لما نسميه اليوم “العقل” هو الحكمةُ (חָכְמָה – حُخما)، وهو أمر مفهوم في ظل تطور اللغة ودقتها يوما بعد يوم، فالمفهوم والمعنى كان موجودا تحت لواء بناء لفظي آخر.
ويقول العهد القديم:
“بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ، وَمَعْرِفَةُ الْقُدُّوسِ فَهْمٌ.” (أم 9: 10)
وهو تصريحٌ واضحٌ بأنَ المسؤلَ عن العملية الإيمان هو العقلُ، وهو ما يرد هنا تحت مسمى الحكمة، التي تكون بدايتها في مخافة الرب، ويُصرِّحُ بعد بأن معرفة الله/القدوس هي فهمٌ. ويقول كذلك:
“وَأُعْطِيهِمْ قَلْبًا وَاحِدًا وَطَرِيقًا وَاحِدًا لِيَخَافُونِي كُلَّ الأَيَّامِ، لِخَيْرِهِمْ وَخَيْرِ أَوْلاَدِهِمْ بَعْدَهُمْ.” (إر 32: 39)
وتعني أن مخافةَ الله والهداية تكون في القلب الذي يحمل معنى العقل وفق ما قُدِّمَ.
وفي العهد الجديد كذلك لا يَظهر لفظ “العقل” بالمعنى العربي الصريح أو بمقابله اليوناني nous νοῦς كثيرًا كما هو الحالُ في الفكر الفلسفي اليوناني أو حتى في القرآن الكريم، لكنه حاضرٌ بوضوح في عدة مواضعَ تُشير إلى الفكر، الذهن، الفهم، والحكمة. ولم يَعُدْ فقط أداةً للتفكير، ولكنه صار ساحةً للتجديد والقداسة، فيقول: “وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ.” (رو 12: 2)، ومعناه أن معرفةَ الله تتم من تفتيح الذهن وتجديده، ليختبروا إرادة الله الصالحة.
ويرفض العهدُ الجديد عدم إعمال الذهن وهو أمرٌ مفهوم في إطار دعوته بتجديد الذهن لمعرفة الله، إذ إن عدم إعمال الذهن/العقل هنا يقفُ أمام معرفة الله بموجب ما أقرَّهُ بأن تجديدَ الذهن شرطٌ ضروري لاختبار إرادة الله، ومن ثم معرفته، لذا يصر على إعمال الذهن حين يقول:
“فَأَقُولُ هذَا وَأَشْهَدُ فِي الرَّبِّ: أَنْ لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضًا بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ” (أف 4: 17).
وبات العقلُ أكثرَ تبلورًا في القرآن مع تطور الإنسان واستيعابه ومفرداته اللغوية، ولكنه لم يكن بالصورةِ المعاصرة التي تُفرق بين القلب والعقل، فكثيرًا ما تأتي مُفردة القلب مع الفقه والعقل، فيقول: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا (الحج: 46) وقوله لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا (الأعراف: 179). وإذا نظرنا إلى الواقع المعاصر للخطاب القرآني فإنه كان عاجزًا عن إدراك الفارق بين العقل والقلب والبلورة التي بلورها العقل الإنساني فيما بعد، ومن ثم فإن الأمر يكون مفهومًا إذا جاءت مُفردة القلب ملائمة لمفهوم العقل المُعاصر بصورة ما. ويأتي العقلُ في القرآن مثلما جاء في العهد الجديد؛ أي بوصفه أداةَ تجديد ومعرفة الله، فيقول:
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (البقرة: 170)،
ويذم هنا التقليد ويرفضه، ويطالب بإعمال العقل، وذلك في قوله: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ، ليكون الخلف متجددين عن السلف وناقدين لهم.
ويتم تقديم وظيفة الأنبياء في القرآن بقوله: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النور: 54]، وهو تحديدٌ واضحٌ وصريحٌ لمُهمة الرسول، ولم يُوكَلْ إليه الهداية أو يطلبها منه، وهو النبي المُرسل من الله عز وجل، وجعل الله الهدايةَ بيده عز وجل ويقول: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [إبراهيم: 4]، وشاء الله وبلغ بأن وظيفة الرسول أن يُبين، ومن ثم يَضِلُّ من يشاء ويهتدي من يشاء.
وفي موضع آخرَ يؤكد القرآن المشيئةَ الإلهية ويقول: }وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ{ (100) [يونس]، وينكر الله إمكان الإكراه على الإيمان بصورة تقريعية للنبيه، ويحتفظ القرآن في الآية الثانية بحق الهداية للذات الإلهية، ويُنْهِي الآية بأن الرجسَ على الذين لا يعقلون؛ أي أن الهداية تتم بالعقل، فالنصف الأول من الآية كان يتحدث عن الهداية والإيمان وأنه بأمر الله، وينتهي برفض من لا يعقلون، ومن لم يؤمن لم يعقل.
وتوضح الكتب المقدسة أن الأنبياء منفعلين غير فاعلين في عملية الوحي؛ ووظيفتهم توصيل الوحي فقط؛ أي البلاغ والتبين، ووظيفة العقل هي استقبال الوحي والاقتناع به الذي يُفضي إلى الإيمان والهداية. وفي الخطاب القرآني لم يأتِ اللومُ الإلهي ورفض اتباع الأنبياء بقدر ما جاء اللومُ على عدم إعمال العقل، ورفض التقليد الأعمى، وأنكره على كل أمة، خاصةً أمُة النبي محمد بوصفهم المعنين بالخطاب والمطالبين بالإيمان به، وحتى الحث على اتباع الأنبياء كان مقرونًا بالبراهين العقلية، ورفض عدم اتباع الأنبياء كان مقرونًا باللوم لعدم إعمال العقل.
الهداية عند المعتزلة (معرفة الله واجبة بالعقل)
خرجت المدارس الكلامية في مُجملها من الخطاب القرآني ودارت حوله، وأرجع عديدٌ سبب تسميته بعلم الكلام إلى اشتغاله بكلام الله وتأويله وفهمه، فمُجمل المدارس الكلامية تستند في أراءها إلى القرآن وتستدل به. واستنادًا إلى الخطاب القرآني وما قدَّمَهُ، بنى المعتزلةُ مذهبهم على الثقة في العقل، التي جعلت معرفة الله واجبة بالعقل. وترى المدرسة الهُذلية المنسوبة إلى أبي هُذيل العلاف (135-235 هـ/753-850م) أن معرفة الله واردة قبل السمع/القرآن[2]؛ أي أنها واجبةٌ بالعقل، والعقلُ هو المسؤولُ عن الوصول إلى المعرفة بالله عز وجل ووجوده.
وَفْق العلاف ومدرسته العلم بحدوث العالم وقِدَم صانعه وتوحيده وصفاته، يكون بالعقل وعلى الإنسان معرفته، وصحة نبوة رُسله والاستدلال عليها يتم كذلك بالعقل[3]. ويُفرد تلميذ العلاف وأحد رواد المعتزلة القاضي عبد الجبار (359 – 415هـ، 969 – 1025م) بابًا في كتابه المُغني للنظر والمعارف، ليوضح أن النظر واجبٌ على المسلمين، وعليهم العمل به، وينتهي إلى أن معرفة الله واجبة بالعقل، فيقول: “قد بيَّنَّا في باب النظر والمعارف، أنه يُمكن التوصلُ إلى معرفة الله تعالي بأدلة العقل، فلا يحتاج في ذلك إلى سمع”[4].
ويُشير القاضي عبد الجبار إلى وجود العقل المُستمر مع الإنسان والمتطور بتطوره، الذي يجعله أكثرَ اتساعًا وأولوية من النبوة، ويقول:
“إن التكليفَ لو افتقر إلى النبي ﷺ وبعثته، لوجب في النبي ألا يصح تكليفه إلا بنبي آخرَ، ثم كذلك جميعهم، وهذا يُوجب ألا ينتهي المكلفون إلى حد”[5]
فيرى القاضي عبد الجبار أن العقلَ هو المعنيُّ بالتكليف لاستمراره الدائم مع الإنسان، عوضًا عن أن العقل كذلك من يحكم على دعوة الأنبياء ويقتنع بها، فيقول: “فلولا التكليف العقلي يستقل بنفسه، لما صح ورود هذا السمع”[6].
والعقل عند المعتزلة قادرٌ على التمييز بين الخير والشر، وبين الحسن والقبيح، فالحسن والقبح واجبان بالعقل، وأصول المعرفة وشكر النعمة واجبة قبل ورود النص[7]، ويقول النيسابوري:
“إنا لا نُجَوِّزُ شيئًا لا يُعقل، وإنما نُجَوِّزُ ما هو معقولٌ”[8].
واستنادُ المعتزلة إلى العقل جاء من أن أغلبهم كانوا تجارًا وحرفيين؛ أي هم أشخاص يحتكُّون ويتلوَّنون بالواقع، ومن ثم اتسم خطابهم بالسمة العقلانية المنفردة على حساب الفكر النصي والاتباعي، ومن ثم عدوا العقل أساس التحسين والتقبيح في الفكر الاعتزالي، ووضعوه بمنزلة النور الذي يُضيء الطريقَ للإنسان، أي بوصفه المرشدَ الوحيدَ لأعماله[9].
وانطلاقًا من أن العقلَ هو الفاصلُ بين الحسن والقبيح، وهو ما أقرَّهُ القرآنُ قبل المعتزلة بإصراره على إعمال العقل، ورفض التقليد وذمه، يرى القاضي عبد الجبار: “أن القبيحَ لا يصحُّ أن يُعلم بالعقل وجُوبُه”[10]، ومن ثم فإن تأويلَ القرآن يكون بموافقته للعقل، خاصة أنه يرى أن العقلَ هو من يعطي السمعَ مشروعيته ويُقرُّ بأنه إلهيٌّ، فالسمع (القرآن والسنة) يأتي مُبينًا للناس الواجبات الإنسانية ومُعلنًا أنه من عند الله، والحكم بألوهيته من عدمها من مهام العقل الذي جاء السمع يُخاطبه.
وترتكز عملية التأويل الكلامية على الآية السابعة من سورة آل عمران؛ (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأخرُ مُتَشَابِهَاتٌ)، وعملت المعتزلة على صياغة نظرية لتأويل المتشابه من آيات الكتاب، ورأت أن القرآن لم يُحدد الآيات المحكمة والآيات المتشابهة، لأن حسم هذا الأمر مع العقل، ومن ثم جعلت المعتزلةُ المعرفةَ العقلية مقياسًا للمحكم، فما يتفق مع الأحكام والمفاهيم العقلية بنصه المباشر (الواضح بذاته) هو المُحْكَمُ، وما يكون غامضًا ويبدو أنه متناقضٌ مع الأحكام العقلية فهو المُتشابِهُ الذي يعوزه التأويل[11]. وقد وجدت المعتزلةُ في لفظةِ المجاز حلًا لإزالة الغموض عن المتشابه، والولوجِ إلى معناه ولإشكالية التعارض بين النص والعقل، لتجعل العقل مرجعية القرآن وتستند في ذلك إلى أن العقل هو الذي يحكم بأن القرآن من عند الله، وعليه يكون هو مرجعية التأويل.
نبي الله إبراهيم، وحَيٌّ بن يقظان
يسرد القرآنُ قصةَ نبي الله إبراهيم وهدايته في سورة الأنعام قائلًا:
وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)
ووفق الرواية القرآنية فإن هدايةَ النبيِ إبراهيمَ جاءت بالتأمل العقلي لمخلوقات الله، وبداية إعمال عقله في الكون وقدرته، حيث رأى كوكبًا فقال أن هذا ربه ولما اختفى قال إنه لا يُمكنه أن يكون كذلك، ثم انتقل بعد ذلك إلى القمر، ولكنه لم يكن موجودا بعد انقضاء الليل، ورأى في الشمس نورًا وحرارة أكبر فقال أن هذا هو الإله الذي يبحث عنه حتى غربت في أخر النهار، ووصل إلى يقين بوجود خالق قادر خلف كل هذه المخلوقات فوقها جميعا وهو من خلقها، ووضع لها هذا النظام الدقيق ويُسيرها بنظام بقدرٍ محسوب، فقال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، أي أنه وصل إلى خالق هذه السماوات كلها والأرض، وتوجَّهَ له وعبدَهُ.
والهداية هنا لم تأتِ من خلال وحي مُسبق، ولكنها جاءت من طريق البحث وإعمال العقل في الوجود، فهي بدأت بباحثٍ يسأل الهدى والإقناع وانتهت بالوحي الذي يؤكد ما وصل إليه بعد ذلك، وهذا وَفْق ما جاء به القرآن. والهدايةُ هنا تعني؛ الانكشاف العقلي للحقيقة؛ فهي رحلة اكتشاف الوجود بواسطة النظر في الظواهر. وتبدأ العمليةُ الإيمانيةُ وَفْق قصة النبي إبراهيم بالعقل حين يُمارس دوره ويفكر، ويقوده إلى توحيد الله القادر خالق هذا الكون، ثم يأتي الوحيُ يُصدق على ما وصل إليه النبي إبراهيم بعقله. وهذا ما يدفعنا نحو القول بإن القرآنَ يوضح أن العلاقة بين العقل والوحي تعاونيةٌ لا تناقضيةٌ: العقل يُمهِّدُ للهداية، والوحي يُثبِّتُ ويَهْدي إلى الكمال.
وإذا انتقلنا من القرآن الكريم إلى العقل الإنساني والفلسفة الإسلامية، فقد قَدَّمَ ابن طفيل (وُلِدَ «أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي» بين سنتي ٤٩٥ﻫ و٥٠٥ﻫ وتوفى سنة 581هـ) قصةَ حي بن يقظان؛ وقد قَدَّمَ ابن سينا قبله قصة تحت الاسم نفسه، ويحمل الاسمُ معنىً مُهمًا وهو حيٌّ؛ أي الكائن الحي، بن يقظان؛ أي ابن العقل. وتميزت قصة بن طفيل عن غيرها من القصص بأنها عرضت رحلة الإنسان العقلية في الوصول إلى الله، ورأت أنَّ حيًّا بن يقظان تمكن من الوصول إلى الله بفطرته السليمة ودون إرشادٍ من أحدٍ.
وتبدأ قصةُ بن طفيل بأنَّ حيًّا بن يقظان وُجِدَ من الطين والتربة والبيئة التي توفرت لوجوده، وهي نشأةٌ أشبهُ بنشأة آدم عليه السلام، وربته ظبية وأرضعته من لبنها ووفَّرت له الرعاية اللازمة، وكانت بمكانة الأم عنده وعَدَّها كذلك، ولكنه وعي اختلافه عن الحيوانات التي حوله، وبدأ في البحث عن سبب اختلافه، وكيف يحمل كل الحيوانات جلودًا وشعورًا وريشًا، ولا يحمل هو ذلك. وكانت المرحلة الفاصلة هي مرحلة موت الظبية، إذ إنه ظنَّ أن ثمة عُطبًا ما، أو شيئًا ما داخلها يمنعها الحضورَ، مثل أي شيء يَعْلَقُ في انفه ويعوق تنفسه، وشق صدرها وأخذ يبحث عن ذلك الجزء النابض الذي يشعر به في صدره، ووجده ولكنه لم يستطع فعل شيء.
وتبدأ رحلة بحث حيٍّ بن يقظان من موت الظبية وبحثه عن محرك هذا الجسد، ويكتشف النار ويأنسها ويرى فيها دفْءَ الشمس وضوءها، ويتوصل إلى أنها هي من كانت تحمل الحياة داخل الظبية، ويقبض على طائرٍ ويرشق عصىً في صدره عند القلب ويرى البخار الساخن يخرج منه، ويموت الطائر على الفور، ومن ثم يتأكد من ذلك. وتبدأ بعد ذلك رحلةُ بحثه في موجودات العالم كلها، الحيوان والنبات والجماد، ويرى أن ثمةَ حركتين تتحركهما كل الموجودات؛ والحركة الأولى تكون من أعلى لأسفل مثل الأحجار والماء، والثانية من أسفل لأعلى مثل الدخان والبخار.
وبعد رحلة طويلة مع العالم والأجسام والارتفاع عن الحس والجسم والعودة إليه وإعمال العقل يصل حي إلى أنه “لا بُدَّ للعالم من فاعلٍ ليس بجسمٍ وإذا لم يكن جسمًا، فليس إلى إدراكه بشيء من الحواس سبيل، لأن الحواسَ الخمس لا تدرك إلا الأجسام، أو ما يلحق الأجسام. وإذا كان لا يُمكن أن يُحس، فلا يُمكن أن يتخيل، لأن التخيُّلَ ليس شيئًا، إلا إحضار صور المحسوسات بعد غيبتها”[12]. وقد وصل حيٌّ بن يقظان إلى الله وعدم قابليته للتجسيم والتصور بالعقل، وإعماله في مخلوقات الله والبحث في العالم عن حركته، وما هو خلفَ هذه الحركة حتى وصل إلى فاعل هذا العالم الذي ليس بجسم، وغير القابل للتصور.
وفي القصتين؛ قصةُ نبي الله إبراهيم التي يُقدمها القرآن، وقصةُ حي بن يقظان التي يُقدمها ابن طفيل، اعترافٌ مُتضامن مع الطرح المعتزلي الذي قدَّمَهُ أبو الهُذيل العلاف ومن بعده تلميذه القاضي عبد الجبار، الذي يقول بأنَّ معرفةَ الله واجبةٌ بالعقل، فقد أقرَّت القصتان بأن الوصولَ إلى معرفة الله تكون من طريق إعمال العقل في الكون وخلق الله. وتؤكد كذلك بأن الهدايةَ هي وظيفةُ العقل وليس الوحي، إذ إن الوحي يُبين ويؤكد الهداية، فقد أكَّدَ الوحي لنبي الله إبراهيمَ ما وصل إليه بعقله، ثم جاء ليُبين إبراهيمُ عليه السلام لقومه ويُحاججهم بالعقل، وهو إعلان من القرآن بأن الله يرسل النبي ليُبين لقومه ويُخاطب عقولهم.
العقل صدىً للوحي
“العقلُ كالبصرِ والشرعُ كالشعاعِ”[13]
بموجب ما جاءت به الكتب المُقدسة، فإن العقلَ صدىَ الوحي المنطوق/المُنزل، وذلك لأنها جاءت تخاطبه، وتُقدم إليه الحُجج العقلية والبراهين على وجود الله، وتطالبه بالفهم والتبصر، وإدراك الوجود الإلهي. ومنطقيًا فإن وجود الكتب والرسالات السماوية هو دليلٌ إضافي على احترام الذات الإلهية للعقل، إذ لا وجود للخطاب أو الكتاب دون العقل والذهن، وإلا فلما جاء؟ فوجود الخطاب والكتاب مُتضمنًا وجود ما، يَعقل ويَفهم ما أُرسِلَ له؛ أي وجود عقل مستقبل، وهذا ما يجعل العقل صدىً للوحي المنطوق/المُنزل، وكلاهما يدلُّ على الآخرِ.
ويُطالب العهدُ القديم الإنسانَ بالفهم ويخاطب العقلَ قائلًا: “افْهَمْ مَا أَقُولُ. فَلْيُعْطِكَ الرَّبُّ فَهْمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ.” (2 تي 2: 7)، وهو خطابٌ مباشرٌ للعقل يُطالبه بالفهم إذ إن عدم الفهم يعني أن القولَ لا مضمونَ له، وإلا لفهم الجمادُ وخضع لطلباتنا وخطابتنا، أو النبات والحيوان، فوجود الخطاب المقدس في ذاته دليلٌ على ضرورة العقل واحترام الذات الإلهية له. ويُذكر في العهد الجديد أن المسيحَ حين رجع إلى تلاميذه وقال لهم هذا كلامي، ويتممه كلام موسى وما جاء به الأنبياء والمزامير، يُذكر أنه “حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ.” (لو 24: 45)، ومعنى هذا أن الكتبَ لا تُفهم وتُدرك بغير العقل والذهن، وأشار المسيحُ إليهم بأن يأخذوا ما سبقهم من كتبٍ مقدسة، ويفتح ذهنهم وعقلهم لاستقبالها وفهمها.
والقرآنُ جاء يُحاجج أهلَ الجزيرة العربية بلغتهم وفصاحتهم التي كانت ميزة يعتزون بها، ويتفاخرون بالبلاغة اللغوية والفصاحة الشعرية فيما بينهم، ويقومون لها الأسواق مثل سوق عكاظ. وساق القرآن العديد من الآيات التي يُطالب فيها أهل الجزيرة العربية بإعمال العقل، وأكثرهم مباشرة في طلب إعمال العقل في القرآن، والإعلان عن نفسه بوصفه خطابًا مُوجهًا للعقل قوله: “كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ” (ص:29)، وهو اعترافٌ واضحٌ أنَّ الكتابَ نازل إلى العقل ويخاطبه ويُطالبه بتدبر الآيات، وكذا قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد 24).
واعتمد الخطابُ القرآنيُّ على الصورة البرهانية والحُجج العقلية، وسَرْد الكثير من الحُجج لإقناع أهل الجزيرة العربية بدعوة النبي محمد ﷺ، ومنها قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (البقرة: 258)، وقوله في سورة الطور: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36)، وحاج القرآن عبادة الأصنام بسؤال يُنكر فيه هذه العبادة بصورة منطقية في قوله: قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (الصافات: 95).
والخطابُ القرآنيُّ لا يُقدِّمُ نفسه كبديل عن العقل، بل يوقظه ويخاطبه، ويطالبه بتدبره، وذُكرت “أَفَلَا تَعْقِلُونَ” في 13 آية من القرآن، و “يَتَفَكَّرُونَ” في 17آية، و “لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” في 8 آيات، وهذه الصيغُ تُوضِّحُ أن وظيفةَ الوحي ليست أن يُفكر نيابة عن الإنسان، بقدر ما هو خطابٌ للعقل يُحاول الإقناع ويُحرك التفكيرَ فيه، ويَظْهر هذا في إنكاره التقليد والاتباع الأعميان ومطالبته بإعمال العقل. وحسب أن القرآن يُوجه خطابه إلى العقل ويدعوا إلى تدبر آياته فإنه يُثبت قدرة العقل ويستعين به، ولا يُقَدِّمُ نفسه بديلًا عنه، فيُمكن أن نقولَ إنه مثل الصوت الذي يُشعل صداهُ في مكان فارغ، يأتي الوحيُ ليوقظ “صدى” التفكير الكامن في الإنسان. وتأتي عبارة أَفَلَا تَعْقِلُونَ دائمًا في سياق الإنكار على من لا يستجيب لنداء الوحي، وهو ما يُثْبِتُ أنَّ الوحيَ هو خطابٌ موجَّهٌ للعقل وليس بديلًا له.
ومن بِنية الخطاب القرآني يبني حُجة الإسلام (وَفْق الوصف الأصولي المدرسي) أبو حامد الغزالي (450 هـ – 505 هـ / 1058م – 1111م) رؤيتَهُ للعقل بوصفه صدىً ومُكملًا للوحي/الشرع، إذ يُصرح بأنه “ما ثَبُتَ الشرعُ إلا بالعقلِ”[14]، وعلى إثر ذلك يرى ألا تعارض بين العقل والشرع، “ومن كذَّبَ العقلَ فقد كذَّبَ الشرعَ؛ إذ بالعقل عُرِفَ صِدْقُ الشرعِ، ولولا صِدْقُ دليلِ العقل ما عرفنا النبيَّ من المتنبي*، ولا الصادق من الكاذب”[15]. ويُصرح بأن الشرعَ عقلٌ من الخارج، والعقلُ شرعٌ من الداخل، ويستدل على رؤيته بأن الشرعَ عقلٌ من الخارج بأن سلب الله تعالى صفةَ العقل عن الكافر بآياته في غير موضع من القرآن، ويستدلُّ بقوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (البقرة: 171)، ويرى أن الله سمَّى العقلَ دينًا في قوله: “فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ” (الروم: 30)، ولكون العقل والشرع متحدين ومتكاملين يُفسر قول القرآن “نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ؛ أي نور العقل ونور الشرع”[16].
وللغزالي مكانةٌ كبيرة في الفكر الإسلامي، إذ يعدُّونَهُ حُجة الإسلام وكثيرًا ما يُوضع في مرتبة الأئمة الأربعة، وأعلن أنه يَهْدِفُ إلى هداية المجتمع وانقاذه من الضلال، وكتب مؤلفه المعروف المُنقذ من الضلال، وكفَّرَ الفلاسفة، ورفض العمل بالمنطق، وهذا ما جعل عديدًا من المشتغلين بالعلوم الإسلامية والفقهية يعدُّونَهُ مُحييَ علوم الدين، وألَّفَ كتابًا بهذا الاسم: إحياءُ علوم الدين، وعلى الرغم من اعتداده بالشرع ورفضه للمنطق والفلسفة، لم يستطع أن يُنكر دورَ العقلِ في استيعاب الشرع ووضعهما في وضع الشعاع والبصر/الصوت والصدى، وعدُّهما مُكملان لبعضهما البعض.
وإذا انتقلنا إلى أحد أهم الأقطاب السلفية إذا لم يكن اهمه على الإطلاق وهو ابن تيمية (661- 728 هـ / 1263- 1328 م) نجد أنه رغم إصراره على أن الوحيَ ثابتٌ من عند الله “سواء علمنا بعقولنا أو لم نعلم فهو مستغنٍ في نفسه عن علمنا وعقلنا”[17]، لكنه لم يستطع نفيَ دور العقل في استقبال الوحي وفهمه، فيقول: “نحن محتاجون إليه وإلى أن نعلمه بعقولنا؛ فإن العقل إذا علم ما هو عليه بالشرع في نفسه صار عالمًا به”[18]. ويُميز ابن تيمية بين نوعين من العقول ويتساءل عن أي نوع نقول إنه أصل الوحي، فهناك العقل الغريزي في الإنسان. والعلوم التي أنتجتها هذه الغريزة، وفي غالب الأمر كان يقصد بهذه العلوم الفلسفة اليونانية. وبِناءً على هذا التقسيم يقول إن العقلَ الغريزي هو شرطُ الوحي، فيقول: “فالحياة والغريزة شرط في كل العلوم سَمْعِيِّهَا وعَقْلِيِّهَا، فامتنع أن تكون منافيًا لها، وهي أيضًا شرطُ الاعتقاد الحاصل بالاستدلال”[19]، وفي كتابه مجموع الفتاوى يقول: “الْعَقْلَ هُوَ أَصْلُ السَّمْعِ فَلَوْ جُرِحَ أَصْلُ الشَّرْعِ كَانَ جَرْحًا لَهُ”[20].
وعلى ذلك يُمكننا القولُ إن ابن تيمية بكل سلفيته وإصراره على إعادة عصر الصحابة والتابعين، واتباع أهل السنة والجماعة وإعلاء قيمة النصوص مقابل الاجتهاد، لم يكن بمقدوره أن ينفي دور العقل في استقبال الوحي، وإن كان رَفَضَهُ في بعض المواضع، ولكن أكَّد على ضرورة وجود العقل لاستقبال الوحي، والاستدلال بالعقل حتى الوصول إلى الاعتقاد. والاعتقاد عنده محله العقل، وهو ما يتبناه في المعتاد، وهذا ما جعله يقول إن العقلَ أصلُ السمع وأنَ الجرْحَ فيه كان جَرْحًا في أصل الشرع، وتوضح كتابات ابن تيمية أنه حين رفض القولُ بأن العقلَ أصلٌ للشرع في مواضعَ من كتاباته، كان يقصد بها مفهوم العقل حينها، أو ما يُمَثِّلُ العقلَ حينها وكانت الفلسفةَ اليونانية، وهذا ما دفعه إلى إنتاج تمييزه بين العقل الغريزي والعلوم التي يُنتجها، ليجعل العقل الغريزي أصل السمع/الوحي، وينفيه عن الفلسفة اليونانية التي كانت مُسيطرة في هذا الحين.
العقلُ مناطُ التكليفِ
يُقَدِّمُ النسقُ الفقهي نفسه عادةً في سورة المُرشد gلحياة الرُوحية، وهو أمرٌ مفهومٌ وَفْق إطاره التاريخي والسياسي والاجتماعي، وفي الوقت الذي يُقَدِّمُ فيه نفسه بوصفه عقلًا يُفكر به المسلمين، ومرشدًا لهم في الحياة الدنيا والآخرة، يُصرُّ على أن العقلَ شرطًا أساسيًا لقيام الدين، إذ إن الدينَ وأركانه لا يُمكنها القيامُ إلا من خلال شخص عاقل يَعيها تمامًا ويقوم بها، وهذا ما جعل الفقهاء يتفقون على أن العقل مناط التكليف. ويقول المتكلمُ الأصوليُّ الذي كان حنبليًّا وتحولَ إلى الشافعيةِ سيفُ الدين الآمدي (551-631 هـ / 1155-1233 م): “اتَّفق العقلاءُ على أن شرط المكلف أن يكون عاقلًا فاهمًا للتكليف، لأن التكليفَ خطابٌ، وخطابُ من لا عقل له ولا فهم له محال؛ كالجماد والبهيمة”[21]، ويُوضح الآمديُّ ببراعة أن قيام الدين وخطاب التكليف لا يُمكنه أن يكون موجودًا من الأساس لولا وجودُ العقل، إذ إنه في الأخير خطابٌ، والخطابُ لا يُمكن أن يُقَدَّمَ لمن لا عقلَ له، كالجماد والبهيمة كما قال.
ويقول صفيُّ الدين الهندي الأرموي (644هـ – 715هـ = 1246م – 1315م) وهو إمامٌ وفقيه أصولي شافعي ومتكلم على مذهب الأشاعرة: “إعلام من لا عقل له ولا فهم متناقض، إذ يصير التقدير يا من لا فهم له أفهم الخطاب، ويا من لا عقل له اعقل المأمور به”[22]. وعلى هذا أسقط الفقهاء التكليف عن المجنون والطفل الذي لم يبلغ بعد، إذ إنه لا يملك العقل الذي به يحكم بتمييز الأمور، واستند الفقهاء في هذا إلى طبيعة الكون والحياة التي تقتضي ذلك، وإلى الحديث النبوي الذي يقول: “رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يَسْتَيْقِظَ، وعن الصبي حتى يَحْتَلِمَ، وعن المجنون حتى يَعْقِلَ”[23].
وقد دار النقاشُ بشأن ما إذا كانت الأفعالُ من الإنسانِ أم من الله بين الفرق الكلامية وغيرهم، وقالت المعتزلةُ بأن الأفعالَ هي للإنسانِ، وقالت الأشعريةُ بأن الأفعالَ خَلْقُ للهِ كَسْبٌ للإنسانِ، ولكن لم يدرِ النقاشُ بخصوص التكليف ومشروطية العقل له، وثمة شبه إجماع على أن العقلَ هو مناطُ التكليف. ويقول الشَّوْكَاني (١١٧٣ – ١٢٥٠ هـ = ١٧٦٠ – ١٨٣٤ م) وهو أحد الفقهاء الذي يَعُدُّهُ العقلُ الإسلامي من فقهاء أهل السنة والجماعة: “اعلم أنه يُشترط في صحة التكليف بالشرعيات فهم المُكَلَّفِ به لما كُلِّفَ به”[24]، وما يقوله الشوكاني أمرٌ منطقيٌ، إذ لا يُمكننا أن نطلب شيئًا ممن لا يفهمه، بَيْدَ أن المُشكلَ فيمن يحاول أن يُنحي العقل ويرى في نفسه مناطَ التكليف.
وفي المدونة التفسيرية الإسلامية جاء تفسير الآية 70 من سورة الإسراء ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾، يقول بأن تكريم بني آدم كان بالعقلِ الذي هو مناطُ التكليف، وقال البعضُ بأن التكريمَ كان بالنطق، وأنه كان بوقوف بني آدم على قدمين واستقامتهم، ولكن لم يُنكر أحد مركزية العقل في عملية التكريم. وقال القُرطبي في تفسير هذه الآية: “ وَالصَّحِيحُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّفْضِيلَ إِنَّمَا كَانَ بِالْعَقْلِ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ التَّكْلِيفِ،. وَبِهِ يُعْرَفُ اللَّهُ وَيُفْهَمُ كَلَامُهُ، وَيُوصَلُ إِلَى نَعِيمِهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْهَضْ بِكُلِّ الْمُرَادِ مِنَ الْعَبْدِ بُعِثَتِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتِ الْكُتُبُ. فَمِثَالُ الشَّرْعِ الشَّمْسُ، وَمِثَالُ الْعَقْلِ الْعَيْنُ”[25]، وعلى ما يذكره القُرطبي فإن العقلَ هو تكريمٌ الله لابن آدم، وتخليه عن العقل لا يجعله كذلك، وهو ما يتوافق مع قول الله تعالى كالأنعام، بل أضل، لأنهم لا يُعْمِلُون عقلهم ويتخلون عن طبيعتهم التي فطرهم الله عليها.
ووفق ما قُدِّمَ فإن اللهَ عز وجل قد أوكل الهداية إلى العقل، وأوعز إلى الإنسانَ بإعمال العقل، ورفض الاتباع والتقليد، ونفى إمكان الهداية عن انبيائه، وأوكلها إلى العقل، ولم يَلُمْ الله عز وجل عباده على رفض دعوى الأنبياء إلا واقترن اللَّوْمُ بعدم إعمال العقل، لذا يُمكن أن نرى العقلَ وحيًا فطريًا، أو تجليًا باطنيًا للوحي في النفس الإنسانية. والعقل هو المستقبل للوحي والشارح له، وهذا ما اقره الفقهاء والمتكلمين والمشتغلين بالتفسير، إذ أن إنكاره محال وغير مقبول منطقيًا. وعوضًا عن البُعْدِ المنطقي ومشيئة الله التي سَنَّها في خلقه التي تجعل العقلَ ضمن البِنية والمشيئة الإلهية للكون، مما يجعله وحيًا كذلك، فإن الكتبَ المقدسة صرحت في الوحي المنطوق/المُنزل بأن معرفةَ الله تتم بالعقل، وحثَّت على الفهم والعقل كذلك، وأنكرت عدم إعمال العقل وعَدَّتُهُ ضمنيًا ذنبًا مرفوضًا وغيرَ مقبولٍ.
وإذا كان الله قد سنَّ الهداية بالعقل ونفاها عن أنبيائه، ووجه وحيه سبحانه وتعالى إلى العقل، مما جعل المتكلمين والفقهاء جعلوه مناط التكليف، ألا يُعَدُّ عدم إعمال العقل ذنبًا؟ وطلب الإنسان بأن يُنحي عقله تعديًا على المشيئة الإلهية؟ وهل بإمكان من يُطالب الإنسان بتنحية عقله الذي هو مناط التكليف ويتبعه، ليكون هو مناطُ التكليف بدلًا من العقل، أن يُحاسب أمام الله بدلًا منه؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1] – الغزالي (أبو حامد) معارج القدس في كعرفة مدارج النفس، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2019، ص51.
[2] – الشهرستاني، أبي الفتح محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، تحقيق: عبد الباسط مزيد، مكتبة الإيمان للنشر والتوزيع، القاهرة، 2014، ص 65.
[3] – فيصل بدير عون، علم الكلام ومدارسه، ص 288.
[4] – القاضي عبد الجبار ، المُغني في أبواب التوحيد، تحقيق: مصطفى النيقا، إشراف طه حسين، ج14، الأصلح- استحقاق الدم- التوبة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، الدار المصرية للتأليف والترجمة، ص، 151.
[5] – القاضي عبد الجبار، المغني ج14، ص 152.
[6] – المصدر السابق، ص 153.
[7] – الشهرستاني، الملل والنحل، ص 58
[8] – النيسابوري (أبو رشيد سعيد بن محمد)، في التوحيد (ديوان الأصول) تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريدة، وزارة الثقافة المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة، 1969، ص 305
[9] – نصري (ألبير)، فلسفة المعتزلة، ج2(العدل)، مطبعة الرابطة، 1951، ص 53
[10] – القاضي عبد الجبار، المُغني، ج 12، 238،
[11] – راجع، نصر حامد أبو زيد، التجديد والتحريم والتأويل بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير، المركز الثقافي العربي، بيروت. لبنان، الدار البيضاء. المغرب، 2014، ص142
[12] – ابن طفيل، حي بن يقظان، تحقيق يوسف زيدان، حي بن يقظان النصوص الأربعة ومبدعوها، دار الأمين للنشر والتوزيع، ط2، 1998، ص 207
[13] – الغزالي (أبو حامد)، معارج القدس في معرفة مدارج النفس، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، ص 51.
[14] – الغزالي (أبو حامد)، قانون التأويل، تحقيق، محمد بن زاهد بن حسن الكوثري، مطبعة الأنوار، 1940، ص 9.
* – مدعي النبوة .
[15] – الغزالي (أبو حامد)، قانون التأويل، ص 9
[16] – الغزالي أبو حامد، معارج القدس في معرفة النفس، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحددة، 2019، ص51.
[17] – ابن تيمية، ( تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني)، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، ج1، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤١١ هـ – ١٩٩١ م، ، ص 89.
[18] – المرج السابق الموضع نفسه.
[19] – السابق، الموضع نفسه.
[20] – ابن تيمية، مجموع الفتاوى، جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، جمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف – المدينة المنورة – السعودية
عام النشر: ١٤٢٥ هـ – ٢٠٠٤ م، ج5، ص 542.
[21] – الآمدي (علي بن محمد) الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق عبد الرازق عفيفي، ج1، دار الصميعي للنشر والتوزيع، ط1، الرياض، 1424هـ 2003م، ص 201.
[22] – صفي الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموري الهندي، نهاية الوصول في دراية الأصول، المكتبة التجارية بمكة المكرمة، ج3، ص 118
[23] – واه أبو داود والترمذي والنسائي في الكبرى وابن ماجه وأحمد – [سنن أبي داود – 4403]
[24] – محمد بن علي الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق أبي حفص سامي بن عربي الاشري، دار الفضيلة، الرياض، 1421هـن 2000م، ج1، ص92.
[25] – القرطبي (أبو عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي)، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش ،دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، ١٣٨٤ هـ – ١٩٦٤ م، ج10، ص 294.