الوحي وقراءاتُه: الجزء الثاني…الإسلام السياسي والجهادي، سياسةُ القرآنِ أم قرآنُ السياسةِ؟

 تكوين

مقدمة

في الوقت الذي يُسيطر فيه القرآن على الخطاب الإسلامي المُعاصر، يظلُّ في فضاء الكتاب المُغلق؛ فمنذ جمع القرآن في المصحف العثماني واعتماد اللهجة القُرشية وما تلاه من تأميم سياسي للقرآن على يد الأُموين، والقرآنُ يُمَثِّلُ أداةً تَحْضُرُ عند النزاع، لإفحام الخصوم والفوز بالنقاشات والنزاعات وعند الصلاة وفي الجنائز والمناسبات. ويضعه العقل الإسلامي موضعَ العقل المُفكر والمدبر للحياة بالعموم، وهو أمرٌ مفهوم؛ فالقرآن هو الخطاب المؤسس للديانة الإسلامية، وكتاب الهداية والنور عند المسلمين، بَيْدَ أنه من غير المفهوم أن يُحَمِّلَ العقل الإسلامي المُعاصر القرآن ما ليس فيه، ويضع أهواءه ورغباتَه في القرآن ويستنطقه بها، ويتعامل معه كجراب الحاوي، يَمُد يده لتخرج وفيها ما يحتاجه من حُجج تُبرر ما يفعله أو ما يُحاول إقناع الآخرين به، ليخرج من كونه خطاب هداية ونور إلى أداة إقناع أو إخضاع.

ورغم حضور القرآن القوي والكثيف في الخطاب الإسلامي بالعموم، إلا أنه يَحْضُرُ حضورًا يُدَعِّمُ سيطرة العقل الأصولي (المدرسي والسلفي) ويتعامل معه على أنه ملك له، وإرث قبلي يحكم به. ففي الوقت الذي يُصر فيه القرآن على إعمال العقل، وعَدُّ تعطيل العقل ذنبًا، وحَثُّ المسلمين على عدم التقليد والاتباع الأعمى لأسلافهم، تُصر السلطة الدينية التي يتزعمها التيار الأصولي (السلفي والمدرسي) على إلغاء العقل وتولي منظومة أخرى التفكير عنهم، وتقديس السلف وربما عبادتهم. وتحصر الأصولية القرآن فيما يُعطيه لها من امتياز فعليٍّ على مستوى المجتمع، وما يُبيح لها من سلطة لقيادة الأخرين، فحافِظُ القرآن داخل الأوساط الاجتماعية المسلمة يحمل عصمة ضمنية، لحفظه القرآن، حتى وإن أخطأ، يُمكن أن يُتغاضى عن خطأه خوفًا من الوقوع في خطيئة عدم احترام حافِظِ القرآن. ويرفض المجتمع ما لرجال الدين وحفظة القرآن من سلطة، ولكنْ في الخفاء خَشية تكفيره، وذلك لسطوهم على الحق الإلهي بالحكم على المؤمن دون غيره، وإعطاء لنفسهم الحق في الحكم على المجتمع والأفراد بالإيمان من عدمه.

ولا تزعم سلسلة المقالات التي ستُقدم تحت عنوان “الوحي وقراءاته: نحو الخروج من أفق الاستهلاك الأيديولوجي” أنها ستُعيد القرآن إلى الحياة العامة، ولكنها تعمل بمنطق عمل العقل الإنساني الذي يؤشكل نُظمه المعرفية ويدرسها، وتسعى في دراسة الوحي وقراءاته، وتعامل العقل المُعاصر مع الخطاب القرآني وما يُمكن أن يتم تطوريه ونقده للانفتاح نحو قراءات جديدة وواقعية. وتنطلق سلسلة المقالات التي بين أيدينا من الخطاب القرآني، وتسعى نحو إبراز المفهوم الخطابي المرن الذي يُعطي القرآنَ طابعًا رساليًا رُوحيًا أبديًا، ويفتح الباب أمام التأويلات المُختلفة، في مقابل حضور النص المُغلق المُفَسِّر المُتسلط.       

ويظهر رفض المجتمع للسلطة التي تبنى باسم القرآن والمُقدس في رفضهم الاستهلاك الأيديولوجي الفجِّ للقرآن من الجماعات السياسية والجهادية، ويُصر على أنها لا تُمَثِّلُ الإسلام، وموضوع المقال الحالي هو الاستهلاكُ الأيديولوجي للقرآن من الجماعات السياسية والجهادية، وكيف أنها حوَّلت القرآن من خطاب هداية ونور إلى ساحة قتال وحرب، وهدفها من ذلك الحضورِ السياسي وامتلاكِ السلطة وحقِّ القيادة، وتخرج من بيئة الانهزام السياسي والحضاري والتبعية، باحثة عن الاستقلال، وتجد في الخطاب القرآني أداةً تُعوِّضها عن الندية والشرعية اللتان تفتقدهما، ومن ثم تحوله، إلى أداةٍ تُمكنها من الحضور الندي، وتعطيها الشرعية، وتُعلن أنها ظلُّ الله على الأرض، وتعمل بأوامره، وتقتل وتستبيح ما لا يُباح بأي اسم أو عقيدة.

التأصيل الديني للسياسة

يُعَدُّ التأصيل سمةً إنسانيةً لها حضورها في التاريخ والواقع الإنسانيّين؛ فلكل علمٍ أصوله الذي يتبعها ويقيم عليها نظرياته، وتتغير الأصول مع الصيرورة الدائمة للعالم، فأصول اليوم ليست هي أصولُ البارحة. لذا لا تُعَدُّ مشكلةُ الجماعاتِ السياسيةِ والجهاديةِ في تأصيلها لفكرها، ولكن في كيفية التأصيل، فالتأصيل لطرحٍ هندسي يفترض العودة إلى أصول العلوم الهندسية، وليست العلوم الكيميائية أو الحيوية مثلًا، ويعدُّ التأصيلُ السياسي للجماعات السياسية والجهادية ضمنَ هذا النوع؛ فهي تؤصل لشرعيتها السياسية بتأصيل ديني، وبهذا ينتقل طرحها السياسي من الإطار الإنساني إلى الإطار الإلهي، فتقدم طرحها بوصفه رغبةً وغايةً إلهية ملازمة لنصرة الدين والحق. ووفْقَ تأصيلها، ينتقل الأمرُ من وضعه السياسي التنافسي ويأخذ أبعادًا إيمانية ويحمل مفرداتٍ إيمانيةً ذات مضامينَ سياسيةٍ. فالتيارات الأصولية لا تُقَدِّمُ شرعيتها السياسية مقابل تحرى أزمات الواقع وتجاوزها، ولكن تقدمها بوصفها شرعيةً إلهيةً؛ أي أنها الحكم الإلهيُّ الصالحُ في مقابل الحكم الإنساني القاصر الذي تطلق عليه عادة حكم الهوى. وبهذا تأخذ المعارضة صفاتٍ مختلفةً غير المعارضة أو الرؤية المختلفة، مثل: الكفر والضلال والتعدي على الحاكمية الإلهية وعدم الانصياع لأوامر الله ولرغبته في الكون.

ويُفضي حُكم القرآن للمجتمع عادة إلى حُكم رجال الدين، فالقرآن لا يخرج ليحكم ويدير شؤن الدولة، ولكنهم يكونوا نوابًا عن الله يحكمون بواسطة القرآن، وقد اعتادت السلطة السياسية تاريخيًا على استنطاق القرآن بأيديولوجيتها والتخفي وراءه والتحدث به، عبر التيار الديني الرسمي الذي لا يخرج عن كونه مجموعة من الموظفين في البلاط الملكي، ويتعاملون مع القرآن على أنهم المالكون لتأويله وقصديته، ويرفضون أيَّ مجال للحديث عن تأويل بشري للقرآن، بل يُعرض تأويلهم بوصفه مطابقًا للمراد الإلهي من القرآن، مما ينتجُ عملية تماهٍ مع القرآن ومن ثم الدين والله، وعليه تكون وصايتهم على البشر أمرًا بدهيًا بوصفهم متجاوزين الحد الإنساني ومتعالين عليه[1]. ومن داخل المدونة الفقهية، يتماهى مفهوم الجماعة (الدولة) مع الحاكم؛ ومن ثم تصبح معارضة الحاكم انشقاقًا عن الجماعة، وهو الأمرُ الذي يُوصَفُ فقهيًا بالبدعة، ومُرَوِّجُ البدعةِ وجب قتله وفقًا للنسق الفقهي المالكي، وعُدَّ أساسًا يُقنن به قتل المعتزلة والإباضية، وغيرهم[2]. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن أصبحت طاعةُ الإمام ركنًا من أركان الدين، بل أحدُ أهم عناصر العقيدة التي يسقط الإيمان بسقوطها، رغم مراعاة الفرد للأركان الأساسية للدين، فأضحى من لا يتمسك بأمين الله (المؤتمن على الرعية – الخليفة) لن يفوز بالصلوات الخمس[3]؛ أي لن تَشفع له صلاته ولن يفوز بأجرها لخروجه عن الدين.

وإذا كانت التيارات الأصولية ترى أنها تنطلق من القرآن وتعمل به، فإنها ربما تكون صادقةً في نيتها بَيْدَ أنها على المستوى الواقعي، تضعه موضعَ الأداةِ الأيديولوجية التي تمكنها من محاولات فرض رؤيتها؛ وذلك بالتماهي مع الله وأنبيائه أو مع صحابة النبي محمد ﷺ[4]، وعرض رؤيتها، لتكون فرضًا إلهيًا أو رؤيةً نبويةً لا تنفك هي الأخرى بأن تكون فرضًا إلهيًا. ويحمل غياب الاعتراف بالرؤية الإنسانية وحدودها تعاليًا على المجتمع وامتزاجًا بالإرادة الإلهية، وهذا ما يحدث في عمليات التأصيل الديني للسياسة، إذ تُطرح المشاريعُ السياسيةُ بوصفها أوامرَ إلهيةً، وطوقُ نجاةٍ للحياةِ الدنيا والأخرة، ومن ثم لا تترك مساحة لرؤى أخرى، وتتعالى على الرؤى كافة، لأن طرحها ليس إنسانيًا يُمكن الاختلاف معه، ولعل هذا ما يدفعنا إلى القولِ: إن التياراتِ الأصوليةَ تَهْدِفُ إلى الاستهلاك الأيديولوجي للدين أكثر مما تَهْدِفُ نحو تناسق اجتماعي وحضور رُوحي واجتماعي للدين.

ويصنع التأصيلُ الديني للسياسة نسخةً سياسية من الدين تمتلكها الفئة التي تستهلك الدين والخطاب الإلهي لتبرير أفعالها، ووجود مشروعية سياسية واجتماعية لها، وتصفي منافسيها من الناحية الدينية والعقائدية، وتزعم أنها تملك النسخة المطلقة والصحيحة عن الدين. وفي حال التأصيل الديني للسياسة، يخرج الخطابُ عن المنافسة السياسية، وما تقدمه السلطة السياسية، وما يمكن أن تقدمه، إلى الحديث عما يكون أكثرُ ورعًا وتقىً، ولا تحمل الوعودُ السياسية بعدًا واقعيًا وتأخذ طابعًا أخرويًا وعظيًا يعرف الترهيبَ والتهديدَ بالنفي من الدائرة الإيمانية أكثر مما يعرف المنجزات الواقعية التي تعطيها شرعية سياسية فعلية.

         من رفع المصاحف على أسنة الرماح إلى الحاكمية

مثَّلت عمليةُ رفعِ المصاحف على أسنة الرماح عمليةَ مقايضة للقرآن بوصفه خطابَ هدايةٍ رُوحيٍّ، بالنص السلطوي الموازي للسيف في القوة والقهر، ومنذ ذلك الحين واستقر الذهن الإسلامي على التعامل مع القرآن بهذا التصور، خاصة أن السلطة بما لها من قوة وحضور وقدرة على صياغة الوعي الجمعي فرضت هذا النمط، واستجاب له رجال الفقه والعلوم الدينية العاجزين عن الخروج على السلطة السياسية. ويتعامل العقل الأصولي المدرسي بهذه الصورة، وهو على قناعةٍ تامةٍ بأنه يَنْحى منحًا دينًا، ويُحافظ على الدين والعقيدة ويهتدي بالصحابة والعلماء والتابعين ويُحملهم قدسية موازية للقدسية النبوية وعصمة ضمنية كذلك.

وفي ظل وجودِ المفهومِ السلطوي للقرآن داخل الأطر الاجتماعية المسلمة، لم يخطر لأحد أن يسعى في تسليعه سياسيًا قبل المُنَظِّرِ الرئيس للجماعات الجهادية والإسلام السياسي “سيد قطب” (1906-1966)، فهو أولُ من نادى بمبدأ الحاكمية في الفكر المُعاصر بعد الخوارج، وهو مبدأ يستند إلى قول الله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)، ومبدأ الحاكمية مفادهُ أنْ يكونَ الحُكم لله، وهي مقولةٌ مبهمةٌ غير واضحة المعالم والتطبيق، مثلها مثل رفع المصاحف على أسنة الرماح وتحكيمها؛ فهل تخرج المصاحف بين المتخاصمين وتحكم بينهم؟ وهل ينزل الله عز وجل ويحكم البشر ويدير شؤونهم؟ فلا يُمكن للقرآن أن يجلس ويحكم بين “علي بن أبي طالب” “ومعاوية بن أبي سفيان”، ويتعالى الله عز وجل عن أن يَنْزِلَ ليحكم بنفسه في الأرض. بَيْدَ أن كلَّ موقف من الموقفين يُمَثِّلُ محاولةَ تَخَفيًا خلفَ القرآن واستغلالَهُ سياسيًا، وذلك لما يحمله من قدسية في نفوس المسلمين تجعله مفتاحًا لأي خطابٍ أو شرعية.

وكما هي مقولة (إن الحكم لله) مُبهمة مثل حادثة رفع المصاحف على أسنة الرماح، فإنها كذلك تَهْدِفُ إلى استغلال القرآن داخل المعاركِ السياسيةِ، وتسحب من السلطة الموجودة حق شرعيتها بهدف منافستها، وذلك بحجة عدم اتخاذها القرآن دستورًا لها. ودخول القرآنُ ساحةَ المنافسة السياسية يُلبسها طابعًا إيمانيًا، ويجعل الاختلاف مع الفرقة التي تتخفى خلفه اختلافًا مع القرآن، وهذا ما فعله “سيد قطب” حين رأى أن النظمَ السياسية الحالية تقومُ على أساس السطو على سلطان الله في أرضه من البشر، وعلى الحاكمية التي يراها أخص خصائص الألوهية، ومن ثم فإن العالم يعيش حالة من الإفلاس القيمي الذي يضعه في جاهلية تامة، رغم التقدم الحضاري الذي يسميه بالتقدم المادي. وهذه الجاهلية يُطلق عليها “قطب” الجاهليةَ الثانية.

وكلُّ مجتمع يحكمه بشر، هو جاهليٌ في نظر “سيد قطب”، فهو يجعل البشر بعضهم لبعض أربابًا، ليس بالصورة البدائية المعروفة، ولكن في صورة ادعاء حق وضع الشرائع، والقوانين، والقيم والأنظمة، بعيدًا عن المنهج الإلهي للحياة. ويتمثل المنهج الإلهي للحياة في المنهج الإسلامي، لأنه يُحرر الناسَ من عبادة البشر لعبادة الله عز وجل[5]. ومن طريق الحاكمية والقول بها ينفي “قطب” القدرةَ البشرية على صياغة القوانين والشرائع الاجتماعية، ويصفها بأنها عبوديةُ البشر لبعضهم البعض، ومن ثم تُعَدُّ شركًا. وتتمثل الحرية عنده في ترك الحكم لله والاحتكام لكتابه وسنته، ويرى أن هذا لا يتحقق في المجتمعات المُسلمة ولا المجتمعات غير المسلمة.

والحكم لله وَفْق المُنظر الرئيس للجماعات الجهادية “سيد قطب” يكون عن طريق اتخاذ النص القرآني دستورًا حاكمًا يجب على الجميع الإذعان له وتنفيذ أوامره والعمل به؛ فقد جعل القرآنَ مصدره الأساسي ولا يعود إلا إليه[6]. ويقرُّ “قطب” في كتابه “معالم في الطريق” بوجود نمطين للتعامل مع القرآن؛ أولهما، النمطُ السلطوي المتضمن اتخاذه منبعًا للسلوكِ الإنساني من الله، لا يملك الإنسان حياله سوى تنفيذه بوصفه مجموعةً من الأوامرِ الإلهيةِ، وهذا ما فعله الجيل الأول من الصحابة كما يذكر “قطب”. أما النمط الثاني، فينظر إلى القرآن بقصد الدراسة والإمتاع، وهو النمطُ السائد في هذا العصر[7]. ويرى أن الخروجَ من وضع الجاهلية الثانية يأتي من تحكيم القرآن على منابع السلوك البشري، ويُحتمُ على البشرية أن تفعل ما فعله الجيلُ الأول من الصحابة للخروج من الجاهلية الأولى، وهو توحيد منابع السلوك الاجتماعي والفردي، والقوانين، لتتمثل جميعها في القرآن.

ويصر “قطب” على تغيير نمط التعامل مع القرآن بوصفه موضعَ دراسةٍ ونقاشٍ وتساؤلٍ وإمتاعٍ وتذوقٍ، ليصبح نافذةً يحكم الله عز وجل من خلالها؛ ومن ثم علينا الانصياع لأوامرَهُ كما فعل الجيل الأول من الصحابة باتخاذهم الآياتِ القرآنيةَ أوامرَ عسكريةً عليهم تنفيذها، وهو أمرٌ ينفيه الاستقراء التاريخي، ولكن يُصِرُّ عليه “سيد قطب”. وعليه لخص “قطب” مصادرَ المعرفةِ في الوحي والنص، الكون والحياة، مستندًا في هذا إلى قوله عز وجل في سورة الجاثية: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(18) وحثه على تدبر الكون في مواضعَ عديدةٍ في القرآن[8].

ويصف “قطب” محاولتَهُ التفسيرية للقرآن في كتابه “في ظلال القرآن” بأنها قنطرةٌ يَعْبُرُ عليها الإنسانُ البعيدُ عن القرآنِ إلى القرآنِ، وكل مراده أن ينقل الإنسان داخل القرآن، وعدم تحقق هذا المراد يعني أنه لم يقدم شيئًا[9]، وتُمثل محاولته لتفسير القرآن خطوةً نحو قيادة الوعي الجمعي وإعادة تكوينه وَفْق مبدأ الحاكمية، ليحكم القرآن ومن خلفه “سيد قطب” وجماعتَهُ “جماعةُ الإخوانِ المسلمينَ”. ووفق الوضع الإرشادي الذي اتخذه “قطب” سادت لهجةُ القيادة والإرشاد والتبليغ على خطابه، وخرج عن الإطار البشري وأصبح يتحدث بغاية الله عز وجل ومراده. ويتحدث عن مراد الله –بوصفه العارف بمراده- فيقول: “الله – سبحانه- كان يريد… بناءَ جماعةٍ وبناءَ حركةٍ وبناءَ عقيدةٍ في وقت واحد… كان يريد أن يبني الجماعة والحركة، وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة”[10]. وجملة (الله سبحانه كان يريد) تفترض ضمنيًا تطابقًا تامًّا بين تفسير “قطب” ومقصد الله، فهو يزعم أن مرادَ الله هو بناءُ جماعةٍ وحركةٍ، متغافلًا عن تنافي هذا التصور مع دعوة القرآن الكونية بقوله تعالى في سورة الأنبياء: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) 107.

ووضع “قطب” نفسه موضعَ نبوةٍ، وَعَدَّ مشروعَهُ ومشروعَ جماعتِهِ طريقَ الخلاص لهذا العالم، كونه المبلغ عن الله، وتعامل “قطب” مع القرآن على أنه رسالةٌ مُشفرةٌ ويحمل هو كودها التشفيري، أو عرافًا يعرفُ أسرارَهُ الكامنة وحقيقته النهائية، وطرح قراءته، لتصيرَ قراءةً تحمل المعنى الكامن في الضمير الإلهي ولا يملك الفرد حيالها غيرَ التسليم، واستبعد كونَ قراءتِهِ تُمَثِّلُ قراءةً بشرية، تحمل في طياتها الانحيازيات والأخطاءُ البشرية الطبيعية. وإذا كان للقرآن أن يحكم، فإنَّ نمطَ التعامل هذا مع القرآن يجعل الحكم الفعلي “لسيد قطب”، وذلك لعلمه بشفرات القرآن وأسراره، والمعنى الكامل والنهائي له، وعليه يصبح قابضًا على قوانينِ التاريخِ والاجتماعِ، ومجاوزًا لها، ومن ثم فإن رؤيته، هي الرؤيةُ الصحيحة كليًا وعلى الدوام.

ومحاولة “قطب” ما هي غيرَ التأسيس الديني للحكم السياسي التي سعى فيها “القديس أوغسطين” عن طريق بناء مدينة الله*؛ فيصرح بأن “هذا الدين… معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض، أو بتعبير القرآن الكريم (وهو الذي في السماء إلهٌ وفي الأرض إلهٌ)”[11]، فهو يؤسس مدينةً جديدة تكون العقيدةُ هي أساسُها وجنسيتُها؛ “لأن الجنسيةَ التي يريدها الإسلامُ للناس هي جنسيةُ العقيدةِ، التي يتساوى فيها العربيُّ والرومانيُّ وسائرُ الأجناسِ والألوانِ تحت راية الله”[12] ويكون الحكمُ فيها للشريعة الإلهية، ويكون مردُّ الأمر إلى الله وفقًا لما قرره من شريعة مبينة، وإلغاء كل قوانين البشر[13]، وهي ذريعةٌ ليكون الحكم مطلقًا له دون حساب.

سياسة القرآن أم قرآن السياسة؟

وَفْق ما يُقدمه “سيد قطب” من أهداف يوحد بينها وبين إرادة الله، وينطق باسم الله وإرادته وكأن اللهَ قاصرٌ عن ذلك، فإن ما يَهْدِفُ إليه، هو بناءُ تلك المدينة التي يحلم بها، قبل أن يَهْدِفَ إلى الوجود الحيوي للقرآن، والقرآن هنا لا يتعدى دورَ الأداةِ التي تمكنه من تنفيذ هدفه، خاصة أن “قطب” كان يَهْدِفُ في بدايته إلى بناء نظام اجتماعي جديد، ووجد في صورة الإسلام التاريخي التي يسوغها هو هذا النمط الاجتماعي، ويسعى في تطبيقها ويستغل القرآن في ذلك. ومن ثم فإن ما يسعى فيه “قطب” هو نسخةٌ سياسية من القرآن تمكنه من تنفيذ هدفه، كما فعل “معاويةُ بن أبي سفيان” في معركة صفين، وليس سياسة القرآن، خاصة أن القرآنَ في هذه الناحية كان صامتًا بصورة توضح خضوع المسألة لأليات الاجتماع الإنساني المتغيرة، ووضع الخطوط العريضة للنظم الإنسانية.

وأوضح الباحث والمفكر المصري “نصر حامد أبو زيد” (1943- 2010) البُعْدَ الأيديولوجي لخطاب “قطب”، ويرى أنه “يتوجه بخطابه مباشرةً إلى الشعارات التي صاغها النظام في مرحلة الستينيات وهي شعاراتُ: الحرية والاشتراكية والوحدة”[14]، ولا يمكن تبرئة خطابِ السلطة السياسية في مرحلة الستينيات، ولكنه لم يحول المعركة السياسية إلى معركة دينية إيمانية، وإن كان تناولها من زاوية الوطنية وعدم الوطنية والخيانة، وما لها من واقعٍ مرفوض ومستهجن، ولكنها لا توازي الاختلاف مع القرآن وخيانة الدين. والخُطورة الأخرى تقع على الخطاب الديني الذي إذا دخل ميدان السياسة يُصبح وقودًا تسير به العملية السياسية، ويُصبح أداةَ إقصاءٍ وقمعٍ ضد المواطنين الذين يبحثون فيه عن التواصل الرُوحي.

ورأى “قطب” أنه لا مجال للتنافس مع النظام السياسي المُعاصر، إلا من خلال الأرضية الدينية، ومن ثم ذهب إلى إحياء مفهومَ الدولةِ بوصفها حارسةً للدين، وطرح الإسلام هُويةً، وتنصيب نفسه حارسًا عليه ومدافعًا عن الدين، وأضحى عدم الخضوع لمبدأ الحاكمية يُعَدُّ تمرّدًا على عبودية الإنسان لله[15]، وخيانةً للدولة والدين وعهد الله. وأضحت الحاكمية تُمَثِّلُ ركنًا من أركان العبادة، وعليه أصبحت أحدَ المنطلقات التي ينطلق منها الخطاب الديني، الذي يدعو إلى حكم الإسلام والله عز وجل وعودة الإسلام من جديد، وهو أمرٌ شبه متفقٍ عليه داخل الفئات الدينية. والله لا يمكن أن ينزل ليحكم بنفسه، ولكن يمكن الحكمُ من خلال النصوص التي تعرف تأويلها الفئات الدينية -التي تصدر الخطاب الديني– وتخلط أحيانًا بين رؤيتها والمقصد الإلهي، مما يجعلها في حالة تماهٍ مع الذات الإلهية، ومن ثم يحكم الله من خلالها؛ فالحكم لله وفق النسق الأصولي (الجهادي منه والوسطي) يكون باتخاذ القرآن دستورًا حاكمًا يجب على الجميع الإذعان له وتنفيذ أوامره والعمل به؛ ويكون القرآن المصدر الأساسي ولا يعود العقل الإسلامي إلا إليه[16].

ويقول “قطب” في كتابه “الإسلام ومشكلات الحضارة”: “نحن -أصحاب المنهج الإسلامي للحياة– نملك للبشرية ما لا يملكه أحدٌ آخرَ على هذه الأرض… وحدنا مكلفون أن نتقدم لحمل العبء، ولندل البشرية على هذا الطريق، ولننشئ الطريق أيضًا”[17]، وقد تخلى تمامًا عن طرح نسقه الفكري بوصفه نسقًا إنسانيًا كغيره من الأنساق السياسية، ويقدمه وثيقةً إرشاديةً للبشرية كلها من الله، والحياد عنها حياد عن دين الله. فيزعم أن “قيام المجتمع الإسلامي ضرورةٌ إنسانية وحتمية فطرية” [18] و”النظام الإسلامي يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده، ويسميها راية الإسلام، لا يقرن إليها اسمًا آخرَ ويكتب عليها: لا إله إلا الله.”[19] و”المجتمعُ الإسلامي هو الذي يتخذ المنهجَ الإسلامي كله منهجًا لحياته كلها” [20]، والواقع أن مثلَ هذه الشعارات لها وَقْعٌ طيبٌ وربما سحري في نفوس المسلمين، أن يكون هناك نظامٌ يعدل بعدل الله ويحكم بما أنزل الله، هي أمنيةُ كل مسلم، بَيْدَ أن “قطب” يضع هذا النظام ويحكمه هو ليكون الاختلاف معه اختلافًا مع الله.

وانطلاقًا من الوصاية التي يضعها “قطب” على العالم، ورؤيته في نفسه صلاحية توجيه البشرية جمعاء، فعلى البشرية الخضوع لهذا النمط الذي يطرحه في صورة مخلص لعناء البشرية كافة، ويصبح العالمُ عند “قطب” “دار سلام” و”دار حرب”؛ دار السلام هي مدينةُ قطب بطبيعة الحال، أما دار الحرب، فهي المدن الأخرى التي لا تؤمن به ولا تخضع لنظامه[21]. وتنطلق من هذه المدينةِ الدعوةُ للخلاص الكوني والخضوع للقانون الإلهي الذي هو مضمونُهُ تصور “قطب” وإرادتُهُ. وعليه يُعَدُّ عدمُ خضوع العالم لهذه الإرادة عدمُ خضوعٍ لرغبة الله، وتبعًا لقصوره وعدم أهليته (أي العالم) لحكم نفسه، يجب أن يُساق إلى حكم الله –الذي هو حكم قطب- حتى لو بالعنف، بوصفه غيرَ مدركٍ لما هو صالحٌ له؛ وهكذا يتجدد معه المفهوم السلطوي للقرآن، كي يحكم من خلاله ويفرض رؤيته، لتصير عقيدةً دينيةً، أو حضورًا تطبيقيًا للقرآن، ومن ثم الخارج عن هذا النمط في التعامل، يُعَدُّ خارجًا عن العقيدة في نظره، ويكرس استهلاك القرآن في العملية السياسية، وينتج قرآن السياسة الذي يُستخدم في النزاعات السياسية.

الحكومةَ جزء من الدين

وما يقدمه قطب وجماعة الإخوان المسلمين ما هو غير محاولة التخفي خلف القرآن والتَقَنُّعِ به كما فعلت من قبل السلطة الأموية في حادثة رفع المصاحف، ويرى الباحث المصري “علي مبروك” (1961-2010) أن اقتران المصحف مع السيف (في حادثة صفين الشهيرة) لا يزالُ حاصلًا إلى الآن، ويأخذ الشعارَ الإخواني (وهو عبارة عن سيفين بينهما مصحف) دليلًا على حضوره[22]، ولا يزال الدينُ جزءًا من لعبة القوة وأهمَّ أدواتِ السعي في امتلاكها[23]؛ فإدراك السلطة لقوة القرآن التي تفوق حد السيف، جعلت منه جسرًا ذهبيًا، يُمكن العبور منه إلى السلطة، وقاموسًا يُقَدِّمُ لها مفرداتها ولغتها[24]، وهذا ما نجد صداهُ في الفكر المعاصر؛ إذ نجد “حسن البنا” يجعل الحكومةَ جزءًا من الدين[25]. وأضحى القرآن يُمَثِّلُ قناعًا متميزًا للجماعة الإخوانية وغيرها من الجماعات السياسية والجهادية، ويمكنها من تصفية مخالفيها وفعل ما يحلو لها بمباركات الإله، بل تجعل الأمرَ يبدو وكأنه أمرٌ إلهي، وليس أدل على ذلك ما فعله تنظيم الإخوان الإرهابي عند صعوده إلى الحكم، ومحاولة تعديل الدستور ووعد الموافقين بالجنة، وإنذار الرافضين بالنار[26]. ومن البدهي أن يُطالب هذا التقنع للسلطة السياسية بالسلطة الإلهية، رفض القانون ونفي الضرورة لتكون السلطة مطلقة[27]، وعدته في ذلك الحاكمية وتوكيل الحكم لله، كي لا يكون هناك قانونًا يُلزمه.

من الحاكمية للجهاد

كُفِّرَت المجتمعات المسلمة باستعمال مبدأ الحاكمية، وأصبحت غيرَ مؤمنةٍ متعدية على الذات الإلهية وتحكم مكانه، ومن ثم فإنها في حاجة إلى الفتح من جديد، ويتضح هذا فيما أعلنته الجماعة الإسلامية هدفًا لها، فأعلنت هدفها صراحةً، وهو: إعادة الفلول الشاردة الآبقة الضالة عن صراطه المستقيم إلى فطرتها التي فطرت عليها وردها إلى رشدها، وهو ما تعنيه بقولها: (تعبيد الناس لربهم)، تعبيد الناس لربهم في عقائدهم وشرائعهم وأخلاقياتهم ومعاملاتهم وتحاكمهم وتقاليدهم[28]. ويحمل هذا الهدفُ النتيجةَ الطبيعية للحاكمية، إذ إنها تقولُ بإنَّ الحكمَ لله، ومن ثم فيجب أن تقف هي لتحكم باسمه؛ لأنها هي التي تطالب بأن يحكم الله، وهي العارفة بحكمه ووكيلته، ومن ثم تُكفر الأخرين وتحمل على عاتقها مسؤولية هدايتهم التي تتمثلُ خضوعهم لها ولأوامرها باسم الله.

وإذا كان القرآن يُمَثِّلُ للوهلة الأولى مُنطلقًا للجماعات الجهادية، إلا أنه في المستوى الواقعي، يُعَدُّ أداةً أيديولوجيةً تمكنهم من محاولات فرض رؤيتهم؛ وذلك من خلال التماهي مع الله وأنبيائه أو مع صحابة النبي محمد ﷺ[29]، وعرض رؤيتهم، لتكون فرضًا إلهيًا أو رؤيةً نبويةً لا تنفكُّ هي الأخرى بأن تكونَ فرضًا إلهيًا. فجماعات الإسلام السياسي والجماعات الجهادية تُقدم خطابها الديني والعسكري في صورة نصرة الدين، وردِّ الكيدِ عن المظلومين وتحريرِ البلاد الإسلامية من نير التخلف والتبعية للمجتمعات والحكومات الأوروأمريكية، ومن ثم فإنها تنطلق من الواقع المُعاش والمنهزم أكثر مما تنطلق من الخطاب القرآني. ولكنها في مقابل السيطرة الحداثية من جانب، وغياب منجزاتها الواقعية من جانبٍ آخر، تُعلن أنها تستمد مشروعيتها من فرض الدفاع عما ورد في القرآن على أنه ((دين الحق))، وما قدمه الفقهاء على أنه صحيح الدين، دون الانتباه إلى أن هذه العقائد بُنيت داخلَ إطار زمني إنساني بواسطة علماء مرتشين، أو حكام إمبرياليين.

واعتادت الجماعاتُ الجهاديةُ استنطاق القرآن بأيديولجيتهم متخفين وراءه متحدثين به، بوصفهم المالكين لتأويله وقصديته، فلا مجال للحديث عن تأويل بشري للنص، بل يُعرض تأويلهم بوصفه مطابقًا للمراد الإلهي من النص، مما يُنتج عمليةَ تماهٍ مع النص، ومن ثم الدين والله، وعليه تكون وصايتهم على البشرِ أمرًا بدهيًا بوصفهم متجاوزين الحد الإنساني ومتعالين عليه[30]. ولا تَقبل آراؤهم المجادلة والمناقشة، بصفتهم متحدثين باسم النص القرآني؛ المقروء من جميع المسلمين من خلال آلية الإيمان المسَلم به والبدهي الذي لا نقاش ولا جدال[31]. هذا فضلًا عن التعالي بمقولاتِ الصحابةِ والتابعين على السياق الاجتماعي والسياسي، ومن ثم الأنثروبولوجي، والتعامل معها بوصفها حقائقَ إلهيةً مطلقةً[32]، وإعلان الجماعات الجهادية نفسها وكيلًا حصريًا للصحابة والسلف، ومن ثم يملكون نوعًا من القدسية يعطيهم الحق في التوجيه والزجر[33].

ويأتي هذا بصورةٍ صريحةٍ داخل ميثاق العمل الإسلامي وردِّهم على اتهامهم بالوصاية على البشر.

“يقولون: هذه وصاية منكم على البشرية؟!

نقول: هذه وصاية شرع الله ودينه على أرض الله وخلقه، ونحن مأمورون بتحقيقها لصالح البشرية بوصفنا خيرَ أمةٍ أخرجت للناس”[34]

ولا يوجد توضيح لماذا يكونوا هم الموكلين بهذه الوصاية، ولكن يكتفون بأنها وصايةُ الله وهم مُنفذوها أو شركاؤه، وتكفر الجماعات الجهادية بعضها بعضًا، وتعلن كل جماعة الوصاية على الأخرى، وكفر الجهاديون بعضهم، فعلى لسان “أبو الليث المصري” جاءت إدانة زعيم تنظيم القاعدة “أيمن الظواهري” مبررًا ذلك بأن أفكاره باتت تتفق مع المشروع العلماني[35]، وفي كتابهم” الرد القاصف على شيوخ القاعدة الخوالف” وصفه تنظيمُ داعش بالمرتد قائلين: لا يزال المرتدُّ الظواهري في غيه وضلالاته[36].

والرأي الشائع الذي تتبناه الجماعات الجهادية، هو أن علةَ الجهاد هي الكفرُ؛ يعني أنه يكفي أن تكون كافرًا، كي نجاهدكَ، وثمة رأي آخرُ يرى أن علةَ الجهاد هي الاعتداءُ؛ أي إنك تجاهد من اعتدى عليك فقط، وأصحاب هذا الرأي هم: (سفيان الثوري*، وعبد الله بن عمر*، وعبد الله بن الحسين*، وابن شبرمة*، وعطاء ابن رباح)، إلا أنه قُدم على أنه هامشيٌّ، فنال حظه من التعتيم، في المقابل نال الرأي الآخرُ حظه من الاستحسان والترسيخ. وتم الاستقرار داخل الجماعات الجهادية على أن “الكفرَ علةُ الجهاد” ويسوقون مجموع من الآيات التي تحثُّ على القتال بطريقةٍ انتقائيةٍ متغاضين عن آيات التسامح والعفو. {وقاتلوا المشركين كافةً كما يقاتلونكم كافةً} [التوبة: 36]، {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} [التوبة: 5]، {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29]، وتُعد بمنزلة مبررات القتال في الإسلام[37].

ونتيجة لأن تكونَ علةُ الجهاد هي الكفرُ، يُصبح العالمُ كله ساحةَ جهادٍ، ومُطالب بالخضوع لأوامرهم وإلا جاهدوه، ومن ثم تقسم الجماعات الجهادية العالم إلى دار سلام، وهي الجماعةُ وما يخضع لحكمها بكل تأكيد، ودار حرب، وهي التي تحكم بغير ما أنزل الله[38]؛ أي التي لا تخضع تحت سيطرتهم، ويرون أنفسهم أهل هداية يعملون على إصلاح أهل الجاهلية، وهم في ذلك يقتدون “بسيد قطب”، لذا لا نكون مُغالينَ في القولِ بأنه المُنظرُ الرئيسُ لهذه الجماعات. وتُعد الجماعاتُ الجهاديةُ الأرضَ كلها ساحة حرب، ولا يسلم منها المجتمعات المسلمة إذ تراها أولى بالفتح، لأنها لا تطبق تعاليمَ الله، ولا تتخذ القرآن دستورًا لها -على طريقة سيد قطب- وهذا ما يُذكر بوضوح في وثيقة العمل الإسلامي” لقد أكثرنا القول، ولا بأس من أن نكرر؛ أن الخلق عبيد الله والأرض ملك لله، ومن ثم فإن الخلق كلهم مطالبون بالدخول في دين الله، والأرض كلها من المفروض أن تخضع لسلطان هذا الدين”[39].

وتبعًا لإعطاء الجماعات الجهادية نفسها قدسيةً إلهية، تبيح لها التعالي على الإطار البشري، فإن الاختلاف معها يُمَثِّلُ اختلافًا مع الدين والله، وتُمثل هيَ الحقُ والإيمان في مقابل الكفر. انطلاقًا من عقيدة الولاء والبراء، فإن ولاة الجماعة هم المؤمنون، وغير الموالين لها هم الكافرون، ممثلو الجاهلية الثانية، وصرح بذلك “محمود غزلان” عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمون ويقول: “يا أهل مصر: لقد أتيناكم لننقذكم من الجاهلية والكفر وعصور الظلام التي كنتم تعيشون فيها”[40]. وتقرر الجماعات الجهادية أن حكمَ الإسلامِ في هذه الأنظمة، والحكومات واضحٌ وصريح؛ أنها كافرةٌ وجاهلية وساقطة الشرعية، ووجودها غير جائز وكذلك استمرارها، وإزالتها واجب وفرض ديني، فقد آن لها أن تذهب وتعود من حيث أتت وتمضي غير مأسوف عليها، لتعود الخلافة والريادة من جديد، فآن لها أن تعود لتسترد مكانتها وأراضيها، وأهلها وذويها الذين انتزعت منهم وانتزعوا منها، تعود لتقيم الدين وتحرسه وتسوس الدنيا به[41].

خاتمة:

تُفضي عمليات الاستهلاك الأيديولوجي للقرآن من الخطاب المُعاصر التي يُمارسها بوعي منه وبغير وعي منه وبمدى خطورتها، إلى أن تُسحب من المجتمع طبيعته الدينامية المُتحركة وقدرته على التكيف، ومن القرآن طبيعته الراهنية التي تجعله صالحًا لكل زمان ومكان من خلال الانفتاح التأويلي، ليصبح القرآنُ بمعناه السلطوي الموازي لقهر السيف عبئًا على المجتمع، وهو في الأصل يُقَدِّمُ نفسه خطابَ هدايةٍ وإرشادٍ رُوحي واجتماعيٍّ، وينفتحُ على التأويلات ويُخاطب الإنسان بالعموم وَفْق ما يُقدمه من أدوات نداءٍ لم تحمل تميزًا إلا في أطر محددة لها سياقاتها وظروفها. وما أفضت إليه عمليات الاستهلاك الأيديولوجي للقرآن، أن القرآن أضحى يُمَثِّلُ أداةَ شرعنةٍ للسلطةِ عند تيارات الإسلام السياسي، وأداةَ تمييز عند من يتلونه في المناسبات، وأداةَ إخضاع عند الخطاب العام يسعى من خلاله نحو السيطرة على الوعي، وقيادة الجموع إلى ما يراه صالحًا للحياة الدنيا والأخرة، والأخطر من هذا كله، أداةَ قتل في أيدي الجماعات الجهادية.

والقرآن وَفْق أنساقه اللُّغوية ومن بنية مفرداته وإصراره على أدوات النداء وتعددها، خطاب لجماعة شبه الجزيرة العربية، كان هدفه هدايتهم وإرشادهم إلى عبادة الله وحده، واستخدم في ذلك أدوات الاقناع والاحتجاج الممكنة، وكذا أدوات الترغيب والترهيب. والقرآن كأي خطابٍ أو نصٍ يخضع للعقل الذي يستخدمه، وكان إحياء “سيد قطب” لمبدأ الحاكمية استدعاءً سافرًا للقرآن في معركته السياسية مع النظام، ليستنطقه برغباته وأمنياته، ويُصفي به خصومَهُ السياسيين، وفي تفسيره للقرآن الذي يُعَدُّ إحدى خطوات مشروعه، أنتج “قطب” نسخةً سياسية من القرآن، مكنت الجماعات الجهادية من تنفيذ رغباتها باسم القرآن بصورة أكثر منطقية وعقلانية، وعدتهم في ذلك ما أنتج “سيد قطب”، الذي اتخذوه تغطية منهجية لعملهم وبنائهم.

وبالقرآن الذي كان خطابًا جمع القبائل العربية والشعوب الفارسية والرومية خلف راية واحدة تسعى أطراف الخطاب المُعاصر نحو إقصاء المُختلف معها، وخروجه من الدائرة الإيمانية، ومن جنبات الخطاب الذي جمع أجلاف العرب وأودع فيهم الرقة والرأفة، تقف الجماعات الجهادية تذبح الأفراد، وتغتصب النساء وتُهلك الأطفال وهي تنادي الله أكبر. وتدَّعي الجماعات الجهادية هذه أنها تسيرُ في الأرض بأمر الله والقرآن، وتنفذ ما يطلبه القرآن منها وأنها قوته في الأرض، وكأن الله عاجزٌ عن إنزال هذه القوة وأوكلهم عنه، بَيْدَ أن العجزَ فيهم هم؛ فهم من يعجزون عن إنتاج مشاريعَ سياسيةٍ واجتماعيةٍ ومعرفيةٍ موازيةٍ، تمكنهم من الحضور الندِّي للآخرِ المتفوق، ومن ثم يلجاؤون إلى تحويل القرآن سلاحًا في يدهم يعطيهم الشرعية التي لا يمتلكوها، ويمكنهم من تجنيد كثيرين وتصفية المُخالفين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

[1] – مبروك (علي) ، أفكار مؤثمة (من اللاهوتي إلى الإنساني) الدار المصرية العربية، القاهرة، 2015، ص 131.

[2] – ياسين (عبد الجواد)، الدين والتدين (التشريع والنص والاجتماع)، ط1، التنوير للطباعة والنشر، بيروت 2012، ص 190

[3] – ، تسيهر(جولد)، دراسات إسلامية، ترجمة. شيحة عطية، مراجعة. خيري قدري، مركز الحضارة العربية للإعلام النشر والدراسات، الجيزة، 2008ج1، ص 75

[4] – حرب (علي)، الإرهاب وصناعه، (المرشد /الطاغية / المثقف) الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2015، ص 117

[5] – قطب (سيد)، معالم في الطريق، ط6، دار الشروق، بيروت القاهرة، 1979، ص 6-8

[6] – النعيمي (فاطمة سعد بادي الجفالي)، سيد قطب وتوظيفه لقواعد التفسير من خلال تفسيره في ظلال القرآن من سورة التوبة إلى سورة يوسف جزء 12-11 من القرآن، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، ع1، مجلد 33، مايو 2019، ص 63 https://search.mandumah.com/Record/982822

[7] – قطب، معالم في الطريق، ص 14-16

[8] – الفكر الإسلامي الجهادي المعاصر، إعداد مختار قنديل، مراجعة أحمد عبد ربه، دار المرايا للإنتاج الثقافي، القاهرة، 2016، ص 74

[9] – قطب (سيد)، في ظلال القرآن، ط 32، ج7، دار الشروق، القاهرة، 2003، ص 1016- 1017

[10] – قطب، معالم في الطريق، ص 39-40.

* – يفرق أوغسطين بين مدينة الله (الكنيسة) والمدينة العلمانية، ويرى أن الكنيسة لها حق الحكم على المدينة العلمانية الدنيوية، ويمكن مراجعة ما كتبه القديس أوغسطين في كتابه مدينة الله.

[11] – قطب (سيد)، الجهاد في سبيل الله، ط2، الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية، 1970، ص 104

[12] – قطب (سيد)، في ظلال القرآن، ط 32، ج7، دار الشروق، القاهرة، 2003، ص 1006

[13] – قطب، الجهاد في سبيل الله، ص 105

[14] – نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،2007، ص 76.

[15] –  أبو زيد، نقد الخطاب الديني،  ص 62-68

[16] – النعيمي (فاطمة سعد بادي الجفالي)، سيد قطب وتوظيفه لقواعد التفسير من خلال تفسيره في ظلال القرآن من سورة التوبة إلى سورة يوسف جزء 12-11 من القرآن، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، ع1، مجلد 33، مايو 2019، ص 63 https://search.mandumah.com/Record/982822

[17] – قطب، نحو مجتمع إسلامي، ص 173

[18] – قطب (سيد)، الإسلام ومشكلات الحضارة، ط13، دار الشروق، القاهرة، 2005، ص 7

[19] – المرجع السابق، 1007

[20] – قطب، الإسلام ومشكلات الحضارة، ص 195

[21] – الفكر الإسلامي الجهادي المعاصر، ص 80

[22] – https://www.youtube.com/watch?v=1-bezmtNHIc

[23] – مبروك (علي)، في لاهوت الاستبداد والعنف،(والفريضة الغائبة في خطاب التجديد الإسلامي)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2014 ص 63

[24] – المصدر السابق، ص 62

[25] – مبروك (علي)، مفهوم الشريعة مفهوم الشريعة (بين تسييس الإسلام وتحريره)، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط،2017، ص 304

[26] – https://www.youtube.com/watch?v=-hai-1NhLE0

https://www.youtube.com/watch?v=7hii7clnid0

https://www.youtube.com/watch?v=bTYtfCFN2fk

https://www.youtube.com/watch?v=CMRZ_JhnOfM

[27] – مبروك (علي)، الخطاب السياسي الأشعري، الخطاب السياسي الأشعري من إمام الحرمين إلى إمام العنف، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2015 ص 69-70

[28] – ميثاق العمل الإسلامي، مجلد 17، هدفنا تعبيد الناس لربهم

[29] – حرب، الإرهاب وصناعه، سبق ذكره، ص 117

[30] – مبروك (علي)، أفكار مؤثمة (من اللاهوتي إلى الإنساني) الدار المصرية العربية، القاهرة، 2015، ص 131.

[31] – أركون (محمد)، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة بيروت ط2، 2005، ص 39

[32] – حرب (علي)، الإرهاب وصناعه، ص 11

[33] – مبروك، في لاهوت الاستبداد والعنف، سبق ذكره، ص 118

[34] – ميثاق العمل الإسلامي، الجهاد. http://www.ilmway.com/site/maqdis/MS_36783.html

[35] – جريدة الوطن، القاهرة، 14 مايو 2014.نقلا عن، أحمد بهاء الدين شعبان، السلفي الأخير (الإرهاب المعلوم والداعشية المصرية)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2016، ص 80

[36] – زينون (عبد العالي)، جهاديون يكفرون جهاديين .. “النار تأكل بعضها”!، جريدة ارفع صوتك، العراق، 18 أبريل https://www.irfaasawtak.com/articles/2018/04/18/%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%83%D9%81%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%8A%D9%86%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D8%A3%D9%83%D9%84%D8%A8%D8%B9%D8%B6%D9%87%D8%A7

* – أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري فقيه كوفي، وأحد أعلام الزهد عند المسلمين، وإمام من أئمة الحديث النبوي، وواحد من تابعي التابعين، وصاحب واحد من المذاهب الإسلامية المندثرة، وقد ظل مذهبه متداولًا حتى القرن السابع الهجري، وقال عنه الذهبي: «هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه.

* – عبد الله بن عمر بن الخطاب محدث وفقيه وصحابي من صغار الصحابة، وابن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وأحد المكثرين في الفتوى، وكذلك هو من المكثرين في رواية الحديث النبوي عن النبي محمد. كان ابن عمر من أكثر الناس اقتداءً بسيرة النبي محمد، ومن أكثرهم تتبُّعًا لآثاره.

* – عبد الله بن على بن الحسين الهاشمي القرشي، الشهير بعبد الله الباهر، من أولاد على بن الحسين السجاد، وأخو محمد الباقر، وعم جعفر الصادق، وراوي أحاديث، ولد بالمدينة المنورة وتوفي فيها، وهو ابن سبع وخمسين سنة.

* – عبد الله بن شبرمة يعرف أيضا بـأبي شبرمة، هو عبد الله بن شبرمة بن طفيل بن حسان الضبي وهو عم عمارة بن القعقاع، ولكن عمارة أسن منه وآخر أصحابه موتا أبو بدر السكوني.

[37] – ميثاق العمل الإسلامي، الجهاد. http://www.ilmway.com/site/maqdis/MS_36783.html

[38] – فرج (محمد عبد السلام)، الفريضة الغائبة، ص 10، https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%8A%D8%B6%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%A6%D8%A8%D9%87-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%81%D8%B1%D8%AC

[39] – ميثاق العمل الإسلامي، هدفنا تعبيد الناس لربهم. http://www.ilmway.com/site/maqdis/MS_36814.html

[40] – جريدة الوطن القاهرة، 12 سبتمبر 2013، نقلا عن، أحمد بهاء الدين شعبان، السلفي الأخير، ص 45

[41] – ميثاق العمل الإسلامي، هدفنا تعبيد الناس لربهم. http://www.ilmway.com/site/maqdis/MS_36814.html

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete