تكوين
لم يؤدِ النمطُ الاستهلاكي السائد من الثقافة إلى زوال الأعمال الفنية العظيمة أو تضاؤلها إلى الحد الأدنى فحسب، ولكنْ أسهم في تعاظم التبعية عند شعوب العالم الثالث، ليس على المستوى الاقتصادي والسياسي فقط، وإنما على المستوى الفكري والثقافي. هذه الشعوب التي تتعثر في الخروج من البِنى التقليدية الموروثة تقف وجهًا لوجه إزاء الإعلام العملاق المرئي والمسموع والإنترنِت وانفجار مواقع التواصل الاجتماعي التي خطت خُطواتها الجبارة في السنوات الأخيرة، خاصة بعد فراغ الساحة الفكرية من الأفق الايديولوجي واهتزاز القيم والمقولات القديمة التي ظلت زمنًا طويلًا في منأى عن التساؤل والتشكيك. من هذه الزاوية بالذات نطرح وضع الثقافة العربية ومستقبلها في ظل المتغيرات العالمية الراهنة. فازدياد النزعة الاستهلاكية عند المواطن العربي منذ الطفرة النفطية في مطلع السبعينيات وسيطرة النمط الاستهلاكي حتى في المجتمعات القروية والبدوية التي لا تزال تفتقر إلى الشروط الضرورية للحياة الكريمة، وانتشار وسائل الاعلام بوتيرة هندسية متصاعدة مع تفشي الجهل والأمية في أصقاع عديدة من العالم العربي. كل هذه الأمور تجعل الثقافة العربية في مواجهة أنماط جديدة تُهدّدُ بإحداث تغييرات جذرية في نفسية الإنسان العربي وعقليته التي تكوَّنت في قرون عدة من الزمن.
لقد شهدت السبعينيات والثمانينيات في العالم العربي مُعدّلات استيراد انفجارية تركّزت في معظمها على السلاح والآلات والأجهزة ووسائل النقل، ففي هذين العقدين تضاعف عدد السكان وزاد حجم المدن ثلاث مرات وارتفع عدد الهواتف الخليوية عشرات، بل مئات المرّات. وفي مقابل ذلك حدث تراجع دراماتيكي في عدد الكتب التي تُطبع للقارئ العربي وفي نسبة استهلاك المطبوعات الثقافية الورقية بالمقابل تحوّلت معظم الكتب والمطبوعات إلى مواقع إلكترونية.
ثمة خطر واقعي إذن يُهدد الثقافات العربية لا يُمكن تجاهله بدعوى عالمية الثقافة وأهميتها. فالمواجهة الحضارية بين الغرب والمراكز الثقافية العالمية باتت غير متكافئة، في حين لا يزال مفهومُ الثقافة والاستقلال الثقافي ومفهوم الحداثة والتحديث من أكثر المفاهيم اختلاطًا وغموضًا في الفكر العربي المعاصر. كي نستطيع الدفاع عن ثقافتنا ونحافظ على استقلالنا الثقافي، لا بُدَّ من تحديد واضح لما تعنيه كلمة “ثقافة” وما يشترطه “الاستقلال الثقافي” حتى لا نسقط في التقوقع والانعزال أو في التغريب والتبعية.
مفهوم الثقافة في العالم العربي يتطابق أحيانًا مع مفهوم الفكر. لكن الفكرَ يُمَثِّلُ مكوّنًا من مكوّنات الثقافة وليس المكوّن الأحادي. ويحدث التماهي أحيانا بين الثقافي والايديولوجي لكن الثقافيَ بوصفه تعبيرًا فطريًا عن الوجود الانساني بفعالياته المختلفة يفترق عن الإيديولوجي. ويجري الدمج الكامل أحيانًا بين الثقافة والحضارة، لكن الثقافةَ تختص بما هو ذهنيٌ في حين تشمل الحضارة ما هو ماديٌ وذهنيٌ ورُوحي وثقافيٌ. ولعل التعريف الذي يتبناه محمد عابد الجابري أكثر التعريفات وضوحًا ودلالة. فالثقافة في رأيه هي “ذلك المركب المتجانس من الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات التي تحتفظ لجماعة بشرية تُكوِّنُ أمّة أو ما في معناها، بهُويتها الحضارية في إطار ما تعرفه من تطورات بفعل ديناميتها الداخلية وقابليتها للتواصل والأخذ والعطاء”. على هذا الأساس يفهم الاستقلال الثقافي بـ “عدم التبعية للغير تبعية تنال من الهُوية الوطنية والثقافية”. أما دُعاة الثقافة العالمية، فينكرون خصوصية الثقافة ويركّزون على التِقْنيات العلمية والمادية بصفتها قاسمًا مشتركًا بين جميع الأمم والشعوب، لا يُمكن حصرها في قومية ولا يُعَدُّ امتلاكها وانتقائها هيمنة ثقافية.
هكذا يغدو الحديثُ عن ثقافة عربية ذات خصوصية تميز الهُوية العربية أكثر تبلورًا ووضوحًا إنْ على مستوى الثقافة الجماهيرية أو على مستوى ثقافة النخبة. فطريقة الحياة المادية والرُوحية والتي تمتد من طريقة المأكل والملبس والضحك إلى مكوّنات الذاكرة الجماعية والخيال الاجتماعي والمخزون الرمزي واللغة العربية الفصحى بصفتها مقوّمًا أساسيًا للهُوية الثقافية والحياة الرُوحية، يتجاوز الحدود القطرية ليكوِّن منطقًا ثقافيًا موحدًا ومميزًا. كل هذه المقومات تُمَثِّلُ مجتمعةً الركائز الواقعية للثقافة العربية التي تواجه اليوم مأزقًا حقيقيًا لا يمكن الخروج منه من دون إعادة نظر شاملة في الواقع الثقافي العربي بكل تجلياته وأبعاده.
والثقافة العربية السائدة حاليا تتراوح بين الانكفاء المرضي إلى التراث والتقوقع داخله أو التبعية للمراكز الثقافية العالمية تراوحًا تضيع معه الهُوية ضياعًا كاملًا. أما الموقف الحضاري الذي يُعيد التراث إلى حجمه الحقيقي ويضع مسألة التفاعل مع الغرب في إطارها الصحيح فلا يزال هدفًا يحتاج إلى كثيرٍ من النضال والجُهد والمعاناة من أجل بلوغه. هذا الموقف هو وحده القادرُ على التعامل مع المتغيرات العالمية الراهنة تعاملًا يضمن الاستقلال الثقافي ويحفظ الهُوية من الاندثار والزوال. لقد نظرنا إلى التراث نظرةَ خوفٍ وتقديس، فلم نجرؤ على مناقشته ورفضنا الدخول في حوار مع مسائله وقضاياه، فكان أمامنا أنْ نقبَله كما هو أو نرفضه كما هو، وفي الحالتين لم يحدث التفاعل الحقيقي بيننا وبينه فبقيت في الظل كل إشراقاته الوضَّاءة وإبداعاته الثورية، ولم يصلنا منه سوى نصوصٍ جامدة نُكرّرها بنمطية مضجرة كأن التراث” جُثة هامدة بلا تاريخ ولا واقع أو حياة أو عصور أو أصحاب أو أهل، على حد تعبير حسن حنفي.
وفعلنا الشيء نفسه مع الثقافة الغربية. أدخلنا في حياتنا كل مظاهر التحديث الغربي التي ظلّت ملصقات خارجية غريبة عن واقعنا يتخفى وراءها عجزنا وتخلّفنا وتفضي في النهاية إلى مزيدٍ من التمزّق والانفصام في الشخصية العربية. هذا التحديث المطلوب لم يُثمر نهضة حقيقية تبث رُوح التجدد في فكرنا وثقافتنا، بل بقي تحديثا صوريًا مظهريًا لم يمسْ البِنية العميقة لحياتنا الاجتماعية الراكدة، وليس من المفارقة أن يجتمع أقصى مظاهر الترف الاستهلاكي مع أقصى درجات التخلّف، وأن تقوم أرقى أجهزة الإعلام والاتصال والتكنولوجيا جنبًا إلى جنب مع الروابط القديمة. هذه المظاهر التحديثية الخارجية تُكرّس التبعية الثقافية والتخلّف وتؤدي إلى هزيمة الهُوية العربية.
لقد أسهمت ثقافةُ التحديث البرّاني المجلوب في قمع الرُوح النقدية والمبادرات الإبداعية وتنمية رُوح الاستهلاك والسلبية، فبقيت في الغالب دون جذور عميقة في الذات التاريخية والقومية وغاب معها وجه الوطن والأمة والانتماء. هل معنى ذلك أن الثقافةَ العربية في مأزق لا يُمكن الخروج منه أو أنها أمام معضلات يستحيل ايجاد حلول لها وأنه محكوم عليها بالتنازع الأبدي بين التبعية للماضي أو التبعية للآخر بين القفز إلى الأمام أو القفز إلى الوراء؟ الوقوع في مثل هذا التصور يأس واستسلام وإخلاء للساحة أمام الثقافة الكونية الاستهلاكية بعدوانيتها واستعلائها وعنفها وماديتها. هذا ما لا يُمكن القبول به لأمة حيّة ذات حضارة عريقة كالأمة العربية، لكن هذه الأمةَ لا تنهضُ من جديد ولا تستطيع الحفاظ على هُويتها واستيعاب المتغيرات الجديدة والمستجدة في الثقافة العالمية، إلا إذا عمدنا إلى ربط الثقافة بالواقع الاجتماعي من أجل صياغة مشروع تحديثي شامل في: الأدب والفلسفة والفن والموسيقى والعمارة وكل جوانب الحياة الثقافية. بهذا السبيل وحده ينطلق الإبداع الواعي والخلاّق فتتحوّل المؤسسات الثقافية من مؤسسات سلطوية تكبت رُوح الإبداع وتكرّس التخلف والتبعية والجمود الفكري والعقائدي إلى مؤسسات ديمقراطية تُطلق عملية الخلق والإبداع والإنتاج العلمي والأدبي وتشحذ همم المثقفين والمفكرين. بمثل هذا المشروع نُجدّد مجتمعنا وثقافتنا باستمرار ونحمي خصوصيتنا القومية وهُويتنا الثقافية، فليس بالتِقْنية وحدها تتقدَّمُ الأمم وليس بالقطيعة الإبستمولوجية مع الماضي أو مع الغرب يُمكننا بناء نهضتنا من جديد ومقاومة الهيمنة الثقافية.
إن حلَ أزمة الموقف الحضاري والثقافي يبدأ بإعادة النظر في كل أبعاد المشكلة وهذا يكون بتحويل خطاب التراث وخطاب الغرب إلى خطاب علمي حضاري حُر لا ينتزع التراث من ظروفه التاريخية ولا يجتث الثقافة الغربية من بيئتها، بل يفتش عن مكامن الخلل في الواقع وفي التراث وفي الثقافة التغريبية على السواء مما يستدعي الدخولَ في عملية نقدية تطال كل وجوه المشكلة التي نحن في صميمها.
لقد آن الأوان لأن نُقَوِّمَ علاقتنا التاريخية بالتراث فنجابه قضاياه بغير الصمت والتردد والتبرير حتى يتكونَ عندنا وعيٌ تاريخي وليس وعيٌ أسطوريٌ لهذا التراث. ولقد حان الوقت أيضًا، كي ندرس الفكر الغربي في تواصله مع تاريخه وبيئته. وكي ننظر إلى الواقع بكل سلبياته وثغراته وليس بتبريره والتستر عليه. فالثقافة الغربية لم تتكونْ إلا عبرَ صراع جدلي وطويل مع واقع الغرب، وقد عانى المثقفون والمفكرون الغربيون كثيرًا من المصاعب والآلام حتى توصلوا إلى قيام المجتمع المدني وتوطيد الديمقراطية وحقوق الانسان. في حين آثرنا نحن الركون إلى النظريات الحاضرة: ليبرالية، اشتراكية، ماركسية، وجودية. فكانت النتيجة هذا الضياع المأسوي والخوف على الذات والهُوية والثقافة. وهنا بالذات يبدأ دورُ المثقف العربي الملتزم الذي على عاتقه تقع مسؤوليةُ المواجهة في أمّة تُعَدُّ أرقام الأمية فيها مرتفعة وكذلك أرقام المهمشين والمحبطين. هذا المثقف هو الذي يجب أنْ يحملَ بقلبه وعقله مُهمة التبشير والنضال من أجل الحرية والعدالة والمساواة وهو الذي سيقود عملية بناء المجتمع المدني فيطرح كل الأمور والمسائل التي تجنبنا حتى الآن مناقشتها في العمق. ومُهمة كهذه ستكون صعبة حتمًا ومحفوفة بالمخاطر والعذاب، ولكنها تستأهل ذلك كله لأن الثمنَ هو مستقبلُ أمّة وثقافتها وحضارتها، فهل يتردد المثقف العربي في قبول هذه الرسالة التاريخية العظيمة؟