بين ثقافة الحوار وحوار الثقافات

 تكوين

يستبطن انشغال النخب في مجتمعاتنا العربية بسؤال الحوار عموماً، وبين الثقافات بخاصة،حقيقةً مفادها أن التعددية في هذه المجتمعات ليست بخير، وأن تجربة، الفكر العربي في هذا المجال لم تكن على قدر وافٍ من الإيجابية المثمرة،فبالرغم من التواصل الثقافي والتبادل المعرفي، على امتداد التاريخ القديم والحديث والمعاصر، بين العرب والمسلمين من جهة وشعوب العالم المختلفة لاسيما الغربية منها من جهة أخرى،استمرّ الخطاب الثقافي السائد في مجتمعاتنا، ينظر إلى ثقافة الآخر المختلف، بشيء من الحذر والارتياب، ويقاربها بوصفها ثقافةدخيلة،و غزواً ثقافيا، وهيمنة فكرية،تهدّد الهوية وتخلخل أركانها الدينية والقومية.تحضرني في هذا السياق،على سبيل المثال، تلك المناظرة الشهيرة بين أبي سعيد السيرافي النحوي وأبي بشّر متى المنطقي، باعتبارها الأنموذج الحواري المرجع في تراث العرب الثقافي، تستقرّ في وعيهم بوصفها الدليل القاطع على أصالة تجربتهم في ثقافة الحوار، ومع ذلك، يتجلّى أمام المتابع لحيثيات هذه المناظرة،وللظروف المحيطة بها، رسوخ  الخطاب “الهوياتي”وسيادته،في مرافعة السيرافي،دفاعاً عن النحو،العلم العربي النقي، و عن أصالته، بعصبية قومية متعسفة،مستفزّة،بلغت حدّ التنمّر، والاستعلاء، وضعت أبي بشر متّى في مرمى الإشتباه  وفي موقع المنحاز  لثقافة الآخر اليوناني والمتهم بالترويج لها والإعلاء من شأنها على حساب أمته ولغتها ومنطقها في النظر والتفكير،والخطاب نفسه استمرّ على مدى العصور المتأخرة، يتصدّر الأدبيات الأيديولوجية بوجوهها القومية والدينيةالمختلفة،ناقلاً الحوار، من كونه يبدأ اعترافاً، يبوح به،لنفسه أولاً وللآخر،كل طرف من الأطراف المتحاورة،يقرّ فيه بأنه لا يمتلك كل الحقيقة،إلى جعله نوعاً من السجال،المنافي لمطلب الحقيقة نفسِها والمجافي لمنزلة الآخر،و المسكون بوثوقية مفرطة إلغائية،تغذّيها نوايا الإفحام والإقصاء والغلبة(راجع:وليد خوري،كلام على شفير الميتافيزيقا،دار التنوير،بيروت،مركز دراسات فلسفة الدين،بغداد٢٠٢٥).

لكن هذا القلقُ على الهُوية،والخوفُ عليها من الآخر الوافد،بدا أشدَّ تهديداً للهوية نفسها ،و استوى مع العصبانية التي تلازمه،نوعاً من الانسداد لآفاق التفاعل بينها وبين سائر الهويات والثقافات،وعائقاً أمام تفتّحها و انفتاحها،وحائلاً دون تجديد أدواتها و تطوير وجودها المطمئنّ وتفعيل حضورها المطمْئِن.

لا شك أن هذا الواقع لا ينبئ بإمكان حوار هادف ومثمر بين الثقافات المتعددة،و يكشف عن غياب فاضح،أوتغييب مقصود،عن الثقافة السائدة في مجتمعاتنا، لجملة من المفاهيم الأخلاقية، المعبّرة عن منظومة من القيم الانسانية الجامعة،يصحّ البناء عليها في التأسيس لخطاب يدعو إلى التلاقي،تحقيقاً لتكاملٍ ثقافي واجتماعي،لعلّ أبرز هذه المفاهيم،مفهوم العيش معاً،في مجتمع متعدّد الثقافات، حيث يفرض الحوار نفسه،بغية معالجة وجوه الاختلاف بينها،وعليه فالحوار والاختلاف،يحضران بوصفهما قيمتين فلسفيتين مكرّستين،وناظمتين في الوقت نفسه لثقافة متفاعلة، تحترم التعدّد وتحفظ للآخر مكانته ولثقافته دورها في مسيرة إثراء الحضارة الانسانية الجامعة.

إذا كان حوار الثقافات مطلباً إنسانياً وضرورة إجتماعية ومعرفية،توجبها إرادة بناء السلام في عالم يضج بالتنوّع ومجتمعات يسود فيها التعدّد و الاختلاف بين مكوّناتها ،فإن شروط تحققه تبقى رهن القيم

التي تربت عليها الجماعات المنتجة لهذه الثقافات،ما يعني في سياق منطقي، أن ثقافة الحوار تفرض نفسها،وتتقدّم بوصفها مدخلاً منهجياً وأخلاقياً، بل شرطاً لا مفرّ منه ومرحلة تأسيسية حتمية لكلّ حوار يستهدف فتح مسالك التواصل بين الشعوب و بناء الجسور بينها، عبر الثقافات التي تشكّلت في ظلّ تجاربها مع الحياة ومن أجلها.

-الحوار والعيش معاً أو المعية

لقد أوجبت التعدّدية في مجتمعاتنا الحوار  منهجاً،يعالج  أزماتها،ويحدّ من انزلاقها إلى ضروب من الخلاف والفرقة،لكنه يبقى محدود الأثر،على شيء من العقم، إذا لم تتقدّمه عند مكوّنات المجتمع المتعددّ،ثقافة أخلاقية،قوامها على حدّ تعبير بول ريكور ” الرغبة بالعيش بخير مع الآخرين ولأجلهم برعاية مؤسسات عادلة،قصد تحقيق السعادة للجميع،أفراداً وجماعات”.

تبدو هذه المعادلة الثلاثية بمثابة مخطّط توجيهي،يضع مريدي الحوار على بيّنة من القيم التي تساعد كل مكوّن من المكونات المختلفة في مجتمع واحد على انتاج ثقافة محاوِرة،تبني بين المختلفين معابر التواصل وترسّخ في علمهم كما في عملهم،مفهوم المعية على قاعدة الاشتراك في الخير العام في ظلّ مؤسسات عادلة ترعى شؤون الجميع وتحمي مصالحهم وفق قواعد المساواة أمام القوانين والأنظمة.

لا يخفى ما تنطوي عليه هذه المعادلة الأخلاقية الحيّة،من قناعات ثوابت يجب أن تتقدّم كلّ حوار ،جلّها يرتقي إلى مرتبة المفاهيم الكلية الطالعة من تجارب العقل الفلسفي،ومن رَحِم العقلانية الناشطة في إنتاج المقدّماتِ والمباني الفكرية المثريةِ لثقافة التواصل والتلاقي،في مجتمعات مركّبة،محكومة بالحوار منهجاً يجعل من الاختلاف بين مكوناتها فرصة لوئام منشود .

لكنّ الاختلاف مع كونه حقيقة فلسفية،فقد اكتسب أصالته من وجوده المحايثِ للأشياء والمعاني،لموجودات الطبيعة الناطقة منها وغير الناطقة،للأفراد والجماعات في مجتمع واحد،ما جعل الحوار بوصفه منهجاً أصيلاً،يلازم الاختلاف ويقع منه بمنزلة التابع له،كلاهما حقيقتان فلسفيتان لا تنفصمان،إذ لاحوار إلا مع الاختلاف،ولا ندخل في الحوار إلا ونحن مختلفان ولا نتحاور إلا ونحن ضدّان،والحوار لا يكون إلا بين ضدّين متقابلين،يروح ويجيء بينهما،قولاً على قول ورأياً على رأي،ابتغاء الوصول بهما إلى مشتركٍ يكون لكلّ منهما فيه نصيب.والحوار بهذا المعنى،يبقى نجاحه مشروطاً بجملة من الضوابط الإجرائية،تنأى به عن العنف والخلاف والفُرقة،باعتبارها من الآفات المناقضة لحقيقته،لعلّ أهمّها حريةُ الرأي والنقد،إذ من غير الجائز منع أحد طرفي الحوار من إبداء رأي،ومنع الطرف الآخر من توجيه النقد لهذا الرأي،إلى ذلك،ينبغي على كلّ متحاور  أن يعمل على إثبات رأيه،آخذاً بالاعتبار،الأصول المشركة بينهما،(الرغبة،العدالة، السعادة)المؤصلة لتجربة العيش معاً والضامنة للحوار في المختلف عليه من الفروع إذا جاز التعبير،على أن يكون الاستدلال المنطقي الأداة المنهجية التي يتوسّل بها كل طرف من المتحاورين،إذ لا يتحقق ارتفاع هذه الآفات،بوجهيها المادي والمعنوي بينهم،إلا باعتماد قواعد الإثبات المرجّحة لوجهة نظر كل منهم،على أن تكون هذه المنهجية مترافقة مع اجتناب التعبير عن الرأي بعبارات تنحو فيها الألفاظ بمعانيها منحى الإجمال والتشابه والاشتراك،بدل أن تكون على تعيين وإحكام،ما يفقد الرأي سمة الوضوح ويعرّضه لشتى ضروب التأويل.هذا الحوار الجاري بين المتحاورين ينبغي أن يسهر فيه الواحد منهم على احترام الآخر والنظر إليه باعتباره شريكاً في كينونة ذاته،فلا يشوش عليه عند الإدلاء برأيه بالمقاطعة أو التجريح أو التحقير،ويبتعد عن الوثوقية المستفزة بعيداً عن سجال التفاضل العبثي والعقيم وعن المعاندة الكيدية والقبول بما انتهى إليه الحوار بينهما من نتائج كائنة ما كانت وعلى أي وجه استقرّت.

والسؤال الذي يفرض نفسه،إلى أي حدّ تعترف المكونات في مجتمعاتنا العربية والمجتمع اللبناني تحديدا بهذه القِيَم الأخلاقية والسلوكية،وتُخلص لها ،وتبني عليها في إنتاج ثقافة محاورة؟

إن المراقب لواقع المجتمعات العربية التعدّدية عموماً والمجتمع اللبناني تحديداً،وللعلاقات القائمة بين مكوّناته،يستطيع أن يتعرّف بسهولة إلى مكامن العجز الذي رافقه حتى الآن في إنجاح تجربة العيش معاً بين مكوّناته،و فشل الحوار المجدي بين ثقافاته المتنوّعة،وذلك نتيجة أسباب متعدّدة المناهل،خلاصتها،افتقار مكوّناته إلى ثقافة مجتمعية، ترسّخ الاعتقاد الصادق بالرغبة في العيش بخير مع بعضها ولأجل بعضها في ظل مؤسسات عادلة،بعيداً عن التكاذب والنفاق والمراوغة واستغلال الوقت من أجل تحقيق المكاسب الذاتية والفئوية،كلّها أفعال يؤول التمادي بها إلى تقويض شروط الحوار الهادف والبناء بين هذه المكونات و إلى نسف كل إمكان لمعية مستقرّة وهانئة.

في الظاهر،لا تترك الغالبية من مكونات هذا المجتمع مناسبة إلا وتعلن عن رغبتها بالعيش معاً بسلام ووئام،مع خطاب وجداني يشيد بتجربة الحياة مع الآخر،لكنها،سرعان ما تبرد حرارتها ويهدأ اندفاعها ويخفت صداها عند تضارب المصالح الفئوية بينها،فتستيقظ الحمية ذوداً عن المذهب أو الطائفة أو العشيرة أو ما شئت من العصبيات المركبّة والفكرانيات المقفلة،كذلك الأمر في عمومية الخير،فإذا بالمبدأ يتحلل والخير يتحصحص بين القوى النافذة والجماعات الطامحة،أما العدالة في الاحتكام إلى القانون،فمسألة فيها نظر،لأن سيفها في دولتنا،غالباً ما يقتات من رقاب الضعفاء والمهمشين،وقد رقّت من رقة أحوالهم وشحّ أقواتهم،فسهُل قطعها والتمثيل بها،أما الغالبية من أهل السلطة،المتحكّمون بمفاصلها والممسكون بمواقع القرار فيها،فأحوال البلاد وأوضاع العباد تشهد على ضمور القيم الأخلاقية في أفعالهم،وتخبر عن مهارتهم في نهب الأرزاق وإمعانهم في تهشيم وجه العدالة وإعاقة سيرها،فلا فوقهم فوق،وتحتهم،قطيع يدب،مقطوع الحيل،على وقع الخراب الذي أحدثه فسادهم المدوّي وجرائمهم الموصوفة.

لقد بلغ العبث بقواعد الحياة المشتركة بين مكونات المجتمع اللبناني حدّاً،تحوّل معه الاختلاف بينها إلى خلاف،وصل إلى درجة التشكيك بمبدأ المعية،وبالشراكة الهشة بين أطرافها،لا أعتقد أن مثل هذا الخلل في بنية الإجتماع اللبناني كان يمكن أن يصل إلى ما وصل إليه، لو أن ثقافة الحوار رائجة بين أهله ومكوناته وراسخة في تجاربهم اليومية وأخلاقياتهم السلوكية.

هذا الخواء الأخلاقي في مجتمعاتنا يحمل الكثير من الدلالات،لعلّ أبرزها،انعدام اعتبار القيم الأونيفرسالية في ثقافتنا عموماً وفي أنظمتنا التربوية بخاصة،والاكتفاء منها بما يخدم العيش بخير مع الأقربين أو مع من يشبهنا أو من تجمعنا به مصلحة،دون الأبعدين والمختلفين عنا،ما يناقض حقيقة هذه القيم،ويؤدي إلى تجفيف معانيها وتحريف مضمونها وتشويه مقاصدها.وغني عن البيان أن مثل هذا الواقع المجتمعي لا يمكن أن يُنتج ثقافة محاوِرة،يُعوّل عليها في مداواة التوجّس من الإختلاف بين مكوّناته.فترى الواحد منها حذِراً من الآخر المختلف،يؤثر الابتعاد عنه بدل أن يقبل عليه بإيجابية محبة،يحاوره في المسائل الخلافية،لأن الإختلاف هو في الأعراض أما الجوهر الإنساني فواحد،وتقديم العرض على الجوهر غالباً ما يتبدّى في سمات المجتمعات-المعازل،التي لم تتعوّد الخروج من الديار،ولم تألف السؤال عمّا يجري وراء الأسوار،لأن في الأمرين توق إلى جديد يوقظ العقل وحرية تكسر الأصفاد وعجيب يحرّك المخيال وبديع يدهش الحواس ولطيف يؤنس الفؤاد،فيض من الأحوال المحفّزة على التواصل و التحاور ،يفاجؤنا بها المختلف عنا،يصعُب على ربيب الجماعة المنغلقة هضمُها والنظرُ إليها بعقل منفتح،وقلبٍ خيّر قتلت فيه المحبة كلّ دنس،على ما يقول الورّاق،والدنس جملة الآفات والآثام المعيقة لفعل المحبة وسعة مداها وفيض أنوارها.

يصبح  الحوار عديم الجدوى إذا لم يكن حصيلة وعي أخلاقي يتحلى به مريدوه، يحمل في تكوينه بذور الكونية ويتجه في مقاصده صوب العمومية والشمول، إن التربية على المحبة والعدالة والحرية والمساواة والأخوّة،باعتبارها مفاهيم كلية،تحفظ في نفوس الناس وعقولهم موقعاً دامغاً للآخر،وتُنتج من أدوات التفاهم معه ما يعزّز ثقافة الحوار ويشجع على انتشارها واستثمارها في تحصين المعية وتبريد آثار الاختلاف بين مكوناتها.

أخلص إلى القول

أن المجتمعات المتعدّدة،المسكونة بالقراءات الموّجهة ليقينيات الإرث الإبراهيمي،وبالأيديولوجيات  الدينية والقومية التي فرّخت على هامشها،والحذرة من الثقافة الفلسفية المنعقدة على ركني الحرية والعقلانية،لن يكون الحوار فيها عموماً وبين ثقافاتها بخاصة،أكثر من سجال يضاعف من أسباب الخلاف بين مكوناتها وينتج من الأزمات ما ينتهي بها إلى الفوضى والإقتتال في الكثير من الأحيان،والأمثلة لا تحصى…

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete