امرأةٌ بنسخة رقمية: الوعي النسوي في الواقع الافتراضي

 تكوين

مقدمة:

أسهمت الممارسات الأيديولوجية، بوصفها واقعًا معاشًا، في تشكيل الدور الموكل للمرأة داخل الأسرة والمجتمع، بحيث لم تعد تحتل موقعًا مباشرًا ومستقلًا، بل جرى تعريفها وفق ما تسنده إليها هذه البُنى من وظائف وأدوار، غير أنَّ النقلة النوعية التي أحدثتها ثورة الاتصال وانتشار الإنترنت مهّدت الطريق أمام المرأة للانخراط في فضاءات جديدة للتقارب والتعارف وتبادل الرؤى والأفكار داخل ما اصطلح على تسميته بـ(قرية العولمة). ومع هذا الانتقال من واقعٍ تُعرفه الأيديولوجيا المحلية إلى واقع رقمي متشابك، أصبح حضور المرأة محكومًا بشروط جديدة تُصاغ داخل الفضاءات الرقيمة العابرة للحدود.

تهدف هذه الورقة إلى رصد انخراط المرأة في الواقع الافتراضي، بوصفه أحد أهم تمثلات آليات العولمة، في ضوء نقد كل من مارتن هايدجر Martin Heidegger وجان بودريار Jean Baudrillard لآليات تنميط الإنسان وقولبته عبر الاتصال الرقمي، يتبع ذلك الكشف عن آليات بناء المرأة لذاتها الإنسانية الافتراضية، مرورًا بفكرة موت الإنسان في حالة ما بعد الحداثة عند مفكري النظرية النقدية في مدرسة فرانكفورت، ووصولًا إلى رصد التحديات التي يطرحها حضور المرأة في السياق الافتراضي، مثل: العنف الرمزي كما صاغه بيار بورديو Pierre Bourdieu، ومن ثمّ سنحاول الإجابة عن الإشكالية الآتية: كيف بدل العصر الرقمي شروط الحياة الإنسانية، وكيف أعاد على نحو خاص تعريف المرأة وتموضعها؟ وبذلك تتحدد الإشكالية الرئيسة للبحث في نقطة التقاء بين تحوّل الإنسان تحت ضغط التقنية، وبين إعادة تشكيل صورة المرأة داخل هذا التحول.

ننطلق من فرضية بسيطة ومثيرة للتساؤل في آن واحد: أن الفضاء الافتراضي بات جزءًا مكونًا من حياة المرأة، يتغلغل في تشكيل وعيها بذاتها وبجسدها وحدود حضورها، إلى حد تتقلص معه المسافة بين الهُويّة الأنثوية والواجهة الرقمية، وتصبح الصورة والمنشور والتفاعل جزءًا من نسيج التجربة اليومية، من هنا يغدو تحليل حضور المرأة في العالم الافتراضي مدخلًا لقراءة أعمق لحدود هذا العصر: إلى أي حد يفتح الفضاء الرقمي أفقًا للتمكين الاقتصادي، والسياسي، والمعرفي، والاجتماعي؟ وإلى أي مدى يُعيد هذا الفضاء إنتاج البنية المهيمنة ذاتها، وإن بدت في ثوب جديد؟

*التحول الرقمي للإنسان:

ساهمت ثورة الاتصالات والتطور التقني _ واللذان بدورهما غيّرا مفردات الحياة الإنسانية _ إلى خلق فضاء اجتماعي جديد، في عام 1964، صاغ الفيلسوف الألماني هاربرت ماركوز Herbert Marcuse كتابًا بعنوان: الرجل ذو البعد الواحد، وكان هذا الكتاب عبارة عن تحليل متعمق للنظامين الرأسمالي والشيوعي وتأثيرهما في تحقيق الحرية والمساواة بين الطبقات الاجتماعية. واستكشف الكتاب أيضًا كيف تُرجمت هذه الأفكار من النظرية إلى الممارسة وأدت إلى فقدان القيمة الفردية والإنسانية لإنتاج السلع الأساسية، إضافة إلى اعتماد الاقتصاد الرأسمالي على زيادة الإنتاج والاستهلاك، وأصبحت التكنولوجيا عاملاً محددًا للسياسة والثقافة وهي المسؤولة عن قولبة العقول وقلب القيم وفقدان المعنى والقيمة في الوجود الإنساني.([1]) أضحت الثقافة عبارة عن سلعة ظاهرة التناقض، فهي تخضع كليًا لقانون التبادل مع أنه لا يمكن تبادلها بحد ذاتها، إنها سلعة تذوب بشكل أعمى في الاستهلاك؛ لذلك فهي تذوب مع الإعلان الذي يصبح أكثر حضورًا حتى يبدو احتكارها نوعًا من العبث، أما الدوافع فهي اقتصادية.([2]) وهذا يخلق إنساناً أحادي البعد يفقد حريته ويعتنق وهم الحرية، ويتم تمويه الصراع من خلال تجديد النظام الرأسمالي لآليات العمل واستمراريته بسبب الدعاية الإعلامية. إن هذا التشخيص المبكر لعالمٍ تُهيمن عليه التكنولوجيا والاستهلاك يمهّد لفهم الواقع الافتراضي لاحقًا بوصفه امتدادًا مكثفًا لمنطق الإنسان ذي البعد الواحد.

وتبعه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس Jürgen Habermas، وهو من الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت النقدية. تتمحور فلسفته حول تعقيدات الثورة الصناعية ومشاكلها ويقترح البدائل العقلانية التواصلية القائمة على مبادئ قيمة وأخلاقية. وينتقد هابرماس كفاءة النظام الرأسمالي الغربي في التنظيم والترشيد وارتباطه بالتقدم العلمي والتقني قائلا:

“إن العلم يلعب دورًا أساسيًا في إعطاء المشروعية للنظام الاجتماعي والسياسي الحديث، وبالتالي فالنزعة العلمية لها أبعاد لا تتمثل فقط في جعل المؤسسات العلمية أكثر إنتاجًا وإنما في إضفاء الشرعية على النظام السياسي والاجتماعي المؤسس على العقلانية التقنية. ويعتبر هابرماس أن أزمة المشروعية هي، بطريقة مباشرة، أزمة هوية.”([3])

وسلط هابرماس الضوء على أخطار التكنولوجيا والعلم كأيديولوجية، حيث تهيمن المنهجية العلمية المهيمنة على الثقافة والحياة الاجتماعية. وعلى الرغم من أخطار التكنولوجيا والعقل التقني وسيادة العقلانية، فإن لها مزايا في تحسين الإنتاج وزيادة الإنتاجية وتلبية الاحتياجات. وبينما يركز ماركوز على انطماس الفرد داخل منطق الاستهلاك، يكشف هابرماس عن البعد السياسي لهذا التحول، حيث تتحول العقلانية التقنية إلى أداة لإنتاج الشرعية وحجب أزمات الهوية.

وعلى حسب هايدجر،

“ولما كان العالم في تبدل مستمر كانت هذه الكينونة الإنسانية غير مستقرة على حال، وسيتولد لنا تلقائيًا مُشكل آخر، ألا وهو خصائص هذا الوجود الإنساني؛ إذ إن الوجود الإنساني هو وجود منفتح على صيرورة دائمة.” ([4])

حيث يركز تحليل هايدجر على وجود الحالة الإنسانية في ظل هيمنة التكنولوجيا وسيادتها، ويرى أنها تحول الإنسان إلى أداة، يفقد المعنى والقيمة بسبب هيمنة الفكر التقني، وهكذا ينتقل النقاش من نقد النظام الاقتصادي والسياسي إلى سؤالٍ أنطولوجي أعمق حول معنى الوجود الإنساني في عالم تُعيد فيه التقنية تعريف ما هو إنساني في جذره.

وفي الإطار نفسه، ما قدمته مدرسة ما بعد البنيوية الفرنسية أطروحة الفيلسوف جان بودريار Jean Baudrillard (1929- 2007)، يعتقد أن التطور السريع لتكنولوجيا الاتصال الجماهيري يؤثر بشكل كبير على الوعي البشري، وهو ما يشير إليه بـ (الواقع المفرط). وبحسب بودريار، فإن هذا الفائض من المعلومات يجبرنا على الاندماج مع معلومات وموضوعات مجزأة، مما يؤدي إلى تحول في تصورنا للواقع. وهذا يخلق موقفًا إشكاليًا حيث يتم اختزال صورة العالم الحقيقي في إدراكنا للكمية الهائلة والمجزأة من المعلومات والصور المتاحة.

“وفي ثمانينيات القرن العشرين، طور بودريار أفكارًا ثلاثة في وصف ما يجري: المحاكاة، والانفجار، والواقع المفرط. فعند بودريار، أننا نعيش الآن في حقبة تحاكي فيها وسائل الإعلام الواقع إلى درجة ينبغي معها فهم الواقع، بما فيه نحن أنفسنا، على أنه من نتاج الإعلام، فليس ثمة واقع مستقل عما يبنيه الإعلام.”([5])

وانتقد بودريار التقدم التقني في وسائل الاتصال الجماهيري كأداة لقولبة الإنسان، ومن هنا يظهر أن الواقع الافتراضي ليس مجرد وسيط محايد، بل بنية رمزية تُنتج واقعًا مفرطًا يختلط فيه الحقيقي بالافتراضي، وهو ما ستكون له تبعات خاصة على بناء هُويَّة المرأة وتمثلها.

لقد واجهت الإنسانية قفزة كمية نحو الأمام، وقد مرت البشرية، حتى الآن، بموجتين عظيمتين من التحول محت كل منها ثقافات وحضارات الأولى وحلت أساليب حياتية جديدة محلها لم يكن يتخيلها أحد من قبل. واستغرقت الموجة الأولى _ الثورة الزراعية _ إنجازها آلافًا من السنين. أما الموجة الثانية _ نشوء الثورة الصناعية _ فقد استغرقت ثلاثمائة عام. ومن المرجح أن تكتمل الموجة الثالثة خلال عدة عقود فقط حيث يسير التاريخ بتسارع كبير في عصرنا هذا.  هذه الموجة ستؤثر على كل فرد منا فالأسرة مجزأة، والاقتصاد محطم والأنظمة السياسية مقيدة والقيم تضرب بعرض الحائط. وهي تتحدى علاقات القوى السابقة وامتيازات النخب المعرضة للخطر، وتقدم الأرضية التي ستتصارع عليها قوى المستقبل، وللحضارة الجديدة رموز سلوكية جديدة تتجاوز التركز على الطاقة والمال والسلطة. ([6]) وتزامنا مع الموجة الحضارية الثالثة ظهرت موجة جديدة من الحركة النسوية تُعرف باسم الموجة الرابعة. تألفت من مجموعة من النسويات الشابات اللاتي كن بارعات في التكنولوجيا ومتطورات فيما يتعلق بالجنسين، وتشكلت تربيتهم من خلال ردود الفعل العنيفة في الثمانينيات، وحركة النساء في التسعينيات، لقد جربوا عالم الإنترنت ووسائل الإعلام كجزء طبيعي من حياتهم، على عكس الأجيال النسائية السابقة. وبذلك يلتقي مسار الموجة الثالثة من الثورة الرقمية مع الموجة الرابعة للنسوية، حيث تتكون أجيال جديدة من النساء داخل بيئة رقمية من البداية، وتصبح الفضاءات الافتراضية مجالًا لصوغ الذات النسوية، بين إمكانات التمكين وآليات التشيؤ في آنٍ واحد؛ وهو ما نسعى إلى تفكيكه في علاقتها بالواقع الافتراضي.

*تشكّل النسوية في عصر الرقمية:

يُشير بعض الباحثين إلى ظهور الموجة النسوية الرابعة منذ عام 2008، حيث تميزت هذه الموجة بوجود جيل شاب من النسويات المتمرسات في مجال التكنولوجيا والوعي بقضايا المساواة بين الجنسين. وقد شكلت تجاربهن الشخصية والتاريخية -بما في ذلك تأثير الحركات النسوية السابقة وأحداث مثل 11 سبتمبر- جزءًا أساسيًا من تشكيل هُويتهن النسوية. ومن هنا يتكون جيل نسوي جديد يجد من الوسائط الرقمية امتدادًا طبيعيًا لتكوينه السياسي والمعرفي، وباستخدام الإنترنت بشكل متكامل في حياتهن، فإن هذا الجيل يختلف عن الأجيال السابقة من النسويات في طريقة تفكيره وتواصله وتنظيمه للحركة النسوية.

وعلى هذا الأساس، بدأت الموجة الرابعة من الحركة النسائية في عام 2012، وتتميز بتجدد الاهتمام بالنسوية، التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وبحسب الباحثة النسوية برودينس تشامبرلين،([7]) Prudence Chamberlain  تسعى الموجة الرابعة إلى تحقيق العدالة للنساء وتعارض التحرش الجنسي والعنف ضدهن. وجوهر هذه الحركة هو عدم التصديق بأن بعض المواقف لا تزال موجودة في العالم الحديث. ([8]) وبهذا التصور، كانت الموجة الرابعة امتدادًا للموجة النسوية الثالثة، والتي تميزت بالتركيز على التنوع والشمولية والتقاطع وأنشأت الناشطات الشابات خطوطًا للحديث عن الإجهاض، ومبادرات تتعلق بالصحة، ومنظمات شاملة. كما قمن بإنشاء مدونات وحملات على تويتر ووسائل إعلام عبر الإنترنت بأسماء مثل: Racialiciousعنصري، وFeministing ممارسة النسوية، وأصبح مصطلح العدالة الإنجابية شائعًا بين الناشطات النسويات الشابات، وناقشن أيضًا اللاإنجابية والتحول الجنسي، والنسويات الذكور، والعمل بالجنس، والعلاقات المعقدة داخل وسائل الإعلام. ومع تسارع إيقاع التحولات العالمية، وتغير العالم بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، فإن موجات التغيير الشامل تأتي بشكل أسرع وتتضافر كل هذه الموجات النسوية لتشكل قوة متميزة، وهي جزء من الكيان السياسي، نفسه، المعروف بالنسوية. وترى الكاتبة لويز بيرنيكوف Louise Bernikow([9])  أن استعارة الموجات هي وصف مناسب للنسوية، حيث تنحسر الأمواج وتتجمع قوتها قبل أن تعود أقوى.([10])

ورغم هذا الحضور الكثيف في الخطاب المعاصر، لم يتم الاعتراف رسميًا بالموجة الرابعة كحركة نسوية، لأنها تعتمد بشكل كبير على الإنترنت والتقدم التكنولوجي، حيث لعبت منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، وتويتر، وإنستغرام، ويوتيوب، والمدونات دورًا حاسمًا في الحركة، التي تسعى إلى تمكين الأفراد من جميع الأجناس وتعزيز قبول الجسد. وتهدف هذه الموجة إلى مكافحة التحرش والتمييز الجنسي والعنف ضد النساء والرجال والمتحولين جنسياً. ([11])

وفي هذا الامتداد، قدمت المدونات النسوية أيضًا مساهمة كبيرة في الحركة النسوية المعاصرة، حيث سلطت الضوء على العلاقة بين المصادر والمجتمعات عبر الإنترنت والاهتمام المتجدد بالحركة النسوية. حيث أشارت كيرا كوكرين Kira Cochrane ([12]) في صحيفة الغارديان في عام 2013 بأن الموجة الرابعة تعتمد على الإنترنت وتُحددها التكنولوجيا، وهي الأدوات التي تسمح للنساء ببناء حركة قوية شعبية وتفاعلية عبر الإنترنت. ورددت الناشطة، لوري بيني، Laurie Penny ([13]) المرتبطة أيضًا بالموجة الرابعة من الحركة النسوية، هذا الرأي، مشيرة إلى حقيقة أن العديد من النساء قضين الكثير من الوقت في التحدث مع بعضهن البعض عبر الإنترنت مما أدى إلى إحياء الحركة النسوية في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك، فقد تم تسليط الضوء سابقًا على أهمية التكنولوجيا في إنشاء ونشر الأفكار النسوية كوسيلة لتمييز الموجة الثالثة عن الثانية، مما يشير إلى أن استخدام التكنولوجيا من قبل النسويات ليس جديدًا. ولكن ظهور فكرة التدوين باعتبارها شكلاً جديدًا من النشاط والفاعلية النسوية، حيث إن وضع التدوين في سياقه التاريخي يمكن أن يساعدنا على فهم أفضل لكيفية دمج تدوين الفتيات لاستراتيجيات نسوية من الماضي. وهناك الاختلاف الرئيسي بين التدوين وكتابة اليوميات وهو مسألة الجمهور، ففي حين أن اليوميات كانت ولا تزال شخصية وخاصة، فإن التدوين يجعل ذلك علنًا، مما يضيف بعدًا جديدًا إلى شكل الكتابة. ([14])

وانطلاقًا من هذا التراكم التاريخي للموجات، وعند مناقشة ظهور الموجة الرابعة، ينبغي اعتبار أهمية النظر إلى الموجات النسوية كموجات من التأثير وليست كلحظات فردية. وعلى الرغم من أن الموجة النسوية تمثل ما هو أكثر بروزًا أو وضوحًا في مرحلة معينة من التاريخ النسوي، فمن المؤكد أنها لا تمثل كل ما يحدث أو ذات صلة. ومن المهم أن نعرف أن ظهور موجة جديدة لا ينبغي أن تُقرأ على أنها إشارة إلى اختفاء موجة قديمة. ومع ذلك، فإن السماح بمثل هذا التنقل بين موجات الحركة النسوية لا يعني الإخلاص المطلق للأسلاف من النسويين. ([15]) وعليه، يصبح فهم الموجة الرابعة مشروطًا بوضعها داخل هذا الامتداد التاريخي نفسه، مع الانتباه في الوقت ذاته إلى خصوصية أدواتها ومساحات فعلها.

وفي هذا السياق، طرح الواقع الافتراضي تحديات الحضور النسوي في ظل السياق الإعلامي والافتراضي، حيث أعاد هذا الواقع تشكيل هُويّة المرأة، وتمكينها سياسيًا وثقافيًا، ومعرفيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا. فيمكننا التواصل عبر مسافات طويلة باستخدام الهاتف والتليفزيون والإنترنت، وأصبح المحتوى الرقمي متنوعًا بشكل متزايد، “بدءًا من الأحداث الإخبارية والترفيهية والمعرفة العامة. وواحدة من أكثر أجزاء المحتوى شيوعا هي البرامج الحوارية، وهي شكل من أشكال الخطاب التفاعلي، حيث إن أشكال التواصل يختلف عن المناقشات أو المناظرات.”([16]) وهكذا يتبدى أن الموجة الرابعة لا تنفصل عن البنية الأوسع للاتصال الرقمي، لكنها تعمل داخلها وتستثمر أدواتها، مع ما يحمله ذلك من إمكانات وفرص ومخاطر في آن واحد.

وتوضح الدراسات أن الحملات النسوية عبر الإنترنت وسائل التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر- تؤثر بشكل مباشر على الأحداث الواقعية. مثلما حدث في قضية الاغتصاب الشهيرة([17]) في مدينة ستوبنفيل (Steubenville([18] عام 2012؛ إذ لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا رئيسيًا، سواء في ملاحقة الجناة أو تقديم الأدلة للمحاكمة. ومع ذلك، تعرضت الضحية لموجة من الانتقادات والتشهير عبر الانترنت أيضًا، فكانت سلاح ذو حدين. وفي مقالتها (المحاكمة عبر تويتر)، التي نُشرت في عام 2013، تناولت آرييل ليفي (Ariel Levy) ([19]) التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي على قضية ستوبنفيل، بدءًا من نشر صور للضحية وهي فاقدة للوعي، وصولًا إلى الانتقادات والإساءة الموجهة نحو الضحية بعد انتهاء المحاكمة، مما يعزز ثقافة إلقاء اللوم على الضحية، وتشكل مظهرًا ملموسًا لانتشار خطاب ما بعد النسوية في المجتمعات الحديثة. وتُظهر الدراسات أن هناك نسبة كبيرة من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة تويتر، تعرضوا للإساءة والتنمر، حيث:

“ثمانية وثمانون بالمائة من أولئك الذين يستخدمون تويتر بانتظام للنقاش النسوي قد تعرضوا للإساءة عليه، مقارنة بـ 60% من مستخدمي فيسبوك العاديين، و46% من المستخدمين المنتظمين للمدونات و29% من مستخدمي المواقع الإخبارية. وهو ما يمثل تحديًا للنسويات والنشطاء الذين يتخذون مواقف ضد التمييز الجنسي”([20]).

ويشير تقرير من ميشيل غولدبرغ([21]) (Michelle Goldberg) في واشنطن بوست عام 2015 إلى أن التصيّد الجندري أصبح أحد الأسباب المباشرة وراء انسحاب العديد من النساء من المشاركة في النقاش العام، وأنه لا يستهدف الناشطات النسويات فحسب، بل يمتد ليطال كل من يتخذ موقفًا علنيًا ضد التمييز الجنسي، بغض النظر عن خلفيته أو موقعه([22]).  وعند هذه النقطة تحديدًا، يتبدّى التوتر في تجربة الموجة الرابعة، لتتضح المفارقة التي تضع الموجة النسوية الرابعة في قلب اختبارٍ صعب.

ويكشف هذا المثال، ومعه الإحصاءات المتزايدة حول التصيّد الجندري، عن الجانب المظلم للحضور النسوي في الفضاء الرقمي: فالمجال ذاته الذي يخلق إمكانًا أوسع للكلام والتنظيم، يفتح في الوقت نفسه مجالًا أعرض للعنف الرمزي والإسكات، وهو توتر سيكون حاضرًا في كل تحليل جدي للموجة الرابعة وحضورها الافتراضي. ويزداد هذا التوتر وضوحًا حين ننتقل من المعطى العام إلى حدث محدد، مثل قضية نيرة أشرف، التي قُتلت أمام جامعة المنصورة عام 2022، ثم تحوّلت جريمتها خلال ساعات إلى مادة للنزاع الخطابي على المنصّات.

وتُظهر ردود الفعل الرقمية على قضية نيرة كيف يتحول الفضاء الافتراضي إلى مرآة حادة للبُنى الجندرية في المجتمع؟ فبدل أن يكون مجرّد قناة لتمرير الآراء، يغدو مجالًا يعيد ترتيب مواقع القوة ومن يُسمَح له بالكلام ومن يُدفَع إلى الهامش، وما بدا في بدايته سيلًا من التعليقات القصيرة سرعان ما كشف عن انقسام عميق: أصوات تدين الجريمة بوصفها عنفًا سافرًا ضد امرأة حاولت حماية حقها في الرفض، وأخرى تنزلق إلى تبرير القاتل أو تحميل الضحية جزءًا من المسؤولية. والمقارنة بين ما ظهر على تيك توك وما انتشر على فيسبوك وتويتر توضح أن المنصات نفسها ليست على قدر واحد؛ فالمساحات ذات الحضور الشبابي الأوسع بدت –في العموم– أكثر ميلًا للدفاع عن الضحية، بينما أفسح الفضاء الأكثر رسوخًا اجتماعيًا مجالًا أكبر لاستعادة خطاب الشرف وملكية الجسد الأنثوي.)[23]( في لحظة كهذه يتحول الحدث الواحد إلى اختبار واقعي حقيقي واختبار أيضًا لقدرة الموجة الرابعة على تغيير بنية النقاش العام، وليس فقط توسيع عدد المشاركين فيه.

ما يكشف عمق المأزق هو أن موجة التضامن لم تُلغِ في الآن ذاته حضور العنف الرقمي المنظم؛ إذ استُخدمت الجريمة كذريعة لإعادة تدوير خطاب اللوم، سواء عبر تشويه صورة نيرة، أو اختلاق روايات موازية، أو توظيف الحادث في معارك أوسع تتجاوزها شخصيًا. هنا يظهر الوجه الأشد قسوة للفضاء الرقمي؛ مجال يتيح للنساء التنظيم والتعبير وبناء حملات عابرة للحدود، وفي الوقت نفسه يضاعف من أدوات الإسكات عبر التحرّش، والتهديد، والتصيّد الجندري، إلى درجة تدفع كثيرات إلى الانسحاب من المجال العام. وتشير دراسات العنف القائم على النوع الاجتماعي عبر الإنترنت إلى أن النساء، خصوصًا من يتخذن مواقف معلنة ضد التمييز أو يكتبن في قضايا نسوية، يتعرّضن بنِسَب مرتفعة لهذا النمط من الهجوم المنظّم الهادف إلى كسر الصوت لا إلى مجرّد الاختلاف معه([24]). وعند قراءة هذه المعطيات جنبًا إلى جنب مع الأمثلة السابقة، يتضح أن المسألة لا تتعلق بسوء استخدام عرضي للمنصات. في ضوء ذلك، يصبح الفضاء الافتراضي ساحة إضافية للصراع حول الجسد والشرعية والحق في الكلام؛ ساحة يمكن أن تنتج تضامنًا نسويًا قويًا، لكنها تظل في الوقت نفسه حاملة لآليات الهيمنة الأبوية في شكل أسرع، وأوسع انتشارًا، وأصعب على الاحتمال.

ومن هنا يمكن فهم اعتماد الموجة النسوية الرابعة أكثر فأكثر إلى التقاطعية إطارًا ناظمًا، لا مجرد شعار نظري يتردد في الأوساط الأكاديمية. هذا المنظور يحاول أن يلتقط حقيقة بسيطة لكنها مُهملة طويلًا: حياة النساء لا تجري على خط واحد، بل عند تقاطع طبقات متراكبة من الجندر والطبقة والعرق والجسد وأعباء الرعاية والفضاء الرقمي. وربما تبدو الكلمة ثقيلة أو نخبوية للوهلة الأولى، لكن معناها العملي قريب جدًا من التجربة اليومية؛ فهي اسم لحالة التمدّد الدائم التي تعيشها المرأة حين تُطالَب في اللحظة نفسها بالعمل والإنفاق والرعاية والنشاط العام واحتمال العنف، ثم تُسأل بعد ذلك عن اختياراتها وطموحاتها الفردية. بهذه الزاوية، تصبح التقاطعية أداة لفهم المرونة القسرية التي تُفرض على النساء بوصفها شرطًا للبقاء.

*التقاطعية تحت الاختبار:

بدا تأثير النظرية النسوية التقاطعية على المجتمعات النسوية عبر الإنترنت، فيُنسب الفضل إلى النهج التقاطعي في المساعدة على تحدي وجهات النظر النسوية السائدة، حيث يكتبون “إن التقاطعية هي اليوم نظرية ممارسة معروفة وكثيرًا ما تتم مناقشتها داخل عالم النسوية عبر الإنترنت”([25]). وهكذا، في أفضل حالاتها، يمكن النظر إلى النسوية عبر الإنترنت على أنها توسع لمعايير المناقشات النسوية، وتسمح بسماع أصوات متعددة، وتوفر منصة لأولئك المهمشين، غالبًا، في الخطاب السائد، غير أن هذا الوجه المضيء لا يلغي أن إساءة استخدام التقاطعية جزء من المشكلة أيضًا. ومع ذلك، قد لا نجد النساء والفتيات السود على مساحة مع النساء البيض في مسيرة (SlutWalk) ([26]). وهو مثال يوضّح كيف يمكن أن تُرفع راية الشمول في الخطاب، بينما تبقى الفجوات قائمة في الممارسة.

وانطلاقًا من هذا المثال وغيره، يصبح من المضلِّل تقديم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على أنها مرادفات للموجة الرابعة من النسوية؛ إذ إن ذلك يُعتبَر فهمًا مبسّطًا وغير دقيق، كما أنه يقلل من التحديات والمخاطر التي تواجهها النسويات عند تعبيرهن عن الأفكار النسوية في الفضاء العام. فإن تقليص أنماط التحليل والنشاط المعقدة، مثل: التقاطعية، في منصات التواصل الاجتماعي يعوق العمل المستمر نحو بناء نسوية شاملة. ومع ذلك، توفر هذه المنصات فرصًا للتنظيم والتعبير والتحدي لوسائط الإعلام التقليدية. ومع اندماج المجال الافتراضي بشكل متزايد في حياتنا، يصبح من الصعب تمييز الحدود بين العالم الافتراضي والواقعي، مما يظهر أن النشاط عبر الإنترنت يمكن أن يؤثر بشكل كبير على المجتمع والسياسة. ويُعد استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي مساحة لبناء تواصل مجتمعي نسوي عبر الحدود الثقافية والاجتماعية والعالمية، مما يخلق فرصًا لإحداث تغيير سياسي وثقافي من خلال إنشاء حركات نسوية دقيقة وتمثيلية. ([27]) وعند هذه النقطة على وجه التحديد، يبقى السؤال مفتوحًا عما إذا كانت الموجة الرابعة من النسوية ستستخدم هذه الإمكانية لتحدي خطاب ما بعد النسوية أو تعزيزه للسماح بسماع أصوات متعددة. أي أن الساحة الرقمية، بقدر ما تفتح من مساحات جديدة، تُبقي سؤال الاتجاه مفتوحًا: هل هي مجال لتجديد النقد النسوي، أم قناة لإعادة تدوير سردية الاكتفاء التي يتغذى عليها الخطاب ما بعد النسوي؟

وعلى الرغم من الشهرة المتزايدة التي تحظى بها الحركة النسوية التقاطعية، خاصة في الموجة الرابعة، فإنها تعاني من بعض النواحي السلبية. فالحركة نشأت في بدايتها من اهتمامات خاصة بتجارب النساء السود في التقاطع بين العنصرية والتمييز الجنسي في الولايات المتحدة. ولكن مع مرور الوقت، انحرفت التقاطعية عن هذا السياق الأصلي، لتصبح مصطلحًا شاملاً يُستخدم في كثير من الأحيان لتسليط الضوء على الحالات التي يتم فيها استبعاد فئات معينة من النشاط النسوي، دون التركيز على التقاطعات بين العوامل المختلفة في معالجة التمييز.

وفي هذا السياق، يُمكن أن يؤدي تبسيط مفهوم التقاطعية وتحريف فهمه إلى تقديم تصوير هرمي للمظاهر الاجتماعية، يُستبدَل فيه منطق التداخل بمنطق التنافس؛ فتبدو العوامل مثل: العرق والطبقة والجنس والنوع الاجتماعي وكأنها محاور متزاحمة لا شبكة متشابكة. هذا التصوّر يُفضي إلى رؤية متعالية وغير متجانسة، تفترض –ضمنًا– أن النساء السود، والأقليات العرقية، والمتدينات، بما في ذلك المسلمات، يفتقرن دائمًا إلى الامتياز ويُنظر إليهن بوصفهن ضحايا بصورة ثابتة، من دون مراعاة العوامل المتقاطعة الأخرى مثل الثروة أو التعليم أو الموقع الطبقي. وفي هذا الإطار تستدعي مريام كوك Miriam Cooke [28] مثال المرأة المسلمة لتوضيح كيف يُمكن لاستخدام كلمتي مسلمة وامرأة معًا أن يسهم في تشكيل أو إحياء هوية واحدة مركبة؛ إذ تشير إلى أن المرأة المسلمة الجديدة تلفت الانتباه إلى ظهور هوية دينية وجنسانية فريدة تغطّي تنوّعًا قوميًّا وعرقيًّا وثقافيًّا وتاريخيًّا، بل وفلسفيًّا أيضًا. ([29]) مع ذلك، فإن الفهم الحالي للتعددية الثقافية يظل فهمًا معياريًا إلى حدّ بعيد؛ إذ يستهدف الظلمُ العابر للحدود الوطنية الفقراءَ بغضّ النظر عن لونهم، الأمر الذي يجعل التحليل المنهجي الشامل لمشكلات الظلم عبر الحدود مشروطًا باتّباع منهجيات قادرة على التعامل مع هذه الوقائع المركّبة، من غير الوقوع في الدوغمائيات القديمة أو الحديثة. وهنا تتضح المفارقة: بدلًا من مُساءلة كيفية تقاطع العوامل المختلفة في حياة المرأة المسلمة وتجاربها الحياتية، يَجري تجانس النساء المسلمات في صورة كتلة واحدة لها تجربة ثابتة من الاضطهاد، بما يفضي إلى إهمال الاختلافات الدقيقة في التحديات الفردية التي تتشكل تبعًا للعوامل الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم كيف أن الاستخدام المعاصر للنسوية التقاطعية، خاصة في المناقشات عبر الإنترنت، كثيرًا ما يعيد رسم الحدود التي يهدف نظريًا إلى طمسها) [30](؛ ومع شيوع مفهوم التعددية الثقافية Multiculturalism)) بوصفه شعارًا لتعايش الثقافات داخل المجتمع الواحد، تتكشّف إشكاليته حين يُقدَّم في صورة نموذج معياري أكثر منه أداة لتحليل علاقات القوة.([31]) فالتمييز العنصري كان أحد أبرز مكونات الإمبريالية وتوابعها، غير أن الظلم العابر لحدود الدول يستهدف _في الواقع_ الفئات الأفقر والأكثر هشاشة أيًّا كان لونها، ويعيد إنتاج تسلسلات هرمية يستفيد فيها من ينتمون إلى الصفوة الدولية من السياسات نفسها التي تحرم الغالبية العظمى من حقوقها. ومن ثم نحتاج إلى منهجيات بحثية قادرة على تفكيك هذا الظلم العابر للحدود الدولية؛ “إننا بحاجةٍ لفعل ذلك من دون الدخول في (Dogmatism) الدوغمائيّات([32])  القديمة أو الحديثة، نظرًا لأن الجزء الأكبر من كشف القناع عن المظالم العابرة للحدود الدولية يرتبط بنقد الرأسمالية المؤسسية العالمية” ([33]). وعليه، فإن النقد المجرد للتمييز العنصري، رغم أهميته، لا يكفي ما لم يُربَط بتحليل البُنى الاقتصادية والسياسية التي تعيد إنتاج هذا الظلم على نطاق كوني؛ وبهذا المعنى لا تكفي لغة الاعتراف بالاختلاف الثقافي ما لم تُترجَم إلى تفكيك فعلي لمنظومات الاستغلال التي تعمل عبر الحدود وتتغذى على الهشاشة الطبقية والعرقية في آن واحد.

ومن المهم في هذا الإطار ملاحظة أن المواقف السلبية نفسها تجاه التنوع الثقافي موجودة على الإنترنت وخارجه، حيث يُروَّج لفكرة أن النسويات يتنافسن مع بعضهن البعض في المساحات الرقمية، بما يُنتج رؤية مجزأة للحركة النسوية. لذلك، لا يمكن اعتبار الحضور المتزايد للنشاط أو النقاش النسوي في الفضاء الإلكتروني انتصارًا ناجزًا للنسوية المعاصرة. وهذا لا يعني أيضًا أن ما بعد النسوية، التي لا تزال سائدة عبر الإنترنت وخارجه، فقدت حضورها؛ إذ تتخذ كثير من التعليقات الموجَّهة إلى الناشطين في مجال حقوق المرأة نبرة ما بعد نسوية، بما يوحي، على مستوى الخطاب، بأن عدم المساواة بين الجنسين لم تعد مشكلة، في حين يكشف الواقع الفعلي عن اختلالٍ عميق ومستمرّ في موازين القوة بين النساء والرجال. في هذا المناخ، يبرز الاهتمام المتجدد بالنسوية بوصفه إشارة إلى الحاجة إلى استمرار النقد النسوي، خاصة في مواجهة الادعاء بأن الحركة لم تعد ضرورية، ومن ثمَّ يتحول النقاش حول التقاطعية وما بعد النسوية، سواء في الفضاء الرقمي أو خارجه، إلى ساحة لقياس المسافة بين خطاب يعلن نهاية الصراع الجندري وتجارب نسائية يومية ما زالت مثقلة بتفاوتات ملموسة في الجسد والعمل والتمثيل.

في هذا السياق يبدو أن التقاطعية تعيش بين مستويين في آن واحد: من جهة هي أداة طورتها منظرات نسويات مثل: كيمبرلي كرينشُو Kimberlé Crenshaw )[34]( لكشف تقاطع أنظمة القمع على ذوات وأجساد النساء، خصوصًا النساء السود في الولايات المتحدة)[35](، ومن جهة أخرى تحوّلت في الفضاء الرقمي إلى كلمة مفتاح تُستدعى بسرعة في النقاشات، أحيانًا لإظهار الوعي السياسي أكثر مما هي مدخل لتحليل دقيق. حين تُختزل التقاطعية إلى علامة هُويّة أو شارة انتماء، تُفقد قدرتها الأصلية على تفكيك العلاقات المركّبة بين العرق والطبقة والجندر والدولة والاقتصاد العالمي، وتتحول شيئًا فشيئًا إلى ماركة تُعلّق على أي خطاب نسوي من دون مساءلة حقيقية للسلطة التي يعمل داخلها هذا الخطاب)[36]( ليصبح السؤال المركزي اليوم ليس فقط: ما هي التقاطعية، وإنما كيف تُستعمَل، ولصالح أي تصوّر عن النسوية، ومن يملك سلطة تعريفها وتوجيه معناها داخل الحقل النسوي وخارجه؟

هنا تبرز مفارقة لافتة، أن المنظور الذي صيغ أساسًا لمقاومة التهميش داخل الحركات النسوية نفسها، أصبح في بعض استعمالاته المعاصرة جزءًا من آليات الإقصاء التي يدينها، سواء عبر إنتاج صور نمطية عن المرأة المسلمة أو المرأة السوداء بوصفها ضحية أبدية، أو عبر إعادة رسم حدود جديدة بين نسويات واعيات وأخريات يُفترَض أن يتلقَّين الدرس. لهذا تبدو الحاجة ماسّة إلى إعادة وصل التقاطعية بسياقها السياسي الأوسع: نقد الرأسمالية النيوليبرالية، والظلم العابر للحدود، وما تسمّيه نانسي فريزر [37]Nancy Fraser “أزمة العدالة بين التوزيع والاعتراف”.([38]) حتى لا تتحوّل اللغة الراديكالية إلى غطاء ناعم لبنية عالمية تُعيد إنتاج اللامساواة بأدوات جديدة. عند هذه النقطة تغادر التقاطعية دورها كشعارٍ متداول، وتستعيد معناها الأصلي كمنهج يُعيد ترتيب خريطة السلطة على مستوى محلي وعابر للحدود في آن واحد.

الخاتمة:

تبدو المرأة بنسختها الرقمية، كذات حاضرة في واقع افتراضي لا ينفصل أبدًا عن حياتها اليومية. فالحساب الشخصي، والصورة، والتعليق، والمشاركة، كلها لم تعد على هامش الواقع، وإنما امتداد حقيقي لوجودها؛ مساحة تُختبر فيها القدرة على الكلام، وحدود الأمان، وإمكانيات الاعتراف. الوعي النسوي في الواقع الافتراضي يتكوّن في هذا الاحتكاك المستمر بين امرأة تحاول أن تُعرِّف نفسها بصوتها وصورتها وكتاباتها، وبين بنية رقمية تُدار بمنطق الخوارزميات، واقتصاد الانتباه، وبنية تحفظ وتوثق ما يُنشر ولا يُنسى بسهولة.

ما تكشفه الموجة النسوية الرابعة أن الفضاء الافتراضي تحوّل إلى ساحة مركزية للتنظيم والتعبير، وإلى قناة لوصول أصوات لم يكن مسموحًا لها من قبل أن تظهر في المجال العام. حملات ضد التحرش، شهادات عن العنف الأسري، نقاشات حول العمل غير مدفوع الأجر، مبادرات عابرة للحدود؛ كل ذلك أعطى الوعي النسوي إمكانات جديدة للتشابك والحضور في الواقع. في الوقت نفسه، ظهرت على السطح طبقات العنف الجندري الرقمي: تصيّد، تشهير، تهديد، إعادة إنتاج لخطاب لوم الضحية واستخدام الدين كغطاء لذلك، وتحويل حياة النساء الخاصة إلى مادة فُرجة واستقطاب، لنصل لوعي نسوي مضغوط بالتوتر: يدرك أن المنصّة التي تمنح مساحة للكلام يمكن أن تتحول في اللحظة نفسها إلى أداة لإسكات الصوت ومعاقبته.

التقاطعية هنا بمثابة عدسة لقراءة هذا التعقيد، فالمرأة التي تكتب عن تجربة عنف، أو عن عبء الرعاية، أو عن التمييز في العمل، تتحرك داخل شبكة متداخلة من الجندر والطبقة، والعرق، والهجرة، والدين، والعالم الرقمي يُضخّم هذه الفروق: يسهّل انتشار أصوات بعينها بحكم اللغة والموقع والموارد، ويترك أصواتًا أخرى تدور في الهامش. وحين تتحول التقاطعية إلى شعار يُستدعى لتمييز الخطاب الأكثر وعيًا دون فحص جدي لعلاقات القوة، تفقد جزءًا من معناها الأول، قراءة طريقة عمل السلطة على الأجساد، وعلى الزمن، وعلى فرص النجاة والكرامة.

ليبقى سؤال العمل والزمن ثقلًا لا يمكن تجاوزه، فالمرأة التي يُنتظر منها أن تحضر رقميًا، أن تنتج محتوى، أن تشارك في الحملات النسوية، هي نفسها التي تتحمل عبء الرعاية في البيت، وارتداد سياسات السوق المرن، هكذا يتقاطع الوعي النسوي في الواقع الافتراضي مع اقتصاد الوقت والجسد والجهد، ومع السؤال القديم، ولكن بصيغة جديدة: من يملك ترف المشاركة، ومن يُستنزَف في صمتٍ مفروض عليه؟

في المحصلة، تُظهر متابعة حضور المرأة في الفضاء الافتراضي أن النسخة الرقمية ليست قناعًا إضافيًا يُضاف إلى الوجود الواقعي، وإنما ساحة يُعاد فيها اختبار كل ما راكمته الحركات النسوية من أسئلة حول الجسد والذات وحدود الفعل. في هذا الحيّز، تتقاطع التقاطعية مع نقد العولمة الرقمية، ويُعاد ترتيب العلاقة بين الخبرة اليومية للنساء والخطابات الكبرى عن الحرية والعدالة؛ فتظهر توترات جديدة بين الاعتراف واللامرئيّة، بين إمكان المشاركة وعبء التعرّض الدائم للمراقبة والعنف الرمزي.

ومن هذا المنظور، تغدو المرأة بصيغتها الرقمية مؤشرًا دالًّا على مستقبل الوعي النسوي في زمن الواقع الافتراضي: كل توسع في أدوات التعبير يقابله اختبار حاد لسؤال من يملك السرد ومن يُقصى عنه، وكل خطوة نحو تضامن عابر للحدود تُواجه بمحاولات مستمرة لإعادة إنتاج الهرمية الجندرية في صورة أكثر نعومة وانتشارًا. الرهان هنا لم يعد على الاحتفاء بالتكنولوجيا أو التحذير منها، وإنما على نوع المقاربة النسوية القادرة على قراءة هذا الواقع المركّب؛ أي مقاربة تقبض على خيوط الجسد، والعمل، والتمثيل السياسي، والعدالة. في ضوء ذلك، يمكن النظر إلى الوعي النسوي في الفضاء الافتراضي كأحد أهم مجريات الحاضر لقياس حدود التحول الحقيقي في موازين القوى، وفي إمكانات مقاومة أشكال الهيمنة التي تتكيف مع كل وسيط جديد دون أن تتفكك من تلقاء نفسها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع والمصارد:

([1]) هربرت ماركوز، “الإنسان ذو البعد الواحد”، ترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت، الطبعة الثالثة، 1988، ص 180،

([2]) ماكس هوركهايمر- ثيودو ف. أدورنو: جدل التنوير، ترجمة/ جورج كتورة، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2006، ص 188- 189.([3]) محمد نور الدين أفايه، “الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة: نموذج هابرماس”، أفريقيا الشرق، الطبعة الثانية، 1998، ص 61،  62.

([4]) إبراهيم أحمد، “إشكالية الوجود والتقنية عند مارتن هيدجر”، الدار العربية للعلوم-ناشرون، الطبعة الأولى، 2006، 76، 78

([5]) آلن هاو، النظرية النقدية مدرسة فرانكفورت، ترجمة/ ثائر ديب، المركز القومي للترجمة، دار العين القاهرة، ط1، 2010، ص 215

 ([6]) ألفن توفلر، حضارة الموجة الثالث، ترجمة/ عصام الشيخ قاسم، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، ليبيا، 1990، ص 18.

[7]  هي محاضرة في الكتابة الإبداعية في جامعة رويال هولواي. وهي مؤلفة كتابين شعريين، وشاركت في تأليف كتاب آخر، ويتضمن عملها النقدي دراستين، حول الموجة النسوية الرابعة، والزمانية العاطفية. https://www.prudencebussey-chamberlain.com/

[8] Farinaz Basmechi, Third and Fourth Wave of Women’s movements: Are They Twins?  https://www.researchgate.net/publication/344150360, January 2017, p. 2, 3

[9]  كاتبة عن تاريخ المرأة الأمريكية، وخاصة المتمردة والملونة. كتبت تسعة كتب، عدد كبير من المقالات عبر الإنترنت. خبرة إعلامية واسعة. لقد كانت زميلة فولبرايت الأمريكية في إسبانيا، بالإضافة إلى كونها مؤسسة لندوة المرأة والمجتمع في جامعة كولومبيا ومجموعة النساء اللاتي يكتبن حياة المرأة في كلية الدراسات العليا في جامعة مدينة نيويورك. الرابط من هنا

اقرأ رابط المقال من هنا

[10] Jennifer Baumgardner, Is There a Fourth Wave? Does It Matter? اقرأ الرابط من هنا

[11] Haradhan Mohajan,  Four Waves of Feminism: A Blessing for Global Humanity, Studies in Social Science & Humanities, SEP. 2022 VOL.1 NO.2, p15.

[12]  صحفية وروائي بريطانية. وهي رئيسة قسم الميزات في صحيفة الغارديان، وعملت سابقًا كرئيسة لقسم الرأي، تعد كوكرين مدافعة عن حقوق المرأة، كما أنها مشارك نشط في الحركات النسوية من الموجة الرابعة.

[13] (1986- ) صحفية وكاتبة بريطانية ومحررة مساهمة في مجلة New Statesman ومؤلفة العديد من الكتب حول النسوية، وقد كتبت أيضًا لبرامج تلفزيونية أمريكية.

[14] Nicola Rivers, New Media, New Feminism? Palgrave macmillan, First Online: 09 September 2017, p. 107-131

[15]  Ibid.

[16] Laras Sulistya Ningsih1, La Aso2 & Ela Martisa3, Conversational Implicature in Oprah Winfrey and Meghan Markle’s Interview on thesun.co.uk (A Pragmatic Study) English Literature Study Program, Language and Literature Department Faculty of Humanities University of Halu Oleo, 2022, 3,4,5.

([17]) تم اغتصاب بنت عمرها 16 عامًا، وحظيت قضية الاغتصاب باهتمام عام على المستوى القومي في ذلك الوقت بعدما تم تداول صور الضحية وهي فاقدة الوعي على الإنترنت. اقرأ الرابط من هنا

[18] مدينة صغيرة في ولاية أوهايو بالولايات المتحدة الأمريكية، اكتسبت شهرة عالمية بعد قضية الاغتصاب التي وقعت عام 2012، حين تعرّضت فتاة مراهقة لاعتداء جنسي على يد لاعبي فريق كرة القدم في المدرسة الثانوية، وهي القضية التي عُرفت إعلاميًا باسم قضية اغتصاب ستوبنفيل Steubenville Rape Case، وارتبطت بنقاشات واسعة حول ثقافة الاغتصاب، والتمييز الجندري، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في فضح العنف الجنسي أو إعادة إنتاجه.

 ([19]) صحفية وكاتِبة أمريكية، ولدت في 1974 في لارتشمونت في الولايات المتحدة.

([20]) Nicola Rivers, New Media, New Feminism? p. 107-131

 ([21]) صحفية أمريكية، ولدت في 1975م في بوفالو في الولايات المتحدة.

([22]) Nicola Rivers, New Media, New Feminism? p. 107-131

([23]) Elie Safi et al., “A Comparative Content Analysis of User-Generated Content in Reaction to Nayera Ashraf’s Revenge Killing in Egypt on TikTok and Facebook,” KIU Interdisciplinary Journal of Humanities and Social Sciences 4, no. 1, 2023, p. 370:375.

([24]( Julie Posetti and Nabeelah Shabbir (eds.). The Chilling: A Global Study of Online Violence Against Women Journalists. Paris: UNESCO & ICFJ, 2022.

[25] Nicola Rivers, New Media, New Feminism? p. 107-131.

([26]) شارك حوالي 2000 شخص في “SlutWalk” في بوسطن يوم 8 مايو 2011م، وكان الاحتجاج على الثقافة وكان الهدف هو زيادة الوعي بالعار والإهانة التي ما تزال تواجهها النساء بسبب التعبير عن حياتهن الجنسية، وما يتعرضن له من اغتصاب. اقرأ الرابط من هنا

 ([27]) Nicola Rivers, New Media, New Feminism? p. 107-131

[28]  باحثة أميركية بارزة في دراسات الشرق الأوسط والأدب العربي الحديث، وأستاذة فخرية في قسم الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية في جامعة ديوك (Duke University). ينصبّ اهتمامها على كتابات النساء العربيات، وتمثّلات الحرب والذاكرة والهوية في الأدب، إضافة إلى دراساتها حول النسوية الإسلامية وقراءة الخطابات الدينية والسياسية من منظور جندري.

 ([29]) Nicola Rivers, New Media, New Feminism? p. 107-131

[30] Ibid

([31]) Arleen Salles and Elizabeth Millán- Zaibert, The Role of History in Latin American Philosophy, University of New York Press, 2005, p.161,162

([32]) التعصب الكامل لفكرة بشكل مُطلق، حتى لو لم يكن هناك أي دليل عليها. فقط الإصرار على صحتها، والتمسك بها، ورفض أي أفكـار أخرى، ومعاداتها حتى النخاع. عندما تسمع كلمة (Dogma) فالمقصود بها (التقوقع على النفس). انظر إلى: https://io.hsoub.com/ELI5

([33]) Ofelia Schutte: Feminist Ethics and Transnational Injustice: Two Methodological Suggestions, The American Philosophical Association, 2005, p.19.

[34]  كيمبرلي ويليامز كرينشُو Kimberlé Williams Crenshaw منظِّرة قانونية ونسوية سوداء أمريكية، تُعَدّ من أبرز الأسماء في نظرية العِرق النقدية والنسوية التقاطعية المعاصرة. تشغل منصب أستاذة في كليّتَي القانون بجامعتي كولومبيا (Columbia Law School) وكاليفورنيا في لوس أنجلِس (UCLA School of Law)، وتركّز أبحاثها على تقاطع العِرق والنوع الاجتماعي والقانون. اشتهرت بصياغة مفهوم التقاطعية Intersectionality في أواخر الثمانينيات، لتبيّن كيف تتداخل أنظمة القمع (كالعرق والجندر والطبقة) في تشكيل تجارب النساء السود تحديدًا، بعيدًا عن أيّ مقاربة تختزل المرأة في فئة واحدة أو هوية واحدة.

([35]) Kimberlé Crenshaw, “Demarginalizing the Intersection of Race and Sex: A Black Feminist Critique of Antidiscrimination Doctrine, Feminist Theory and Antiracist Politics,” University of Chicago Legal Forum 1989, p.139:167.

([36]) See, Allison J. Petrozziello, “Intersectionality as Method for Human Rights Research,” The International Journal of Human Rights, online first 2025, p. 184: 149.

[37] فيلسوفة و منظِّرة نقدية أميركية معاصرة، تُعد من أبرز الأسماء في الفلسفة السياسية النسوية ونظرية العدالة في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. وُلدت عام 1947، وارتبط مشروعها الفكري بتجديد تقاليد النظرية النقدية، من خلال نقد الرأسمالية النيوليبرالية، وتحليل ترابط البُعد الاقتصادي مع البُعدين الثقافي والسياسي.

[38]  Nancy Fraser, Fortunes of Feminism: From State-Managed Capitalism to Neoliberal Crisis. New York: Verso, 2003, p. 67.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete