تكوين
أذكر أنّ المحلّلة النّفسيّة فرنسواز دولتو[1] قالت:
“ما هو رهيب لدينا، نحن البشرَ، أنّه لا يمكننا أن ننتمي إلاّ إلى جنس واحد ولا نملك إلاّ أن نتخيّل متع الجنس الآخر ورغباته. ولهذا السّبب فإنّ الرّجال والنّساء لا يفهمون بعضهم بعضا”.
وإنّنا من خلال هذا المقال نحاول، في سرعة، تلمّس بعض وجوه الهويّة الذّكوريّة العربيّة من منظور اللاّوعي الفرديّ والمخيال الجمعيّ كليهما.
إنّ الهويّة الجنسيّة ليست المعطى البيولوجيّ، ولكنّها هويّة ثقافيّة لغويّة تنبني سياقيّا ويثبتها المخيال الجمعيّ. وفيما يلي بعض خصائص الهويّة الجنسيّة الذّكوريّة:
-
الرّجولة اكتساب
تضفي اللّغة على الرّجولة معنى جنسيّا فعليّا ومعنى قيَميّا مجازيّا. ولعلّ عبارة “الفحل” تجمع المعنيين الجنسيّ والقيَميّ. فالفحل لغة هو المُنجب غير الخصيّ، و”فحولة الشعراء” تحيل على التميّز القيَميّ في الشّعر لدى قدماء العرب.
وتؤكّد اللّغة أنّ الرّجولة ليست معطاة سلفا. فمن ذلك أنّه يُقال: “كن رجلا” أو “متى ستغدو رجلا؟“. ولعلّ أكثر العبارات دلالة على أن الرّجولة غير معطاة سلفا العبارة: “استرجل”، ذلك أن وزن استفعل يفيد أساسا الطّلب، وهو هنا طلب لتحقيق الرّجولة. ولا يمكن أن يكون موضوع الطّلب معطى وإنّما هو منشود دوما، وإلاّ فلا معنى للطّلب أصلا.
والرّجولة في معنييها الأصليّ والمجازيّ ليست معطاة وإنّما هي بناء يستدعي بذلا للجهد. ونضيف أنّ اللّغة لا تجعل الرّجولة غير معطاة فقط بل تجعلها أيضا غير نهائيّة وغير مستقرّة. وهذا يعني أنّها قابلة لأن تُنزع عن الذّكر نفسه، فيصبح ممّن يصحّ فيهم القول: “لست رجلا“. وهي من أقذع الشّتائم الشّعبيّة تستفزّ كثيرا من الرّجال. وجدير بالذّكر أنّ هذه العبارة الّتي قد ترد في إطار هجاء أخلاقيّ يفيد خللا قيَميّا أو سلوكيّا، إنّما تفيد في أغلب الأحيان، إن مرجعيّا أو مجازيّا، نفيا للقدرة الجنسيّة عن الرّجل أي نفيا للقدرة على الانتصاب والإيلاج.
وطلبُ الرّجولة أو التماسُها أو الأمرُ باكتسابها أو إثباتها ليس بالضّرورة ذا بعد جنسيّ فحسب، وإنّما تفيد الرّجولة أيضا إثبات قيم إيجابيّة متحوّلة وفق المجتمعات. والمهمّ أنّ البعد الجندريّ موجود بالقوّة في تمثّل هذه القيم ذلك أنّ هذه الأوامر الطّلبية لا تتّجه إلى المرأة فلا يُقال: “كوني امرأة” بمعنى إثبات قيم إيجابيّة، بل الألطف أنّه في هذه الحال يُقال للمرأة أيضا: “استرجل”، وتوصف في إطار الحكم الإيجابيّ بأنّها “رجوليّة” بل بأنّها “رجل” أو بمثابة ألف رجل.
-
الرّجولة تَمَيُّزٌ عن الضّعف الأنثويّ
لا تقصر ثقافتنا غياب الرّجولة على المجال الجنسيّ وإنّما تعتبر كلَّ مظاهر الضّعف والهشاشة خطرا على الرّجل، فالطّفل الذّكر يجب أن لا يبكيَ، والرّجلُ يجب أن لا يتألّمَ أو يُظهرَ ألمه. والباكي أو الشّاكي أو المجاهر بألمه يخاطر بفقدان رجولته وبتحوّله رمزيّا الى صنف النّساء. أليس من الشّائع أن يُقال لطفل ذكر يعبّر عن ضعفه: “هل أنت فتاة حتّى تبكي؟“. وأليس من الشّائع أن يوصف الرّجال العاجزون في الشّرق بأنّهم “ولايا” أو بأنّهم ممّن لبسوا “الطّرحة”؟[2].
إنّ وصف رجل بأنّه شبيه بالمرأة خطر على الرّجل دائمٌ لا سيّما أنّ المخيال الثّقافيّ يجعل النّساء محاولات “ترويض” الذّكورة، لا بإدخال الرّجل صنف النّساء، ولكن بإرجاع الرّجل إلى موضع الطّفل “المطيع” للأمّ بصفتها الأنثى الأولى. ومن أبرز الأمثال الجامعة بين تربية الطّفل و”تربية” الرّجل المثل التّونسيّ الشّائع: “ولدك على ما تربّيه وراجلك على ما تسنّسه“[3] فكأنّ تعويد الرّجل على سلوك مّا، يُعتبر من ضروب التّربية الثّانية الّتي تقوم بها المرأة بعد التّربية الأولى الّتي تكفّلت بها الأمّ.
وأمام هذا “الحصار الأنثويّ” تتعدّد مظاهر ترسيخ القوّة الذّكوريّة، ومنها رفض المخيال الذّكوريّ أيّ إمكان لتعدّد الشّركاء الجنسيّين للمرأة الواحدة، فتعدُّدُ الأزواج ليس فحسب مستهجنا بل هو يكاد يكون من غير المتصوّر في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة. وفي مقابل ذلك يحضر تعدّد الزوجات أو الشّريكات في المخيال الاجتماعيّ بغضّ الطرف عن إجازة القوانين له. وإذا كان تعدّد الأزواج غير متصوّر فلن نستغرب عنف الغيرة الرّجاليّة إزاء كلّ رجل آخر يحوم حول الزّوجة أو الشّريكة.
-
فعل الرّجل وانفعال المرأة
تعمد اللّغة عموما إلى أسماء فاعل في الإحالة على الرّجل في علاقته بالمرأة وتعمد إلى أسماء مفعول في الإحالة على المرأة في علاقتها بالرّجل. فالرّجل هو الخاطب والمرأة هي المخطوبة، والرّجل هو النّاكح والمرأة هي المنكوحة. ويتأكّد بُعد المرأة موضوعا من خلال استعمالات لغويّة أخرى شأن القول “أعطيتها” يعمد إليه الأب أو العائلة دلالة على قبول خطبة المرأة وزواجها. ولا تخرج عن التّصوّر ذاته عبارات من ضرب: “وهبت المرأة نفسها لفلان” أو “سلّمت نفسها له” أو “زوّجت نفسها إيّاه“…وبعضُ هذه العبارات استعمال قرآنيّ[4].
وليست هذه الاستعمالاتُ اللّغويّة وصفيّة فحسب، وإنّما هي تثبت البعد المعياريّ لثنائيّة الفاعل والمنفعل تجعل الفاعل مرموقا والمنفعل محتقَرا. فمن أوجه تحقير المرأة تشييئها، ومنطقيّ حينها أن تُفقد اللّغة المثليّ الجنسيّ المنفعل سمة الرّجولة، فيصبح “مراوي”[5]، أليس أنّه غدا موضوعا جنسيّا بما هو الخصوصيّة الأنثويّة بامتياز؟
ويتضافر الحوض الثّقافيّ على الاستعمال اللّغويّ ليؤكّد تصوّر الرّجل فحسب فاعلا وتصوّر المرأة فحسب منفعلة. فالقرآن مثلا يجنح عموما[6] إلى اعتماد ثنائيّة الرّجل الفاعل والمرأة المنفعلة، ومن ذلك أنّ الأمر بالإيتاء الجنسيّ لا يتّجه إلاّ إلى الرّجال. ولئن أمكن تفسير ذلك بأنّ القرآن كلّه لا يخاطب جماعة النّساء، فإنّ هذا التّفسير هو نفسه دليل على ما نزعم إذ تغييبُ المرأة مخاطَبا يفيد أنّها ليست معنيّة بالفعل في علاقتها بالرّجل. بل إنّه في أدقّ خصوصيّات المرأة البيولوجيّة شأن الحيض، نجد القرآن يخاطب الرّجال مبيّنا لهم كيفيّة الفعل مع المرأة ولا يتّجه بالخطاب إلى النّساء اللّواتي يحتللن موضع الغائب في شأنٍ من المفروض أنّه يهمّهنّ قبل سواهنّ[7]. ويتأكّد تصوّر الرّجل الفاعل والمرأة المنفعلة بتقديم المرأة بصفتها حرثا للرّجل يمكنه أن يأتيها أنّى شاء[8]. فالحارث يحتلّ موضع الفاعل والمرأة في استعارةٍ للأرض تحتلّ موضع المنفعل. وعموما فالمرأة المنفعلة هي موطوءة، وهي “تحت” الرّجل الفاعل بما هو دلالة على الوضع الجنسيّ الشّائع والمندوب، وبما هو دلالة على أفضليّة ثقافيّة ثابتة[9].
وجدير بالتّذكير أنّ مؤسّسة الزّواج ذاتها مسألة ذكوريّة، إذ وإن كان قبول المرأة للزّوج شرطا ضروريّا في الزّواج، فإنّه لا يُسمح لها وفق جلّ المذاهب بإبرام عقد النّكاح وحدها. ويُعدّ وجود الوليّ الذّكر في شائع الفقه شرطا من شروط صحّة عقد الزّواج، والقرآن لا يتحدّث عن نكاح المرأة بل عن إنكاحها[10].
الهويّة الذّكوريّة…وبعد:
صحيح أنّ الطّفل الذّكر يمتلك العضو الذّكريّ في مجتمع يحتفي به، ولكنّ هذا الولد في الآن نفسه رهين أمّ، رهين أنثى لا تمتلك هذا العضو، ويُفترض أن يشتاق إلى أنثى لا تملك هي أيضا هذا العضو الذّكريّ. ومن اللّازم في هذه الأنوثة المغرية الّتي تحكمه في المنطلق وفي الغاية أن يحافظ على ذكورته. وممّا يزيد الطّين بلّة أنّ ذكورته لا يمكن أن تكون إلاّ في ظلّ الاعتراف بذكورة أخرى أصليّة هي ذكورة الأب. في حقل الألغام الأنثويّ المغري والمخيف، وإزاء خيال مآتة ذكوريّ يراقب الحقلَ، يسير الولد محاذرا من السّقوط في هوّة فقدان الذّكورة إن بأن تبتلعه الأنوثة أو بأن تستعبده ذكورةُ الأب وسطوتُها.
إزاء هذا كلّه، لا يملك الذّكر إلاّ وهْم امتلاك القضيب يهبه بعض طمأنينة زائفة[11]. نعم، القضيب وَهْم، ولكنّه وهْم يخفّف من الخصاء الحاصل رمزيّا بالتنحّي عن الشّوق الأوّل إلى الأمّ والقبول بالقانون الأبويّ.
فلا تعجبوا إذن، إذا رأيتم جلّ رجال العرب “عامّتَهم” و”خاصّتَهم”، محافظَهم وتقدّميَّهم، يصرخون ويتصارعون ويحاولون فرض آرائهم، ويَعدّ الواحد منهم نفسَه المالك الأوحد لأسرار الكون، ويتهكّمون على مَنْ مِنْهُمْ تشبّه بالنّساء أو خضع للنّساء، ويسعون إلى فرض أنفسهم بالمال أو بالسّلطة أو بقوّة العضلات أو بجمع النّساء فعلا أو خيالا، ويُطنبون في الحديث عن أنفسهم ونجاحاتهم وتفوّقهم في المجال الجنسيّ وغيره من المجالات. ولا تعجبوا إذا رأيتموهم يقزّم الواحد منهم الآخرين ولا سيّما النّساء، أو يعنّف بعضهم بعضا وينظّر بعضهم الآخر للعنف ويبرّره في سياقات مّا. ولا تعجبوا إذا رأيتم البعض منهم يلقي فشله، هذا إذا اعترف به، على الآخر أشخاصا وظروفا وحظّا وسياقا.
لا تعجبوا إذا رأيتم هذا كلّه، فللهويّة الذّكوريّة وسائلها لمراوغة القلق والخوف والأسئلة الجوهريّة الّتي لا يجد لها الذّكر جوابا. لا تعجبوا ولا تنزعجوا ولا تغضبوا، فوراء كلّ رجل “قويّ” طفل صغير هشّ يخفي دموعه لأنّ الرّجل لا يبكي، ووراء كلّ رجل “قويّ” طفل يكابر حتّى لا يرمي نفسه بين أحضان أمّه لأنّ حضن الأمّهات خطير ومخيف. ووراء كلّ رجل “قويّ” طفل يخاف أن يفقد ما به اكتسب حظوة اجتماعيّة ثقافيّة رغم أنّه يعرف في قرارة نفسه أنّ هذه الحظوة ليست إلاّ جزءا من “المسخرة” (mascarade) الّتي تجعله مطالَبا بأن يكون دوما الأفضل والأحسن والأقوى والأثرى و…”الأرجل” (أي الأكثر رجولة)…
هذه “المسخرة” هي الّتي تجعله مطالبا بأن يجريَ وراء سراب اسمه: “أن تكون رجلا” بل “أن تكون الرّجل“، ولكنّ الرّجولة كسرابٍ بقيعة يحسبه الظّمآن ماء فإذا اقترب منه وجده سرابا. وتستمرّ الحكاية…
____________________________________
المراجع:
[1] فرنسواز دولتو (Françoise Dolto) (1908-1988): طبيبة ومحلّلة نفسيّة فرنسيّة شهيرة اهتمّت بالتّحليل النّفسيّ للأطفال، واهتمّت بالهويّة الجنسيّة الأتثويّة والذّكوريّة. لها كتابات كثيرة وتعدّ من أشهر ممثّلي المدرسة اللاّكانية في التّحليل النّفسيّ.
[2] نستحضر في هذا المقام القولة الشّهيرة المنسوبة لأم أبي عبد الله آخر ملوك غرناطة: “ابك كالنّساء ملكا لم تحافظ عليه كالرّجال”.
[3] “سلوك ابنك رهين تربيتك إيّاه وسلوك زوجك رهين ما عوّدتِه إيّاه”.
[4] انظر على سبيل المثال الأحزاب 33/30.
[5] أي شبيه بالمرأة .
[6] نقول “عموما” لأنّ بعض الاستعمالات القرآنيّة النّادرة تفيد المشاركة في الفعل الجنسيّ، وذلك باعتماد فعل “تماسّ” الّذي يفيد وزنه: “تفاعل”، المشاركة. انظر على سبيل المثال: المجادلة58/4.
[7] انظر الآية 223 من سورة البقرة.
[8] “نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم” (البقرة2/223).
[9] يستعمل القرآن عبارة فلانة تحت فلان في قوله تعالى: ” ضرب الله مثلا للّذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النّار مع الدّاخلين” (التّحريم66/10).
وتشير قرامي إلى إلحاح الفقهاء على أن يكون الرّجل معتليا المرأة أثناء الجماع. راجع: آمال قرامي: الاختلاف في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، بيروت، المدار الإسلاميّ 2007، ص683.
[10] البقرة2/221-النّور24/32
[11] القضيب (le phallus) في التحليل النفسي ليس العضو نفسه، ولكنّه تمثّله الرّمزيّ الثّقافيّ المفيد قوّة وسطوة.