تكوين
يسود اعتقادٌ بأن القوة العسكرية المفرطة وامتلاك أحدث الأسلحة أمرٌ حتمي لبناء الدول وترسيخ مكانتها عالميًا. بيد أن هذا التصور غالبًا ما ينبع من رؤية أحادية تختزل مفهوم الحضارة في مجرد القوة والهيمنة، وتختزل التاريخ البشري في دائرة الصراع المسلح. هذه النظرة، للأسف، تغفل الأبعاد الفكرية والثقافية والاجتماعية التي تُشكل جوهر الحضارات وتُسهم في ازدهارها الحقيقي.
وفقًا لهذا المنطق الاختزالي، يُنظر إلى الإسلام، منذ فجر البعثة النبوية، كرسالة انبنت على القوة العسكرية التي تجلت بعد غزوة بدر وما تلاها. بل إن بعض شارحي السيرة النبوية يحلو لهم تصوير الرسول كقائد عسكري دائم الغزو، متنقلاً من معركة إلى أخرى. وفي التراث الإسلامي نجد “علم المغازي” وهو علم يختص بتوثيق الحروب التي شارك فيها الرسول. هذا الطرح يثير تساؤلاً جوهريًا حول جوهر انتشار الإسلام: هل كان بالسيف والقوة، أم بالكلمة الطيبة، والحوار الهادئ، والجدال بالتي هي أحسن؟ تشهد حقائق التاريخ على أن انتشار الإسلام اعتمد بشكل كبير على قوة الحجة، وعدالة المبادئ، وسمو الأخلاق، التي اجتذبت القلوب والعقول قبل أن تُخضع الجيوش.
للأسف، وبسبب الطبيعة الصراعية للسياق الدولي والإقليمي الذي رافق بزوغ الحضارة الغربية وتوسعها، خاصة نحو العالم الإسلامي، تَأَسَسَت هذه العلاقة على القوة والعنف. واتخذت أوروبا من “النار” رمزًا وأداةً للهيمنة والسيطرة. وهنا يبرز تساؤل تاريخي مهم: مَن الذي سبق له اكتشاف “النار” (البارود) وتوظيفها في الحروب؟ تُعد قصة اكتشاف البارود خير مثال على أن الابتكارات الكبرى قد تأتي بطرق غير متوقعة. ففي الصين القديمة، حوالي عام 850 ميلادي، كان العلماء يبحثون عن “إكسير الخلود” أو “إكسير الشباب”؛ لكنهم اكتشفوا بالصدفة مسحوق البارود! أطلقوا عليه اسم “هو ياو – Huo Yao”، وهو خليط من الفحم ونترات البوتاسيوم والكبريت. سرعان ما أدركوا إمكانية استخدامه في الحروب. ورغم أهمية هذا الاكتشاف، لم يُولِ الصينيون في ذلك الوقت اهتمامًا كبيرًا لتطويره واستغلاله العسكري على نطاق واسع، وبقي استخدامه محدودًا. [[2]]
تغير المسار التاريخي للبارود جذريًا عندما وصل إلى أوروبا في القرن الثالث عشر الميلادي عبر طريق الحرير. عملت الدول الأوروبية بجد على تطويره واستغلاله عسكريًا بشكل مكثف. بحلول منتصف القرن الرابع عشر، أصبحت البنادق منتشرة على نطاق واسع في الجيوش الإنجليزية والفرنسية. هذا التفوق في الأسلحة النارية منح المستعمرين الأوروبيين لأمريكا مزايا عسكرية هائلة على الشعوب الأصلية التي كانت تعتمد على أسلحة تقليدية كالأقواس والسهام والهراوات. ما حدث في أمريكا العالم الذي تم النظر إليه بأنه اكتشاف أوروبي محض، حيث أُبيدت أعداد هائلة من السكان الأصليين نتيجة لامتلاك المستعمرين للأسلحة النارية (بالإضافة إلى الأمراض والأوبئة التي جلبوها)، يُعد مثالًا صارخًا على القوة التدميرية للسلاح عندما يُستخدم للسيطرة والهيمنة.
إقرأ أيضًا: الحرب على غزة ومنظومة القيم العالمية..ندوة للمفكر جوزيف مسعد
تكرر السيناريو المأساوي الذي شهده السكان الأصليون في أمريكا، بعد القرن الخامس عشر الميلادي، في العالم العربي والإسلامي بل وفي كل العالم خارج أوروبا، خلال النصف الأول من القرن العشرين بفعل الاستعمار الأوروبي. هذه التجارب المريرة رسخت بعمق قناعةً بأن القوة، وقوة السلاح تحديدًا، لا غنى عنها للعالم الإسلامي. ومن المفارقات أن هذه السياسة تُطبق اليوم بوضوح من قبل إسرائيل في تعاملها مع الفلسطينيين. للأسف، بعد استقلال الدول الإسلامية في النصف الثاني من القرن العشرين، لم تتمكن النخب العلمية والثقافية والسياسية من توجيه العقل المسلم نحو إدراك أن قوة الإسلام الحقيقية تكمن في قوة الفكرة، أي قوة الحضارة، وليس في حضارة القوة. لقد فاتتنا الفرصة لإعادة تعريف مفهوم القوة بمعناه الشامل، بعيدًا عن سطوة السلاح. وتجدر الإشارة إلى أن الآية التي دشنت نزول القرآن الكريم هي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8)﴾ (العلق). لم يدشّن القرآن نزوله بلفت نظر الإنسان إلى قوة البدن والجسم، بل وجّه نظره نحو قوة القلب والعقل، بصفتهما منبعي التفكير والنظر. وتحذّر الآية من طغيان الإنسان الناتج عن اعتماده على قوة معادية للقلب والعقل؛ أي القوة التي لا تعترف بالإصلاح سبيلًا للإعمار.
- وهم القوة: هل السلاح النووي حل للأمن الداخلي؟
في ظل هذا السياق المعقد، سعى العديد من الدول في العالم العربي والإسلامي نحو امتلاك الأسلحة النووية. تتعدد الدوافع وراء هذا المسعى، لكن الهاجس الأمني يظل المحرك الرئيسي. فالصراع العربي الإسرائيلي المستمر منذ عام 1948م، مرورًا بحربي 1967م و1973م، قد خلق شعورًا عميقًا بالتهديد. إيران، على سبيل المثال، ترى أن برنامجها النووي يُمثل استجابة ضرورية لتحديات الأمن الإقليمي، خاصة في ظل وجود أسلحة نووية لدى إسرائيل. بيد أن السؤال يطرح نفسه: هل هذا هو الدافع الوحيد؟ يرى الكثيرون أن إيران قد وظفت قوتها العسكرية في توسيع نفوذها في دول الجوار، مستغلة في ذلك قضية الصراع مع إسرائيل. لقد تورطت إيران، بأجندتها المباشرة وغير المباشرة، في صراعات مدمرة أدت إلى مقتل وتشريد السوريين دفاعًا عن نظام الأسد، وذلك بدعوى حماية “ظهر المقاومة”. هذه الأمثلة تُظهر كيف يمكن للطموحات الإقليمية أن تتشابك مع المخاوف الأمنية، مما يُعقد المشهد الإقليمي.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا هو: هل امتلاك السلاح النووي سيجلب الأمن والاستقرار للمجال الإقليمي الداخلي في العالم الإسلامي؟ إن السعي المحموم لامتلاك الأسلحة النووية، حتى لو انطلق من دوافع أمنية أو سياسية تبدو مشروعة في نظر بعض الدول، يمثل طريقًا محفوفًا بالمخاطر الجسيمة على الأمن الداخلي للدول الإسلامية. فالعواقب المحتملة تشمل تكاليف اقتصادية باهظة تُرهق ميزانيات الدول وتُعيق مسيرة التنمية المستدامة، بالإضافة إلى خطر فرض عقوبات دولية تُلحق ضررًا بالاقتصاد وتُفاقم المشاكل الاجتماعية. ولا ننسى المخاطر الأمنية المتزايدة الناجمة عن احتمالية وقوع حوادث نووية أو هجمات، ناهيك عن تأجيج الانقسامات الداخلية والصراعات الطائفية والعرقية، وربما تقييد الحريات تحت ذريعة الأمن القومي. كل هذه العوامل تُشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار والسلم الاجتماعي في هذه الدول.
- قوة الحضارة أم حضارة القوة: دروس من التاريخ ونماذج ناجحة
لذلك، يصبح من الضروري تبني مقاربة شاملة ومتوازنة، تجمع بين تلبية الاحتياجات الأمنية المشروعة للدول والحفاظ على الاستقرار الداخلي. يجب أن نُدرك أن السير في مسار التسلح النووي قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على الصعيدين الوطني والإقليمي. الحلول البديلة تكمن في تعزيز الدبلوماسية النشطة، وبناء الثقة الإقليمية، وتطوير آليات التعاون الأمني المشترك. والأهم من ذلك، التركيز على التنمية الشاملة التي تُلبي طموحات الشعوب وتُحقق الرخاء الاقتصادي والاجتماعي، بدلًا من الانخراط في سباق تسلح نووي قد يدفع بالمنطقة بأسرها نحو المجهول المحفوف بالمخاطر.
لا ينبغي أن نغفل أن العالم بأسره يعيش تحت تهديد خطر الأسلحة النووية. فإذا تمكنت إحدى الدول العربية أو الإسلامية من امتلاك هذه الأسلحة، فإن ذلك لن يكون بالضرورة بشير خيرٍ للاستقرار. بل على العكس، قد يُساهم في فقدان الثقة المتزايد بين دول الجوار، ويُغذي خلق تكتلات وتحالفات جديدة “مع” أو “ضد” هذه القوة الناشئة. باختصار، إنه طريق محفوف بالمخاطر ويقود نحو مصير مجهول.
إقرأ أيضًا: التسامح المتبادل: هل هو شرط للتعددية؟
لذا، يتوجب علينا أن نلتفت إلى نماذج تنموية أخرى أثبتت نجاحها، كنماذج مثل سنغافورة، التي جعلت العلم والتعليم أولويتها القصوى قبل الإنفاق الضخم على التسلح. إن نجاح سنغافورة الباهر يعود إلى مجموعة متكاملة من العوامل. في المقام الأول، لعبت القيادة الرشيدة والحكيمة دورًا محوريًا، حيث تبنى قادتها الأوائل رؤية استراتيجية طويلة المدى تركز على التخطيط المستقبلي. وقد كان الاستثمار الهائل في رأس المال البشري والتعليم هو حجر الزاوية في هذه التجربة. أدركت سنغافورة أن شعبها هو أثمن مواردها، فبنت نظامًا تعليميًا عالمي المستوى يركز على العلوم، التكنولوجيا، والهندسة، وجذبت أفضل الكفاءات التعليمية. ولا يعني هذا أن سنغافورة قد أهملت جانب الأمن والدفاع عن نفسها، بل استثمرت بسخاء في تسليح وتدريب قواتها لضمان قدرتها على حماية مصالحها الوطنية وردع أي عدوان محتمل. هذا يعكس نهجها البراغماتي في التنمية الذي يشمل جميع جوانب بناء الدولة القوية، حيث يُنظر إلى الأمن والدفاع كجزء لا يتجزأ من استراتيجية التنمية الشاملة التي تبدأ من منطلق بناء الإنسان القادر على جلب الأمن والسلام كرافعة من رافعات التنمية التي تتعثر مع الحرب أو تنهار بسببها.
- كسر الأوهام: طريق التنمية الشاملة والأمن المستدام
إن العالم العربي والإسلامي يجب أن يُدرك أن طريق التنمية المستدامة والأمن الداخلي هو طريق مركب ومتعدد الأبعاد، يبدأ من العلم والمعرفة وبناء الإنسان. أما السباق نحو التسلح، خاصة على حساب العناية بمختلف المعارف المعاصرة ونشر الوعي، فهو مسار خاطئ. يجب العمل بجد للحد من التصورات والمسلمات الخاطئة التي تُغذي الطائفية والتشدد والتطرف والعنف. بالإضافة إلى ذلك، من الضروري بسط تصورات معاصرة في فهم الدين، فهمًا ينسجم مع مقتضيات الزمن الحضاري الذي نعيشه اليوم. يجب أن نعمل على تحرير العقل المسلم من قيود الماضي ودعوات الرجوع إليه، وتوجيهه نحو الوعي بالحاضر واستشراف المستقبل بكل تحدياته وفرصه.
- مفهوم الوهم
يمكن تعريف الوهم بأنه نوع من المعتقدات والمسلَّمات الخاطئة والمبالغ فيها، والتي تفارق الواقع. ورغم ذلك، يرى صاحبها ويعتقد بصحتها، ولا يمتلك القدرة على مراجعة أو انتقاد ما يعتقده حقيقة وصوابًا. فهو لا يلتفت إلى مختلف القراءات والحلول والتصورات التي تنظر إلى الواقع بنظرة مختلفة عما يراه صحيحًا. في علم الطب النفسي، يُعرَّف الوهم بأنه اعتقاد مَرَضي (ناتج عن مرض أو أحداث مرضية)، ويستمر المريض في التمسك بوهمه على الرغم من وجود الأدلة التي تثبت له عكس ما يتوهمه. أما في علم الأمراض، فيتم التمييز بين الوهم والاعتقاد المبني على الزيف أو المعلومات غير الكاملة أو العقيدة المتزمتة أو الغباء أو الإدراك الشعوري أو الانخداع أو غيرها من الآثار الناتجة عن الإدراك الحسي.
حالة الوهم لا تعني بالضرورة أن صاحبها يعترض على العقل والنظر والتفكير. فقد تجده يوظف مختلف ملكاته العقلية والفكرية بهدف إقناع الآخرين بما يسلم به، وقد يكرس كل جهده لتقديم مختلف الحجج والبراهين على صحة ما يعتقد أنه الحقيقة والصواب. لكن تعترضنا مشكلة مفادها: كيف نميز بين الوهم والصواب؟ أصحاب الصواب يكونون على استعداد لمراجعة أفكارهم، أو التعاطي معها بطريقة مختلفة؛ فطريق الصواب هو طريق التعدد والرأي والرأي الآخر. بينما أصحاب الوهم على العكس من كل هذا، فهم يرون أنفسهم على صواب دون غيرهم، وليس لديهم أي استعداد لتبني مقولة: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”.
الأوهام، كما تستحوذ على الفرد، قد تستحوذ على الجماعات وقد تعتمدها بعض الدول في سياساتها التوسعية وفي بسط سلطتها وتبريرها. بالنظر إلى مختلف الإمبراطوريات والدول عبر التاريخ، نجدها ربطت أتباعها بأوهام تفارق الواقع، معتمدةً على تجييش العواطف بتوظيف مختلف الفنون. وإذا نظرنا اليوم إلى سياسات بعض الدول، نجدها أسست نفسها وكيانها على وهم بعيد عن الواقع. لننظر في أمر إسرائيل، وهي دولة نشأت على أجسام وجثث الشعب الفلسطيني الأعزل. الوهم الذي قامت عليه أركانها ارتبط بمقولة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض“، وهي فكرة روَّج لها زعماء الحركة الصهيونية، نتج عنها إحدى أعظم الكوارث الإنسانية في القرن العشرين، ألا وهو ترحيل الفلسطينيين. ويقصد بهذه المقولة أن هناك (أرض بلا شعب) وهي أرض فلسطين يجب أن تُعطى إلى (شعب بلا أرض) وهم اليهود.
- التعلق بوهم القوة يُفضي إلى الدمار
لقد أثبت التاريخ وتجربة فساد وإفساد دولة إسرائيل في الشرق الأوسط، نتيجة الحروب التي خاضتها، سعيها لتحقيق وهم اسمه “إسرائيل الكبرى” ووهم اسمه “الأرض الموعودة”. وقد تم الاستناد على نصوص العهد القديم لتحويل هذا الوهم إلى واقع وحقيقة. تبدأ قصة الأرض الموعودة مع إبراهيم، الذي يُعتبر أب الأمة العبرانية. يورد سفر التكوين وعودًا متكررة من الله لإبراهيم ونسله: في سفر التكوين 12: 1-7، يقول الرب لإبراهيم: “اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك. فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك… وأعطي نسلك هذه الأرض.” ويتكرر هذا الوعد في سفر التكوين 13: 14-17 حيث يظهر الله لإبراهيم كل الأرض التي يمكنه رؤيتها ويقول: “لأن جميع الأرض التي أنت ناظرها لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد.” وفي سفر التكوين 15: 18، يحدد الله حدود هذه الأرض: “في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات.” وقد تم تأكيد هذا الوعد لاحقًا لإسحاق ابن إبراهيم في تكوين 26: 3-4: “تغرّب في هذه الأرض فأكون معك وأباركك. لأني لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد وأفي بالقسم الذي أقسمت لأبيك إبراهيم.” ثم لابن إسحاق، يعقوب (إسرائيل)، في تكوين 35: 12: “والأرض التي أعطيت إبراهيم وإسحاق لك أعطيها. ولنسلك من بعدك أعطي الأرض.” الغريب أن هذه الوعود لا تُحدّد فقط ملكية الأرض، بل تربطها ارتباطًا وثيقًا بالنسل والتكاثر، مما يضمن استمرارية الأمة في هذه الأرض.
لقد فند القرآن هذا الوهم الذي حرف موضوع العهد وربطه بملكية الأرض. فالقارئ لسورة البقرة سيقف عند المراجعة النقدية التي قدمتها السورة وهي تعالج وهم بني إسرائيل، الذين حرفوا موضوع العهد كما هو عند الأنبياء والرسل، من عهد يتعلق بمقام الأخلاق وأخلاق الرحمة والسلم والأمن والأمان، بدل العدوان والحرب والدمار.
قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلْطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)﴾ (البقرة)
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)﴾ (البقرة).
في الوقت الذي قامت فيه إسرائيل في القرن العشرين على وهم الأرض الموعودة، وهو وهم فنده القرآن (ولمن يرغب في التوسع في الموضوع يعود لكتابنا “منهج التصديق والهيمنة في القرآن سورة البقرة نموذجًا”)، فإن مطلع القرن الحادي والعشرين الذي صاحبه كثير من التحولات، وعلى رأسها الثورة المعلوماتية وعالم الإنترنت، كشفت زيف تصورات الدولة الإسرائيلية التي تستمد مشروعيتها الوجودية والدفاعية من المركزية الغربية. في المقابل، تشكل وهم موازٍ في العالم الإسلامي مفاده وهم قوة الأسلحة النووية. وهو وهم سعت من أجله بشكل غير علني وغير مصرح به العراق وليبيا والسودان وغيرها من الدول، وهي المسألة التي كرست إيران كل جهدها من أجلها. السؤال هنا: هل امتلاك الأسلحة النووية بالضرورة سيضع الدولة التي تمتلكها في مصاف الدول المتقدمة؟ لنتصور دولة تملك الأسلحة النووية وهي تعيش حالة من الفقر والجوع والفوضى، ففي ماذا تنفعها الأسلحة النووية؟ ولنتصور حالة إحدى الدول التي تملك الأسلحة النووية، أمريكا مثلاً أو الصين مثلاً أو فرنسا مثلاً… فإذا دخلت إحدى هذه الدول في أزمة اقتصادية واجتماعية وتفكك اجتماعي، هل ستنقذها الأسلحة النووية من كل ذلك؟ لننظر إلى حالة باكستان اليوم، وهي الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تملك الأسلحة النووية؛ هل جعلها ذلك في مصاف الدول المتقدمة عبر العالم؟ وكذلك الأمر مع الهند وكوريا الشمالية.
إقرأ أيضًا: لماذا لا ينمو التسامح في المجتمعات العربية؟
في 28 مايو 1998م، حصلت باكستان على السلاح النووي، مما أثار آمالًا كبيرة لدى تيارات الإسلام السياسي في العالم الإسلامي. كانوا يتوقعون أن باكستان ستتبنى الدفاع عن مختلف مصالح العالم الإسلامي في بعدها الاستراتيجي، وأنها ستنخرط بشكل مباشر في موضوع الصراع العربي الإسرائيلي، مدافعة عن الفلسطينيين وواضعة حدًا للغطرسة الإسرائيلية الغربية.
إلا أن التاريخ أثبت أن أي شيء من هذا لم يحدث. وهناك من ادعى تدخل باكستان في الصراع والحرب إلى جانب إيران مقابل إسرائيل. الباكستانيون يحتفلون كل عام بذكرى امتلاك السلاح النووي يوم 28 مايو من كل سنة.
تصوروا معي أن أربع دول في العالم الإسلامي، بمعزل عن تسمية الدول، صارت تملك السلاح النووي. هل ذلك يعني أن العالم العربي والإسلامي قد خرج من حالة الصراع الإقليمي الداخلي؟ ليس بالضرورة. امتلاك السلاح النووي يمكن أن يغير ميزان القوى ويخلق نوعًا من الردع الاستراتيجي، مما قد يقلل من احتمالية الصراعات الكبرى بين هذه الدول والقوى الخارجية. ومع ذلك، فإن النزاعات الداخلية والإقليمية في العالم الإسلامي غالبًا ما تكون مدفوعة بعوامل أخرى مثل: الخلافات الطائفية والعرقية والتنافس على النفوذ والموارد والتدخلات الخارجية وضعف المؤسسات والحكم الرشيد. إن امتلاك السلاح النووي قد يردع التدخلات الخارجية الكبيرة، لكنه لا يحل بالضرورة المشكلات الجذرية التي تؤدي إلى الصراعات الداخلية والإقليمية. في الواقع، قد يزيد من تعقيد الوضع ويضيف طبقة جديدة من المخاطر إذا لم تكن هناك آليات قوية للتحكم والحد من الانتشار.
وضعت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م البلد في فخ وهم الإسلام السياسي الذي يهدف إلى بناء الدولة الدينية التي يحكمها الولي الفقيه في انتظار ظهور المهدي، وهي دولة تمثل الحق المطلق وغيره يمثل الضلال. كما ربطت نفسها بوهم الأسلحة النووية. وعندما نتحدث عن “وهم قوة الأسلحة النووية“، فإننا نستعير المعنى الفلسفي والنفسي للوهم لنصف تصورًا خاطئًا أو مبالغًا فيه للقوة الحقيقية التي تمنحها الأسلحة النووية. هذا التصور يعتمد على فكرة أن امتلاك هذه الأسلحة يمنح الدولة قوة مطلقة أو تفوقًا يمكنها من تحقيق أهدافها بالقوة. بينما الواقع (المدعوم بنظريات الردع والتحليلات الاستراتيجية) يظهر أن هذه القوة غير قابلة للاستخدام الفعلي لتحقيق نصر بسبب الدمار المتبادل المؤكد. كما يبين الواقع أن تكلفة الحصول على هذا النوع من الأسلحة تُكلف الدولة اقتصاديًا الكثير من الأموال التي يمكن توظيفها في مختلف مجالات القوة الاقتصادية للبلد. لو استثمرت إيران مختلف ثرواتها في مجالات أخرى بعيدة عن الحروب والفتن في دول المنطقة والسباق نحو التسلح، ونشر مذهبها في مختلف دول الجوار، لكان ذلك أفضل لها ولبعدها الاستراتيجي.
باختصار، “وهم قوة الأسلحة النووية” يعني أن القوة التي تبدو هذه الأسلحة وكأنها تمنحها للدول هي في الواقع قوة مضللة، لأنها لا تتيح الفوز أو تحقيق الأهداف بطريقة عملية، بل تؤدي إلى تهديد وجودي مشترك. فوجودها يزيد من مخاطر عالمية بدلاً من أن يكون مصدرًا حقيقيًا للأمن المطلق.
______________________
المراجع:
[2] كانوا يبحثون عن “أكسير الشباب” فاكتشفوا “أكسير الموت”. موقع عربي بوست / نشر بتاريخ: 24-9-2021م