تكوين
المقدمة:
ظهر مفهوم الهشاشة في السنوات الأخيرة كمجال بحثي في مختلف التخصصات، وخاصة في الفلسفة، العلوم الاجتماعية، والنصوص النسوية، وهو مفهوم إشكالى يتداخل مع قضايا العدالة والاعتراف ، ويصف حال الوجود الإنساني الذي يتسم بالضعف والقابلية للضرر، ولقد أصبح رائجًا في النقاشات العامة وفي الخطاب السياسي، خصوصًا عندما تصدرت المشهد العالمي بعض الأزمات مثل جائحة كورونا، (وما تبعها من مناقشة بعض القضايا الأخلاقية مثل؛ الأطفال مقابل كبار السن، الصحة مقابل الاقتصاد…إلى آخره)، كذلك أزمة البيئة، وإشكاليات الهجرة، مسؤولية الرعاية والشيخوخة، ومسؤولية الدولة مقابل الحرية الفردية، وغيرها من القضايا التى جعلت من تناول مفهوم الهشاشة أمرًا ضروريًا ومهمًا، ورغم ذلك فلا زال هذا المفهوم في حاجة إلى تنظير ونقاش معمق ومدقق، وذلك بسبب ما يثيره من إشكاليات؛ بداية بمفهومه الملتبس والمتلبس بالعديد من المفاهيم المشابهة الأخرى، ومرورًا بالتساؤلات المعقدة والمتشابكة التي تُثار حوله؛ مثل، ما الهشاشة؟ ومن الذي يُعد هشًا؟ ومن له الحق – أى ما السلطة- في تحديد من الذي يتصف بالهشاشة؟ وهل تُعد الهشاشة جسدية، أم أن للعوامل النفسية والاجتماعية والثقافية دورًا في ترسيخها؟ وما أبعادها، ودلالة جدليتها، وكيف يمكن أن تمثل إقصاءً وقمعًا للبعض، وكيف يمكن أن تستخدم بوصفها أفقًا للمقاومة؟
هذا ما سوف أجيب عنه في هذه الدراسة وذلك من خلال المحاور التالية:
- أولًا- دلالة المفهوم ورحلة المصطلح.
- ثانيًا- الهشاشة؛ من أنثروبولوجيا العجز والنقص إلى أنثروبولوجيا الاعتراف.
- ثالثًا- جدل الهشاشة بين المسؤولية الأخلاقية والاستغلال القمعي.
- رابعًا- الهشاشة كأفق فلسفى لإعادة النظر في مفهومي؛ السياسة والعدالة.
أولاً- دلالة المفهوم ورحلة المصطلح:
يُعد مفهوم الهشاشة مفهومًا مراوغًا إلى حد كبير، وذلك لأنه لا يمكن حصره في تعريف محدد، وإنما يمثل ساحة جدلية من التعريفات التي تشير في معناها العام إلى قابلية الشئ للكسر أو الانهيار أو التضرر عند التعرض للضغوط أو الصدمات، غير أن هذا المعنى البسيط للهشاشة قد اتسع في السياقات الفلسفية والإنسانية ليتضمن أبعادًا وجودية وأخلاقية واجتماعية وسياسية مختلفة، وتعود كلمة هشاشة Vulnerability إلى اللفظة اللاتينية Vulnus والتي تُترجم في الإنجليزية إلى كلمة جرح (ماكنزي 2014). أن تكون هشًا يعني، إذن، أن تكون عرضة للإصابة أو الجرح. و يحمل هذا المفهوم دلالة سلبية لأننا كبشر نرى في الخضوع للهشاشة أمرًا مخزيًا ينبغي تجاوزه بأي ثمن، و عادة ما تقترن الهشاشة بالضعف والنقص والعجز والاعتماد على الغير، ورغم ذلك كله، تظل شرطًا أنطولوجيًا من شروط إنسانيتنا([1]).
هناك عدة مصطلحات إنجليزية تترجم إلى العربية بالهشاشة، وعادة ما تستخدم بصورة متداخلة دون تمييز دقيق بينها، وهى؛ Precarity, Fragility, Vulnerability ، تعنى Precarity ما يُستمد من السؤال أو الدعاء، وتشتق من الكلمة اللاتينية Precarius ، أى تلك الحال التى يعيشها الإنسان والأفراد عندما تكون فرصهم وأحوالهم وخياراتهم فى الحياة خاضعة لإرادة الآخرين التعسفية المهيمنة، أما Fragility فتعنى الشئ الهش القابل للكسر( مثل الزجاج)، لكنه يمكن أن يبقى سليمًا فى ظل ظروف محددة، ولا يمكنه التكيف فى حال أن تغيرت هذه الظروف، أما Vulnerability فتمثل المفهوم الأشمل المتضمن للمصطلحات السابقة، وذلك لأنه يمثل الحال الأنطولوجى للبشر جميعًا فى كل الظروف والأحوال([2])..
لا تُعد الهشاشة مفهومًا جديدًا فى الفكر الفلسفى المعاصر بل كان حاضرًا في قلب الفلسفة القديمة. فعلى سبيل المثال؛ نجد أن أرسطو في “الأخلاق النيقوماخية” وفي سياق حديثه عن السعادة وصنوفها، قد رأي أن السعادة تكمن فى الفضيلة، ورغم تأكيد أرسطو على أن أفضل الأشياء لا ترتبط بالمتع الجسدية، فإنه قد أقر أيضًا أن هناك بعض الخيرات الخارجية التي قد تساهم في بقاء السعادة أو زوالها، و يرى أن هذه الخيرات تُعين الإنسان على تحقيق سعادته ، التى يتعذر إحرازها إذا عاش حياة ملؤها الألم والفقد([3]).
أي أن أرسطو قد تحدث فى هذا الموضع عن تعرض الحياة الطيبة للحظ وللظروف الخارجية واعتبرها مصدرًا للهشاشة ( تلك الفكرة التى طورتها، حديثًا، مارثا نوسباوم)، وقد خالف في رأيه هذا الفكر اليوناني اللاحق، والذي لم يهتم لتلك الظروف ولم يقم لها وزنًا بل تحدى فكرة الهشاشة بدعوته إلى اللاانفعال، وخير مثال على ذلك، الفكر الرواقي ومفهومه عن الأباثيا Apathia، وقد حاولت الرواقية من خلال هذا المفهوم مقاومة الهشاشة، وذلك بتجاوزها للظروف الخارجية وتأكيدها على قيمة العقل وإرادته تجاه التحديات الحياتية، وهو ما يمكن أن نجده في تفسيرها للانطباعات والأفكار، حيث ترى أن إحكام قبضتنا على الواقع ومقاومتنا للهشاشة المحيطة بنا يتمثل فى مراجعة أفكارنا وفحصها([4]). فمصدر معاناتنا النفسية والعقلية يكمن في نظرتنا للأشياء، أي أن الرواقية قد نقلت موقع الضبط لدى الإنسان من الخارج (حيث تسبب الأشياء الهشاشة) إلى الداخل حيث يصبح الإنسان مالكًا لإرادته مقاومًا لهشاشته.
إذن، لم يكن مفهوم الهشاشة مفهومًا معاصرًا لكن وجدت جذوره في الفكر الفلسفي القديم، كما أشرت سلفًا. وظل هذا المفهوم في رحلته عبر الفلسفات الحديثة التي أكدت هشاشة الوجود الإنساني، وعبثيته، مثل الفلسفة الوجودية، حتى النصف الثاني من القرن العشرين عندما تحولت دلالته من حال وجودية تعتري الوجود البشري بأكمله إلى حال إنسانى يرتبط بالسياق السياسي والاجتماعي والأخلاقي، وهنا تحولت هذه الدلالة للمفهوم إلى مصطلح فلسفي معمق ظهر في كتابات بعض المحدثين مثل مارثا نوسباوم Martha Nussbaumفي كتابها الشهير “هشاشة الخير” 1986، وكتاب جوديث بتلر Judith Butler “هشاشة الحياة” 2005.
هذا عن الحضور الفلسفي لمفهوم الهشاشة أما عن ظهوره على مستوى الخطاب السياسي العام و راهنيته في أوروبا والولايات المتحدة فيعود إلى تاريخين مختلفين؛ ظهر في الولايات المتحدة في سياق الحديث حول الجسد وتعرضه للتشويه والتعذيب، لاسيما، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما أعقبها من أحداث ونزوع نحو الحرب، وفي أوروبا، خاصة في فرنسا، فقد نشأ التفكير الراهن في الهشاشة من مواضع الهشاشة الاجتماعية ونزعات الإقصاء المتضمن لبعض الممارسات مثل ترحيل بعض الفئات، أما عن شيوع الاستخدام العلمي لمفهوم الهشاشة في فرنسا في تسعينيات القرن العشرين فيرجع إلى عالم الاجتماع روبير كاستيل Robert Castel ، والذي يُعرف الهشاشة بأنها عبارة عن فضاء من عدم الاستقرار والاضطرابات، يسكنه أفراد غير آمنين في علاقاتهم بالعمل، فضلاً عن كونهم هشين في اندماجهم وعلاقاتهم بالآخرين([5]).
ثانيًا- الهشاشة، من أنثروبولوجيا النقص والعجز إلى أنثروبولوجيا الاعتراف:
هناك تصوران سائدان عن الهشاشة؛ الأول منهما هو المقاربة الأنطولوجية التي تركز على تجسدنا بوصفه المصدر الأساسي للهشاشة، والثاني منهما هو المقاربة غير الأنطولوجية والتي تلتفت إلى السياق البيئي، تقوم المقاربة الأنطولوجية على حقيقة كوننا كائنات جسدية محاطة بعالم يمكنه أن يؤذينا جسديًا بصور مختلفة، فالإصابات الجسدية، الأمراض، الكوارث، ومحدودية الحياة الإنسانية كلها تمثل تهديدًا لوجودنا الجسدي الهش، غير أن هذا الفهم الأنطولوجي للهشاشة الفطرية يتجاوز مجرد التجسد الإنساني، ليتضمن أيضًا معاناة الإنسان النفسية والأخلاقية والروحية، وقد أدى التمييز بين هذين التصورين إلى نقاشات عديدة استتبعت انتقادات موجهة إلى كليهما؛ حيث يشير منتقدو التصور الكوني للهشاشة إلى أن اعتبار جميع البشر متساويين في قابليتهم للهشاشة قد يضعف القدرة على تحديد احتياجات الأفراد الخاصة المرتبطة بالسياق لا بالأنطولوجيا، وفي المقابل، يحذر منتقدو الفهم غير الأنطولوجي للهشاشة من مخاطر عزل جماعات أو فئات بعينها بوصفها أكثر هشاشة، لأن هذا قد يؤدي إلى التمييز والتنميط([6]).
ومن ثم، يمكن أن نصنف الهشاشة وفقًا لذلك إلى الهشاشة المتأصلة وهي تلك التى تشير إلى مصادر الهشاشة التي تُعد جزءًا أصيلاً من الوضع الإنساني عمومًا، وتنبع من حاجاتنا الجسدية، وطبيعتنا الوجدانية والاجتماعية فجميعنا عرضة للجوع والعطش والأذى الجسدي والعاطفي، وللعزلة، وغير ذلك، وبعض هذه الهشاشة ثابت؛ كالجوع والعطش، مثلاً، في حين يختلف بعضها الآخر وفقًا لمجموعة من العوامل؛ كالعمر، والصحة، النوع، الإعاقة، كذلك تختلف الهشاشة المتأصلة تبعًا لدرجة مرونة الشخص وقدرته على التكيف([7]).
أما الصنف الثاني من الهشاشة هو ما يمكن أن نطلق عليه الهشاشة الظرفية، ونقصد به الهشاشة المرتبطة بسياق معين –كما أسلفت- فقد تكون ناجمة عن الأوضاع الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو البيئية للأفراد والجماعات، وقد تكون قصيرة الأمد أو متقطعة أو طويلة الأمد، فعلى سبيل المثال، قد تؤدي الكوارث الطبيعية إلى هشاشة واسعة النطاق، غير أن الآثار الأولية لهذه الكارثة تتوقف –إلى حد كبير- على السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولا ينفصل هذان المصدران انفصالاً تامًا، فكل أشكال الهشاشة تعاش –في نهاية المطاف- في الجسد البشري([8]).
قد تكون كل من الهشاشة المتأصلة والظرفية إما استعدادية وإما فعلية، ويشير التمييز بين الاستعدادي والفعلي إلى حالات الهشاشة المحتملة مقابل الهشاشة المتحققة بالفعل، ومن أنواع الهشاشة الظرفية والتي تُعد إشكالاً أخلاقيًا هي الهشاشة المرضية التي تنشأ من مصادر متعددة؛ كالظلم الاجتماعي أو القمع السياسي، وقد تكون نتاجًا للهشاشة المؤسسية([9]).
تُعيد الهشاشة التفكير في مفهوم الذات السيادية، ذلك الوهم الذي يشكل أساسًا لإدراك مشوه عن الحال الإنسانية، والذي ينظر إلى الذات بوصفها مستقلة بقدر ما هي منعزلة مكتفية بذاتها، مما يولد تمزقًا أنطولوجيًا يفصل المركز (أي الأنا) عن الآخر، وينظر إليه على اعتبار أنه غير جوهري يمكن تجاهله وتجاوزه، أما الهشاشة فتعني موت تلك الذات السيادية، وهذا الموت بمثابة موت الهيمنة والسيطرة المستحيلة، ولا نتحدث عن موت مطلق للذات، لكن عن ذات واعية بتبعيتها وعلاقاتها الوطيدة بالآخر في شبكة من الاعتماد أو الاعتراف المتبادل([10]).
وهنا يمكن أن نفهم الذات بالمصطلحات العلائقية، والاعتراف هنا ليس اعترافًا بين هويتين ثابتتين بل بين ذوات مختلفة في طور التشكل والتحول، وربما تكون جوديث بتلر (الفيلسوفة الأمريكية المعاصرة) أهم من تناول مفهوم الهشاشة من هذا المنظور، وفي هذا تقول: “إن الهشاشة هي حال أساسية وأولية، وعلامة على كون الإنسان إنسانًا، أن نتأثر ضد إرادتنا فهذه هى الهشاشة، والاعتراف الذي لا يمكن محوه بالإرادة”، حتى عندما تصبح الهشاشة فوق طاقة احتمالنا، وعندما يذكرنا بها الواقع بشكل قاسٍ من خلال الإهانة أو الإصابة بضرر، يجب ألا نحاول قمعها لأن هذه الحال هي حال حقيقة الوجود والذات، وحقيقة العلاقات وروابط التبادل والتعاون. لكن السؤال الأهم في ذلك كله؛ ما الذي يجعل الذات تستعيد وعي الهشاشة، إذا كانت منذ فجر الحداثة، تُعد نفسها سيادية مكتفية بذاتها؟! وهنا تدعو جوديث بتلر إلى محاولة الاستفادة من تجربة الفقدان؛ كموت الأحباء، أو افتقار الشعور بالأمان … إلى آخره، أي أنه يمكن لتجربة الفقد أو الفشل أن توقظ وعي الذات بمدى هشاشتها واعتمادها على الآخرين([11]).
أكدت جوديث بتلر، إذن، على البعد الاجتماعي العلائقي لمفهوم الهشاشة، كذلك ربطت بينها وبين البنى التحتية والاقتصادية، فتقول: «هكذا فإن اعتماد الإنسان وغيره من الكائنات على الدعم البنيوي التحتي يكشف عن هشاشة يواجهها عندما يفتقر لهذا الدعم من خلال تفكك البني التي تميز حياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية …». ومن ثم، تؤكد سمة الهشاشة العلائقية عوضًا عن التعامل معها بوصفها شرطًا أنطولوجيًا للإنسانية، كذلك يتضح رفضها لمركزية الإنسان من قولها “الإنسان وغيره من الكائنات” ([12]).
تشير جوديث بتلر أيضًا إلى فكرة الاعتماد فتقول: ” قد يشمل حديثي عن الاعتماد، بالفعل، الاعتماد على الأم أو القائم بالرعاية غير أن هذا ليس الشكل الأساسي للاعتماد الذي أعنيه، … فمن خلال التنظير للجسد الإنساني بوصفه شكلاً معينًا من الاعتماد على البنى التحتية، المتمثلة في البيئة، والعلاقات الاجتماعية ووسائل الدعم والإعاشة، تبرز الكيفية التي يثبت بها الإنسان نفسه غير منفصل عن العالم … نحن لسنا هشين إزاء بعضنا البعض فقط، بل إن هذه الهشاشة ذاتها تشير، أيضًا، إلى شرط أوسع من الاعتماد والتكافل المتبادل، وهو شرط يتحدى الفهم الأنطولوجي السائد للذات المتجسدة” ([13]).
ومن ثم، فإن إدراك الهشاشة لا يمكن أن يقف عند حد النقص والعجز وإنما يتجاوزهما إلى ما يمكن تسميته بقابلية الاعتراف.
ثالثًا- جدل الهشاشة بين المسؤولية الأخلاقية والاستغلال القمعي:
يجب بداية في هذا السياق أن أطرح بعض التساؤلات منها؛ لماذا تتناول النظرية الأخلاقية مقولة الهشاشة، وكيف يمكن أن تكون –أي الهشاشة- منتجة لبعض الواجبات والالتزامات الأخلاقية؟ ومن يتحمل مسئولية الاستجابة لها؟ وكيف يمكن أن توظف خطابات الهشاشة لحماية وتبرير الوصايا والإقصاء للأفراد والجماعات؟
إن الحياة الإنسانية مشروطة بالهشاشة، ليس فقط لكوننا كائنات اجتماعية ، لكن، أيضًا، لكوننا كائنات اجتماعية سياسية، وقد نكون عرضة للاستغلال والتلاعب والقمع والعنف السياسي وانتهاك الحقوق، وغالبًا ما يُستدعى مفهوم الهشاشة داخل خطاب التنظير الأخلاقي مقترنًا ببعض المفاهيم الأخرى؛ كالضرر، الحاجة، الاعتماد، الرعاية، الاستغلال، وغيرها. ورغم ندرة التنظير المفهومي للهشاشة، فإنها تمثل محورًا مهمًا للعديد من النقاشات الأخلاقية الحديثة منها؛
- أ- أخلاقيات الرعاية؛ حيث سلطت أعمال بعض المنظرات النسويات مثل فيلسوفة الأخلاق الأمريكية فرجينيا هيلد Virginia Held (1987) سلطت الضوء على هذه الأخلاقيات موضحة دور وأهمية الهشاشة في النظرية الأخلاقية والسياسية المعاصرة، وقد تبنى هذا الاتجاه، لاحقًا، كل من ألاسدير ماكنتاير Alasdair MacIntyre (1995) فيلسوف الأخلاق الأسكتلندى، ومارثا نوسباوم (2006).
- ب- الأخلاقيات الحيوية؛ لقد أصبح مفهوم الهشاشة محورًا للنقاش في هذا المجال، لاسيما، في أخلاقيات البحث، ثم في أعمال اليونسكو (2009) والمفوضية الأوروبية، وهنا يُنظر إلى الهشاشة تارة بوصفها شرطًا أنطولوجيًا ملازمًا للوجود الإنساني، وتارة أخرى بوصفها مؤشرًا لتحديد من الذى يحتاج إلى رعاية إضافية، ويجمع تقرير اليونسكو لعام 2011 بين هذين الجانبين؛ أي الإقرار بالهشاشة الإنسانية العامة مع التشديد على العوامل السياقية التي تساهم في تفاقمها، وتحديد جماعات معينة بوصفها أشد هشاشة([14]).
أما عن كيف تُفضي الهشاشة إلى الالتزام الأخلاقي، فهناك مقاربتان في هذا؛ الأولى منهما تحدد الاستجابة للهشاشة ذاتها بوصفها مصدرًا للالتزام، أما المقاربة الثانية، فلا تؤسس الالتزام على الهشاشة مباشرة، بل ترى فيها مؤشرًا ينبهنا إلى بعض المطالبات الأخلاقية، ولقد صيغت المقاربة الأولى عند كيتايKitay, 1999)) بوصفها ممثلة للنقد النسوي لليبرالية، والتى ترى أن هناك خللاً في النظرية الأخلاقية والسياسية لأنها- أى النظرية- لا تعترف بالأهمية المعيارية لكل من الهشاشة والاعتماد، ولقد انتقدت -وكذلك نوسباوم- مفهوم جون راولز John Rawls عن نظرية العقد الاجتماعي، وذلك لأن واقع الاعتماد الإنساني ينتقد المفهوم التعاقدي القائل بأن الالتزام نحو المحتاجين ينشأ من علاقات تبادلية نفعية بين المواطنين المتساويين، حيث يفترض هذا المفهوم، ضمنًا، أن الأفراد طبيعيون ومتعاونون كليةً([15]). وهذا يخالف واقع الحياة المعيش.
فضلاً عن أن نظرية العقد الاجتماعي لدى جون راولز تفترض وجود ذوات حرة، متساوية، مستقلة، عقلانية، وهذا يستبعد، بطبيعة الحال، ذوي الإعاقات المعرفية من حقوق المواطنة، لذلك يجب تجاوز نظرية راولز صياغة مبادئ أخرى أكثر إنسانية تنطبق على المواطنين جميعًا([16]).
ومن ثم، تُعد الهشاشة أفقًا فلسفيًا لإعادة النظر فى مفاهيم؛ العدالة والمواطنة والمساواة.
وبالعودة مرة أخرى إلى سؤال لماذا تنتج الهشاشة الالتزام الأخلاقي؟ نجد أن المقاربة الثانية -السابق ذكرها- ترى أن مفاهيم الهشاشة والضرر والحاجة مترابطة ترابطًا وثيقًا، وهنا تتقاطع أخلاقيات الحاجة مع أخلاقيات الهشاشة، وتقدم سارة كلارك ميلر Sarah Clark Miller (2012) – فيلسوفة الأخلاق والسياسة المعاصرة- “نظرية الحاجات” وتؤكد من خلالها أن الحاجات الأساسية هي مصدر الالتزام الأخلاقى، وأن علينا واجب رعاية نحوها، وذلك لأنها حتمية، ملحة، كلية، وإذا لم تُلبَّ أفضت إلى الضرر و الأذى([17]).
ومن ثم، تنهار أسطورة النموذج الليبرالي للذات في علاقاتها بالدولة والتي تقوم على الاستقلالية والعقلانية، ويُقترح عوضًا عنها نموذج “الذات الهشة” التي تدفع مؤسسات الدولة إلى الإنصات والاستجابة للحاجات البشرية، لذا تعزز الهشاشة –وفقًا لذلك- المساواة والعدالة التوزيعية والديمقراطية([18]).
لا تهدف نظرية الحاجات التى تؤكد على الهشاشة، هنا، الهروب منها – أى من الهشاشة- أو القضاء عليها ،لأن هذا مستحيل، بل تدعو إلى دولة أكثر استجابة وتفاعلاً، دولة تعترف بواقع الحال الإنسانية، وتوفر من خلال مؤسساتها المختلفة الموارد والمرونة الكافية لتقليل مخاطر الضرر، عوضًا عن الممارسات التقليدية التي توسم الاعتماد على الآخرين بفشل الإنسان في بلوغ الاستقلالية([19]).
تمثل الهشاشة، إذن، مصدرًا نظريًا ثمينًا يجعل الحياة أكثر طمأنينة، لكنها في الوقت نفسه، قد تتحول –في أسوأ الأحوال- إلى ذريعة للإقصاء الاجتماعي والوصم والضبط، ورغم أن الهشاشة هي شرط ضروري للاستجابة الأخلاقية وتحقيق العدالة، فإن التركيز المفرط على العوز والاعتماد قد يصبح تمييزًا وقمعًا إذا لم ننتبه إلى جدلية الهشاشة الداخلية ، وذلك لأنها قد تقدم مفهومًا ربما يكون استعلائيًا، أبويًا، بل، وحتى قمعيًا، حيث يفترض، غالبًا، أن الأفراد أو الجماعات الهشة يفرضون علينا إلتزامًا بالدعم واتخاذ القرار بالنيابة عنهم –وليس مجرد حماية لهم- وهو ما قد يتحول بدوره إلى مساعدة مهيمنة قد تتحكم فيهم([20]).
كذلك قد تتحول الهشاشة إلى أداة أو مقدمة للضبط الاجتماعي، حيث تصنف بعض الفئات مثل، المدمنين، والمصابين بأمراض نفسية، والمهمشين بأنها مجموعات هشة يجب وضعها تحت المراقبة في المؤسسات المختصة، وينظر إلي أفرادها تارة على أنهم عرضة للخطر وتارة أخرى على أنهم مصدر الخطر، مما يترتب عليه ممارسات إقصائية بحقهم، وقد اتضح هذا، جليًا، منذ سبعينيات القرن العشرين في متمثلًا فى نضال ذوي الإعاقة من أجل الوصول إلى مرحلة الإدماج المجتمعى، وذلك بين وعود اجتماعية كثيرة وبين ممارسات مؤسساتية لا تفي بهذه الوعود. وقد يكون هذا الصراع لا مفر منه وذلك لأن المؤسسات، بحكم طبيعتها، تميل إلى التعميم والجمود، ولا يقتصر الأمر على التوتر بين المعايير العامة المجردة ووضع الفرد الخاص ، لكن لأن البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية قد تنتج قمعًا وإهمالاً للحاجات، وليس بالضرورة أن تكون هناك قرارات سلطوية مباشرة لهذا القمع ([21]).
قد تُفضي جدلية الهشاشة، على نحو إشكالي، إلى تحويلها لعامل من عوامل الضبط الاجتماعي، وخصخصة المسؤولية، أي إلى شكل من أشكال الضبط الذاتي المنتج اجتماعيًا، ويرتكز هذا الضبط على محاولة إدارة الهشاشة وتنظيمها، ولتحقيق هذا الهدف، تؤسس البنى الاجتماعية معايير تحكم مسألة توزيع الدعم، غير أن هذه المعايير تكون بالضرورة انتقائية، وذلك لأنها تستند إلى مقاييس تحددها رؤية مهيمنة، لذا تميل استراتيجيات الدولة البيروقراطية إلى تجاوز الفروق الداخلية بين أبناء المجتمع الواحد، كذلك قد يؤدي الدمج الاجتماعي إلى تطبيع الاختلاف وقمعه، عبر إلزام الأفراد بمواءمة حاجاتهم مع البنى القائمة([22]). وهنا تظهر إشكالية التمييز بين الهشاشة بوصفها شرطًا أنطولوجيًا عامًا كليًا وبين كونها نتاجًا للبنى والسياقات القمعية، التى وإن لم تخلقها فإنها، على أقل تقدير، تزيد من حدتها.
قد تستخدم الهشاشة ، أيضًا، – كما تؤكد جوديث بتلر -كأداة سياسية لقمع الآخرين، وتضرب مثالاً لذلك، بأن بعض الأشخاص، خاصة الرجال، يرسخون مواضع للذكورة من خلال إنكار هشاشتهم وإسقاطها على الآخرين، ولأن الهشاشة منتج اجتماعي يقوم على السياق، يمكن المبالغة فيه أو التقليل منه كأداة سياسية، فهناك من الرجال –مثلاً- من يدعون أنهم ضحايا للفيمينزم – أى للنظريات النسوية-، وذلك من أجل الترويج لسياسات مضادة بحق النساء([23]).
رابعًا- الهشاشة كأفق لإعادة النظر في مفهوم السياسة:
دائمًا ما يكون هناك تردد في إسناد أي دور سياسي للهشاشة، أو الاعتراف بوجاهتها السياسية، وهو تردد يتمحور حول سماتها الرئيسة؛ كطابعها الأنثروبولوجي، والموقع المركزي الذي يحتله الجسد في كل تفكير حول الهشاشة، مما يضع في صميم كل تعليل ينكر أثرها سياسيًا، موضوعًا يُحكم عليه بعدم أهليتها للانتماء إلى المجال السياسي، كذلك، بسبب التعارض المفترض بين المنظور السياسي من جهة، والتعبير عن المعاناة والحاجات من جهة أخرى، بالإضافة إلى، صعوبة تصور ذات سياسية هشة، وربما أيضًا خشية من خطر اختزال السياسة في مقولة العناية التى يُنظر إليها، في أبسط معانيها، بأنها الدعم والمساعدة للإبقاء على حيوات الناس، أو الحفاظ على الطبيعة أو النوع([24]).
وتعبر حنة آرنت Hannah Arendt عن هذا الرأى فترى في الجسد الهش شرطًا لاستحالة السياسي، حيث تنسب إليه الضرورة بمعنى أنه لا يتم النظر إليه إلا من زاوية غريزة البقاء، أو من زاوية الاستعباد للعمليات البيولوجية، أي بوصفه حاملاً لعناصر تتعارض مع وضع المواطن والفاعل السياسي، حيث يمثل الجسد القابل للجرح أو التدمير داخل المجال العام إشكالية كبرى لأنه يحول دون الارتقاء إلى المساواة السياسية، فالهشاشة المنسوبة إلى الجسد تجسد غياب كل قدرة، وهي عائق أمام الحرية، كما أنها تحول دون المساواة، والحقيقة أن هذا القول مردود عليه، وذلك لأنه لا يمكن أن يقترن الجسد الهش بالعجز، لأنه، عادة ما يكون، فاعلاً في بناء حياته الخاصة، وقادرًا على التفاعل المتبادل مع الآخرين، بالإضافة إلى مساواة الأجساد البشرية جميعًا في فنائها الحتمي، ومن ثم، يجب التفكير في مساواة سياسية ومواطنة قائمة على الهشاشة، نمط من العدالة يقوم على اعتماد الجميع على الجميع، ويتجسد في إصلاح التوزيع الجائر لممارسات الرعاية بين الشمال والجنوب، ويتجسد أيضًا في البحث عن أمن كوني غير قائم على الحدود الإقليمية([25]).
تحمل الهشاشة، إذن، بعدًا سياسيًا لا يُستهان به، ولكن عادة ما يُغفل كونها نتاجًا للبنى السياسية التي توزعها بشكل متساو،ٍ فعلى سبيل المثال، عند الحديث عن بعض الفئات الهشة؛ فإن هذا الحديث لا يتناول العلاقة بينها وبين والدولة، وإنما يؤكد محاولة حمايتها عن طريق الاعتراف السياسي وتغيير السياسيات وغيرهما، ورغم أهمية وضرورة هذه الإجراءات، فإن الأهم منها هو أن يجعل المجتمع الحد من الهشاشة أحد أهم أهدافه ، وأن يحاول، جديًا، تجاوز علاقات الهيمنة والحرمان التي تمكن البعض وتقيد البعض الآخر، مما يفتح بدوره المجال للنقد السياسي الذي لا يهدف، فقط، إلى إعادة توزيع الموارد، بل إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تسعى إلى تقليل الهشاشة وحماية جميع أفراد المجتمع([26]).
وفي عودة، مجددًا، للسؤال المهم في هذا السياق؛ هل يمكن للذات السياسية أن تكون هشة؟ نجد أن جزءًا كبيرًا من قدراتنا وإمكانياتنا إنما يتفعل انطلاقًا من الهشاشة، أو على أقل تقدير، من مقاومتها، وقد أشار بول ريكور إلى هذا عندما تحدث عن صور أربع من القدرات، القدرة على القول، على الفعل، على السرد، وعلى تحمل المسؤولية، ويعرف الاستقلال الذاتي بوصفه منتجًا للهشاشة، وعلى هذا النحو، تتأسس الهشاشة والاستقلال الذاتي على افتراض متبادل، حيث إن كلاً منهما يشترط الآخر([27]). ووفقًا لهذا تصبح الهشاشة شرطًا للحرية لأنها تجدد قدرة الفرد على القول والفعل والمسؤولية.
الخاتمة:
تمثل الهشاشة نقلة نوعية فى الفكر الأخلاقى والسياسى المعاصر، تُعاد من خلالها مساءلة مفهوم الذات السيادية المكتفية بنفسها، لتتحول إلى ذات علائقية ترتبط بالآخر وبالبنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتُعيد أيضًا مساءلة مفهوم المساواة والعدالة التوزيعية التى تهدف إلى القضاء على الظلم الهيكلى، فالتوزيع غير العادل للموارد، بل وحتى للهشاشة، وتجاهل السياق المؤسسي الذي يدعم هذا التوزيع الجائر، والذي يمدده من السلع المادية القابلة للقياس إلى الظواهر الاجتماعية، ويغفل أشكال الظلم التي تتعلق بالهياكل المؤسسية هو ما يُعرف بالظلم الهيكلي Structural injustice، وربما من خلال التنظير النقدى للمفاهيم الاجتماعية والسياسية ، يمكن تقليص مصادر الهشاشة فى المجتمع، وليس التعامل مع آثارها فحسب.
إن الهشاشة شرط إنسانى ضرورى، لكن لايمكن النظر إليها فقط بوصفها مجرد تعرض للأذى أو الضرر دون النظر إلى البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى أفرزتها، أو على أقل تقدير، ساهمت فى وجودها، ومن ثم، تحمل الهشاشة أبعادًا سياسية تتقاطع مع مفاهيم العدالة والحقوق، وتُظهر الهشاشة من المنظور السياسى ضعف الإنسان وتبعيته، وصلاته الاجتماعية، ويظهر الإنسان فى هذا السياق ككائن اجتماعى سياسى، وليس ذاتًا مستقلة تمامًا، ولا يمكن فهم السياسة بمعزل عن الهشاشة ووضعياتها المختلفة فى المجتمع، فضلًا عن كونها موضوعًا سياسيًا يتطلب اعترافًا وحماية للأفراد الهشة، كذلك تمثل الهشاشة مساءلة لمفاهيم المشاركة، والقوة، والهيمنة. وقد تُسيس فإما أن تكون مقاومة فى سبيل المساواة والعدالة، وإما أن تكون أداة للهيمنة والسيطرة والإقصاء.
إذا كانت الهشاشة هى تعرض البعض للضرر والأذى، فإن هذا يستوجب، بطبيعة الحال، إلتزامًا أخلاقيًا لا يقف عند حد الدعم المادى فحسب، بل يتضمن حقوق الاحترام والاعتراف، ولأن درجة الأذى والضرر ليست واحدة، ولأن بعض الأفراد – مثل اللاجئين وذوى الإعاقة- أكثر تضررًا من غيرهم، كان من الضرورى أن نقدم لها حماية أكثر تتناسب واحتياجاتهم. وتمثل الدولة المستجيبة المتفهمة للهشاشة الإنسانية تحولًا جذريًا عن النماذج الكلاسيكية ومفهومها عن القانون والمواطنة، والتى غالبًا ما كانت تنظر إلى سلطة الدولة باعتبارها تهديدًا محتملًا لاستقلالية الإنسان، فالدولة بالنسبة لها هى حارس الليل الذى يقتصر دوره على حماية الحريات الفردية للأفراد دون التدخل فى حياتهم، ورغم ما يبدو فى هذه الآراء من وجاهة وتحقق للحرية، فإنها أيضًا تؤدى، حتمًا، إلى اتساع فجوة اللامساواة بين الأفراد، حيث يُلقى اللوم على غير القادر على تحقيق الاكتفاء الذاتى، لذا، تُعد هذه النماذج تجاوزًا وهروبًا من الطبيعة البشرية.
إن الهشاشة ملازمة للوجود الإنساني، ومحاولة تجاوزها وإحراز اللاهشاشة يُعد وهمًا ينبغي كشفه، فالسعي إلى اللاهشاشة قد يتحول إلى هدف مطلق يضر بالفئة الهشة لا مساعدتها، ومثال على ذلك، ما يطلق عليه الطب الدفاعي Defensive Medicine الذي يتضمن تلك الإجراءات المشددة والكثيرة التي تحمي الأطباء من الملاحقة القضائية في حال الخطأ الطبي، وذلك عوضًا عن حماية المرضى أنفسهم، كذلك فإن محاولات تجاوز الهشاشة المستمرة تخلق وعيًا بأن الهشاشة سبة وخطيئة يجب التبرؤ منها، مما يؤثر سلبًا على بعض الفئات الاجتماعية؛ كالمشردين واللاجئين وغيرهم.
__________________________________________________________________
المصادر والمراجع:
)[1]( Monika Zeba: Philosophical aspects of vulnerability, Rijeka, 2023, p.2.
CF, D. Chiffis: Fragility, concept & related notion.
http://www.academia.edu>fragility-concept-and-rel…
)[2]( Jade Schiff: Structural Injustice and The two faces of Vulnerability
https://doi.org/10.1093/oso/9780198892878.003.0008
([3]) أرسطو: علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ج1، ك1، ب2 ف2، ترجمة من اليونانية إلى الفرنسية: بارتملي سانتهلير، نقله إلى العربية: أحمد لطفي السيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص 176.
)[4]( Jean Baptisle. Gourinat, stoic week, Handbook, Stoicism today, 2105. P. 510.
https://modernstoicism.com/download-the-stoic-week-2015-handbook/
)[5]( Estelle Ferrarese: Vulnerability: A concept with which to undo the world as it is? art in, Critical Horizons, Vol 17, No. 2, 2016, p. 149.
)[6]( Monika Zeba: Philosophical aspects of vulnerability, pp. 1, 2.
)[7]( Catriona Mackenzie, Wend Rogers, Susan Dodds: Vulnerability, New Essays in Ethics and Feminist Philosophy, Oxford University Press, 2014, p. 7.
CF, Joachin Boldt: the concept of vulnerability in Medical Ethics and Philosophy, art in, Philosophy, Ethics and Humanities in Medicine, 2012, pp. 6-7.
http://doi.org/10.1186/5 13010-019-0075-6.
)[9]( Catriona Mackenzie, Wend Rogers, Susan Dodds: Op.cit , p. 9.
)[10]( Monika Zeba: Philosophical aspects of vulnerability, p. 4.
Cf, Estelle Ferrarese: Op.cit, p,153.
)[11]( Monika Zeba: Op.cit. p,32, 33, 37.
)[12]( Jujiya Pulkkinen: Vulnerability and Human in Judith Butler’s and Andriana Feminist Thought: A Politics of Philosophy point of View, p. 158, Redescriptions: Political Thought, Conceptual History and Feminist
Theory 23(2).
DOI: https://doi.org/10.33134/rds.342
)[14]( Catriona Mackenzie, Wendy Rogers, Susan Dodds: Op.cit, p. 3.
- Ellen Gordon – Bavier: Relational vulnerability: theory, laws and the private family, Palgrave socio-legal series, Palgrave Macmillan, p.12.
)[17]( Catriona Mackenzie, Wendy Rogers, Susan Dodds: Op.cit, pp. 12, 13.
)[18]( Monika Zeba: Philosophical aspects of vulnerability, p. 4.
)[19]( Ellen Gordon Barvier: Op,cit, p,14.
)[20]( Martin Huth: The Dialectics of vulnerability, Can we Produce or exacerbate vulnerability be emphasizing it as a normative category? Art in, philosophy today, 64 (3), p. 4. Dol: 10.5840/philtoday2020828348
)[22]( Martin Huth: op. cit., p. 15.
)[23]( Angharad Butler Rees: Vulnerability in Resistance, Review in, Gender, Place & Culture, Journal of Feminist Geography, Vol 24, Routledge, 2017, p. 1368.
)[24]( Estelle Ferrarese: Vulnerability: A concept with which to undo the world as it is? Pp,150,151.
)[26]( Jade Schiff: Structural injustice and the two faces of vulnerability, art in, What Is Structural Injustice? Edited by, Jude Browne and Maeve McKeown, Oxford University Press, 2024.
Dol: 10.1093/Oso/9780198892878.003.0008
CF, Joachin Boldt: the concept of vulnerability in Medical Ethics and Philosophy, art in, Philosophy, Ethics and Humanities in Medicine, 2012, pp. 6-7.