تكوين
حرية المعتقد عند رشيد رضا
لم يكن تفسير الشيخ رشيد رضا لآية” لا إكراه في الدين قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ “(البقرة 256) بمعزل عن واقعه وعصره فهو يستحضر المعطيات القديمة لكنه يوظّفها لغايات تشغله ومن ذلك أنه أورد بعض أسباب نزول الآية ليستنتج من ذلك براءة الدين الإسلامي من تهمة قيامه على العنف. يذكر في هذا الصدد أن الآية نزلت “في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان، وكان هو مسلما، فقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله الآية”[1].
وفي بعض التفاسير أنه حاول إكراههما فاختصموا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ ولابن جرير عدة روايات في نذر النساء في الجاهلية تهويد أولادهن ليعيشوا، وأن المسلمين بعد الإسلام أرادوا إكراه من لهم من الأولاد على دين أهل الكتاب على الإسلام فنزلت الآية فكانت فصل ما بينهم. وفي رواية له عن سعيد بن جبير أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عندما أنزلت: قد خيّر الله أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن اختاروهم فهم منهم“. وقد علّق رشيد رضا على هذه الأخبار قائلا: “هذا هو حكم الدين الذي يزعم الكثيرون من أعدائه – وفيهم من يظن أنه من أوليائه – أنه قام بالسيف والقوة فكان يعرض على الناس والقوة عن يمينه فمن قبله نجا، ومن رفضه حكم السيف فيه حكمه، فهل كان السيف يعمل عمله في إكراه الناس على الإسلام في مكة أيام كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي مستخفيا، وأيام كان المشركون يفتنون المسلم بأنواع من التعذيب ولا يجدون رادعا حتى اضطر النبي وأصحابه إلى الهجرة؟ أم يقولون إن ذلك الإكراه وقع في المدينة بعد أن اعتز الإسلام!! وهذه الآية قد نزلت في غرة هذا الاعتزاز، فإن غزوة بني النضير كانت في ربيع الأول من السنة الرابعة “[2] .
أمّا المقوم الثاني الذي نهض عليه تصور رشيد رضا لحرية المعتقد فيتمثل في اعتبار المسألة -اقتداء بموقف أستاذه محمد عبده- سياسية لا دينية، يذكر في هذا السياق قولا للأستاذ الإمام: “كان معهودا عند بعض الملل -لا سيما النصارى- حمل الناس على الدخول في دينهم بالإكراه. وهذه المسألة ألصق بالسياسة منها بالدين؛ لأن الإيمان -وهو أصل الدين وجوهره- عبارة عن إذعان النفس، ويستحيل أن يكون الإذعان بالإلزام والإكراه، وإنما يكون بالبيان والبرهان؛ ولذلك قال -تعالى- بعد نفي الإكراه: قد تبين الرشد من الغي “أي قد ظهر أن في هذا الدين الرشد والهدى والفلاح والسير في الجادة على نور، وأن ما خالفه من الملل والنحل على غي وضلال“.
إقرأ أيضًا: محب الدين الخطيب الوجه الآخر لرشيد رضا: وأزمة الهُوية والبناء الفكري والتنظيمي لحسن البنا وجماعته
يعتمد رشيد رضا حجة أخرى على رأيه تتمثل في تواتر النصوص القرآنية التي تتفق على دلالة واحدة هي نفي الإكراه في الدين، يقول في هذا الشأن: “ورد بمعنى هذه الآية قوله -تعالى-: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”(يونس: 99) ويؤيدهما الآيات الكثيرة الناطقة بأن الدين هداية اختيارية للناس تعرض عليهم مؤيدة بالآيات والبينات، وأن الرسل لم يبعثوا جبارين ولا مسيطرين، وإنما بعثوا مبشرين ومنذرين“[3].
يدافع الشيخ رضا إثر ذلك عن موقفه من خلال الرد على حجة الخصوم التي تنص على الأمر القرآني بالقتال فكأنهم يلمحون إلى تعارض هذا الأمر مع نص الآية التي تفيد بعدم الإكراه، وقد كان الحل لهذا الإشكال قراءة النصوص القرآنية تاريخيا أي قصر دلالتها على سبب نزولها ممّا يعني عدم امتداد الأمر بالقتال عبر الزمن. يقول في هذا السياق: “ولكن يرد علينا أننا قد أمرنا بالقتال، وقد تقدم بيان حكمة ذلك أن الآية التي نفسرها نزلت في غزوة بني النضير إذ أراد بعض الصحابة إجبار أولادهم المتهودين أن يسلموا ولا يكونوا مع بني النضير في جلائهم كما مر، فبين الله لهم أن الإكراه ممنوع وأن العمدة في دعوة الدين بيانه حتى يتبين الرشد من الغي، وأن الناس مخيرون بعد ذلك في قبوله وتركه. شرع القتال لتأمين الدعوة ولكف شر الكافرين عن المؤمنين، لكيلا يزعزعوا ضعيفهم قبل أن تتمكن الهداية من قلبه، ويقهروا قويهم بفتنته عن دينه كما كانوا يفعلون في مكة جهرا ولذلك قال: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ( البقرة: 193) أي حتى يكون الإيمان في قلب المؤمن آمنا من زلزلة المعاندين له بإيذاء صاحبه فيكون دينه خالصا لله غير مزعزع ولا مضطرب، فالدين لا يكون خالصا لله إلا إذا كفت الفتن عنه وقوي سلطانه حتى لا يجرؤ على أهله أحد“.
حرية الاعتقاد
يصل رضا بعد هذا الاستدلال الرامي إلى ترسيخ الطبيعة السلمية للإسلام إلى خلاصة محورية في نظره تفيد أن آية “لا إكراه في الدين” ، هي “قاعدة كبرى من قواعد دين الإسلام وركن عظيم من أركان سياسته، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يكره أحدا من أهله على الخروج منه“.ويتعمد رضا المزج بين السمتين الدينية والدنيوية للآية فهي قاعدة على الصعيد الديني بمعنى عدم إكراه أي أحد في مستوى إيمانه أي على صعيدي الدخول فيه أو الخروج منه. ونقف هنا عند موقف تجديدي بارز لدى الشيخ رضا يتمثل في مخالفة الفقهاء القدامى وأغلب معاصريه في القول بأن الإسلام لا يسمح لأحد أن يكره أحدا من أهله على الخروج منه.وهو تماه مع المنظومة الحقوقية التي تنص على حق الفرد في الخروج من الدين الذي يعتنقه.
وليس هذا الموقف التجديدي الوحيد لدى رضا بل نلفي عنده موقفا تجديديا آخر يتمثل في علمنة مفهوم الجهاد ليكون مفهوما دنيويا مصطبغا بالطابع السلمي والأخلاقي. يقول رضا في هذا الصدد: “إذ أمرنا أن ندعو إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نجادل المخالفين بالتي هي أحسن معتمدين على تبين الرشد من الغي بالبرهان: هو الصراط المستقيم إلى الإيمان، مع حرية الدعوة، وأمن الفتنة، فالجهاد من الدين بهذا الاعتبار؛ أي إنه ليس من جوهره ومقاصده، وإنما هو سياج له وجنّة، فهو أمر سياسي لازم له للضرورة، ولا التفات لما يهذي به العوام، ومعلموهم الطغام، إذ يزعمون أن الدين قام بالسيف وأن الجهاد مطلوب لذاته، فالقرآن في جملته وتفصيله حجة عليهم“[4].
الجهاد إذن في نظر رضا ليس أمرا جوهريا في الدين على خلاف من يراه عمودا رئيسا للدين وهو بذلك يتصدى للجماعات التي تزعم أن الجهاد مقصود لذاته وقاعدة مكينة للدين. إن تليين مفهوم الجهاد جاء ليعاضد برهنة رضا على الطابع غير العنيف للإسلام وعلى غياب الإكراه فيه مثلما نصت الآية على ذلك. يلجأ رضا لتأكيد مذهبه إلى تأويل آية قرآنية أحرى هي “الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور“( البقرة 257). يقول في هذا المجال: “فهذا القول يهدي إلى أن الإيمان وغيره من ضروب الهداية يكون بتوفيق الله -تعالى- من شاء، وإعداده للنظر في الآيات والخروج من الشبهات بما ينقدح لنظره من نور الدليل لا بالإجبار والإكراه. فالآية بمثابة الدليل على منع الإكراه في الدين”.
السورة القرآنية التي تتحدث عن الحرية
إن أبرز إشكال يعترض استدلال رشيد رضا بكل ما تقدم من حجج يتمثل في الحديث النبوي” من بدّل دينه فاقتلوه”، وقد كان جوابه على هذا المأزق من خلال عدّة براهين يتمثل أولها في خلو القرآن من الأمر بقتل المرتد. يقول في هذا الصدد:” إنه ليس في القرآن أمرٌ بقتل المرتد ، بل فيه ما يدل على عدم قتل المرتدين المسالمين الذين لا يحاربون المسلمين ، ولا يخرجون عن طاعة الحكومة ،فقد جاء في تفسيرنا لقوله تعالى :فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ” ( النساء : 90 ) من سورة النساء ما نصه : وفي الآية من الأحكام – على قول مَن قالوا إنهم كانوا مسلمين أو مُظهرين للإسلام، ثم ارتدّوا – أن المرتدين لا يُقتلون إذا كانوا مسالمين لا يقاتلون ، ولا يوجد في القرآن نصٌّ بقتل المرتد ، فيجعل ناسخًا لقوله : فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ … ( النساء : 90 )”.
أمّا البرهان الثاني فينص على نسخ القرآن للسنة، فقد انطلق رشيد رضا من الإقرار بصحة الحديث وحاول أن يكون موضوعيا فأبرز نقطة قوة الحديث وهي عمل الصحابة به لكنّه اعتمد آلية أصولية هي النسخ ليدافع عن موقفه معزّزا هذا الرأي بسلطة الشافعي الذي يذهب إلى أنّ القرآن لا تنسخه السنة، وهو ما يعني علويته على الحديث وبالتالي يترجّح العمل بالآية “لا إكراه في الدين” على حساب الحديث” من بدّل دينه فاقتلوه” ، يقول في هذا السياق :” نعم ثبت في الحديث الصحيح الأمر بقتل مَن بدّل دينه ، وعليه الجمهور ، وفي نسخ القرآن بالسنة المشهور الخلاف ، ويؤيد الحديث عمل الصحابة ، وقد يقال إن قتالهم للمرتدين في أول خلافة أبي بكر كان بالاجتهاد ، فإنهم قاتلوا مَن تركوا الدين بالمرة كطَيِّئ وأسد ، وقاتلوا مَن منع الزكاة من تميم وهوازن ؛ لأنّ الذين ارتدّوا صاروا إلى عادة الجاهلية حربًا لكل أحدٍ لم يعاهدوه على ترك الحرب ، والذين منعوا الزكاة كانوا مفرقين لجماعة الإسلام ناثرين لنظامهم ، والرجل الواحد إذا ترك الزكاة لا يُقتل عند الجمهور. والتحقيق أن القرآن لا يُنسخ بالسنة كما قال الشافعي ومَن تبعه ، وخالفهم الكثيرون في السنة المتواترة” .[5]
وقد تطرق رشيد رضا إلى حديث آخر يعدّه البعض معارضا لفكرة قيام الدين بالدعوة لا بالسيف وهو ” أمرت أن أقاتل الناس ” ،وقد أورد بعض النقد لسند هذا الحديث قائلا:”وهو في الصحيحين على غرابته لأن شعبة تفرد بروايته عن واقد[6]. وقد عدّ من الإشكال فيه أن يكون راويه ابن عمر مع ما علم من محاجة عمر لأبي بكر في قتال مانعي الزكاة، ولم يحتجّ به عمر ولا ابنه قاله له، وأجاب ابن حجر عن هذا باحتمال نسيان عبد الله له في ذلك الوقت.
أمّا على صعيد المتن فقد ركّز رضا على أن الحديث قيل لظرف مخصوص ولغرض دفاعي وليست الغاية منه بيان أصل مشروعية القتال . يقول في هذا السياق:” وأمّا الحديث فقد ورد في مشركي العرب الذين لم تقبل منهم الجزية بعد الإذن بقتالهم وما أذن للمسلمين بقتالهم إلاّ بعد أن آذوا النبي ومن معه وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم وقعدوا لهم كل مرصد ووقفوا في سبيل الدعوة فلم يكن الإذن إلاّ للدفاع عن الحق وحماية الدعوة وليس الغرض من الحديث بيان أصل مشروعيه القتال فإن هذا مبين في الكتاب العزيز بمثل قوله تعالى “أذن الذين يقاتلون بأنهم ظلموا”(الحج 39). يدعم رشيد رضا موقفه الذي ينص على أن الحديث خاص بالمشركين وإن كان لفظه عاما من خلال رواية النسائي له بلفظ ” أمرت أن أقاتل المشركين”.
التلقي الايجابي لموقف رشيد رضا ومحمد عبده: الصعيدي نموذجا
يعتبر عبد المتعال الصعيدي(ت 1971م) من المحتفين بموقف الشيخين محمد عبده ورشيد رضا في تفسير الآية وقد اعتبر أن موقفهما يمثّل مرحلة قطع مع ما سبق من تفاسير قديمة. يقول في هذا الشأن:” وقد بقي الحال على ذلك في تفسير تلك الآية إلى أن جاء الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وتلميذه السيد محمد رشيد رضا فحملا على ما ذهب إليه المفسرون السابقون فيها أقوى حملة وأبقيا للإسلام تلك المكارم التي أبوا أن تبقى في الدعوة وكان لهما بهذا أكبر جميل على الإسلام في هذا العصر لأنهما أبقيا له تلك المحاسن التي يمتاز بها على غيره من الأديان وجعلاه أسبق الشرائع والقوانين القديمة والحديثة إلى تقرير أصل حرية الاعتقاد وهو الأصل الذي اتفقت عليه جميع الأمم في هذا العصر”[7].
ويتضح من خلال هذا الموقف انتباه الصعيدي إلى أمر له أهمية بالغة يتمثل في وعيه بأن الدين لا يمكن أن يتواصل وجوده وتأثيره إن لم يكن منسجما مع العصر الذي يعايشه.
وتعدّ إعادة النظر في الحديث من أهمّ مميزات الموقف الذي خرج عن الإجماع المدّعى على قتل المرتدّ. ومن ممثّلي هذا الاتجاه عبد المتعال الصعيدي فقد كان من منكري الأحاديث التي تدور على قتل المرتدّ. يقول : “فإمّا أن لا نقبلها لأنّ أحاديث الآحاد لا يعمل بها في العقائد، وقتل المرتدّ على تغييره لاعتقاده يدخل في باب العقائد لا الفروع، وإمّا أن نحملها على المرتدّ المقاتل”[8]. ويندرج هذا الموقف ضمن رؤية يتبناها الصعيدي تتمسّك بالاجتهاد حتى إن خالف إجماعا مستقرّا طالما لم ينكر معلوما من الدّين بالضرورة. وبناء على هذا يجوز مخالفة الإجماع في نظره لأنّ الإجماع ليس حجّة إلاّ في ما لا خلاف فيه. ومسألة قتل المرتدّ ليست من جنس تلك المسائل. فهي ليس فيها إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة.
إقرأ أيضًا: محمد عبده عبقري الإصلاح
وأثبت الصعيدي فضلا عن هذا وجود خلاف بين الفقهاء حول قتل المرتدّ معتمدا في ذلك على اعتبار ابن حزم المسألة مختلفا فيها بين الفقهاء، فمنهم من قال: يقتل ومنهم من قال: يسجن أو يستتاب، والخلاف في تحديد مدّة الاستتابة مشهور. وبناء على هذا عارض الصعيدي الباحثين المحافظين الذين اعتبروا الحريّة الدينيّة بدعة حديثة و”جمع الحجج المؤكّدة على أنّ صحّة الإسلام تتوقّف على شرطي الحريّة والاختيار. وهكذا اعتبر أنّ آيات الحريّة الدينيّة أصليّة ولم يتمّ نسخها كما أنّه دافع عن حقّ الإنسان في تغيير معتقده وفي عدم الاعتقاد أيضا”[9].
لقد كان الصعيدي مؤمنا بصدق أنّ الإسلام ضدّ الإكراه على الاعتقاد وأنّه دين الحرية. لذلك لم يقم بنقد الموقف القائل بقتل المرتدّ فحسب، وإنّما نقد أيضا القائلين باستتابته أو حبسه لأنّ الإكراه في هاتين الحالتين حاصل في حين أنّ المطلوب هو أن يدعى المرتدّ “إلى العودة إلى الإسلام بالّتي هي أحسن ولا يكره عليها بقتل كما يذهب إليه بعضهم ولا بحبس أنفسنا عليه باستتابة دائمة لأنّ فيها شبهة إكراه له ونحن نريدها حريّة دينيّة كاملة غير منقوصة خالصة من الإكراه وشبه الإكراه ليكون الإسلام وحده دين الحريّة“[10]. ولئن كانت مرجعيّة هذا الرّأي إسلاميّة في قسم منها فإنها في قسم آخر غربيّة دالّة على تشبّع الصعيدي ومن ينتمي إلى اتجاهه في التفكير بقيم الثقافة الحديثة القائمة على مبادئ حقوق الإنسان.
حجج الصعيدي في نصرة حرية الاعتقاد
وردت هذه الحجج ردا على من يرى أن حكم المرتد القتل فأمّا أولى هذه الحجج فتتمثل في وجود كثير من الأقوال في هذه المسألة مما يشير ضمنيا إلى عدم توفر الإجماع المدعى على هذا الحكم.وذكر أن من هذه الأقوال أنّ المرتد يستتاب أبدا ولا يقتل. وقد أورد الصعيدي عددا من الأخبار التي تعضد هذا الموقف على غرار ما روي عن أنس بن مالك من أنّ أبا موسى الأشعري قتل حجينة الكذاب وأصحابه. قال أنس: فقدمت على عمر بن الخطاب فقال: ما فعل جهينة وأصحابه قال: فتغافلت عنه ثلاث مرات فقلت: يا أمير المؤمنين وهل كان سبيل إلا القتل فقال عمر: لو أتيت بهم لعرضت عليهم الإسلام فإن تابوا وإلا استودعتهم السجن[11].
يبرز هذا الخبر -إن صحّ- اختلاف الصحابة في حكم المرتد وأن خيار القتل تقابله خيارات أخرى كعرض الإسلام عليه والسجن، وهو ما يعني أن إنهاء الحياة ليس الخيار الوحيد في حالة المرتد.
ويورد الصعيدي حجة أخرى تفيد أن المذهب الحنفي لم يكن يرى قتل المرأة المرتدة اعتمادا على خبر نهي الرسول عن قتل النساء لمّا رأى امرأة مقتولة وقال: ما كانت هذه لتقاتل.
أمّا الدليل الآخر للصعيدي فيتمثل في تأويل حكم المرتد بوصفه كان لسبب سياسي لا ديني. يقول في هذا السياق:” ويمكن أيضا حمل ما ورد من قتل المرتد على من يرتدّ من العرب لأنهم خاصة لا يقبل منهم إلاّ الإسلام وكان هذا لسبب سياسي لا لسبب ديني لأنه أريد جعل جزيرة العرب وطنا خاصا للمسلمين إذا أصيبوا في غيرها”[12].
يختم الصعيدي استدلاله على نفي حكم قتل المرتد بحجة تؤكد أن هذا الموقف هو المناسب لما جاء به الإسلام من الحرية الدينية لأن الدعوة فيه إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة لا بقتال أو بغيره من وسائل الإكراه في الدين[13] . ولعلّ أهم حجة يوردها في هذا السياق نفي القرآن الصريح للإكراه في الدين في الآيتين “لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ”( البقرة 256) و”قل الحق من ربك فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” (الكهف 29).
علاقة الصعيدي بمحمد عبده
إنّ ما يفسر تأثر الصعيدي بموقف محمد عبده علاقته به ، وهي علاقة بدأت في مرحلة مبكرة من مراحل تكوين شخصية الصعيدي العلمية وتجلى ذلك من خلال حرصه على اقتناء كتاب “تاريخ الأستاذ الإمام لمحمد” رشيد رضا. وقد ساهم هذا الكتاب وغيره من العوامل في تأثر الصعيدي بدعوة محمد عبده لإصلاح الأزهر وتجديد الفكر الديني.
وقد ساند الصعيدي في عام 1928 دعوة الشيخ مصطفى المراغي (ت 1945 )لإصلاح الأزهر وحملته على الجمود لكنه ظل في إطار هذه المدرسة يعلن عن انتمائه إلى الإمام محمد عبده وانتصاره لآراء ابن رشد.
و في عام 1938 شرع يكتب عن حرية الفكر وعن رسالة محمد عبده الإصلاحية، يقول: “وأين من ليس له دراسة أصيلة في العلوم الدينية ممن تتلمذ على الشيخ محمد عبده إمام المصلحين في هذا العصر وخير من فقه الإسلام من أهل الأزهر؟“[14] .
وفي الفترة الممتدة بين سنتي 1940 و 1950 أخذ يوطد علاقته بتلاميذ الشيخ محمد عبده وعلى رأسهم الشيخ مصطفى عبد الرازق (ت1947) الذي شجعه على استئناف كتاباته الصحفية ومساجلاته حول قضايا الأدب والفلسفة. وتجلى في هذه المرحلة انتصاره لمدرسة الأفغاني وتلاميذه ومحمد عبده ومدرسته.
ويعتبر كتاب الصعيدي معبّرا عن هذه المدرسة التي مزجت بين آراء المعتزلة وأهل السنة واستعانت بالمناهج الغربية الحديثة في صياغة المشروع الحضاري النهضوي ودعت إلى بعث علم الكلام وتجديده للدفاع عن الإسلام ضدّ حملات غلاة المستشرقين والمبشرين من أنصار الفلسفات المادية الحديثة.
وقد رفض الصعيدي القول إنّ آيات القتال جاءت ناسخة لآيات التخيير واحتج برأي الشيخ محمد عبده وتلميذه رشيد رضا في “تفسير المنار” اللذين رفضا القول الشائع بنسخ آية الإكراه في الدين [15].
الحرية الدينية لدى عبد العزيز جاويش
بحث جاويش هذا الموضوع في أكثر من موضع في كتابه “الإسلام دين الفطرة والحرية”[16]وقد دشن النظر فيه في مبحث موسوم ب “هل أسس الإسلام على السيف؟” وهو مبحث جدالي بامتياز استهلّ ببيان ادعاء غربي بقيام الإسلام على السيف ثم تصدّى للردّ على هذا الادعاء يقول:” لهج معظم الأوروبيين وضعاف العقول من المسلمين بأنّ الإسلام لم ينتشر ولم ترسخ قدمه في عالم الوجود إلاّ لأنه سعى والسيوف أمامه تمهد له السبيل وتلجئ المستضعفين إلى اعتناقه حقنا لدمائهم وضربوا الأمثال بما قام به النبي من سراياه ومغازيه ثم بما عمل خلفاؤه من بعده”[17].
وقد برّأ جاويش الإسلام من هذه التهمة معتمدا المنهج التاريخي فقد ذكر نبذا من تاريخ أسباب غزوات النبي وحروبه ليبرز أنه ما بدأ أحدا بعدوان في جميع ما أقامه من الحروب وبيّن أن الرسول منذ أن كانت دعوته سرية لم يعتمد في الدعوة إلى الدين الجديد سوى الهدي والحجة الدامغة.
ومن دخل في صفه دخل طائعا مختارا لا مكرها مجبرا، وعند الجهر بالدعوة تعرض الرسول ومن بايعه -حسب جاويش- إلى صنوف العذاب دون أن يلجؤوا إلى أي مظهر من مظاهر القوة. وقد توقف جاويش ليقوم ببحث موجز لأسباب الغزوات انتهى منه إلى خلاصة تفيد أن “البصير بالتاريخ يشهد معنا أن المصطفى لم يسلّ في حياته سيفا لإرغام أحد من الناس على الدخول في دينه ولكنّ الهدى هدى الله يهدي من يشاء” [18].
أقوال العلماء في حرية الاعتقاد؟
أضاف جاويش إلى الحجج التاريخية على الحرية الدينية حججا دينية نصية من القرآن، يقول: “ ما كان للنبي والمؤمنين أن يدعوا إلى الله ودينه سالكين طرق العسف والإرهاب وهذا كتاب الله يأمرهم بالحسنى في الدعوة لمّا قال “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن” (النحل 125 ).
إن موقف جاويش المدافع عن حرية المعتقد وعن النهج السلمي للإسلام -وإن كان يتبنى فكرة مركزية الإسلام وصلوحيته لكل زمان ومكان- فإنه ليس منغلقا على الأديان والشرائع السابقة على الإسلام ، يقول في هذا الصدد:” على أننا نعلم ما تقرّر في الإسلام من أنّ شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ فترى من جميع ما تقدم أنّ الإسلام لم يخالف مقتضى الفطرة السليمة في اعتبار ما سبق من الشرائع والأخذ بما تقرّر من النواميس العادلة”[19] .
وما يعضد هذا التوجه الأصل الثامن من أصول الإسلام في نظر جاويش وهو المساواة بين المسلمين في الأحكام وكذا بينهم وبين جميع من لهم ذمة وعهد فإنّ لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. ويتأسس هذا الموقف على أنّ مقياس التفاضل في نظر الشرع هو التقوى والعمل الصالح عملا بالآية الكريمة “إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم” (الحجرات 13).
ويعود جاويش في آخر كتابه إلى مبحث “لا إكراه في الدين” فيدشّنه بفكرة أساسية ينهض عليها موقفه تتمثل في أنّ آيات القران الكريم جميعها ناطقة صراحة بأنه لا إكراه في الدين وأنّ الرسول غير مكلف بشيء سوى التبليغ المبين[20]، وأنّ من الأوليات المسلّم بها في نظره أنّ العقائد لا تنشأ في نفوس العقلاء بالقوة وإنما تلتمس بالبرهان العقلي وبالخطابة والشعر. ولمّا كان الموقف من أهل الردة يثير الإشكال عند الخوض في موضوع حرية المعتقد توقف جاويش عنده بشيء من التفصيل وانطلق في ذلك من ذكر الردّة في موضعين من القرآن الكريم هما سورة البقرة 217 وسورة المائدة 54 . وكلّ ما دلت الآيتان عليه في نظره طرد المرتدّين من رحمة الله على خلاف ما أفتى به الفقهاء من قتلهم لمجرد الرجوع عن الدين. ويقوم رأيه هذا على تأويل مختلف لكلمة الردّة فهي لا تعني الخروج عن الدين وإنّما هي الارتداد عن منازلة الأعداء الذين كانوا لا يفتؤون يقاتلون الرسول وأتباعه[21].
إقرأ أيضًا: الحرية من المنظور المقاصدي: من يضع الحدود؟
ويتشبث جاويش باجتهاده المخالف للإجماع القديم عندما يتطرق إلى الأحاديث التي احتجّ بها في مسألة عقوبة الردة وهي أحاديث كثيرة إلاّ أنّ ما نسب إلى الرسول منها وصحّ سنده قليل جدا في رأيه وذكر مثالا لحديث عن نفر ارتدّوا فعاقبهم الرسول حتى ماتوا.
وقد اعتبر أنه صحيح السند والمتن لكن ذلك النفر كانوا من فئة الخائنين المحاربين أمّا غير المحاربين من المرتدين فإن أغلب الفقهاء يذهبون إلى قتل المرتد والمرتدة اعتمادا على حديث “من بدّل دينه فاقتلوه” إلاّ أنّ الحنفية خصّوه بالذكور دون الإناث لنهي الرسول عن قتلهنّ.
ويشير جاويش في هذا الصدد إلى اختلاف الفقهاء في استتابة المرتد قبل القتل، فلئن رفض بعضهم الاستتابة فإن منهم من أوجبها أولا فإن لم يتب قتل، وفي المقابل هناك رأي فقهي شاذّ مثّله الفقيه الحنفي إبراهيم النخعي قال فيه: إنّ المرتدّ يستتاب أبدا وهو ما يعني أنه لا يقتل.
يتبين لنا إذن أنّ جاويش سار على نهج الإمام محمد عبده في كتابه. وقد أنكر فيه أن يكون حدّ الردّة من الإسلام ،واستند في ذلك إلى حجّة صدقي ورضا وهي غياب نصّ قرآني يأمر بقتل المرتدّ المسالم ، يقول في هذا السياق:”إنّ القرآن ليس فيه نص قاطع على أنّ المرتد بالمعنى الذي يريده الفقهاء يقتل”[22]. ويبدو أنّ جاويش كان ممّن يؤمنون أنّ التشريع له طابع متحرّك ومتغيّر ومتطوّر لذلك فإنّ الأحكام التي كانت صالحة بالإسلام في عهوده الأولى ليست صالحة ضرورة للحاضر. يقول : “إن لبدء ظهور الإسلام من الأحكام ما ليس لغيره”[23].
وقد عبّر عن هذا التوجّه بشكل واضح في خطبة موسومة بـ”وجوب مراعاة أحوال الزمان والمكان في تطبيق أحكام الشريعة الغرّاء” ألقاها بأحد المؤتمرات السياسية[24]. ويعضد هذا التوجه ما ذهب إليه محسن كديور الذي انتبه إلى فكرة رئيسية تتمثل في أن جاويش في كتابه يصرّح تصريحا بما لمّح إليه محمد عبده تلميحا: رفع عقوبة القتل عن الفرد الذي يخرج عن الإسلام من دون أن يخرج عليه، فالجدّة هنا تكمن في عدم تحريم الارتداد المحض. وفضلا عن هذا يمثّل رفعه لكل عقوبة -وليس مجرّد القتل- عن هذا النوع من الردّة لبنة أخرى قائمة على ما أسّسه محمد عبده من آراء[25].
الحرية الدينية في نظر محمد مصطفى المراغي (ت 1945 )
لاريب أن المراغي كان متأثرا بمواقف محمد عبده ورشيد رضا ومن ينتمي إلى مدرستهما من مسألة الحرية الدينية. ومن تجليات تأثره بهاته المدرسة في غير هذا الموضوع تقديمه لكتاب الدكتور محمد حسين هيكل «حياة محمد»، الذي أنكر فيه معجزات الرسول ، وقد انسجم في هذا الموقف مع رشيد رضا الذي قرّظ ذلك الكتاب ودافع عنه في مجلته “المنار” دفاعاً مستميتاً.
وقد برز موقف المراغي من الحرية الدينية في مقالة أرسلها الشيخ إلى المؤتمر العالمي للأديان الذي انعقد بلندن بين 3 و18 جويلية 1936 . كانت هذه المقالة نشرت تحت عنوان “رسالة لمؤتمر الأديان العالمي في موضوع الزمالة الإنسانية”[26]. وقد كان المراغي في ذلك التاريخ شيخ الجامع الأزهر.
و يقوم موقف المراغي من الحرية الدينية على أساس قرآني، فالقرآن في نظره أوجب التعارف والتعاون والتناصر بين البشر والابتعاد عن الاختلاف والتخاذل ولم يقم وزنا لشرف المولد وكرم الجنس وطلب القرآن إلى المسلمين إحسان معاشرة غيرهم من أهل الأديان والمذاهب إلا في حالة العدوان[27].
ويستدل المراغي على هذا الرأي بحجة قرآنية هي “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين” (الممتحنة 8 )
يعضد المراغي هذا الموقف من خلال سيرة الرسول والخلفاء الراشدين فقد عملوا في نظره على وفق المبادئ القرآنية السامية “حتى أبيح الإصهار إلى أهل الكتاب مع ترك الحرية للزوجة وعدم منعها من شعائر دينها”[28]. والواضح أن المراغي المتأثر بالثقافة الحديثة في بلده بشكل خاص يتميز عن الفقهاء القدامى الذي كانت لهم رؤية متوترة للآخر غير المسلم، وهو ما تجلى من خلال دعوته إلى أن يتعاون أهل الأديان جميعهم بما في الأديان من الشعور الديني المشترك بينها على تحقيق الغرض المرجو من تحقيق الزمالة وتنميتها.
لقد أضحى بعض الفقهاء المعاصرين على غرار المراغي يعيشون عصرهم ولا يفكرون في إطار دينهم الضيق بل ينفتح أفق تفكيرهم على كل الأديان لذلك دعا المراغي إلى أن يعمل أهل الأديان على توجيه التشريع إلى تأييد الأصول العامة المشتركة في الأديان وهي أصول أخلاقية واجتماعية ذكر بعضها على غرار مقاومة الزنا وحماية الأسرة والمعاقبة على الكذب والنميمة والدس.
إن الحرية الدينية ركيزة أو فرع لمبدأ أوسع وأكبر هو الأخوة أو الزمالة الإنسانية، وتستمد هذه الحرية مشروعيتها في نظر المراغي من القرآن أساسا ، ويورد في هذا الصدد ثلاث آيات هي “لا إكراه في الدين”و”أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”(يونس 99)،و”ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن” (النحل 125).
محمود شلتوت وحرية المعتقد[29]
ينطلق الشيخ شلتوت في بحث مسألة حرية المعتقد في كتابه” الإسلام عقيدة وشريعة” من النظر في موقف الإسلام من غير المسلمين فهو في نظره موقف إيجابي مسالم ذلك أنّ الإسلام في نظره “لا يرى أنّ مجرّد المخالفة في الدين تبيح العداوة والبغضاء وتمنع المسالمة والتعاون على شون الحياة العامة فضلا عن أن تبيح القتال لأجل تلك المخالفة”[30].
والواضح أن هذا الموقف يختلف جذريا عن موقف الفقهاء القدامى الذين كانت لهم رؤية متوترة للعالم تقسمه إلى قسمين دار إسلام وسلام ودار كفر وحرب وهو ما يتناقض ورؤية شلتوت التي تبدو داعية إلى السلم بين المسلمين والآخر غير المسلم . ولئن كانت هذه الرؤية في نظرنا متأثرة بالعصر الذي يعيش فيه شلتوت وهو عصر انقلبت فيه موازين القوة لصالح غير المسلمين فإنه يحاول صبغه بصبغة دينية من خلال إيراد آيات تنسجم ورؤيته على غرار ” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم”(الممتحنة 8).
ونجد هذه الرؤية نفسها والمنهج نفسه لدى شلتوت في مبحث آخر موسوم ب” الإسلام يبيح المعاهدات والتعاون مع مخالفيه ما لم يكونوا محاربين” . ويبيح الدين الإسلامي في ظل هذا المبدأ أن يعقد مع مخالفيه في الدين المعاهدات التي يرغب فيها بشرط عدم مسها بأصل من أصول الدين أو بمصلحة أمته. ويعضد شلتوت هذا الرأي بالحجة القرآنية ” الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين”(التوبة 4).
حرية العقيدة في القرآن
وقد خرج الشيخ الأزهري محمود شلتوت عن الإجماع المدّعى على قتل المرتدّ اعتمادا على حجة أساسيّة من القرآن تتمثل في الآية ” ومَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ” (البقرة 2/217) ،وهي لا تتضمّن في نظره “أكثر من حكم بحبوط العمل والجزاء الأخروي بالخلود في النار”[31]. ويعني هذا إذن أنّ حكم قتل المرتدّ لا تنصّ عليه الآية.
ولم يشذّ شلتوت عن كثير من ممثلي الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر الذين ذهبوا إلى أنّ السّلم هو العلاقة الأصلية بين النّاس في الإسلام لكنّ السلم لا يقتصر عليهم وإنّما يشمل غيرهم. يقول الشيخ محمود شلتوت في هذا السياق : “على هذه الأسس بنى الإسلام سياسته الإصلاحيّة فيما بين المسلمين بعضهم مع بعض وفيما بينهم وبين غيرهم من الأمم المختلفة، وبذلك كان السلم هو الحالة الأصلية التي تهيّئ للتعاون والتعارف وإشاعة الخير بين الناس عامّة”[32].
بناء على هذا الأصل لا يطلب من غير المسلمين في نظر شلتوت سوى كفّ شرّهم عن دعوته وأهله ويمتنع عن اعتماد الإكراه طريقا لنشر تعاليمه “أفأنت تكره النّاس حتى يكونوا مؤمنين” (يونس 99).
وتمّ في العصر الحديث التأكيد على أنّ حلّ هذه الإشكاليّة التي يثيرها أعداء الإسلام يتمثّل –مثلما ذهب إلى ذلك المصلح الهندي المسلم مولوي شراغ علي (Mulavi Cheragh Ali) (1844-1895)- في اعتبار أن “جميع أوامر القتل في القرآن هي في المقام الأول دفاع عن النّفس ولا يشير أيّ منها إلى شنّ حرب عدوانيّة[33].
وقد توقف الشيخ محمود شلتوت لدراسة الآيات التي تدعو إلى القتال وانتهى إلى النتائج التالية:
- أوّلا: إنّه لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم تدلّ أو تشير إلى أنّ القتال في الإسلام لحمل الناس على اعتناقه
- ثانيا: إنّ سبب القتال ينحصر في ردّ العدوان وحماية الدّعوة وحرية الدّين
- ثالثا : إنّ القرآن حينما شرع القتال نأى به عن جوانب الطّمع والاستئثار وإذلال الضعفاء وابتغاه طريقا إلى السلام وتركيز الحياة على موازين العدل والمساواة”[34].
وقد شدّد الشّيخ شلتوت على الطّابع الدّفاعي لحروب الرّسول مبيّنا أنّه لم يقاتل إلاّ من قاتله وإلاّ دفعا للظّلم وردّا للبغي والعدوان وقضاء على الفتنة في الدّين”[35]. وقد تواصل هذا النّهج في معاملة غير المسلمين لدى المسلمين في الصّدر الأوّل من المسلمين فما كانوا يفاجئون قوما بحرب إلاّ بعد أن يظهر منهم روح العداء ومعارضة الدّعوة والوقوف في وجهها.
خاتمة
نستخلص من خلال بحثنا هذا أنّ المفسر في العصر الحديث حتى إن استخدم المعطيات القديمة في المدونة التفسيرية فإن فكره متأصل في واقعه ومتفاعل مع مجتمعه وعصره ففي عصر سادت فيه قيمة التسامح كان على المفسر أن يدافع عن الطابع السلمي والمتسامح للدين الإسلامي.
ولعلّ أهمّ نتائج هذا العمل دنيوة مفهوم حرية المعتقد لدى مدرسة الشيخ محمد عبده وتلاميذه ومنهم رشيد رضا، وهو مفهوم يقوم أساسا على اعتبار المسألة سياسية لا دينية. إن الفصل بين هذين الطابعين يعدّ من علامات علمنة الخطاب الإسلامي التفسيري الحديث، وهو حل من الحلول التي سعى من خلالها هذا الخطاب إلى التكيف مع الواقع الحديث.
ومن أبرز ما استخلصناه أيضا موقف تجديدي بارز لدى الشيخ رضا يتمثل في مخالفة الفقهاء القدامى وأغلب معاصريه من خلال القول بأن الإسلام لا يسمح لأحد أن يكره أحدا من أهله على الخروج منه.
وقد توصلنا أيضا إلى أن من دلائل مكانة مدرسة عبده ورضا أثرها الكبير في الكثير من علما مصر والبلدان الإسلامية ولعل اللافت للنظر في هذا السياق أن الكثير من هؤلاء تجاوزت جرأتهم الفكرية أفكار الشيخين عبده ورضا من ذلك أنّ عبد المتعال الصعيدي التجأ إلى إنكار الأحاديث التي تدور على قتل المرتدّ، وهي خطوة على قدر كبير من الأهمية في مسار علمنة الخطاب التفسيري الحديث.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المراجع
رجـب البنـا، الحرية الدينية فى الإسلام، جريدة الأهرام،السبت 23 من ذي الحجة 1445 هــ/ 29 يونيو 2024،السنة 148 ، العدد 50244.
محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ط2، بيروت،منشورات محمد علي بيضون ودار الكتب العلمية،2005.
محمود شلتوت، القرآن والقتال، القاهرة، مطبعة دار الكتاب العربي، 1951.
محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة،القاهرة، دار الشروق، 1980.
عبد المتعال الصعيدي،الحرية الدينية في الإسلام، القاهرة-دار الكتاب المصري،بيروت-دار الكتاب اللبناني،2012.
عبد المتعال الصعيدي، حرية الفكر في الإسلام، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب،2009.
عبد المتعال الصعيدي، القضايا الكبرى في الإسلام، القاهرة، مكتبة الآداب، د. ت.
آمال قرامي، قضيّة الردّة في الفكر الإسلامي الحديث، تونس، دار الجنوب للنشر،1996.
محسن كديور، حدّ الردّة وحرية العقيدة، ترجمة عن الفارسية حسن الصراف،ط1، قطر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،2023.
محمد أبو النمر، اللاعنف وطبع السلام في الإسلام، ط1، عمّان- الأردن ، الأهلية للنشر والتوزيع،2008.
[1] محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ط2، بيروت،منشورات محمد علي بيضون ودار الكتب العلمية،2005،ج3، صص30-31.
[2] المصدر نفسه، الصصفحة نفسها.
[3] المصدر نفسه، ج3، ص33.
[4] المصدر نفسه، ج3، ص33-34.
[5] المصدر نفسه، ج5،ص266.
[6] المحدث واقد هو واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو راو للحديث النبوي الثقة. وأخرج له الشيخان (البخاري ومسلم) وأبو داود والنسائي. توفي بعد سنة 145 هـ.
[7] عبد المتعال الصعيدي،الحرية الدينية في الإسلام، القاهرة-دار الكتاب المصري،بيروت-دار الكتاب اللبناني،2012، ص88.
[8] – عبد المتعال الصعيدي، حرية الفكر في الإسلام، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب،2009.
ص 75.
[9] – آمال قرامي، قضيّة الردّة في الفكر الإسلامي الحديث، تونس، دار الجنوب للنشر،1996، ص 98.
[10] – عبد المتعال الصعيدي، الحرية الدينية في الإسلام، ص 148.
[11] المصدر نفسه، صص 44 -45.
[12] المصدر نفسه، ص 45.
[13] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
[14] انظر الصعيدي، القضايا الكبرى في الإسلام، القاهرة، مكتبة الآداب، د. ت، ص 390 -400.
[15] انظر الصعيدي، الحرية الدينية، ص58.
[16] توفي جاويش في سنه 1929 ونشر كتابه بعد وفاته في سنه 1952 ويندرج هذا الكتاب في إطار تجديد الفكر الإسلامي. وله في هذا الموضوع أيضا مقالات بمجلة الهداية التي أصدرها بين 1910 و 1914 وبمجلة العلم الإسلامي 1916 وفي كتاب “إجابتي على الكنيسة الانجليكية”. والملاحظ أن صاحب هذا الكتاب بدأ يكتب في مجال الفكر الإسلامي منذ 1905 فقد ألف في ذلك العام كتابه “الإسلام دين الفطرة والحرية”. وقد قدم هذا الكتاب إلى مؤتمر المستشرقين في الجزائر في سنه 1905 وقد ألّفه جاويش وهو في انجلترا يقوم بتدريس اللغة العربية في جامعه أكسفورد و كان عنوان الكتاب ردا على قول أحد طلابه في المحاورة التي أثبتها في أول كتابه” يخيل إليّ أيها الشيخ أنّ هذا الدين لا ينافي الفطرة في شيء”،جاويش، الإسلام دين الفطرة والحرية، ص 52.
[17] المصدر نفسه ، ص 79.
[18] المصدر نفسه، ص 91.
[19] المصدر نفسه، ص 96.
[20] المصدر نفسه، ص 219.
[21] المصدر نفسه، ص 222.
[22] المصدر نفسه، ص231.
[23] – م ن، ص 182.
[24] – انظر مقال عبد العزيز جاويش. www.marefa.org/index.php
[25] محسن كديور، حدّ الردّة وحرية العقيدة، ترجمة عن الفارسية حسن الصراف،ط1، قطر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،2023، ص22.
[26] طبعت بمطبعة الرغائب بالقاهرة في سنة 1936.
[27] المصدر نفسه، ص7.
[28] المصدر نفسه ،ص7.
[29] رجـب البنـا، الحرية الدينية فى الإسلام، جريدة الأهرام،السبت 23 من ذي الحجة 1445 هــ/ 29 يونيو 2024،السنة 148 ، العدد 50244.
[30] محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة،القاهرة، دار الشروق، 1980، ص44.
[31] – محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، المصدر المذكور، ص 280.
[32] – المصدر نفسه، ص 453.
[33] – محمد أبو النمر، اللاعنف وطبع السلام في الإسلام، ط1، عمّان- الأردن ، الأهلية للنشر والتوزيع،2008، ص 47.
[34] – محمود شلتوت، القرآن والقتال، القاهرة، مطبعة دار الكتاب العربي، 1951، ص 35-36.
[35] – شلتوت، المرجع المذكور، ص 63.