تصورات الغرب في فكر النهضة العربية

 تكوين

مَثَّلت حملة نابليون على مصر في 1798 – 1801، الحدث الأبرز الذي أحدث انعطافًا نوعيًا في الاتجاه إلى الغرب، إذ مع هذه الحملة بدأت تَتَكَوَّنُ صورة الغرب في الفكر العربي. قبل 1798 كان نموذجُ الحياة الأوروبي غريبًا عن المجتمع المصري والعربي عمومًا مع استثناءات محددة. كان المتحمسون للغرب قليلين جدًا، وكانت نظرة هؤلاء إلى المدنية الغربية سطحية وهشة.

في هذا الإطار نفهم أهمية حملة نابليون على مصر والأثر الكبير الذي أحدثته في الفكر العربي في مرحلة لاحقة. فعلى عكس الحملات الصليبية جاءت الحملة الفرنسية على مصر مرفقة بجانب فكري وحضاري، إلى جانب هدفها الاستعماري بالطبع. فقد رافق نابليون فريق من العلماء وجلب معه مطبعتين أحداهما فرنسية والأخرى عربية، وأسَّسَ مجمعًا علمًيا على غرار المجتمع العلمي الفرنسي وأنشأ مَرْصدًا ومتحفًا ومختبرًا، وأقام مسرحًا وأصدر جريدتين باللغة الفرنسية وجريدة عربية لنشر بياناته إلى المصريين.

بدأ نابليون فور وصوله ببث روُح الثورة الفرنسية وأفكارها التحررية والسياسية، فنشر بيانًا بالعربية ذكر فيه أنه صادر عن الحكومة الفرنسية “المبنية على أساس الحرية والمساواة“. وربما لم يكن لهذه المبادئ والأفكار أن تتغلغل في ذهنية المصريين وأن يستوعبوها استيعابًا كاملًا، إلا أن محمد علي ما لبث أن اعتمد اللغة الفرنسية للتدريس ودخلت مؤلفات فولتير وروسو ومونتسكيو، ولو على نطاق محدود جدًا إلى مصر. وابتداء من 1826 أخذ محمد علي يُوفد البعثات العلمية إلى فرنسا بانتظام، فكان أعضاؤها يشاهدون الحياة الفرنسية ويترجمون وينشرون. ومن هؤلاء تكوَّنت الطبقة المثقفة الأولى ومعها بعض الطلائع من الرواد في لبنان وسورية ومصر الذين قصدوا الغرب للتعلم أو العمل.

كان هناك صراع دائم بين المستغربين الذين يرون أن تقليد نمط الحياة الأوروبي هو وَحْده الكفيل بالتطوير التقدمي للعرب وبين التقليديين الذين يرون في هذه النزعة خطرًا على العرب، طارحين بديل الرجوع إلى التراث. إلا أن الجزء الأكبر من النهضويين كان يرى في التوفيق بين الثقافتين الغربية والعربية الحلَّ الأنسب لمواجهة إشكالات التطور. فحقيقة تفوق الغرب لم يستطعْ إنكارها حتى الاصلاحيون وإن اختلفوا على تفسيرها. ومع وقوع أجزاء من العالم العربي تحت سيطرة الاستعمار الأوروبي أواخر القرن التاسع عشر ازداد الشعور بضرورة التوجه إلى الغرب وتعزَّزت قناعة مفكري النهضة بدور العلم في إعادة توازن القوى بين العرب والغرب.

في هذا الإطار وُصفت باريس بأحسن الصفات من أكثر الذين زاروها من أعلام النهضة العربية. تكرَّرَ هذا الوصف مع أحمد فارس الشدياق وفرنسيس المرّاش ومحمد المويلحي وتوفيق البكري ومصطفى عبد الرازق. ويُبالغ محمد المويلحي في تمجيد باريس فيصفها بـ “المدينة الفاضلة والمدينة الكاملة، ومهبط العمران والحضارة”.

يقول الطهطاوي إن غايته هي

“حثُّ ديار الاسلام على البحث في العلوم البرانية والصنايع. فإن كمال ذلك ببلاد الأفرنج أمر ثابت شائع والحق أن يتبع”.

ويُعبِّرُ عن حسرته لتمتع الغرب بهذه العلوم و “خلو ممالك الاسلام منه”. ويحاول علي مبارك بعد عودته إلى مصر إقناع الفئة الأزهرية بضرورة الأخذ بالتكنولوجيا الغربية. ويقول مصطفى عبد الرازق

“إن الغرب خطا بالعلم خُطوة كبيرة وأننا أصبحنا عيالًا عليه في نهضتنا، فلا غنى لنا عما عند القوم من مدنية وعرفان”.

كذلك رأى محمد كُرْد علي، أن المدنية الغربية هي التي “تيسر لنا أن نستطلع سائر مدنيات الأرض”. أما محمد عبده وجمال الدين الأفغاني فيدعوان إلى تعلم لغات الغرب لأن

“العالم المسلم لا يمكنه أن يخدم الاسلام من كل وجه يقتضيه حال هذا العصر إلا إذا كان مُتقنًا للغة من اللغات الأوروبية”.

وتكتسب صورة الغرب مع فرنسيس المرّاش أبعادًا أخرى، إذ يرى أن تقدُّم الغرب وتفوقه، إنما هو “نتيجة ما بلغ العقل عندهم من التقدم والنجاح”. وفي “مشهد الأحوال”، تتعمَّق الصورة العقلانية للغرب عند المرّاش فتتركز على الجانب العقلاني لتفوق الغرب.

وإذا كانت صورة الغرب قد تمثَّلت في فكر النهضة العربية بالتمدن والحضارة والعلم والعقلانية، فإن الصورة التي كوَّنَت هاجسَ تطلع النهضويين إلى الغرب، هي صورةُ النظام السياسي والاجتماعي القائم على أُسس الحرية والعدالة والمساواة، فالجزء الأكبر من هؤلاء رأى في هذا النظام مثالًا يجب أن يُحتذى للنهوض بالإنسان العربي، فأيَّدوا إقامة حكومة تمثيلية على النسق الغربي وإيجاد نظام سياسي كامل يستند إلى الديمقراطية والدستور.

لكنَّ صورة الغرب الحضاري، غرب المدنية والحرية تتحول أكثر فأكثر إلى صورة قاتمة وزائفة في فكر النهضة العربية. لقد بان لكثيرين من مفكري النهضة الخلل القائم في نظام الغرب السياسي وتبدَّلت نظرتهم إلى ديمقراطية الغرب فرأى شبلي الشميل أن “حكومات أوروبا مُقصرة عما تتطلبه الهيئة الاجتماعية”. ورأى أديب اسحق أن “الحرية اسم بلا مسمى في أوروبا” وأنه “يتحتم على الهيئة الحاكمة أن تيسر وسائل القيام بالواجبات المفروضة”. فالحرية السياسية لا تتوطَّدُ ما لم توفر اليسر الاقتصادي الشامل. وكذلك رأى فرح أنطون أنه “ليس في الوجود المدني من واجب إلا بحق يُماثله” وأن “الهيئة الحاكمة مأمورة بأن تيسر للمواطن ما لا يستطيع”.

وتغدو صورة الغرب زائفة ومتوحشة مع نجيب العازوري وعبد الرحمن الكواكبي وفرنسيس المرّاش. يقول العازوري: “إن الهمجية السوداء عند الزنوج تقابلها الهمجية البيضاء في أوروبا”. ويقول الكواكبي: “دخل الفرنسيون الجزائر منذ سبعين عامًا، ولم يسمحوا بعد لأهلها بجريدة واحدة تقرأ”.

أما فرنسيس المرّاش وهو من أهم الذين استوعبوا ثقافة الغرب وأخذوا بها، فقد طرح في “غابة الحق” المطبوع في حلب سنة 1865 تصورًا لمجتمع مثالي تتجسَّدُ فيه مثاليات الغرب السياسية والاجتماعية كلها، وحلم في نهايته بإشراق نور التمدن الغربي على الشرق. وقبل أن يتوجه المرّاش إلى فرنسا عام 1866 كان يتطلَّعُ إلى الغرب للخلاص من إشكالات طرحها في بداية كتابه “رحلة باريس”. فقد جاء في مقدمة الكتاب “رأيت العالم مشهدًا ذريعًا… رأيت أقوامًا يرضعون الذُلَّ والخوف من أثداء أمهاتهم… رأيت القوي يدوس الضعيفَ… رأيت الغنيَّ يأكل قوتَ الفقير… رأيت جميع خيرات الأرض وثرواتها مملوكة من نذر من المغتصبين وبقية ألوف الألوف متمرغين في أوحال الشقاء”. لكنْ سرعان ما يشعر بالخيبة من الغرب، فيصف في مقال في مجلة “الجنان” سنة 1872 باريس وقد أضحت ساحةً للموت وسفك الدماء، ولعله في ذلك يُشير إلى كمونة باريس في 1871. يقول: “وما عتَّم أن رجع التمدن وضاع العقل وراح الهُدى”. وتتهاوى في ذهن المرّاش صورة الغرب المثالية وينكشف الزيف في تمدنه فيقول: “ها قد كُشف المُخبَّأُ وظهرت نتائج تمدن أدنيائكم يا بني أوروبا”.

ونجد في فكر النهضة العربية صورة أخرى قاتمة للغرب هي صورة الغرب الاستعماري. يقول الكواكبي:

“الغربي مهما مكثَ في الشرق لا يخرج عن أنه تاجر متمتع… الغربي يعرف كيف يأسر وكيف يستأثر. فمتى رأى فيكم استعدادًا واندفاعًا لمجاراته أو سبقه، ضغط على عقولكم لتبقوا وراءه شوطًا… كذلك شأن كل المستعمرين”.

ورأى أديب إسحق الاستعمار جريمة في حق البشرية. واتهم خير الدين التونسي الدول الأوروبية بأنها تُعرقل الاصلاحات التقدمية في البلدان الإسلامية، ونُفِيَ عبد الله النديم من مصر لمواقفه من الاستعمار الغربي، وكرَّسَ جمال الدين الأفغاني الشطر الأكبر من حياته للدفاع عن البلدان الإسلامية المُهددة بخطر التوسع الأوروبي.

وفي مرحلة مُتأخرة تغلَّب على فكر المرّاش صورةُ التمدن الغربي المتوحش القائم على الحرب وسفك الدماء. يقول مخاطبًا الغربيين:

“ما فضائلكم في الأرض غير الحروب ودفع الناس إلى الحرب… وبئس تمدنكم إذا كانت قواعده تُبنى على سفك الدماء”.

وفي مقال كتبه المرّاش في “الجنان” سنة1870 شكَّكَ في أخلاقية تمدُّن الغرب:

“ما هي حياة التمدن المصبوغ بدم البشر، المسفوك في حروب الشراسة، وما هو عمران التمدن المنقوض بمدافع الانقلاب والخراب، وما هي هُوية التمدن الذي به قد توصَّل الإنسان وهو على قمة الكمال إلى استحداث أشرِّ آلآلات الجهنمية لقتل نفسه والفتك بها؟”.

ونجد في فكر النهضة العربية صورة سلبية لأخلاقية الغرب. فالغربي “مادي لا دين له غير الكسب” في رأي الكواكبي، وهو حاقدٌ أناني “لا صديق له غير النضار” وَفْق تعبير المرّاش. وينعته المويلحي بالتعالي واحتقار الآخرين فهو ينظر إلى “الشرقي بعين المهانة والحقارة”. أما البغاء والسكر وألعاب القمار فهي صفة ثابتة للأوروبيين كما جاء في مجلة الهلال القاهرية. ويرى الكواكبي أن “الناشئة المتفرنجة لا خير فيهم لأنفسهم فضلًا عن أن ينفعوا أوطانهم وأقوامهم شيئًا”.

أما المرأة الغربية فهي مُتحللة مبتذلة في نظر بعض رواد النهضة مثل: الطهطاوي والشدياق وهي عند البعض الآخر مثل: المرّاش مُثقفة متحضرة.

لا بُدَّ لنا في النهاية من الاستنتاج بأن صورة الغرب في فكر النهضة العربية قد تكون أكثر واقعية وأكثر عقلانية مما نجده في قطاعات واسعة من الفكر السياسي في أيامنا هذه. فجميع مفكري النهضة العربية أو أكثرهم، لم يتخلوا عن مثاليات الفكر الغربي على رغم تمسكهم بدينهم وإدانتهم الاستعمار. لقد أدركوا أن أفضل طريقة لمواجهة تحديات الغرب تكمن في التعامل معه في مجال تفوقه ألا وهو العلم والحضارة. فسافر أكثرهم إلى الغرب وأتقنوا لغة من لغاته من دون أن يتخلوا عن قيم الشرق الأصيلة وتراثه الروحي. ويختم مُحمد كُرْد علي هذه المواقف بقوله: “يجب أن نُمجِّدَ ما أتانا من علم الغرب من دون أن نمجِّدَ ما حملته سياسته”.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete