الوحي وقراءاته: الجزء السادس… مفهوم أركون الخطابي للوحي

 تكوين

                  إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (يوسف:2)

مقدمة

بدأت سلسلة المقالات المُقدمة تحت عنوان “الوحي وقراءاتُه: نجو تجاوز الاستهلاك الأيديولوجي للقرآن” بعملية وصفية للخطاب الإسلامي المُعاصر الساعي نحو السيطرة بواسطة الخطاب القرآني، ثم توجهت لتحديد بِنية الوحي وغياب المعنى النهائي عنه، وأوضحت أن الخلق والغريزة ضمن الإرادة والوحي الإلهيين، ومن ثم فهما مُلزِمان إلزامَ الوحي، ووفْقَ ذلك فإن العقل بموجب هذا يكون وحيًا إلهيا كذلك، وذلك لأنّ الله عز وجل خلقَهُ وشاء أن يكون على هذه الهيئة وهذه الكيفية، ولم يَخْلقه عز وجل لينفيه، أو يُنَحِّيه جانبًا، وإلا فلماذا خلقه سبحانه، ويقول في القرآن: “يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ” [آل عمران: 191]، وما انتهى إليه المقال السابق، أن العقلَ هو مستقبل الوحي ومفسره، وبغير العقل لا يكون للوحي معنًى، إذ إنه خطابٌ موجهٌ إلى العقل، وهذا ما أقرَّهُ الفلاسفة والمتكلمون والمفسرون والفقهاءُ.

استكمالًا لما بُدِءَ العمل به من أشكلة للنظم المعرفية، ودراسة مفهوم الوحي في الذهن العربي المُعاصر، وقراءتُه وما يترتب عليه من بِناءٍ ذهني ينطبع على المعاملات اليومية وتسيير الشؤون الحياتية، يُقَدِّمُ المقال الذي بين أيدينا مفهومَ الوحي في مشروع المفكر الجزائري محمد أركون (1928-2010) وذلك لأهميته وأصالته، التي جعلته نُواةً لكثيرٍ من مشاريع القراءة التالية عليه، لتلتقي معه في عديدٍ من النقاط، وتعارضه في أخرى. ويُمثل المقالُ المَعْني هنا الانتقال إلى مشاريع القراءة المُعاصرة، ومحاولتهم لإعادة بلورة مفهوم جديد للوحي يُخرجه من مفهومه السلطوي الذي جعله أداةَ قمع وتبرير أكثر من كونه خطاب هداية ونور.

ويُعد مفهوم الوحي أهم المفاهيم المكونة للعقل الديني بالعموم والعقل الإسلامي بالخصوص؛ فالوحي عند العقل الديني، والعقل الإسلامي المعني هنا، هو الإرشاداتُ الإلهية التي أنزلها الله لتسيير أمور البشر إلى الصلاح الكامل، ومن ثم يُمَثِّلُ طريقَ الإرشادِ والدستور الإلهي الكامل، ويتعالى عن الأخطاء والهفوات البشرية. ويخلطُ العقل الديني بين الوحي والنص المُقدس، إذ يُعَدُّ النصُ المقدس الذي بين يدهِ هو الوحيُ ذاته، وأنه نزل هكذا، وليس نتيجة الوحي؛ أي أنه بموجب ما أوحى به الله إلى نبيه وبلغه قومه، جُمعت هذه الآيات والسور ودُونت، ولم تنزل من السماء هكذا في ألواحها، مثلما حدث مع نبي الله موسى عليه السلام. وانطلاقًا من المزج بين الوحي والكتب المُقدسة، يتعاملُ العقل الديني معها على أنها كلامُ الله الذي نطق به وأنزله، الحامل للإجابات كافة عن التساؤلات كُلها، وتمتاز الإجابات هنا بكونها مفارقة متعالية، لا تعرف النقص والانحياز البشري؛ لذا يُمَثِّلُ الوحيُ الحلَّ السحري للمشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كافة.

وعن طريق عملية التطابق بين الوحي والنص المقدس، وفي السياق الإسلامي بين القرآن الشفهي والمصحف وكلام الله غير القابل للحصر أو التأطير، أصبح المصحف/القرآن معزولًا عن السياق التاريخي المُنتج له، وأضحى كما الكامن في الفضاء؛ فقد أضحى المصحفُ هو المُمثل لكلام الله في ذاته، ليكون هذا الكلام الذي بين أيدينا هو الكلامُ الذي كتبَهُ الله منذ الأزل المُنَزَّهِ عن كل بُعْدٍ إنساني. وانطلاقًا من غياب المعنى النهائي لكلام الله وعَدُّ الخلقِ والغريزة والعقل ضمن الوحي والإرادة الإلهيتين، يُقَدِّمُ أركون مفهومه الخطابي للوحي، ليَعُدْ القرآن بموجبه النسخةَ الأرضية من كلام الله التي يُمكن أن يفهمها البشر. وبهذا يضع البِنية السياقية ضمن إطار قراءة القرآن، ويفكك مضامين مفهوم الوحي القائم في الذهن الإسلامي الذي يتسم بالخلط والتوحيد، بين التفسيرات القديمة، وكلام الله، والقرآن، والمصحف، ويتعامل معهم جميعًا على أنهم وحي إلهي. والتعامل مع القرآن على أنه النسخة الأرضية من كلام الله ينفي حق الحديث عن المعنى النهائي الكامن في الضمير الإلهي عن أي بشري، ويجعل عملية فهمه خاضعة للمناهج والعلوم الإنسانية المتجددة، ومن ثم يكون دائم الإنتاج للمعنى بموجب تجددها المستمر.

حفريات الخطاب وشروط إنتاج المعنى

انطلق محمد أركون في بِناء مفهوم الوحي من رؤية الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault)‏ (1926 – 1984) للحقيقة، التي يراها خاضعة للتاريخ، فهو يرى أن التاريخَ يُمَثِّلُ نمطَ الوجود الأساسي والجوهري للمعارف التي تصل إلى درجة معينة من الثقة والشروط العلمية، لتغدو ثابتةً وتُعتمد بوصفها مُطلقاتٍ للمعارفِ والعلوم[1]، وتحمل كل حقبة تاريخية شروطَ بِناء المعنى والنسق التصوري لمطلقاتها ونمطها المعرفي، وخرجت رؤية فوكو من قراءة التاريخ الإنساني وتبدل القواعد المعرفية مع كل حقبة، يقول: “كيف حدث أن انسحب الفكر من رحابٍ كان يقطنها من قبل، بعدما كان يراها قبل أقل من عشرين سنة، أنها هي العلمُ عينه والمعرفة ذاتها؟”[2]، وهذا يعني أن لكل عصر محدداتٍ تحكمه وتحدُّ أطره المعرفية وأفقه، وعمليات إنتاج المعنى وشروطها، وهو ما أطلق عليه فوكو الإبستيمية، وتوصل إلى “أن الحقيقةَ مطلب وهمي، إذ هي لا توجد أو لعل الذي يوجد هو محضُ أفق للحقيقة”[3].

ودشَّن فوكو المنهج الأركيولوجي المعرفي القائم على الحفر التاريخي لتحديد الإبستيمية الحاكمة للحقبة التاريخية، وهو ما سُمي بحفريات المعرفة، فبه يَهْدِفُ إلى تحديد الخطاب المعرفي لفترة تاريخية معينة، ويبحث عن مجموع القواعد المؤسسة للبِنى المعرفية الموجودة، والتي يضعها شروطًا لإمكان المعرفة، عن طريقها تتمكنُ المعرفة من الظهور والنشوء في هذا العصر[4]. وفي المنهج الأركيولوجي لم يَعُدْ للتاريخ حقيقة كُلية تحكمه، بل أضحى هو المحددُ للحقيقة وأفقها، وهو يقولُ في كتابه الكلمات والأشياء: “بخصوص الفكر في القرن الثامن عشر، كان الأحفورُ تجسيدًا مُسبقًا للصور الحالية، ويدلُّ على تواصلِ الزمن الكبير، فقد بات من الآن فصاعدًا إشارة إلى النمط الذي كان ينتمي إليه فعلًا”[5]؛ أي أن دراسةَ أنماط التفكير التاريخية تدل على آليات عمل هذا الفكر وتحدد سمات الحقبة التاريخية وأبِنيتها ومطلقاتها المعرفية، وتقف أهميتها عند كونها شاهدة على هذه الحقبة، وهو المنهجُ الذي اعتمد عليه أركون أيضًا في بِناء مشروعه النقدي للعقل الإسلامي.

وكما انطلق أركون من رؤية فوكو للحقيقة الخاضعة للتاريخ، اعتمد كذلك على المنهج الأركيولوجي المعرفي، واتجه نحو دراسة ظاهرة الوحي والتاريخ الإسلامي باستعمال هذا المنهج، وأصرَّ على أن يوضع التراث الإسلامي عل منصة التشريح والتعامل معه على أنه شهادة على الوعي الإسلامي حينها (أحفور معرفي يُفهم به الإبستمية المتحكمة في العصر) وليس عقلًا يجب أن يُفكِّر به العقل المعاصر. ورأى أركون أن الإبستمية المعاصرة لنزول القرآن مدخلًا ضروريًا لفهم القرآن، لأنه جاء يُخاطب هذه الإبستمية وهذا العقل، وليس بإمكانه الخروج عن شروط إنتاج المعنى المعاصرة لنزوله، ومن ثم فإن عملية بناء المعنى دونها تكون ناقصة، وفي الوقت نفسه يقول بأن الأفق المعرفي المعاصر لنزول الوحي (الإبستمية) ليس كافيًا وَحْده لبناء المعنى من الخطاب القرآني.

الوحي والتاريخ والحقيقة

إيمانًا منه بنظرية الأفق الإبستيمي التي قدمها فوكو يُعلن محمد أركون أنه يتحدث من داخل أفق إبستيمي ما بعد حداثي، أو كما يُسميه هو العقل المنبثق الصاعد[6]، وفي فصل من كتابه قراءات في القرآن عنونه بـ “الوحي والتاريخ والحقيقة” قال إنه وضع التاريخ في المنتصف لأن “الرُوح الفكرية تحاول جاهدة أن تتوصل إلى الحقيقة وتجسدها عمليًا في التاريخ… والتاريخ يجبل ويصوغ حياة الفاعلين الاجتماعيين الذين هم غير واعين بصورة متساوية بمصدر أفعالهم الفردية، والجماعية، ونوعية آلياتها وانعكاساتها”[7]، من ثم فإن الوحي لا يُمكنه أن يتجاوز الإطار التاريخي، أو أفق الحقيقة وشروط إنتاج المعنى التي تحدها وترسمها الحقبة التاريخية. ومفهوم التاريخية عند أركون يعني أن حدثًا ما قد حدث تاريخيًا في فترة زمنية محددة، وأنه ليس خياليًا: كالأساطير أو محض تصور ذهني رَكَّبَ بعد ذلك الذاكرة الجمعية[8]، والقرآن بهذا المعنى يُمَثِّلُ حدثًا تاريخيًا لأنه مُثبت في الأحداث التاريخية، وأسهم في بِناء تاريخ وحضارة، بَيْدَ أن العقلَ الإسلامي المعاصر يعامله على أنه نزل في الفضاء ويعزله عن أي سياق تاريخي أو اجتماعي.

وعليه هدف أركون في مشروعه إلى عدم التعامل مع القرآن بوصفه فوقَ تاريخي (غير مقيد بظروفه التاريخية التي نزل فيها من ناحية البعد التواصلي على الأقل)، كما تتعامل معه الثقافة الإسلامية تاريخيًا وراهنيًا، ومحاولة فهمه عن طريق المحددات الثقافية والأطر الاجتماعية التي جاء مخاطبًا لها. ورأى أن السبيل إلى ذلك يتحقق بتطبيق المناهج المعاصرة على القرآن وصرَّح قائلًا: “لا ينبغي أن يظلَّ القرآن معزولاً… إن المناهج التجديدية التي طبقوها على كتب اليهود والمسيحيين ينبغي أن تُطبق عليه، وهذا ما أحاول فعله. لا ينبغي أن تُترك هذه المُهمة لرجال الدين ولحراس الأرثوذكسية العقائدية في كل طائفة أو مذهب”([9]). فمشروع أركون يتمثَّلُ في جعل الوحي مُمكنًا للفهم عبر هذه المناهج المعاصرة، بصفته ظاهرة ثقافية ولُغوية، قبل أن يكون تركيبات ثيولوجية أو لاهوتية.

لذا يُصِرُّ أركون على أنه لا مفر من دراسة جذور تأريخ التعالي، وكيفيته، وعقلنة الأسطورة[10]، وهو لا يقصد من ذلك أن يقطع الإنسان عن التعالي، بل يعمل على جبره حصرًا على تتبع مسارات هذا التعالي داخل الواقع التاريخي المحسوس الذي تجسَّد فيه بطرق شتى؛ عن طريق إخضاع النص للصيرورة التاريخية، ومن ثم تحويل نمط التعامل مع القرآن من التساؤل عن المعنى الأخير والنهائي (وهو غير القابل للحصر)، إلى طرح قراءاتٍ، تُعبر عن نفسها بوصفها قراءاتٍ ظرفيةً وعرضيةً، محكومة بإطارها الاجتماعي والثقافي والتاريخي، ومن ثم الإنساني([11]). وللطبيعة الإسلامية المحافظة، وإدراكه لشروط إنتاج خطاب ناجح داخل المجتمعات الإسلامية، يحاول أركون أن يؤصِّلَ لطرحه من داخل النص القرآني ويستعين بتأكيده الضرورة المستعجلة لإعادة قراءة الماضي البشري بعيون جديدة[12] التي تفترض أن عدم إعادة قراءة الماضي تخليًا عن بعدٍ مُهمٍ من أبعادِ القرآن، وهو القراءةُ وإعمال العقل.

وللوصول إلى السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي الذي يتمخَّضُ عنه أي خطاب، أو أيديولوجيا ترقى بنفسها مع مرور الزمن إلى مرتبة البدهيات التي لا تحتاجُ إلى برهنة، أو نقد، يرى أركون أنه يكون باستعمال المنهج الأركيولوجي*، الذي يبحث في حفريات المعرفة ليصل إلى شروط إنتاج المعنى في هذه البقعة الجغرافية، والحقبة التاريخية. ويصرِّحُ بأن “مُهمة الباحث أشكلة* كل الأنظمة الفكرية التي تنتج المعنى، وكل الصيغ التي اختفت أو لا تزال حية، والتي تُنتج دون تمييز المعنى وآثار المعنى”([13])، وعلى العقل الإسلامي أن يؤشكل نظمه المعرفية، ويسعى نحو خلخلة النظم المعرفية والسلطات المبينةِ على القرآن ومفهومه بوصفه نصًّا، وإدراك البعد الخطابي للقرآن ووضعه موضعه؛ أي بوصفه خطابًا، مشرعًا للإنسان، فينادي بما يُسميه ((الأنسنة))؛ وهي تعني في إحدى زواياها إدراك البعد الإنساني في الدين، وأنه مُستَقْبِل هذا الدين وغايته، وأن الوحي الإلهي إذا كانت غايته الإنسان فهذا يعني أنه حاضرٌ فيه حضورًا مُستَقْبِلًا، ويفترض أن يأتي متوافقًا مع ما يُمكن أن يتقبله الإنسان أو يفهمه، على هذا الأساس يُقَدِّمُ أركون مفهومه للوحي الذي يُفرق فيه بين (أم الكتاب، والقرآن، والمصحف).

أم الكتاب، والقرآن، والمصحف

يُفرق أركون بين العقل الديني، والعقل اللاهوتي – السياسي، إذ يبدو العقلُ الديني متكاملًا، منفتحًا([14])؛ أي المعاني والرموز مفتوحة على اللا نهائي، في حين يُمَثِّلُ العقل اللاهوتي – السياسي، تجسيدًا للعقل الديني داخل المعقولات والمنظومات والمعايير والعقائد، ولا تُعَدُّ هذه الأنظمة مفارقة لواقعها الاجتماعي والثقافي، لأنها تجيءُ هاضمة ومستوعبة للحاجات الإنسانية المتغيرة، ولغة الفهم المتعارفة، والشفرات الثقافية، التي تكمن في هذا الإطار الزمكاني؛ أي الجغرافي التاريخي[15]. فالأول هو بمنزلةِ الحقيقة المطلقة والثاني بمنزلةِ تجليها في التاريخ، أو إن صحَّ تعبيرُ الباحثة اللبنانية نايلة أبي نادر، الأول يُمَثِّلُ النظرية والثاني يُمَثِّلُ التطبيق [16].

  • أمُّ الكتاب

على هذا الأساس يضع أركون ثلاثة مستويات مختلفة للنص القرآني وهي: أم الكتاب، والقرآن، والمصحف. وتُمثلُ الأولى (أم الكتاب) الواردة في الآية السابعة من سورة آل عمران }هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ  {وهي عند أركون (الكتاب السماوي) بصيغة المفرد لأنَّ الأنبياء السابقين على النبي محمد ﷺ كانوا قد تلقوا رسالات صادرة عنه، وهو يُمَثِّلُ النموذج الأعلى للكتاب المصون في اللوح المحفوظ في السماء، والكتب المتتابعة من توراة وإنجيل وقرآن ليست إلا طبعاتٍ أرضيةً عن (أم الكتاب)([17])، فهو كتاب محفوظ عند الله لا يُمكن للبشر التوصَّل إليه، وهو ما يسميه بالكتاب السماوي أو كلام الله، والوحي يُمَثِّلُ انعكاسًا جزئيًا له وليس أم الكتاب (كلام الله في ذاته*).

  • القرآن

والقرآن هو؛ المرحلة الشفهية التي بلَّغ بها النبي ﷺ المسلمين بالوحي (النسخة الأرضية من أم الكتاب)، وهذه المرحلة الشفهية تخضع لشروط إنتاج الخطاب التي تفرضها البيئة الثقافية والاجتماعية المرهونة داخلها، أي أنها تحمل في طياتها ما هو بشريٌ في اللغة والفهم والثقافة والاستيعاب… وكل ما يُمكن أن يُطلق عليه الشروط القبلية لبِناء الخطاب. فالقرآن -وَفْق أركون- يُمَثِّلُ تجليَ كلام الله لشبه الجزيرة العربية، أي الرسالة الإلهية المقيدة بلغتهم وأعرافهم وأنماط فهمهم واستيعابهم وشروط إنتاج المعنى داخل بيئتهم، وهذا ما يجعلها عاجزة عن أن تكون كلام الله الأزلي، ولكنها جزءٌ منه؛ جاء مرهونًا بعقلية المخاطب لتؤدي دورها التواصلي وتعطي الإنسانَ تصورًا عن الحقيقة الإلهية متوافقًا مع طبيعة عقله التصوري الاستدلالي.

لذا أختلف مع الباحثة سهيلة يلدز* بأن إشارة أركون لبِنية القرآن بالخطاب النبوي تعني بكل وضوح أنه يَسْنِدُه إلى الأنبياء بدلًا من إسناده لله[18]، وأرى أن إشارته للقرآن بالخطاب النبوي تعني النسخة الأرضية من كلام الله (أم الكتاب) غير القابل للحصر؛ أي أنها النسخة الملائمة لفهم النبي وقومه، والنبي وقومه حاضرون في هذا الخطاب حضورَ المستقبلين له وإلا استحالت وظيفته التواصلية واستوى وجوده من غيابه، ولا يتنافى هذا مع مصدريته الإلهية، إن لم يكن يدعمها ويقويها.

  • المصحف (المدونة الرسمية والمغلقة)

والمصحف (المدونة الرسمية المغلقة والنهائية التي جمعها عثمان بن عفان) يُمَثِّلُ انعكاسًا جزئيًا للقرآن، عن طريق العمليات البشرية التي انطلقت من الخطاب الشفهي للقرآن، كي تجعل منه مدونة نصية، ورسمية ونهائية مغلقة[19]. ولا ينفي الدور البشري في عملية التحويل، فقد جاء المصحف متحققًا داخل السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي، ويختلف عن القرآن الشفهي في عدم احتواءه على الحيثيات الكاملة للخطاب، مثل: أسباب النزول وسياقاته[20]. من هنا يرفض أركون “تحويل كلام الله المتمثل بمنطقه الشخصي ذاته وبصفته أزليًا، أبديًا، متعاليًا، لا نهائيًا وغير قابل للاستنفاد من قبل أي جُهد بشري، إلى كتاب عادي مادي نلمسه باليد ونتحسَّسَهُ ونفتحه ونقرؤه” ([21]) ولكنَّهُ يُمَثِّلُ الصورة الأرضية الخاضعة لقوانين الكينونة البشرية المحدودة من كلام الله.

المفهوم الخطابي للوحي

يتضحُ مفهوم الوحي مما يقدمه أركون من تفرقة بين أم الكتاب، والقرآن، والمصحف، وهو مفهوم خطابي يرى الوحيَ خطابًا أنزله الله إلى قوم غير مؤمنين يدعوهم إلى الهداية والإيمان به، ويضع للمؤمنين به تشريعات تُسَيِّرُ حياتهم، وهذا يفترض رهنَ الخطاب بلغة المُخاطب وعقله، كي يكون معقولًا ومتداركًا عندهُ. وقد أقرَّ المتكلم الأصولي الذي كان حنبليًّا وتحول إلى الشافعية سيف الدين الآمدي (551-631 هـ / 1155-1233 م) بأن القرآنَ خطابٌ، ومن الضروري أن يكون خطابًا لعاقل ومفهومًا، كي يُعمل به، فهو يقول: “خطاب من لا عقل له ولا فهم محال؛ كالجماد أو البهيمة”[22]، أي أن إدراك الإنسان للقرآن أمرٌ ضروري لقيامه والإيمان به. وهذا يُعزز الفرضية التي يطرحها أركون لتجعل الوحي خطاب يُنزِّلُ الله فيه أوامره ورغباته في لغة الإنسان وفي قوالب استيعابه، وعلى هذا الأساس وضع أركون كلام الله/أم الكتاب في موضع المُحتجب والقرآن جزء منه، كما الإنجيل والتوراة، وذلك لأن الله عادل وإله للجميع، وأرسل رسالاته للبشر بلغتهم واستيعابهم.

وتبعًا للمفهوم الأركوني للوحي فإن الكتب المقدسة الثلاث (التوراة والإنجيل والقرآن)  ويسميهم بالخطاب النبوي نسبة إلى أنهم خطابات إلهية وُجهت للنبي، تُمَثِّلُ رسالة مجزأة جاء كل كتاب منها بجزء من الحقيقة في صورة تتوافق مع متلقيها؛ أي أنها ليست الحقيقة في ذاتها بقدر ما هي صورةٌ تعبيرية عنها تلائمُ عقل المتلقي ومدركاته، ولا يحق لأي من هذه الكتب نسخَ وإلغاء الكتب الأخرى وإعلان نفسه مُمثلًا أوحدَ للحقيقة المطلقة، فلكل نسق معرفي نظامه للحقيقة وَفْق أركون، فـ “هناك نظام معتزلي، حنبلي … سني، صوفي … ماركسي، فرويدي … تلمودي، بوذي… إلخ، للحقيقة.”([23]) وليس بمقدور أي نسق من هذه الأنساق نفي الآخرين أو زوالهم مهما ادَّعى عدم شرعيتهم. على إثر ذلك يرى، أن الحقيقة المُطلقة لكلام الله المفترض أنها فريدة من نوعها تتعذر على التخفيض أو النقد، لا يُمكن القبض عليها، لأنها لا تتجزأ ولا تتنوع[24]، ولا يمكننا إلا أن نقدم فهمنا حيالها وتجليها لنا، مع عدم الزعم بامتلاكها.

ووفْقَ ما يُقدمه أركون تَكَوَّنَ المصحف عن طريق عمليتين: الأولى إلهية نازلة من فوق، والثانية بشرية، مساوية للجُهد البشري، وتخضع لمحدداته. وفي الأولى يوحي الله إلى نبيه بجزء من أم الكتاب (كلام الله) وليس كلها؛ لأنها في نظره غير قابلة للحصر؛ لأنها تُمَثِّلُ اللا نهائي ولا يُمكن اختزالُ قيمها الأزلية وغير القابل للحصر أو التأطير. والثانية تحصلُ بصورة بشرية تسير بالخطاب القرآني الشفهي، الذي تلفظ به النبي ﷺ أول مرة، إلى المدونة النصية المغلقة في عهد عثمان بن عفان، والتفاسير المقدمة للنص القرآني. ويميز أركون بين كلام الله في ذاته (أم الكتاب)، والقرآن، والمصحف، والتفاسير- وهي في حالةِ خلط في الذهن العربي -؛ فالقرآن يُمَثِّلُ التجلي الخطابي لكلام الله، وهو جزءٌ منه وليس كله، والمصحف هو المدونةُ الرسمية، التي لا تخرج عن الفاعل البشري، والتفاسير هي الاجتهاداتُ التي قامت مرتكزة على النص، تزعم لنفسها القدرة على تحقيق الخلاص الأخروي عن طريق معرفة حقيقة الكلام الإلهي ومراده؛ لذا يوضح أركون أن بين كل مرحلة وأخرى مسافة، من نزول الوحي إلى الأرض، وتلفظ  النبي ﷺ به في أوضاع عديدة ومتغيرة على مدى سنوات عديدة، وتحويله إلى نسخة رسمية ومغلقة، وأخيرًا عشرات التفاسير التي تقدمت من الأمة الإسلامية.

القرآن نسخة أرضية من كلام الله

يُفضي المفهوم الخطابي للوحي الذي يطرحه أركون، إلى أن القرآنَ يُمَثِّلُ خطابًا إلاهيًّا للبشر، وعلى ذلك يكون مُقيدًا بأفقهم المعرفي ومحدودًا بقوالبهم اللُغوية، وهذا يتضمن أنه يُمَثِّلُ الصورةَ الإنسانية المحدودة لكلام الله غيرِ القابلِ للحصر أو التأطير، وهذه الصورة يُقدمها الله في التصورات واللغة الإنسانية التي يُمكن أن يُفهم بها كلام الله، مما يعني أن المعنى النهائي لكلام الله لا يصل إليه الإنسان، ويفهمه وفق إطاره الجزئي وتصوراته العاجزة عن احتواء الطبيعة الإلهية غير القابلة للتصور. ووَفْق ذلك يُمَثِّلُ القرآنُ النسخةَ الأرضية لكلام الله (المشروطة بقوانين التصور والفهم الإنساني)، مما يعني أن الوصولَ إلى المعنى مُقيد بالمعرفة البشرية، ويتوقف على صلاحية تِقْنيات التفسير ومتانتها[25]، وهذا يُعطيه سيرورة تأويلية وَفْق السيرورة المعرفية المتجددة، ومن ثم يُعطيه معنًى متجددًا وراهنيًا بتجدد وراهنية المعرفة؛ أي أنه لا يُعَدُّ محصورًا بمعنى محدد ويتجدد معناه مع تجدد المناهج والمعارف الإنسانية التي تتجدد كل يوم. ويستلزم أن يكون المعنى مقبولًا للعقل الإنساني والأطر البشرية كافة، ومُحتفظًا ومُعترفًا ببشريته التي تنفي عنه الوصول للمعنى النهائي الكامن في الضمير الإلهي، وما يتضمنه من انفتاح تأويلي والقبول بالتعددية والاعتراف بالحدود الإنسانية.

ووَفْق هذا السياق يرى أركون عَدُّ العقل الإسلامي المدونة التفسيرية؛ أي التفاسير العديدة التي انطلقت من المدونة الرسمية (المصحف)، شرحًا وتوضيحًا لحقائق الوحي، التي بها يُصحح السلوك الإنساني وأعماله، ويصلح التاريخ الأرضي قاطبة[26]، عمليةَ غلقٍ للمعنى في زمن مُحدد يُهدد استمرار القرآن وراهنيته. ويظهر هذا في تقديس المسلمين للتفسيرات القديمة إلى حد خلطها بمضمون المصحف نفسه([27])، بل وضعها طريقًا للمعنى النهائي للقرآن الموجود في أم الكتاب، لتتجاوز بذلك داخل الذهن الإسلامي مضمون المصحف، بل ومضمون القرآن الشفهي كذلك، فتفسير الطبري مقدس داخل الوعي الإسلامي، تفسيرًا موضحًا للمعاني الإلهية والنهائية للقرآن.

ويرى أركون أن تأسيس السلطة السياسية على السلطة الدينية، كان الدافعَ الرئيس إلى تحديد طراز قراءة النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، بوصفهما المصدرين الأساسيين للسيادة العليا أو المشروعية العليا في الإسلام ([28])، كي يُهدر الواقع الحاكم على المشروعية السياسية، لتؤسس السلطة السياسية على أساس ديني يُبيح لها فعل ما تشاء دون رقابة أو حساب. وعادة ما كان إهدار الواقع يصبُّ في مصلحة السلطة السياسية؛ لأنه المُعَبِّرُ الوحيد عن نجاحها أو فشلها، وإهداره يُمَثِّلُ غياب أي معيار لنجاحها أو فشلها. والخطاب القرآني بوصفه خطابًا إلهيًا جاء مُتعاطيًا مع الثقافة الموجه إليها، قابلًا لبعض أعرافها ورافضا للبعض، يحمل في طياته تناقضاتِ الاجتماع الإنساني وحاجاتِه؛ لذا تلجأ السلطة السياسية إلى تأسيس مشروعيتها عليه، مما يعطيها مساحة فَضْفاضة من الخطأ، وسلطة إلهية لا تخضع للرقابة أو الحساب.

نحو سحب القرآن من الاستهلاك الأيديولوجي

بعد أن أثبت أركون باستخدام المفهوم الخطابي للوحي، عجز الإنسان عن امتلاك المعنى النهائي للقرآن، ومن ثم أنسنة التفسيرات القديمة ووضعها في إطارها الإنساني ونزع القدسية عنها، والتعامل معها تعامُل الشاهدة على الوحي الإنساني، أو أحفورًا معرفيًا وَفْق ما يُقَدِّمُ ميشيل فوكو، توجه نحو تقديم نسق قرائي للقرآن يضع فيه البعد الاجتماعي المكون للخطاب، فوفق نظريات القراءة المعاصرة فإن الزمان والمكان مكونان لمضمون القول، وعلى هذا الأساس يُقيم أركون مقترحه لقراءة الخطاب القرآني، ويعترف بحدوده المنهجية التي تقف عند أشكلة النظم المعرفية وتقديم المناهج، ويرجو أن يُعتمد عليه من المشتغلين بالتفسير والفقه.

ويقيم أركون بِناء نسقه القرائي للقرآن عن طريق الأفاق والمناهج المعاصرة، وينظرُ إليها بوصفها مناهج علمية، أفرزها التاريخ الإنساني، وأثبتت نفسها أمام العقل البشري، ولا يجدُ بديلا لها، في المنجز المعرفي العربي. وتتكونُ القراءة الأركونية للنص القرآني بناء على ثلاث زوايا تُطرح على النحو الآتي:

أولًا: الزاوية الألسنية اللُغوية، ومعطياتها التي تُمكن الإنسان من العثور على نظام بِنيوي عميق مخفي تحت الفوضى الظاهرية التي تتمثل في القرآن.

ثانيًا: الزاوية الأنثروبولوجية، التي تفتح الإمكان على فهم القصة من داخل الطبيعة المجازية للقرآن.

ثالثًا: الزاوية التاريخية، وفيها يُظْهِرُ محدودية القراءات المقدمة للقرآن منذ بدايات التجرِبة التفسيرية حتى اليوم ([29])، وذلك من خلال موضعتها التاريخية، وقراءتها من أفقها التاريخي، وعدم تجاوزها الإطار التاريخي والتعالي عليه.

وتحمل هذه الزوايا الثلاث زعزعة ضمنية لكل التركيبات التقديسية والمتعالية للعقل اللاهوتي التقليدي[30] الذي راح يُسقط على المصحف قيم أم الكتاب الأزلية التي لا تختزل، وقيم الخطاب القرآني الشفهي، وقيم المدونة الرسمية المغلقة، ومجموعة التفسير الكلاسيكي[31]، كل هذه القيم راح العقل التقليدي ينسبها إلى المصحف، ويستنطقه بها، وبغيرها من الأيديولوجيات، ويقدمها على أنها الغايةُ الإلهية من القرآن.

  • المقاربة الألسنية

يبدأ الطريق القرائي الأركوني في الزاوية اللسانية بالتموضع موضع الرجل البدوي، الذي يعيش في شبه الجزيرة العربية في لحظة نزول الوحي، فيضع القرآن داخل ظروفه التاريخية والثقافية والاجتماعية والجغرافية، فكي نفهم القرآن لا سبيل لنا غير العقلية التي جاء مُخاطبًا لها؛ لذا يكون من الأفضل والأكثر موضوعية أن نقرأه قراءة تزامنية في عصره. وإلا يتم إسقاط المعاني الحالية للمفردات على المفردات القرآنية، التي جاءت مُحملة بمعانٍ مستقرة داخل ذهن الرجل البدوي في شبه الجزيرة العربية عام 610 م، لأنه المعنيُّ بهذا الخطاب، ومن ثم فالخطاب مرهونٌ بمفرداته وإدراكه للمعاني. فقد استمدَّ القرآن مفاهيمه من المعجم العربي آنذاك، ثم طرأ عليها تحولٌ راديكالي من القرون المقبلة. فإذا ما اكتشفنا كل العلاقات والمعاني اللُغوية في النص القرآني، فإننا نعرف أيضًا بِنية اللغة العربية والديناميكية، ونكشف أيضًا عن نمط فكري وشعوري، مرهون بلحظته التاريخية، ونطاقه الجغرافي، والذي يلعب دورًا مُهمًا في الوعي الإسلامي([32]).

ويسعى أركون داخل الزاوية الألسنية في فهم القرآن عن طريق عقل المخاطب، وذلك لأن الوحيَ جاء خاضعًا لشروط إنتاج المعني في شبه الجزيرة العربية عام 610 م، وإلا فقدَ وظيفته التواصلية، ولم يؤدِّ دوره في هداية الناس. ومن ثم فدراسة البعد اللساني في هذه الحقبة، وكيفية صياغة المعني وإنتاج المفردات المعبرة عن هذه المعاني، يُعَدُّ مَدخلًا مميزًا لفهم الخطاب القرآني، لأنه في الأخير لا يتمكن الإنسان من الوصول إلى الغاية الإلهية من النص، بَيْدَ أنه يستطيع أن يحاول فهم غايته من داخل البناء اللُغوي/اللساني للمستَقبِل، بوصفه غايةَ الخطاب القرآني، وحاضرًا فيه عن طريق الوظيفة التواصلية، التي تقتضي حضور عقل المخاطب ضمن بِنية الخطاب.

  • المقاربة الأنثروبولوجية

في الزاوية الأنثروبولوجية يُشير أركون إلى المكانة المرموقة للقصة*، التي أعادها علم أنثروبولوجيا الاجتماع، لأنها تُمَثِّلُ الحكاية المثالية الرائعة الناشئة في أحضان الحالة الثقافية للفئة الاجتماعية، وتمثلُ أداةَ تعبيرٍ للإنسان عن دوافعه واحتياجاته وخبرته، وتجذره داخل النمط الاجتماعي والذهن العام يجعلها تُمَثِّلُ في عديدٍ من الأحيان مفردًا جيدًا للخطاب الموجه للفئة الاجتماعية الناشئة في أحضانها ([33]). ويراها أركون صحيحة لتأثيرها بفاعلية في وعي الإنسان. وبناءً على لغة القرآن العفوية، التلقائية، تبنَّى القرآنُ القصة لتكون مفردًا جيدًا للخطاب الموجه إلى بدو شبه الجزيرة العربية. ويراها أركون رمزيةً بالدرجة الأولى، وينظرُ إلى الحديث عن الجنة المليئة بالحوريات تعبيرًا مجازيًا، وكذا أيضًا رمزية الإحساس بالخطيئة والإحساس بالذنب، وغيرها من الرمزيات.

  • المقاربة التاريخية

ينظر أركون إلى تفاسير القدماء، بصفتها شهادات على الوعي الإسلامي، الذي حاول دمج النص في مستويات مختلفة من الواقع، فيضع كل الفكر الإسلامي ضمن منظور ظاهرتي إبستمولوجي عريض، بالكشف عن هذا الفكر ومعاييره، بالوسائل والمعايير الحداثية وما بعد الحداثية[34]. فينقدُ تفاسير القدماء، ويوضح تفاعلها مع واقعها -في بعض الأحيان– المختلف كُليًا عن الواقع الإسلامي المعاصر، ويقدمها بوصفها مجهوداتٍ بشريةً، متمايزةً عن النص القرآني، ومجهوداتٍ إنسانيةً مورست عليه. كما يوضح الدور السياسي والتاريخي في تَكوُّنِ المدونة الرسمية (المصحف) خاصة أنّ جَمْعَ القرآن حدث في ظروف سياسية شديدة الهيجان على حد زعمه[35].

وعادة ما بدأت التفسيرات الكلاسيكية بـ “يقول الله”، وكأنها بالضبط توصلت إلى المقصد والغاية الإلهية من النص، وتُقدم نفسها في صورة مطابقة للمقصد للإلهي من النص[36]. مما يُفضي إلى وجود أيديولوجيات تسعى في تجييش الجماهير لإراداتها السياسية، وغاياتها الاجتماعية، على أساس ديني، تبدو فيه إرادتهم وكأنها إرادة إلهية جاءت بأوامره. وعلى ذلك جاءت جميع التفاسير المقدمة، تُحيل إلى الطبري وأتباعه بوصفه سلطةً لا مفرَّ منها، وبوصفهم من توصلوا إلى المعنى الكامن في الضمير الإلهي، والمقصد من القرآن[37]. ويحاول أركون زعزعة هذه السلطة، بتوضيح العلاقة التي تربط المفسر بالنص، وعلاقته بسياقه التاريخي الذي يفصله عن زمن النص. ومن هنا تُعَدُّ كلُّ قراءة محكومةً بسياقها التاريخي الإنساني، ومن ثم فهي رؤية تجاه النص ليست مطابقة لغايته، أو معناه الإلهي الأخير [38].

وعن طريق المقاربة التاريخية، يعمل أركون على زحزحة التفاسير القديمة من إطار التقديس (المستحيل التفكير فيه)، إلى إطار النقد (المُفكر فيه) ويسعى في إبراز الدور السياسي في بناء هذه التفسيرات، ويوضح عدم تبرؤها من إنسانيتها التي تجعل الانحياز سمة إنسانية طبيعية؛ ومن ثم لا تُعَدُّ مقدسة كما هي في السابق، أو مالكة المعنى النهائي للقرآن، الكامن في الضمير الإلهي، بل هي قراءاتٌ إنسانيةٌ خاضعة في بِنيتها للانحيازات الإنسانية الطبيعية، والانتهازية السياسية المعروفة، ولمكرهات الواقع المعيش. ويحاول كذلك توضيح البُعد السياسي والإنساني في صناعة المدونة الرسمية، فقد جاءت صناعتها في ظروف سياسية شديدة الهيجان، أفضت إلى معاركَ دمويةٍ لم تتوانَ في استخدام القرآن استخدام سلاحٍ فيها حين عجز السيف.

القدرة التقشفية

ويتفق أركون مع الفيلسوف الألماني هانز جورج جادامر Hans Georg Gadamer (1900-2002) بأننا محكمون باللغة التي نكتب بها ونتواصل بها، فهي تتحدث من خلالنا، فعلى حد قول أركون “كل خطاب شفهي أو كتابي يدمج المتكلم أو الكاتب بالضرورة داخل نظام من التضامنات التاريخية. ففور أن أكتب بالعربية أصبح متضامنًا تضامنًا واعيًا أو غيرَ واعٍ مع تاريخ بأسره”[39]، كما يتفق مع الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر Martin Heidegger (1889-1976) في مفهوم الدازاين الذي نجده حاضرًا في الذهن الأركوني، فيرى أن كل إنسان محصور ومُحدد بالزمكان[40]، أي أن كل إنسان يُقَدِّمُ تصوراته تبعًا لثقافته التاريخية والجغرافية، الكائن فيها. وهذا ما يجعل الإنسان يضع في النص الذي يعمل على قراءته أكثر مما يحمل هو، فمكرهات الاجتماع والواقع تجعل الإنسان حين يقرأ نصًا ما، يؤدلجه أكثر مما يترك له المساحة للإفصاح عن نفسه.

ولعدم خلوِّ الذهن الإنساني من التصورات القبلية، يرى أركون أن قراءته لا تحصلُ إلا عبر ما يسميه “القدرة التقشفية”، وهو مصطلح يدشنه ويضيفه لجملة مصطلحاته؛ يعني قدرة الذات على تجاوز الزمكان الواقعة في حيزه، أي محاولة التخلي عن الأفكار السابقة والمحددات التاريخية والجغرافية، التي ترسم أفق الذات وحدودها، والتجاوز إلى ما هو كوني، فلا يستطيع الإنسان التواصل مع الكوني وهو واقع في الحدود الزمكانية للذات [41]. وتُمثل القدرة التقشفية مرحلة مثالية بدائية تتحدث عن الموضوعية المعرفية، فقد عرف الإنسان أنه ليس بإمكان الذات الانفصال الكامل عن السياق الثقافي والفيزيقي حولها، ولكنَّ عبقريتها تكمن في إدراك حدودها الذاتية، والاعتراف بوجود تحيزات إنسانية طبيعية، وسياقات تحكم وتخلقُ الأفق الإنساني، ومن ثم تدرك عدم الموضوعية التامة أو الصواب المطلق لما تقدمه.

وتحاول هذه القراءة أنْ تُقَدِّمَ صورة حية للقرآن، فكما يدعي أركون هو يحاول أن يتخلص من كل الإكراهات، ويستقبل النص كما استقبله العقل البدوي في لحظة نزوله. ويرى أن الواقع الإسلامي يلح على طلب هذه القراءة، فقد آن للمسلمين أن يفهموا القرآن على حقيقته، وألا يقولوه ما لا يقوله. وأن يضع المسلم المنظومة التفسيرية القديمة، التي عملت على تفسير النص القرآني، تأثرًا بالعقل والطابع الأرسطي، موضعها التاريخي والجغرافي والثقافي، أي النسقي. وأن يُحال تعامل المسلمين المعاصرين، للنص القرآني على أنه حاوٍ ودامجٌ لكل المعارف، فيسقطون عليه نتائج العلم الحديث مثل: الذرة والإنترنت، والحاسب الآلي.. وغيرها، ولم يكن للعقل البدوي –الكائن في شبه الجزيرة العربية، عام 610 م– أن يعرفها أو يفهمها، أو يتقبلها ([42])، إلى فهمه في سياقه التاريخي، الذي يُعطيه بُعدًا أكثر ثراءً، وواقعية، قياسًا إلى العقل الإنساني المعاصر، الذي اختلط بالمناهج الجديدة والتكنولوجيا الحديثة.

خاتمة

خرج طرح أركون للمفهوم الخطابي للوحي من الواقع الإسلامي المأزوم والأفق الما بعد حداثي؛ فعن طريق محاولة فهمه للواقع والتراث الإسلاميين بالمناهج الما بعد حداثية خرج المشروع الأركوني، والمعهود تاريخيًا أن سبب الجمود هو الانغلاق. وهذا ما دفع أركون نحو دراسة السياقات المغلقة داخل العقل الإسلامي، ووجد أن هذه السياقاتِ تُقَدِّمُ نفسها في حالة تماهٍ مع القرآن، وعليه عمل على فهم القرآن وطبيعته. ومن نظريات ميشيل فوكو بخصوص تَكوُّنِ المعرفة والعلاقة بين الحقيقة والتاريخ بنى مفهومه الخطابي للوحي، ليفك به حالة التماهي التي تتمثلها السلطة الدينية المتحكمة في مفاصل الوعي الإسلامي مع القرآن، فالسلطة الدينية تأخذ حقَّ قيادة الوعي وتكونه من تماهيها مع القرآن وما يُقدمه، لتعلن بذلك أنها تُمَثِّلُ القرآن ورغبته، ومن ثم فلها الأولوية في تسويغ الوعي وحراسته. وسحب المفهوم الأركوني للوحي حق الحديث عن المعنى النهائي، لأنه وَفْق المفهوم الخطابي يُعَدُّ القرآن هو الصورةُ الملائمة لفهمنا من كلام الله، وعليه لا يُمكن أن نتحدث عن المعنى النهائي، ولكنْ يُمكن أن نتحدث عما نفهمه، ويكون المعنى النهائي في العلم الإلهي، وليس من حق البشر الحديث عنه.

ويهدم المفهوم الخطابي للوحي الفرضية الوهابية/السلفية الرافضة لوجود أي وسيط معرفي مع القرآن، لأنه يضعُ الظروف الاجتماعية مكونة للمعنى ويكون منقوصًا دونها، والوهابية/السلفية ترى أن التعامل السليم مع القرآن، الذي يُخرج الأمة الإسلامية من حالة الاختلاف هو التعاملُ الحرفي، الذي لا يحمل أي تأويل أو تفسير. وترفض المدونة التفسيرية والفقهية والكلامية وتتعامل معه بحرفية شديدة قد تُجَوِّزُ التجسيم على الله عز وجل، فقول الله تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ(الفتح10) تُفسره على أن لله يد. ومن ناحية أخرى، هو يسحب منها حقَّ الحديث باسم الله، ويسحب منهم المشروع الأركوني منهم حقَّ الحديث باسم السلف، وذلك من طريق التعامل معهم على أنهم شاهدين على مرحلتهم التاريخية، وعلى الوعي حينها، وليس على أنهم مصدرٌ للمشروعية المعاصرة ومفكرين بدلًا عنا.

ويفتح المفهوم الخطابي للوحي الباب أمام القراءات الجديدة، ويجعل كل قراءة مرهونة بزمانها وسياقها، وعد القرآن النسخة الأرضية من كلام الله يجعله خاضعًا لأدوات الفهم المتجددة، والمناهج المتطورة يوما بعد يوم. ومن ثم تتجدد قراءاته بتجدد المناهج والمفاهيم، ويكون القرآن راهنيًا متجددًا بتجدد المعارف وحاضرًا في القوانين والتشريعات الاجتماعية، ويقوم بدوره في حفظ التوازن الاجتماعي. وعوضًا عما يُقدمه أركون من مناهج معاصرة وحجج منطقية لها رونقها داخل العقل الإنساني، فإن القرآن جاء ليعلن نفسه بوصفه رسالةً لأهل شبه الجزيرة العربية، والرسالة ما هي إلا خطاب، وطالب المؤمنين به الإيمان بما جاء به نبي الله موسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء. ويرى أركون أنَّ قيمة الرسالة في أن تُقرأ وتُفهم ولا توجد قراءاتٌ جديدةٌ للقرآن، وأُغلق الباب أمام القراءاتِ الجديدةَ وهذا يُخل بالمطلب الأول للقرآن وهو اقرأ، وعليه انطلق في محاولته لفهم الوحي وطبيعته وإنتاج قراءاتٍ جديدةً. ومشروع أركون هو مشروعٌ إنساني يحمل السقطات كما يحمل الجوانب الباهرة والعاقلة، وإذا كان ثمة اتفاقٌ معه أو اختلاف ألا يستحق أن يُدرس ويفهم ويتعامل معه، ونقده وإنتاج مشاريع جديدة ربما مضادة أو موازية؟

___________________________________________

المصادر والمراجع:

[1] – فوكو (ميشيل)، الكلمات والأشياء، ترجمة مطاع صفيدي – سالم يفوت – بدر الدين عرودكي – جورج أبي صالح – كمال اسطفان، مركز الإنماء القومي، لبنان، 1989 – 1990، صـ 190.

[2] -السابق، صـ 189.

[3] – محسن صخري، فوكو قارئًا لديكارت، ط 1، مركز الإنماء الحضاري، دروس الجامعة التونسية، حلب، 1997، صـ 41.

[4] – عبد الرازق الدواي، موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر: هيدجر، لفي شتراوس، ميشيل فوكو، ط 1، دار الطليعة بيروت، 1992، صـ 140.

[5] – فوكو، الكلمات والأشياء، صـ 229.

[6] – محمد أركون، قراءات في القرآن(الوصية الفكرية الاخيرة لمحمد أركون)، ترجمة. هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 2017ص512.

[7] – محمد أركون، قراءات في القرآن، ص 511.

[8] – السابق، ص 518.

[9] – محمد أركون، قراءات في القرآن صـ 109.

[10] – محمد أركون، قراءات في القرآن، صـ 114.

[11] – أركون، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة بيروت، ط2، 2005صـ 110.

[12] – المرجع السابق، صـ 112.

* – منهج قائم على البحث في وقائع الأحداث، أو الوثائق التاريخية، وقراءتها مجدداً بشكل مختلف؛ بهدف الكشف عن شيء غير معروف فيها سابقاً، أو قد عرف على أنه حقيقي وواقعي، وهو يخضع في ذلك لظروف موضوعية وذاتية معينة.

* – مصطلح الأشكلة، يعني نزع البداهة عن التراث ووضعه على محك التساؤل والنقد من جديد، وهذه العملية ينبغي أن تطبق على جميع الأنظمة التي تعاقبت على البشرية. راجع مترجم المرجع الملحق، الموضع نفسه.

[13] – محمد أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل (نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي)، ط 1، هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 1999، صـ 22.

[14] راجع، محمد أركون، الهوامل والشوامل(حول الإسلام المعاصر)، ترجمة ، هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 2007، صـ 138.

[15] – راجع، أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، صـ 314.

[16] – راجع، نايلة أبي نادر، التراث والمنهج بين أركون والجابري، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2008، صـ 45.

[17] – محمد أركون، قراءات في القرآن، صـ 145.

* – الجملة هنا مجازية حيث لا يوجد ما يمكن أن تعبر عنه اللغة أفضل من هذا، ولكن تعني تفكير الله أو معنى القرآن في الضمير الإلهي في ذاته؛ لأن الله ليس كمثله شيء ولا يمكن الجزم أنه يتكلم، وإذا كان لا يمكن الحديث عن إله للعالمين يتحدث لغة قوم بعينهم فقط، وإلا كيف يمكن أن يسمع دعوى من يتحدثون بلغات مختلفة؟

* – باحثة في الدراسات الإسلامية ولدت عام 1989 بالمدينة المنورة لأب تركي وأم بلجيكية، ليسانس آداب من جامعة عين شمس – مصر عام 2014، ماجستير في اللغة العربية والدراسات الإسلامية من جامعة جنت – بلجيكا عام 2019.

[18] – سهيلة يلدز، القرآن والهرمنيوطيقا: دراسة في المفهوم وتطبيقاته على أصول الفقه، ط 1، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2019، صـ 97.

[19] – محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ط6، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 2012ص 95.

[20] – محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، صـ94 -95.

[21] – محمد أركون، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، صـ 25.

[22] – الآمدي (علي بن محمد) الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق عبد الرازق عفيفي، ج1، دار الصميعي للنشر والتوزيع، ط1، الرياض، 1424هـ 2003م، ص 201.

[23] – محمد أركون، القرآن من لتفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، صـ 10.

[24] – راجع، محمد أركون، الهوامل والشوامل، صـ 154-155.

[26] – محمد أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص 95.

[27] – المصدر السابق، الموضع نفسه.

[28] – محمد أركون، نحو نقد العقل الإسلامي، ط1، ترجمة، هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، 2009صـ 90.

[29] – أركون، قراءات في القرآن، صـ 88.

[30] –  أركون الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، صـ 93.

[31] –  السابق، الموضع نفسه.

[32] – أركون، قراءات في القرآن، صـ 90، 89.

* – استخدم أركون عادة مفردة الأسطورة myth، وبالفرنسية mythe، ولكن أفضل هنا استخدام كلمة القصة رغم أنها في ترجمة النص بالأسطورة، لأنها لا تحمل الحمولة السلبية التي تحملها الأسطورة وهذا ما أشار إليه أركون كثيرًا، ومترجم أعماله هاشم صالح، خاصة مع ذكر الخطاب القرآني أنه ليس أساطير الأولين، وأن معنى mythe بالفرنسية تطور إلى نفي صفة الخرافة عنه بتطور الدراسات، وكذا في الإنجليزية، ولم يعد يحمل الحمولة السلبية المعروفة عنه، كما في العربية، لذا أرى أن كلمة قصة أقرب للمقصود.

[33] –  محمد أركون، قراءات في القرآن، ص92.

[34] –  السابق، صـ 98.

[35] – أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، صـ 90.

[36] – السابق، صـ 99.

[37] – محمد أركون، الإسلاميات التطبيقية وأسئلة العقل الإسلامي، ترجمة عبد اللطيف فتح الدين، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، الرباط، 2020، صـ 90.

[38] – علاء هاشم مناف، إبيستمولوجيا النص بين التأويل والتأصيل (في المنظومتين الفكريتين لنصر حامد أبو زيد ومحمد أركون)، التنوير بيروت 2011، صـ 15.

[39] – محمد أركون، الهوامل والشوامل، صـ 55.

[40] –  سهيلة يلدز، القرآن والهرمنيوطيقا، صـ 79.

[41] – سهيلة يلدز، الهرمنيوطيقا والقرآن، صـ 79.

[42]– أركون، قضايا نقد العقل الديني، صـ 284.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete