تكوين
يبدو الاهتمام بالتراث العربي والإسلامي، رسالةً معرفية وحضارية، حملها الآباءُ اليسوعيون، وعملوا على نشرها، فكان معهد الآداب الشرقية على امتداد تاريخه، تعبيرًا حيًّا عن سموِّ مقاصدها الثقافية والإنسانية الجامعة. إنّ الناظرَ في البرامج الأكاديمية لهذا المعهد وفي الموادِّ التي دأب على تدريسها وفي الاختصاصات التي وضعها أمام طلابه، وفي سِيَرِ الأساتذة الذين تعاقبوا على إسداء التعليم فيه، يكتشف عمق العلاقة بين هذا الصرح الأكاديمي وبين بيئته العربية وعلومها الأصيلة وإنتاجها الثقافي ومزاياها الحضارية.
كان الأبُ بولس نويا اليسوعي، وهو علمٌ من أعلام هذا المعهد، تلميذ المستشرق لوي ماسينيون، قد أخذ كثيرًا عن أستاذه لا سيما في باب التراث الصوفي، حتى ظنَّ البعض أنه ينتمي إلى طائفة المستشرقين، بالمعنى التعريفي المتداول للمستشرق أي العالِم الغربي الذي يطلب، باعتبار(السين والتاء يفيدان الطلب) التعرُّف إلى تاريخ الشرق وحضاراته، والوقوف على الخصائص الثقافية والاجتماعية والأنتروبولوجية والمعرفية لشعوبه المختلفة، لكنّ الأبَّ نويا عربي مشرقيٌ أصيل سعى في تعميق دراساته لتراثه وإبراز مواطن الثراء فيه، من دون أن يمنع هذا التمايز بين الاثنين تأثيرًا مُمكن الحدوث بين الوافد والأصيل، بين المستشرق والمشرقي.
وُلد في العراق وعاش في لبنان ودخل في الرهبانية اليسوعية، ودَرَسَ في معهد الآداب الشرقية التابع لجامعة القديس يوسف ومارس التدريس فيه، عَقِبَ انتقاله إلى باريس وإكمال دراساته في التصوُّفِ الإسلامي، تحت إشراف العالم المستشرق لوي ماسينيون، إلى أن انعقدت له مُهمة تدريس هذه المادة في الجامعات الفرنسة، لكنَّهُ بقي على تخصيصه الوقت الكافي لمتابعة الإشراف على رسائل الدكتوراة في معهد الآداب الشرقية.
في تقديمه لكتاب أدونيس “الثابت والمتحوّل: بحث في الابداع والاتِّباع عند العرب” وهو الأطرُوحة التي أشرف على إعدادها، كتب بول نويا “ذكرتَ في الأطرُوحة أنّ التراثَ هو بمنزلة الأب، ونحن نعلم منذ فرويد أنّ الابنَ لا يستطيع أن يكتسب حريته ويحقق شخصيته إلا إذا قتل أباه… على الإنسان العربي أنْ يُميت تراث الماضي في صورة الأب، كي يستعيده في صورة الابن”
يستطيع المُتبصِّرُ في هذه العبارة أن يتعرَّف إلى الأفق الذي يحكم نظر بول نويا ويبلور رؤيته إلى التراث ورموزه وأهمية تجديد قراءته بعين الحاضر لجعله معاصرًا على حد قول الجابري، وقياسًا فهو على الرغم من تتلمذه على يد المستشرق الكبير الذي تميَّز بإصراره على قرآنية التصوُّفِ الإسلامي، مُنكرًا، على خلاف كثيرٍ من المستشرقين، نسبته إلى مصادر يهودية أو مسيحية أو هندية وإن كان قد أصابه منها بعض الأثر، استطاع بول نويا أن يُطوِّرَ هذا المسار ويتعمَّق في تحليل العلاقة بين التصوُّفِ والإسلام ويقترب أكثر من أستاذه، وربما يتجاوزه في إدراك حقيقة التصوُّفِ الإسلامي وملامسة جوهره.
وجد بول نويا في الانطلاق من النصوص التفسيرية للقرآن، مسلكًا يقوده إلى الوقوف على كيفية تفاعل المسلمين مع النصِّ التأسيسي والتعرُّف إلى دور المِخيال في تكوين حقوله الدلالية، فعل ذلك عن قناعة بفاعلية هذه الخُطوة المنهجية في تعيين حقيقة العلاقة بين اللغة الصوفية والقرآن. على العكس من أستاذه، وربما موقفًا من منهجية اشترك فيها ماسنيون نفسه مع غيره من المستشرقين، كان يعتقد أنّ الانطلاق من القرآن مُباشرة والبِناء على دلالات أخرجها مُفسِّر غيرُ مسلمٍ أو مؤوِّل ينتمي إلى ديانة أخرى، مسلكٌ معرفي قد يُفضي التوسُّلَ به إلى إهدار الموضوعية العلمية جراء ما قد تُمليه عليه ثقافة الدين الذي ينتمي إليه من أفكار وإسقاطات وأحكام مُسبقة، تحمل في طياتها بُعْدًا أيديولوجيا مُطعَّمًا بنوع من الذاتية المجافية للإسلام ، لا تقوى على التخفيف من وطأته محاولات التلطيف وتدوير الزوايا(١).
هذه الخَشْية أو الحذر الذي أشار إليه الأب نويا من القارئ غير المسلم للقرآن، يدعو إلى التوقف عند الأثر الذي يُخلِّفِهُ على حرية النظر وعلى الموضوعية العلمية نفسها التي يحرص الأب نويا على صونها، فالإشارة إلى خللٍ يعتري هذا المبدأ (مبدأ تفسير غير المسلم للقرآن) جراء الذاتية التي احتجَّ بها، يضعُ منهجيته برمَّتِها موضعَ شكٍّ للسبب نفسه الذي أدلى به، وهو موقفٌ يرتاح إليه الخطاب الإسلامي المتشدِّدُ الذي ينظر بعين الريبة إلى الأنشطة البحثية لغير المسلم في القرآن وعلومه وفي الشروط التي أحاطت بإنتاج معانيه ودلالاته.
تنسحب هذه الملاحظة الناقدة لمنهجية ماسينيون، التي ألمح إليها الأب نويا على مُجمل القراءات المستكشفة للنصوص التأسيسية للإسلام، التي أفضت إليها جهود المستشرقين والمفكرين المسيحيين أو الذين ينتمون إلى ديانات أخرى وثقافات مختلفة، ما يعني النظرَ بارتياب إلى كل فَهْمٍ لهذه النصوص مختلف عن السائد من المعارف التي كرَّسها الإسلام الرسمي وفرض نهائيتها وأدان بطريقة من الطرق من يَحِيْدُ عنها أو يُزحزح مقاصدها.
تتفق قراءاتُ المستشرقين عمومًا للتراث العربي والإسلامي أو الذين درسوا عليهم أو تأثروا بطرقهمméthode في البحث، في تعويلها أولًا على المعجم العربي، تتوسَّلُ به في سعيها في الوقوف على ظاهر النصوص، قرآنية كانت أو ما يتصل بالقرآن من نصوص ثانوية، كان الأبُّ فريد جبر رحمه الله، في اشتغاله على المصطلح الفلسفي العربي، يؤكِّدُ دائمًا هذه الخُطوةُ المنهجية، مُعْرِبًا عن ضرورة الانطلاق من العلوم الإسلامية كما وردت في تصنيف ابن خلدون، سعيًا في الكشف عن المفاهيم الكُلية التي تثوي في تربة مصطلحاتها، ولعلَّ الأبَّ نويا يحرصُ على اعتماد هذه الطريقة في منهجيته لدراسة التصوُّفِ الإسلامي، فقدم ابتداءً، البحث في النصوص التفسيرية للنصِّ القرآني، وقد انشغل أصحابها بالمصطلحات، ذات الحمولة الرُوحية الكثيفة والمنطوية على معانٍ إنسانية جامعة، لقِيَتْ صداها في تجارِب الزهَّاد وإشراقات العرفانيين. فاستفاد من طريقتهم، مُعوِّلًا على المصطلحات المفتاحية في النصوص التي أنتجوها، ما ساعده في تعيين مواطن القوة ومواطن التعثُّرِ في كل منها.
في مَعْرِضِ تأكيد هذا الجانب في القرآن يقول نويا في مقدمة كتابه “التفسير القرآني…: «توجد في التاريخ الديني للعالم الإسلامي مغامرة كبرى وحيدة لها قيمة كونية وارتقت بالإسلام إلى مستوى بحث حقيقي عن المطلق، وهي مغامرةُ الرُوحانيين المتفق على تسميتهم بالصوفية»(٢)، إنَّ الحرصَ الذي يُبديه العالِم اليسوعي، على ربط التجرِبة الصوفية بالتاريخ الديني للعالم الإسلامي، لا ينفي كونها انبعثت من القرآن، فالذاكرة الرُوحية الإسلامية ارتوت من نصوصه، وإذا كان المتصوُّف في بداية تجرِبته يعتمد على القرآن، فإن لغته لا تلبث أنْ تتغيَّر مع تغيُّرِ أحواله وتلوُّنِ تجربته، فينتهي إلى تأويل للنصِّ واستنباط لمعنى قد يخالف فيه ما كان قائمًا قبل التجرِبة، و الصوفي، في أوُّل الطريق وأولى درجات الامتحان، يرى صورته في مرآة القرآن وبعد اجتياز المقامات وتوالي الأحوال وتصفية القلب مما سوى الله، ينتهي صاحب التجرِبة مرآة تنعكس فيها معاني القرآن العميقة.
وعليه، يبدأُ المتصوُّف من القرآن بوصفه نصًّا يقف على معانيه الظاهرة باعتماد التفسير اللُغوي لمصطلحاته، مع اعتبار لمقام الفرق بينه وبين الله، وينتهي مع نضوجِ تجربته واكتمال طريقته إلى مقام الجمع، إلى وَجْدٍ كثيفِ الأحوال ينعكس على النص حقلًا من المعنى تطغى فيه الاشارة على العبارة، حتى يتعثَّرَ التعبير، ويغترب الكلام، وتغيب المواضعة، ويعسُر معها الفَهْم على المتلقي الغريب عن هذه الطائفة، ويصبح القَصْدُ واحدًا بين المتكلم والعارف، قل يُصبح العارفُ والمُتكلمُ على تماهٍ مخصوص، عبَّرَ عنه البَسْطَامِيُّ بالاتحاد، والحلاجُ بالحلولِ، وابنُ عربي بوَحْدة الوجود.
يعتقد الأب نويا أن هذه المرحلة الأخيرة من التجرِبة الصوفية التي طغت فيها الاشارة إلى العبارة، ورافقها البَوْحُ والإفصاح، وتوَّجتها الدعوى، جاءت في فترة متأخرة، فَقَد معها التصوُّفُ فطرته القرآنية، لذلك نراه يعود إلى ضبط مواطن الأصالة في هذا العلم منطلقًا من بدايات التفسير القرآني، وتفصيل المنهج الذي رافق هذه البدايات، من خلال واحد من أقدم علماء التفسير، هو مُقاتلٌ بن سليمان.
-
المسار المنهجي للأب نويا
في مساره المنهجي، يعتقد العالِم اليسوعي أنّ القرآنَ يُقدِّمُ للوعي الإسلامي من العناصر الأساسية، ما يُوفِّرُ له فهمًا دينيًا للعالم، لذلك فإنّ ثمةَ طريقتان لتحقيق هذه الغاية: الأولى، تعتمد على تحليل النص القرآني، سعيًا في الكشف عن بذور حياة صوفية، يُفضي تأمُّل أبعادها إلى أن توقظ في نفس المتأمل حياة دينية تتجاوز الاحتكام الكُلِّي إلى “الشرع المحض”. هذه الطريقة التي اتبعها كُلٌّ من: ماسينيون وأبرري وآخرون، يُخْشى من أنْ تُفضي إلى إدخال نوعٍ من الذاتية في البحث، كما سبقت الاشارة، تفسد النتائج أو تشوهها: القراءة التي يقوم بها غير المسلم، هي قراءتهُ هو، أنجزها في ضوء المناخ الثقافي والديني الذي ينتمي إليه… لذلك فضَّلنا والكلام لنويا، اتِّباع طريقة أخرى، تعتمد على استنطاق، ليس القرآن مباشرة، وإنما الجماعة المؤمنة التي تقرأ القرآن بوصفه كتابًا مُقدَّسًا. وإذا كُنَّا عادة وفي الغالب نجد في الكتاب أي كتاب نختاره ما نبحث عنه، فالمهم معرفة ما هو الشيء الذي بحثت عنه هذه الجماعة ووجدته في قراءتها للقرآن. لا شكَّ أنّ هذه الطريقةَ، الطريقةُ الثانية، هي صعبةٌ وشاقة، تتطلبُ مزيدًا من الصبر والرويَّةِ، ولكنها أكثر مدعاةً للثقة في النتائج التي توصِلُ إليها.(Ex.p.9)
-
مُقاتل ابن سليمان، أنموذجُ التفسير الأولي
يرى الأب نويا أنّ أحدًا لم يحاول القيام بدراسة منهجية لمضمون النصوص التفسيرية القديمة، وبدلًا من إضاعة الوقت في التفتيش عن التأثيرات الغريبة التي أصابت التصوُّفَ، يكون من المفيد والأجدى العودة إلى النصوص التفسيرية للقرآن، كي يُصار إلى تحليل الأفكار الدينية عن قرب والنظر فيما إذا كانت تنطوي على بذور صالحة لتأسيس تجارِب صوفية كبرى(ex.p25).
إنّ النصوصَ التي أنتجها الشُراح والمفسرون والتي كوَّنَت المادة التي درسها غولتزر، تعود بمجملها إلى عصرٍ ساد فيه تأثير الأفلاطونية المحدثة، لذلك فلا يصحُّ النظرَ إليها بوصفها أنموذجًا مُعبّرًا عن التفسير الإسلامي الأصيل، فالغزالي وابن عربي على سبيل المثال، لا يُمكن أنْ يُجيبا عن أسئلة مَن يبحث عن الجوانب الرُوحانية في النصوص التفسيرية للإسلام الأوَّلي، السابق لنشوء المدارس التفسيرية المتخصصة، والواقعة تحت تأثير الافتراضات الدوغمائية والأحكام المسبقة.
لهذه الأسباب ينصرف الأب نويا إلى دراسة النزعات التي تحيا في تُرْبَةِ التفاسير الأولى، وذلك قصد التأكُّد ممَّا إذا كانت تنطوي على عناصر مُرجحة لتأويلات مجازية استعارية، اتُّهم المتصوِّفَةُ باختراعها، من أجل إحلال هرطقاتهم وبِدَعهم محلَّ المضمون الحقيقي للقرآن.
من أجل تحقيق هذا الهدف، اختار الأب نويا واحدًا من أقدم نصوص التفسير والتي تعود إلى مقاتل بن سليمان (متوفي ٧٦٧م/١٣٠هـ)، الزيدي في السياسة، والمرجئيُّ في الكلام، يقول عنه الخطيب البغدادي (٣٩٢-٤٦٢هـ) في تاريخ بغداد أنّ الرجلَ يمتازُ بشخصيتين، اختلفت في شأنه آراء الأوساط السنية القديمة، من جهة، هناك مقاتلٌ المُفسِّرُ الشارح، commentateur، ومن جهة أخرى، المُحدِّثُ أو عالم الحديث، وباستثناء بعض التحفُّظِ على مصداقيته، فقد لقي كثيرًا من المديح، يقول فيه الشافعي: العالم مَدِيْنٌ لثلاثة، مُقاتل في التفسير، زُهَيْرٌ في الشعر، وأبي حنيفة في العقيدة (تاريخ البغدادي١٦١)، ورأى ابن حنبل أنّ كتبَ مقاتل مَثَّلت مادةً جدلية وأثارت حولها كثيرًا من النقاش، لكنّ الرجلَ يتمتَّعُ بعلمٍ في القرآن(١٦١).
-
طريقةُ مقاتلٍ في التفسير
يستبقُ الأب نويا البحث في طريقة مقاتل في التفسير، بالإشارة إلى أهم تيارات التفسير في الإسلام، متوقفًا عند ثلاثة: التفسير السني، التفسير الشيعي، التفسير الصوفي. والتفسير السُنِّي كما يشرحه القُشَيْرِيُّ، هو شرحٌ للنص القرآني انطلاقًا من اللفظ، ومن زوايا مُتعدِّدَةٍ: لُغوية، نَحْوية، شرعية، تاريخية، عَقَدِيَّةٍ. وقلَّ ما ارتكز مُفسِّرٌ على ناحية واحدة وغالبًا ما يتناول المفسِّرُ النصَّ من نواحٍ عِدَّة، كما هو حال كبار المفسرين مثل: الطبري والزمخشري والرازي، أما التفسير الشيعي فهو أقرب إلى التأويل وموضوعه المعنى، ليس فقط المعنى الظاهر للَّفظ وإنما معنى المعنى، أو المعنى الخفي الثاوي في الباطن وهو محفوظٌ لأهل البيت. مع هذا النوع من التفسير، تُصبح حقيقة الكتاب وحيًا باطنيًا، كنزًا مخفيًا، العثورُ عليه وقف على الأئمة، أرباب التأويل وحُرَّاسُ الكتاب، لا شكَّ أنّ هذا الوجهَ من وجوه التأويل، يرتبط، في معركة الصراع على المعنى بالعوامل السياسية والاجتماعية، الفاعلة في تخريج المضمون القرآني، تخريجًا يخدم الأطرُوحات الإمامية ويوطِّدُ شرعيتها، لقد أشار ماسينيون إلى ما يُسمى بالاستعارة غيرِ المنضبطة في أدبيات الشيعة الإمامية، متوقفًا على سبيل المثال عند اسم “الطاغوت” الذي استبطن في التفسير الشيعي إشارة إلى أبي بكر(٣٣). وعليه، يجدُ الأب نويا أنه، من المفيد القولُ إن العواملَ السوسيو-سياسية التي رافقت التفسير الشيعي، جعلته على افتراق حاسم عن المدرسة الصوفية.
تجاوز المتصوفة مصطلحي: التفسير والتأويل. وقالوا بالاستنباط مصطلحًا يُعبِّرُ عن طريقتهم في سبر غَوْرِ النص وإدراك حقوله الجوانية، والاستنباط في أصله مصطلح قرآني، يعني من جهة اللغة استخراج الماء من باطن الأرض، ومن جهة الاصطلاح يُفيد استخراج المعنى الخفي من باطن النص، وذلك يحصلُ عن طريق إلهام يُنْعِمُ الله به على العارف، فيقوده إلى فهم للنصِّ ينقدحُ في نفسه بإرادة إلهية، ولما كانت تجارِب العارفين متعددة، والإخلاص فيها متفاوتٌ بين تجرِبة وأخرى، فيكون حظُّ العارف من الإلهام على قدر صدقه في الاخلاص، ما يعني تعدّدًا في الاستنباط وفي الفهوم، وكلها مُرادة من الله كما يقول ابن عربي.
يرى الأب نويا أنّ التفسيرَ القديم للقرآن، تفسيرُ الأوائل لا سيما مُقاتل، هو بعيدٌ كُلَّ البعد عن التصنيفات السابقة، لا سيما تلك التي تعتقد أن حقيقة مراد الله تثوي في باطن النص، يعتمد مُقاتل على ثلاثية تفسيرية: اللغة، التاريخ والمخيّلة.(la langue
-
القراءة المركبة
يدخل إلى النصِّ من باب الألفاظ التي تُكوِّنُ المعجم القرآني، يشرح معانيها بلغة ثانية أقل صعوبة من لغة النصِّ، تستهدف الذين لا يُتقنون اللغة العربية، لغة القرآن، في كتابه “تفسير المتشابه”، اتَّبع مُقاتل قواعد في التفسير، عبَّر عنها ماسينيون “بالقواعد الدقيقة للتأويل القرآني”، القاعدة الأساسية فيها “كلُّ شيء يعني في القرآن كذا، هذا هو معناه”. إنّ الدراسةَ الحاصلة في ضوء هذه القاعدة تُفضي إلى ثوابت تفسيرية، تُمَثِّلُ تمهيدًا أوّليًا لمعجم من الألفاظ القرآنية المتواطئة termes univoques، يرى الأبُّ نويا أنّ مستوى التفسير عند مُقاتل يرتفع في كتابه “وجوه ونظائر القرآن”، ارتفاعًا يُفضي، انطلاقًا من تعريف الألفاظ، إلى نوع من التأويل، أي الاستفاضة في شرح ثراء المعنى الذي ينطوي عليه كُلُّ لفظ، وذلك في ضوء السياق الذي استُعمل فيه.
اكتسبت الألفاظ، في رأي الأب نويا، في كتاب “وجوه ونظائر القرآن”، معانيَ مُتعددةٍ، إذ للألفاظ نظائرَ، ومترادفاتٍ يُمكن ملاحظتها في أكثر من سورة من سُوَر القرآن، والأمر نفسه في كتاب “التفسير الكبير”، تجري القراءة في ضوء السياق الذي يرِدُ فيه اللفظ، ما يساعد مُقاتل على التقاط المعنى، فيعبِّرُ عنه بواسطة الشرح أو الترجمة، متحاشيًا الخروج عن سياق العبارة القرآنية، بإرجاعه، كما كان يفعل بن عباس، إلى صِيغ الاستعمال التي دأب الشعراء قبل الإسلام على استثمارها في أشعارهم، ويُضيف الأب نويا أن مُقاتل لم يُغْفِلْ الإشارة إلى الألفاظ ذات اللهجة القريشية، مُتنبهًا إلى وضعها في سياق العبارة القرآنية.
حمل التفسير اللُغوي عند مقاتل سمة فريدة، فهو لم يجرِ على عادة المفسرين، لم يشرحْ اللفظ بردِّهِ إلى الجذر الذي اشتُقَّ منه، وإنما إلى السياق الذي يرد فيه، في شرحه للفظ تأويل على سبيل المثال، ذهب إلى المعنى المعاكس الذي يُقدِّمه المعجم، فإذا كان التأويل هو ردُّ الشيءِ إلى أوَّله، فإنّ مُقاتلَ استعمله بالمعنى النقيض، أي الذهاب بالشيء إلى نتائجه الأخيرة conséquences dérnières، وهذا المعنى توفَّرَ له من داخل السياق كما سبقت الاشارة، و في طريقته هذه رمى إلى موضعة الوحي في سياقه التاريخي، فهو بعد شرح المفردات، يخطو خُطوة إضافية زادت من مكانة تفسيره، وهي البحثُ عما يُسمَّى أسباب النزول أو الدواعي التاريخية للوحي، والبِناء عليها في تفسيره، وعلى عكس التفسير الشيعي الذي يُسقط على اللفظ معنى استعاريًا أو رَمْزيًّا يُترجم الميول والخيارات الأيديولوجية والسياسية للشيعة، وعكس التفسير الصوفي أيضًا الذي يتحوَّلُ معه اللفظ إلى علامة يُسقِطُ عليها صاحب التجرِبة من المعاني ما يرشح من وجدانه، وتجوْدُ به أحواله، فإنّ مُقاتلَ يضعُ اللفظ والاستعارة في حيَّزين متوازيين ويترك للمُخيَّلة أنْ تتحرَّكَ بينهما تَحرُّكًا يُنتج من المعاني والتصوُّرات ما يَكْسِرُ الحلقة الضيقة التي وضعها الشرع حول اللفظ، ويقود إلى عالم متحرِّرٍ من المقولاتِ الفقهية القائمة على أحكام المرغوب والممنوع، وبلغة الفقهاء الواجب والمحظور والمباح والحسن والقبيح…
هذه الطريقة بخُطواتها الثلاث، نجدها مسارًا منهجيًا اعتمده مُقاتل في تفسير مصطلحات قرآنية، مَثَّلت نوعًا من التأسيس لمعجم صوفي، أشار إليها الأب نويا في كتابه “التفسير القرآني…”.
أختم بالقولِ إن الأب نويا، في استحضاره لأحد أوائل المفسرين وهو مُقاتلُ بن سليمان، قد أخلص للطريقة التي اختارها من أجل الوقوف على المعاني القرآنية، عن طريق المفسرين والشراّح، واستطاع أن يكشف سمات المنهج الذي اعتمده مُقاتل في تفسيره، ونجح عبره في إبراز المعاني الصوفية الأصيلة المُعبِّرة عن مخزون رُوحاني وإنساني، لكنَّهُ لم يكنْ في الوقت نفسه موفَّقًا في تبرير خياره، بالخشية من قراءة غير المسلم للقرآن، بحجة غياب الموضوعية، التي قد تُفْضي إليها النزعة الذاتية للقارئ، فمثل هذه الحجة-الذريعة، قد تُفضي أيضًا إلى الخَشْية من قراءة أي نصٍّ، لا سيما نصوص التراث الإسلامي، بما في ذلك قراءة الأب نويا لنصوص مقاتل، وهو مبدأٌ يتنافى مع حرية العقل، بوصفه ملكةً مشتركة بين جميع الناس، في إبداء رأيه في كل ما يقع في مجال نظره، من نصوصٍ ووقائعَ وأحداثٍ.
——————————————-
١– Paul noya,Exégèse…p.9
«cette méthode suivie par Massignon,Arburry et d’autres,risque d’introduire un élément subjectif qui peut sinon fausser,du moins gauchir les résultats de l’enquête,la lecture que fait du coran un non-musulmans,menée à la lumière de son propre monde culturel et religieux».
٢– Paul noya,Exégèse coranique et langage mystique:nouvel éssai sur le lexique technique des mystiques musulmans,p.1
«dans l’histoire religieuse du monde musulman,il y a une seule grande aventure qui a valeur universelle et qui hausse l’islam au niveau d’une authentique recherche de l’absolu:l’aventure des mystiques musulmans appelés communément les soufis».