اِغتراب الفكر عن المعرفة العالَميَّة

 تكوين

[I]

إنَّ العصيان المعرفيّ بوصفه اِغترابًا معرفيَّاً عن المعرفة العالَميَّة، يؤسس لاِغتراب الفكر في مجمله عن المعرفة العالَميَّة. إنَّ اِغتراب الفكر عن البحث العلميّ، في حقلَي الفلسفة وعلوم المجتمع والإنسان، ليس مجرَّد خللٍ عرضيٍّ أو تشوُّهٍ مؤسسي طارئ، بل هو تساؤل التَّساؤلات الأصليَّة التي تتعلَّق بالمعرفة العِلميَّة، وشروط إمكانها، ومصادرها، وحدودها في البلدان العربيَّة. إنَّ فكرًا مغتربًا عن البحث العلميّ، يقوم على [اِغتراب- الذَّات] عن الذَّات الحديثة: الكوجيتو لدى رينيه ديكارت. بمعنى علينا أن نفهم الذَّات على أنَّها ذاتٌ لم تتم عمليَّة اِنتقالها البراديغمي من براديغم قائم على [أوَّلِيَّة- الهُويَّة- على- الذَّات]، إلى براديغم يُؤَسَّسُ على [أوَّلِيَّة- الذَّات- على- الهُويَّة]. إنَّه، اِغتراب الفكر عن البحث العلميّ، إنَّما هو تساؤلُ التَّساؤلات عن تلك الأسس، في إطار بحث إبستيمولوجي- أنطولوجي عن الذَّات العارفة: أي [الذَّات المُتسائِلة- والذَّات المتفكِّرة- فالذات الفاهِمَة]- التي تنبثق من الجذور والأصول الأولى. تلك تَبني نماذج الوعي، وتُشكِّل أُطر الفهم، وتصوغ أنماط التفكير؛ ومن ثَمَّ تُحدِّد نماذج عمليَّة بناء التَّساؤل Models of Questioning في الفكر العربيّ، وتياراته المختلفة.

حين يغترب الفكر عن المعرفة العالميَّة، فإنَّه – في سياق اِستفهامه عن بِنيَة ذاتِ نفسه، وعن نمط وجوده داخل المجتمعات، وعن السبل التي يتجلَّى بها في الواقع المجتمعيّ – يمارس ضرْبَيْن متداخلَيْن من أدلجة الفكر. أوَّلاً: أدلجة الوعي الذي يسعى إلى فهم الواقع وبناء المفاهيم التي تُمكِّن من الإمساك به؛ وثانيًا: أدلجة البحث العلميّ الذي تنتجه الآكاديميَّات والجامعات والمعاهد والمراكز البحثيَّة، فتُحوِّله إلى أداةٍ لتكريس الوضع القائم بدل أن تكون أداةً لنقده، في سبيل إصلاحه، أو تغييره، أو تجاوزه، أو تحسينه.

لا أقصد بمفهوم الأدلجة Ideologization ، أدلجة الفكر والعقل والوعي والمعرفة، ههنا، ذاك الضرب الذي يجعل البحث العلميّ آيديولوجيَّاً فحسبُ؛ بقدر ما أشير إلى أن البحث العلميّ بذاته، في هذا الضرب من أخذه، [من- الداخل]، إنَّما هو بحث آيديولوجي هُوَوِيٌّ، لا يستقيم من دون مقولات الهُويَّة، والآيديولوجيا العربيَّة، ولا يُسمح له بالظهور المجتمعيّ- الآكاديمي، إلاّ متى كان متطابقًا مع تلك المقولات؛ بعد أن أصبح مفهوم العلم بذاته مفهومًا يمارس ضروب [القطيعة- مع- العالَميَّة].

[II]

ولكن، كيف يحدث هذا الاِغتراب بالضبط؟ ولماذا يصبح آليَّةً- مكانيزم داخل البِنيَة-، شبه تلقائيَّة تتكرَّر عبر الأجيال والمؤسَّسات، بحيث تأخذها [ثقافةُ- الآكاديميا] إلى مستوى الذَّات الآكاديمية؟ وفي أيَّة معانٍ ذاهبةٍ إلى الأصل الوجودي العميق للبحث العلميّ، علينا أن نفهم صيرورة هذه الأدلجة التي تنتج- في كلِّ مرَّة، بطريقةٍ أو بأخرى- اِغترابًا معرفيًّا يُمارس [اِنغلاقًا- إزاء- العالَم]، فيُحوِّل الفكر من حقل مفتوح على العالَم، إلى مرآةٍ مغلقة تُعيد إنتاج صورتها الذاتيَّة فحسبُ؟

إنَّ [الاِنغلاق- إزاء- العالَم]، لا يعني قطع العلاقة بالعالَم فحسبُ، أو ممارسة ضرب من الاِنقطاع عن العالَم، ولا هو يتضمَّنُ معنى تضييق العلاقة بالعالَم بعدُ، ولا هو يشمل معاني التقوقع على الذَّات، أو الاِكتفاء بالهوية، أو الاِنغماس في الآيديولوجيا والدفاع عنها، فحسبُ؛ إنَّ [الاِنغلاق- عن- العالَم] إنَّما هو [نمطُ- وجودٍ- في- العالَم]. من ههنا، علينا أن نؤسس لأرضية بناء التَّساؤلات التي من شأن [العلاقة- مع- العالَم]، تلك التي تقوم بالأساس على تفكيك الاِنغلاق مأخوذًا على أنَّه نمط وجودي من أنماط الوجود في العالَم.

[III]

لنأخذ على سبيل المثال مقولة آيديولوجية نابعة من “العصيان المعرفيّ” هي مقولة “الاِستعمار المعرفيّ”، والتي سادت في الفكر العربيّ المعاصر، بعد صعود التيارات الإسلاموية والقومية، على نحو واضح وصريح. يمكن ملاحظتها في أدبيات الإسلاميين والقوميين واليساريين[1].

إنَّ الاِستعمار المعرفيّ Epistemic Colonialism يريد أن يقول، من جهة كونه مفهومًا نقديَّاً يصف عملية فرض أنظمة المعرفة الغربية، براديغمها ونظرياتها ومناهجها، بما فيها حقل الإبستمولوجيا، والميثودولوجيا، والمفاهيم، والتصورات للواقع، على المجتمعات غير الغربية، يريد أن يقول إنَّها بوصفها الوحيدة العالَميَّة، أو الصالحة علميًّا، إنَّما هي تمثّل المعرفة الفلسفيَّة والعلمية على نحو عالميّ. [على- نحو- عالميّ] هذه تعني أنَّ تصوُّرًا للعالَم قد بُنِيَ بواسطتها، في كل مكان، وكل زمان.

إذن ليس الاِستعمار المعرفيّ، وفقَ أصحابه، مجرَّدَ تأثير ثقافي عَرَضي، بل هو اِستمرار للهيمنة الاِستعمارية بعد اِنتهاء الاستعمار السياسي والعسكري. إنَّه ينتج الآتي، على أقل تقدير:

  • I – تحويل المعرفة المحلية (العربية- إسلامية أو التراثيَّة أو غيرها من المعارف التاريخيَّة الخاصَّة ببلداننا العربيَّة) إلى تراث ماضويّ يُدرس تاريخيًّا فحسبُ، بينما تُفرض النماذج الغربية، كالوضعية، والبنيوية، والوضعية المنطقيَّة، والفينومينولوجية، وما بعد الحداثة، أو النظريات السُّوسيولوجيَّة الغربية، كإطار وحيد لفهم الواقع المجتمعي والإنساني.
  • II – إنتاج اِغتراب معرفي داخلي، بحيث إنَّ الباحث في البلدان العربيَّة يدرس مجتمعه بأدوات ومفاهيم مستوردة، فيفقد القدرة على توليد معرفة أصيلة تنبع من إشكاليات واقعه الفعلي، وأدوات ومفاهيم ينتجها من فهمه للواقع المجتمعيّ العربيّ.
  • III – أدلجة البحث العلميّ، بحيث يتحول البحث إلى تكرار لنماذج جاهزة، غالباً ما تكون آيديولوجية في ماهيتها، بدلاً من أن يكون ممارسة [التَّساؤل- والتفكير- والفهم]، وفقًا لميثودولوجيا تقوم على الحُرِّيَّة المعرفيَّة. تأخذ هذه الأدلجة أشكالاً مختلفة، سنتساءل عنها.

إذن، من خلال ذلك، وبتوسُّطه، يصبح الاِستعمار المعرفي آلية لإعادة إنتاج التبعية، ليس اِقتصاديًّا أو سياسيًّا فحسبُ، بل في بنية الوعي والتفكير نفسها أيضًا. وبهذه الثلاثة، وبهذه النتيجة، تفهم الغالبية الساحقة من الأدبيات الإسلاموية، واليسارية، والقومية، تلك التي ترفع شعار [على- الضدِّ- من- العالَمية]، وضد الكولونيالية، وضد الإمبريالية، وضد الشيطان الأكبر، وضد الغرب، وضد المعرفة الأجنبية، وإلى آخره من هذه الشعارات الضدية؛ بهذه، وبتوسُّطها في كلِّ مرة، على هذا النحو أو ذاك، بهذا التجسُّدِ أو ذلك، هي تفهم المعرفة العالَميَّة، في الفلسفة وعلوم المجتمع والإنسان.

لكن لماذا علينا أن نعتبر الممارسة هذه، وما يماثلها، إنَّما هي تقع ضمن [صناعة- الوهم- الآكاديمي]؟ وعلى أيَّة أسس يقوم هذا الوهم [الوهم- الآكاديمي]؟

[IV]

إنَّ النَّظر في الآكاديميات العربيَّة، تلك المأخوذة بالمقولات التأسيسية في الإسلاموية، واليسارية، والقومية، محاطٌ بضرب من ضروب الفهم، يعتبر اِنتقال المعرفة العِلميَّة والفلسفية الحديثة وما بعد الحديثة إلى بلداننا العربيَّة، كاِستيراد نظريات ومناهج عالَميَّة، دون نقد إبستيمولوجي جذري. وإنَّه يُفرغ، حسب تصوُّرات هذه التيارات الفكريَّة، التجربة العربيَّة من خصوصيتها ويحوِّلها إلى مادة خام للتحليل الغربي. هكذا، وبدءًا من هذا النوع من التصوُّرات والاِفتراضات والأفكار، يمكن أن نفهم [الوهم- الآكاديمي]. ومن جهة إنَّ أوَّل الفهم إنَّما هو بناء [النموذج- المثال Ideal-Type] الذي من شأن الفهم، فإنَّ [النموذج- المثال Ideal-Type] لتفكيك مفهوم [الوهم- الآكاديمي] يتضمَّنُ، على أقل تقدير، الممارسات الفكريَّة الآتية:

  • I – إنَّه مأخوذٌ من جهة كونه وهمًا ساد في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر، منذ قرنين من الزمان الكرونولوجي. إنَّنا نتناوله اِنطلاقًا من مشروع [اِستنهاض تساؤل العلم بالمجتمع والإنسان] في المجتمعات العربيَّة؛ لذا يمكننا أن نبدأ بنقد وتفكيك هذا المفهوم، ميثودولوجيَّاً، على نحو صارم، بالاِستناد إلى المعرفة العِلميَّة العالَميَّة ذاتها. أعني، بالاِستناد إلى تساؤل الموضوع، [موضوع- العلم]، وتساؤل المنهج، [منهج- العلم]، يمكن أن يقوم التَّساؤل عن الوهم الآكاديمي بوصفه ممارسة آكاديمية قائمة.
  • II – إنَّ التَّساؤل عن [الوهم- الآكاديمي] لا ينكر وجود هيمنة معرفية تاريخية، لكنه يرفض تحويل ما يُطلق عليه تسمية “الاِستعمار المعرفيّ” إلى تفسير شامل ونهائي لأزمة الفكر العربيّ. وإننا، حينما نعتبره وهمًا، أي وهماً أيديولوجيًّا يُستخدم كغطاء للتهرُّب من المسؤولية الداخلية للمؤسسات الآكاديمية والبحثة والتعليمية، نشير مباشرةً إلى أن هذه الضروب من الممارسة التي تدَّعي أنها علميَّة، تقع في مأزق ميثودولوجي يتمثَّل بالآتي: من جهة هي تنطلق من مفاهيم [نقد- الحداثة]، ونقد التنوير، ونقد الأنوار، ونقد العقلانية، ومفاهيم [النقد- بعامَّةٍ]، ومن جهةٍ أخرى هي تدَّعي أنها تمثِّل [الخارج] الأنطولوجي- الميتافيزيقي إزاء العالَميَّة. هذا [الخارج- الليس- خارجًا] إلاَّ من الداخل، وفي الداخل، والذي يتسم بـ [اِستحالة- الخارج]، إنَّما هو يقع في قلب مشروع العالَميَّة، ومفاهيمه، ونظرياته، ومناهجه، ولا يتوفَّر على أي إمكان من إمكانات الخروج عنه. لماذا هو يمارس [اِستحالة- الخارج]؟ لأنه ينطلق من المقولات التأسيسية (الترانسندنتالية) للمفاهيم والنظريات والمناهج التي ينقدها ويمارس الضِّدِّيَّة تجاهها، ويفككها؛ يقع داخلها، وينطلق من داخلها، ويتناولها من داخلها، ويمارسها من داخلها؛ وهو، في وهم، أنَّه يقع خارجها. كيف؟ مقولات من نوع: نقد الحداثة، والتعدُّد في الفهم، والتعدُّد في الحقيقة، وتفكيك الحداثة، وتفكيك العقلانية، ونزع سحر العالَم، ودحض مقولات الحداثة، وتفنيد النظريَّات وتنقيح المناهج، إنَّما هي، وغيرها الكثير من مفاهيم النقد والتفكيك والدحض والتفنيد والتكذيب والتخطئة، هي مفاهيم أنتجها ديالكتيك الحداثة ذاتُ نفسه.

[V]

  • III – سبب ذلك يتمثَّل في أن [رؤية- التَّساؤل Vision of Questioning] عن الوهم الآكاديمي هذه، مستمدة من مشروع ميثودولوجي، يتعيَّن، في كلِّ مرة، من قِبَلِ إشكالية التراث والحداثة في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر، ومنظوراتها، وضروب فهمها للعالَم. كيف؟ اِنطلاقًا من ثُنائيَّة [الداخل- والخارج]، على نحو إبستيمولوجي. لكن، متى صار الداخل يتمثَّل في داخل [تراث- الذَّات]، بعد الاِتفاق جدلاً على الاِختلاف في [تراث- الذَّات]، من جهة، وحينما يُصبح الخارج متمثلاً في خارج [تراث- الذَّات]، أي في [الخارج- العالمي]، من جهةٍ أخرى، نكون أمام اِنحراف معياري، أو أنوميا ميثودولوجية صريحة: من جهة الأخذ بالواقع المجتمعيّ المحسوس وفقَ مفاهيم عالَميَّة، تأتي من [خارج- الواقع]، ومن جهةٍ أخرى اِتخاذ موقف من مفاهيم تأتي من خارج الواقع. فيواجه الواقع اِستحالتَيْن على أقل تقدير: اِستحالة ديالكتيك الواقع بين قطبين ناتجين عن الواقع ذات نفسه، واِستحالة ديالكتيك النقد والنقد المضاد القائم بالأساس على معرفة مُنتجة أساسًا على الواقع ذاتِ نفسه. فماذا يُمارس إذن؟ يُمارس وهم إنتاج معرفة بالواقع. ومن ههنا ينطلق [منظور- التَّساؤل Perspective of Questioning] الذي من شأن تساؤلنا عن [الوهم- الآكاديمي].
  • IV – إنَّ الوهمُ الآكاديمي يُحوِّلُ المشكلة الداخلية إلى خارجية، فبدلاً من مواجهة غياب المنهج العلمي الحقيقي في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر، من قِبَلِ الباحثين والكُتَّاب والأساتذة الجامعيين والمفكرين والفلاسفة والعلماء، والسعي لبناء منهج فاهمٍ- مُفسِّرٍ- دالٍّ؛ بدلاً من ذلك، يُمارس خلطٌ بين المضمون العالَمي العامِّ للمفهوم، والمضمون المحلي الخاص للمفهوم. فينتج عن ذلك الوقوع، مرة أخرى وأخرى وأخرى، في ثُنائيَّة [التُّراث- والحداثة].
  • V – وهكذا، يُعزى الأمر برمته إلى “الاِستعمار المعرفيّ”؛ فيَتنكَّرُ الفكر العربيّ الحديث والمعاصر بهذا الرداء، لممارسة ألعاب آيديولوجية مختلفة أخرى، منها: التأسيس لعلم عربي، والتفكير ببناء مشروع فلسفة عربيَّة، وفكر عربي، وفكر مقاوم للاِستعمار، ومعرفة آكاديمية دينية، وتحويل المعرفة العِلميَّة إلى معرفة طائفية، واِستخدام معرفة دينيَّة بدلاً من المعرفة العِلميَّة والفلسفية والسوسيولوجية الحدثية في فهم الواقع المجتمعيّ، بدءًا من فهم الثقافة، والاِقتصاد، والسياسة… وإلى آخره من الألعاب الآيديولوجية التي تَنتُجُ عن الوقوع في مآزق ميثودولوجية لا يحضر الوعي بها من قِبَلِ ممارسيها إلاَّ [بَعْدَ- حينٍ]، و[من- الخارج]. من خارج الاِنحرافات المعيارية، الأنوميا الفكريَّة Anomie، التي تمارس ضربًا من ضروب اللا- معيارية Normlessness. هي ذي التي تُمارس، ولا يُمارس غيرها؛ و[بعدَ- حينٍ] أي بعدَ أن تكون الممارسات الآيديولوجية هذه قد اِستقرت على حُكْمٍ فكري ما.
  • VI – هذا الوهم يجعل النخب الآكاديمية محشورة في حالة تيه منهجي، فإمَّا هي تستورد النظريات الغربية ثم تُقدِّسها، وإمَّا هي تُعاديها آيديولوجيًّا، دون أن تبني معرفة أصيلة تنطلق من إشكاليات الواقع المجتمعي المحسوس. يقوم ذلك على مفهومين إثنين على أقل تقدير: عدم الوعي بمفهوم الذَّات العارفة كما بُنيت اِنطلاقًا من رينيه ديكارت، أي الذَّات بوصفها تتوفَّر على، أو يمكن أن تكون متوفِّرةً على، أو يجب أن تكون متوفِّرةً على إمكان التَّساؤل، وطرق التفكير، وأرضيات الفهم، من جهة، وعدم الوعي بمفهوم الحُرِّيَّة اِنطلاقًا من جورج فردريك فيلهلم هيغل، أي الحُرِّيَّة مأخوذةً كماهية الرُّوح الحديثة، أي الحُرِّيَّة وهي أساس العقل، والممارسات العقلية في جملتها: الإدراك، والفهم، والوعي.

[VI]

إذن، نحن في كل مرَّة نكون أمام ممارسة [الوهم- الآكاديمي] على أنَّه الممارسة العِلميَّة الحديثة، وما بعد الحديثة، في الفلسفة وعلوم المجتمع والإنسان، في الآكاديميات العربيَّة، والمؤسسات التعليمية، والجامعات، المعاهد، ومراكز الأبحاث. هذه الممارسة، من جهة كونها ممارسة الشكل وتحريف المضمون، وإفراغ المفاهيم من منظوراتها ومحتوياتها، هي تفتح إمكان ممارسة “العصيان المعرفيّ”Epistemic Disobedience مأخوذًا كتعبير آيديولوجي عن هذا الوهم، وترسُّخِهِ في الممارسات الآكاديمية في البلدان العربيَّة. إنَّ الدعوة إلى “العصيان المعرفيّ”، ورفع شعاره ضدَّ المعرفة الغربية، إنَّما هما مفهومان مُستمدَّان من نظريَّة تفكيك الاِستعمار- الديكولونيالية، التي غالباً ما تكون موقفًا آيديولوجيًّا، غير واعٍ بثنائية [النقد- والنقد المضاد] التي من شأن المعرفة العِلميَّة والفلسفية الحديثة وما بعد الحديثة؛ ولا يمكن أن تعبِّرَ عن كونها اِتجاهًا فلسفيًّا- علميًّا، كما أراد لها أصحاب الوهم الآكاديمي في بلداننا العربيَّة.

بَيْدَ أنَّهُ علينا أن نتساءل: لماذا يُفبرك هذا الغياب الصريح لضروب النقد والنقد المُضاد، في سبيل بناء معرفة علميَّة وفلسفية بمفاهيم الواقع، والوجود، والكون، والعالَم، والمجتمع والإنسان، من حيثُ إنَّها مفاهيم ستة أصليَّة للفكر، أي فكر؟

لأنَّه، في الوهلة الأولى، يُستخدم الدِّين، والمعرفة الدينية، أو التُّراث، أو الهُويَّة مأخوذةً كضربِ اِنتماء إلى جماعة بعينها، لتبرير هذا العصيان، فيعود الفكر إلى الوقوع في التُّراث الأصيل، دون منهج مفكِّكٍ له، أو إلى رفض المعرفة العالَميَّة رفضًا شُعاريَّاً- شَعبَوِيَّاً، دون النَّظر في إمكاناتها وسبل بنائها. فيتحوَّل “الاِستعمار المعرفيّ” إلى ذريعة تُعيق اِستنهاض التساؤل العلمي الحقيقيّ. وفي المحصِّلة، نكون أمام اِستحالة المعرفة والفكر، طالما ساد هذا الوهم؛ وهمُ [أن- تكون- آكاديميَّاً- على- نحو- محلِّي].

إنَّه الوهم الآكاديمي الأكثر قوة ورسوخًا في العقول العربيَّة التي تؤسس لعلوم عربيَّة، وفلسفات عربيَّة، ولأسلمة المعرفة، ولإسلامية المعرفة، ولتعريب المعرفة، ولتعريب العلم… وإلخ؛ تارةً تكون دينية، وتارةً أخرى قومية، وتارةً أخرى طائفية، ومرَّةً هُوَوِيَّة، ومرَّةً أخرى آيديولوجية… وهكذا دَواليك.

[VII]

إنَّ البحث العلمي في الفلسفة وعلوم المجتمع والإنسان يبقى، إذن، مُعلَّقًا بين تراث مقدَّس وحداثة مستوردة، دون أن ينتج معرفة عالمية أصيلة. لكنَّ تفكيكَ هذه الإشكالية إبستيمولوجيًّا، يبدأ من فصل الجامعة- الآكاديميا عن السياسة والدين، من جهة أولى، وضرورة تمييز المضمون العالمي للمفاهيم العِلميَّة، عن المضمون المحلي لها، من جهة ثانية، وأوَليَّة بناء مفاهيم علمية من داخل الواقع المجتمعيّ العربيّ المحسوس، لا من خارجه، على صعيد الزمان: من التُّراث، وعلى صعيد المكان: من الغرب، من جهة ثالثة. وبكلمات مباشرةً: إنَّ “الاِستعمار المعرفيّ” يُؤخَذُ كوَهمٍ ساد لأنه يُبقي الفكر العربي أسيرَ ردَّة الفعل الأيديولوجية، بدلاً من أن يجعله فاعلاً في إنتاج المعرفة؛ والسبب في ذلك يعود إلى أنَّ المعرفة العِلميَّة والفلسفية الآتية إلينا من بلدان العلم، تم تناولها من جهة السياسة والدين، في أغلب الأحايين، أي من قِبَلِ السلطة السياسية، والسلطة الدينية، بدلاً من أخذها من موقع العلم والمعرفة والفكر الحر. هل ثَمَّ مخرج، والحال هذي؟ وكيف يكون؟

المخرج، ههنا، معناه التوفُّر على إمكانات جديدة في تناول المعرفة العِلميَّة، في الفلسفة وعلوم المجتمع والإنسان. وإنها تبدأ من الوعي بأن تفكيك الاِستعمار المعرفيّ عند أصحابه، لا يمكن أن يكون عَبرَ شعارات ودعوات شعبوية تجعل من الآكاديميات العربيَّة مؤسسات دينية أو ثكنات عسكرية، مؤسسات طائفية تخرِّج أجيال لممارسة [الاِنغلاق- على- العالَم]؛ بل في اِستنهاض تساؤل علمي منهجي جذري يتجاوز الثنائيات الوهمية هذه، تراث وحداثة، وشرق وغرب، وأجنبي وعربي، والتقليد والدخيل، … إلى آخره؛ ويكون قادرًا على بناء علاقة حوار وتكامل حقيقية مع العالَميَّة. هذا بالضبط ما يسعى إليه مشروع اِستنهاض تساؤل العلم بالمجتمع والإنسان الذي يمارس تحويل الفكر من حالة اِغتراب إلى حالة بناء معرفي أصيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1] – أنظر: عبدالله بياري، غطرسة النقطة صفر: فلسطين نموذج للتحرر والعصيان المعرفيّ، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 130، 20022.

– كذلك أنظر: عبد المتعال محمد الجبري، الاِستشراق وجه الاِستعمار الفكري، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1995.

– كذلك أنظر: جنيد زاهد، الاستعمار الفكري وطرق نفوذه، في موقع المرصاد:

https://almirsadar.com/الاستعمار-الفكري-وطرق-نفوذه-الجزء-الأ/

– وكذلك العشرات من الكتب والمقالات والدراسات والأبحاث التي تأخذ من مقولات “الاِستعمار الفكري”، أو “الاِستعمار المعرفيّ”، أو “الاِستعمار العلميّ” موضوعًا لها، وتبدأ بتفكيكها على نحو بحيث هي تخفي غايته الأصليَّة، برداء البحث عن هذه الموضوعات، التي تتمثَّل، غايتها في أن تفتح إمكان تديين المعرفة العِلميَّة والفلسفية الحديثة وما بعد الحديثة. يكفي أن يبحث الباحث عن مفردات كـ “الاِستعمار”، و”الاِستعمار الفكري”، و”الاِستعمار الثقافي”، … إلخ، كي يجب الكثير الكثير من المقالات والدراسات والأبحاث حول ذلك.

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete