تموضع رجل الدين القبطي في المجال العام المصري: القمص سرجيوس والبابا كيرلس الخامس نموذجًا

 تكوين

مقدمة:

ثمة تقاطع مباشر تأسّس عبر عقود طويلة بين المؤسسات الدينية ورجالها ورموزها والمجالين: السياسي والاجتماعي، إذ يُمَثِّلُ الاثنان طرفي معادلة رئيسة في أي تطور تاريخي وسياسي وديني.

تُمثل الكنيسةُ القبطية تاريخًا متصلًا في مسار طويل وشامل لتاريخ مصر، وكذا ما يتصل بمحيطها الحيوي ويرتبط يقينًا بالمؤثرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة ضمن الدائرة الأوسع عالميًا، كون الكنيسةُ شأنها شأن أي مؤسسة دينية، لا تتحرك في الفراغ، بل تتأثر وتؤثر في مجالها العام، نظرًا لطبيعة علاقتها بالمؤسسات الأخرى والطبقات الفاعلة، وطبيعة مكونها الرئيس الذي يتأسس بالتفاعل مع السلطة الزمنية، وينتج طبقة فاعلة، يضحى لها مساحة نحو التأثير في مظهر الكنيسة وهيئتها، خاصّة فيما يتصل بمنظومة المهام غير الدينية.

ومن الضروري أنْ تكونَ قراءةُ مسيرة الكنيسة الأرثوذكسية في العقود الفائتة، ولا سيما منذ القرن التاسع عشر، تعبيرًا واضحًا عن طبيعة هذه العلاقة، وما يجري داخل الكنيسة من تفاعل بين الآباء البطاركة والجماعة القبطية من جهة، وبين المجالين: السياسي والاجتماعي من جهة أخرى، بوصف ذلك جزءًا من حقيقة التطور في الحالة المصرية عمومًا.

وتبرز في هذا السياق لحظاتٌ معينة يمكن تبصّرها بوصفها لحظاتٍ مفصليةً في التاريخ المصري، يمكنُ التقاطها لتكون دلالاتٍ منهجيةً لصياغةِ سؤال مركزي لهذه الورقة، يفضي إلى تساؤل أكثر دقة عن: كيف تكوَّنت صورةُ رجال الدين الأقباط في المجال العام في مصر في فترات زمنية امتلكت خصوصية تاريخية بفعل مؤثرات سياسية واجتماعية لافتة؟

ومن هنا يمكن تحديدُ السؤال تحديدًا أكثر عمقًا باختيار شخصيتين كان لهما أثر واضح في مساحتين متداخلتين: الأولى داخل المحيط الديني الكنسي، والثانية في المجال الوطني العام.

الأول هو البابا كيرلس الخامس، البطريرك الذي اعتلى كرسي البابوية عام 1874، واستمرت رئاسته للكنيسة حتى عام 1927، وهي أطولُ فترة بابوية في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وقد شهدت هذه المرحلةُ تحولاتٍ عميقةً داخل المجتمع المصري والكنيسة على السواء، إذ عاصر البطريرك الاحتلال البريطاني لمصر، كما عاصر ثورة 1919 وما رافقها من تحولات في المجال الوطني العام، إلى جانب نشأة حزب الوفد عام 1918 بقيادة سعد زغلول.

وفي السياق الكنسي الداخلي، واجه البابا كيرلس الخامس تحدياتٍ بارزةً تمثلت في نشاط الإرساليات التبشيرية البروتستانتية والكاثوليكية التي نشطت في مصر في القرن التاسع عشر، وسعت في استقطاب الأقباط الأرثوذكس. وقد تعامل مع هذه التحديات عبر تعزيز البِنية التعليمية والمؤسسية للكنيسة، عن طريق دعم المدارس القبطية وتقوية حضور الكنيسة في المجال التعليمي والاجتماعي. كما شهد عهده توترًا ملحوظًا في العلاقة بين السلطة الكنسية وبعض النخب القبطية المدنية، تجلّى في الخلاف مع المجلس الملي القبطي في إدارة الشؤون المدنية للطائفة القبطية وحدود السلطة بين المؤسسة الكنسية والتمثيل المدني للأقباط، وهو خلافٌ يعكس أحد أوجه إعادة تعريف موقع رجل الدين داخل المجتمع القبطي والمجال العام في تلك المرحلة، خاصة وأن هذا العامل تقاطع تقاطعًا فاعلًا مع السلطة الزمنية والقوى الفاعلة في المجال العام.

أما الشخصية الثانية، فهي القمص سرجيوس، الذي ارتبط حضورُه التاريخي على نحو خاص بالأحداث الوطنية التي شهدتها مصر في مطلع القرن العشرين. وقد برز اسمه بصورة لافتة في ثورة 1919، فقد عُرف بخطبه الحماسية التي دعت إلى الوَحْدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين في مواجهة الاحتلال البريطاني، حتى لُقّب بـ “خطيب الثورة”. ومن أبرز اللحظات الرمزية في هذا السياق، خُطبته الشهيرة التي ألقاها في الجامع الأزهر، في مشهد عبَّر عن تداخل المجالين: الديني والوطني، وعن حضور رجل الدين المسيحي في الفضاء العام بوصفه فاعلًا سياسيًا واجتماعيًا في آن واحد. وقد عاصر القمص سرجيوس كذلك ثورة 1952، وإن كان حضورُه التاريخيُ الأبرزَ قد ارتبط بدوره الوطني والخطابي في أحداث عام 1919.

وعليه، فإن اختيارَ هاتين الشخصيتين يُتيح مقاربةً تحليلية لفهم الكيفية التي تموضع بها رجلُ الدين القبطي في المجال العام المصري، سواء عن طريق الدور المؤسسي داخل الكنيسة كما في حالة البابا كيرلس الخامس، أو عن طريق الدور الخطابي والسياسي في المجال الوطني كما في حالة القمص سرجيوس. ومن خلال هذا المنظور تمضي هذه الورقةُ في تبيان تلك المساحة التي تحرك فيها الطرفان ذهابًا وإيابًا بين المجالين الديني والوطني، بما أسهم في تكوين صورة رجل الدين المسيحي ودوره في المجال العام في مصر في مرحلة تاريخية مفصلية.

تأصيل تاريخي

كان الثالثُ عشر من سبتمبر عام 1882 اليوم الذي تأكّد فيه وقوع مصر تحت وطأة الاحتلال البريطاني، وذلك عقب إخفاق الثورة العُرابية، واقتياد زعمائها إلى السجون، والحكم عليهم بالإعدام، قبل أنْ يُستبدلَ هذا الحكم بالنفي المؤبد إلى جزيرة سيلان، مع تجريدهم من جميع الرتب، والألقاب والأموال والممتلكات. وفي التاسع عشر من سبتمبر 1882 أصدر الخديوي توفيق مرسومًا يقضي بتسريح الجيش المصري وتجريد ضباطه من رتبهم ومحاسبة المشاركين في الثورة.

في المقابل، تُعَدُّ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية واحدةً من أقدم الكنائس الرسولية في العالم المسيحي، إذ يُنسب تقليدها التأسيسي إلى القديس مرقس الرسول في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي. وقد شهدت الكنيسة انقسامًا لاهوتيًا كبيرًا عقب مجمع خلقدونية عام 451م، على خلفية الخلاف بشأن طبيعة السيد المسيح (1).

وشهدت مصرُ في أواسط القرن التاسع عشر نشاطًا متزايدًا لحركات التبشير المسيحية، خاصة في عهد سعيد باشا، في سياق تدفق رأس المال الغربي إلى مصر بعد معاهدة لندن 1840 التي أنهت نظام الاحتكار الذي أسسه محمد علي باشا (2).

وقد وصلت الإرساليات الأمريكية إلى مصر عام 1854 قادمة من دمشق، ونشطت إلى جانب الإرساليات الإنجليزية مستفيدة من الامتيازات الأجنبية. وأسّس المبشرون الأمريكيون أول مجمع مشيخي لهم عام 1860 برئاسة جيمس بارنيت وسكرتارية توماس ماكيج، وانضم إليهم القس الأسكتلندي يوحنا هوج.

وقد اتخذ هوج من مدينة أسيوط عام 1865 قاعدةً لانطلاق نشاطه التبشيري، عندما جعل التعليم المدخل الأساسي للتأثير داخل المجتمع القبطي، وانتشرت مدارس الإرساليات الأمريكية في المدن والقرى المصرية.

ومع اندلاع الثورة العرابية غادر المبشرون مِصر مؤقتًا، ثم عادوا بعد فرض الاحتلال البريطاني عام 1882. ويرى بعض الباحثين أن بريطانيا وظفت الإرساليات التبشيرية لخدمة أهداف سياسية إلى جانب أهدافها الدينية (3).

كما هيأت وفاةُ البطريرك البابا ديمتريوس الثاني عام 1870 مساحةً للحراك السياسي والتأثير في تقاليد اختيار البطريرك داخل الكنيسة، غير أن تمسكَ الأقباط والمجمع المقدس بالتقاليد الكنسية حال دون تغيير تلك القواعد.

وفي ظل هذه التحولات السياسية والاجتماعية، تبلورت أدوارٌ جديدة لبعض الشخصيات الدينية التي تجاوز حضورها المجال الكنسي إلى المجال العام. وقد برز في هذا السياق دور البابا كيرلس الخامس الذي تولى البطريركية عام 1874 حتى وفاته عام 1927، وعاصر ثورة 1919 وتأسيس حزب الوفد عام 1918 بقيادة سعد زغلول.

مسار البابا كيرلس الخامس

سعى البابا كيرلس الخامس إلى الحفاظ على تماسك الكنيسة في مواجهة نشاط الإرساليات التبشيرية، كما شهد صراعًا مؤسسيًا مع المجلس الملي القبطي بشأن إدارة الشؤون المدنية للطائفة القبطية (4).

مسار القمص سرجيوس

أما القمص سرجيوس فقد ارتبط حضورُه التاريخي بالحركة الوطنية المصرية، ولا سيما في ثورة 1919، فقد اشتهر بخُطبه الوطنية التي دعت إلى الوَحْدة بين المسلمين والمسيحيين، وكان من أبرزها خطبته في الجامع الأزهر.

وفي أواخر عام 1913 بدأت ملامح المؤسسة الوطنية المصرية في التكون، حين برزت تيارات وطنية مثل: جماعة مصطفى كامل ومحمد فريد، وظهور قيادات سياسية داخل المؤسسات التمثيلية مثل: مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية المصرية (5).

وقد فرضت الحربُ العالمية الأولى على مِصر حالةً من السيطرة البريطانية المباشرة عبر إعلان الأحكام العرفية وفرض الحماية البريطانية عام 1914.

تياران داخل الكنيسة وتموضع رجل الدين في المجال العام

مثَّلت التحولاتُ السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر مدخلًا أساسيًا لفهم إعادة صناعة أدوار المؤسسة الدينية في المجال العام. وفي هذا السياق، جاء إنشاء المجلس الملي القبطي في مطلع سبعينيات القرن التاسع عشر تعبيرًا عن صعود النخب القبطية المدنية ورغبتها في توسيع المشاركة في إدارة الشؤون الطائفية، في ظل التحولات التي شهدها المجتمعُ المصري مع تكوّن مؤسسات الدولة الحديثة. (٦)

وقد تزامن ذلك مع محاولات إعادة توزيع السلطة داخل الكنيسة بين البِنية الكنسية التقليدية من جهة، والنخب المدنية من جهة أخرى، دون أنْ يُمَثِّلَ ذلك قطيعةً كاملة مع المرجعية الدينية، بقدر ما عكس تفاوضًا بخصوص حدود السلطة الدينية والإدارية داخل المجتمع القبطي.

ومع تولي البابا كيرلس الخامس قيادة الكنيسة القبطية، برز نموذجُ رجل الدين بوصفه فاعلًا مؤسسيًا يسعى في الحفاظ على استقلالية المؤسسة الكنسية في مواجهة الضغوط السياسية والتأثيرات الخارجية، سواء المرتبطة بسلطات الاحتلال أو بنشاط الإرساليات التبشيرية، في ظل التحولات التي شهدتها مصر بعد الاحتلال البريطاني لمصر. وقد اتسمت علاقة البابا كيرلس الخامس بالمجلس الملي القبطي بالتوتر، إذ رأى في توسع صلاحيات المجلس محاولة لإعادة تعريف السلطة داخل الكنيسة، الأمر الذي أدى إلى أزماتٍ مؤسسية وصلت إلى تدخل السلطة السياسية، وعودة عمل المجلس الملي، ثم نفي البطريرك إلى دير البراموس، في دلالة على تشابك الديني بالسياسي في إدارة الشأن القبطي. (٧)

وفي المقابل، شهدت بداياتُ القرن العشرين ظهورَ نمطٍ آخر من تموضع رجل الدين في المجال العام، تمثَّل في شخصية القمص سرجيوس، الذي ارتبط اسمه بالحركة الوطنية المصرية، خصوصًا في ثورة 1919، عندما تحوّل إلى فاعل تعبوي في المجال العام عبر خطابه الداعي إلى الوَحْدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين في مواجهة الاحتلال. وقد مثَّلت خُطبته في الجامع الأزهر نموذجًا رمزيًا لحضور رجل الدين المسيحي في الفضاء الوطني، بوصفه وسيطًا بين المجال الديني والحراك السياسي والاجتماعي.

كما شهدت هذه المرحلةُ تطورًا في مشروع التعليم الديني القبطي، عن طريق جهود حبيب جرجس في تطوير المدرسة الإكليريكية وتأسيس مدارس الأحد، بوصفها محاولةً لإعادة إنتاج الكوادر الدينية القبطية في إطار تعليمي حديث، خاصة مع تصاعد نشاط الإرساليات التبشيرية في المدن المصرية والصعيد والوجه البحري. وهكذا تبلور مع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين اتجاهان رئيسان داخل المجال القبطي: اتجاهٌ مؤسسي تقوده البطريركية للحفاظ على البِنية الدينية التقليدية، واتجاه يسعى في توسيع حضور الكنيسة ورجال الدين في المجال الاجتماعي والوطني، ما يعكس ديناميات التفاوض المستمرة بشأن موقع رجل الدين في المجتمع المصري الحديث.

المجال العام القبطي وسؤال السلطة بين البطريركية والنخبة المدنية

يوضح الصراعُ الذي نشأ بين المجلس الملي والبطريرك كيرلس الخامس، أن تموضعَ رجل الدين في المجال العام لم يكنْ صراعًا لاهوتيًا فقط، بقدر ما كان صراعًا على إدارة الموارد الاجتماعية والاقتصادية داخل الجماعة القبطية، وعلى تحديد موقع السلطة في الفضاء العام للمجتمع المصري. فقد مثَّل المجلس الملي تعبيرًا عن صعود النخبة المدنية داخل الجماعة القبطية، في حين سعت البطريركية في الحفاظ على مركزية السلطة الدينية داخل البِنية المؤسسية للكنيسة، مع الاحتفاظ بدورها التقليدي في توجيه الشأن الديني والاجتماعي للأقباط داخل المجال العام.

فالكنيسة القبطية كانت كنيسةً محافظة، تتمسك بالتقاليد الكنسية، ويعكس ذلك نظامها المؤسسي القائم على التدرج الكهنوتي الذي يبدأ من أدنى درجات الإكليروس وصولًا إلى أعلى سلطة في الكنيسة، وهي سلطةُ البطريرك، الذي يجمع بين السلطة الرُوحية والسلطة الإدارية على الشؤون الكنسية والمؤسسات التابعة لها، إلى جانب دوره بوصفه حلقةَ وصلٍ بين الأقباط والدولة والمجتمع. ومن هنا جاء الخلاف في المجلس الملي، الذي تكوَّن في سبعينيات القرن التاسع عشر، حين دعا الأنبا مرقس مطران البحيرة بعض أبناء الشعب للمشاركة في إدارة شئون الكنيسة، ثم جرى تنظيمه رسميًا بصدور الأمر العالي بتكوين المجلس الملي لطائفة الأقباط الأرثوذكس.٨

وفي العام 1874 تكوَّن أولُ مجلس ملي، وانتخب بطرس باشا غالي وكيلًا له، ونصت لائحته على أنْ تكونَ رئاسةُ المجلس للبطريرك. غير أن البابا كيرلس الخامس رأى في توسع صلاحيات المجلس محاولةً لإعادة توزيع السلطة داخل المجال العام القبطي، فلم يعد الصراعُ يدور داخل حدود الكنيسة فقط، ولكنْ امتد إلى إدارة الموارد الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياة الأقباط في المجتمع. فقد منحت اللائحة المجلس صلاحيات الإشراف على أوقاف الكنائس والأديرة والمدارس، وتنظيم حساباتها المالية، وإدارة المدارس والمطابع، ومساعدة الفقراء، فضلًا عن النظر في منازعات الأحوال الشخصية المتعلقة بالزواج والطلاق، وهو ما رآهُ البابا تدخلًا في السلطة الكنسية التقليدية.

وقد اتسع الخلافُ بين المجلس الملي والبطريركية بشأن قضايا الأوقاف الكنسية، إذ سعى المجلس في حصر أوقاف الكنائس والأديرة وتنظيم إدارتها بعد ملاحظة سوء استغلال بعض الأوقاف وتركز إدارتها في يد عدد محدود من رؤساء الأديرة. وقد أدى هذا الصراع إلى تدخل الدولة في أكثر من مرحلة، حين دعمت إعادة تكوين المجلس الملي، ثم عاد الخلاف مرة أخرى، وانتهى الأمر إلى تجميد المجلس أكثر من مرة في فترة “حبريّة” البابا كيرلس الخامس، بما يعكس طبيعة المجال العام في تلك المرحلة بوصفه مجالًا للتفاوض والصراع بين السلطة الدينية والنخب المدنية والسلطة السياسية.٩

وتكشف هذه الوقائع أن الصراعَ بين المجلس الملي والبطريركية لم يكنْ صراعًا دينيًا مباشرًا، بقدر ما كان صراعًا في إدارة الموارد داخل الجماعة القبطية، وحدود السلطة بين رجال الكهنوت والنخب المدنية، في إطار التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها المجتمع المصري، والتي أعادت تكوين موقع رجل الدين داخل المجال العام بين الوظيفة الدينية التقليدية والدور الاجتماعي والسياسي المتغير.

الكنيسة القبطية ورجل الدين.. تحديات الهُوية وملامح التموضع في المجال العام

ارتبط تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، منذ منتصف القرن التاسع عشر، بمحاولات عديدة لضرب استقرارها، وذلك عن طريق البعثات التبشيرية التي اتخذت الدينَ مدخلًا رئيسًا لاختراق مصر في ظل التوسع الاستعماري الغربي، وبعد سقوط الدولة العثمانية وتنامي النفوذ الأوروبي في المشرق. وقد جاءت هذه البعثاتُ في سياق عام اتسم بمحاولات السيطرة السياسية والثقافية على المجتمعات الشرقية، عندما سعت تلك القوى في استخدام التعليم والنشاط الاجتماعي استخدام أدواتٍ للتأثير داخل المجتمعات المحلية، مع محاولة ترسيخ صورة الشرقي بوصفه أقل قابلية للتحديث، بما يخدم الأهداف السياسية للاستعمار.

وفي هذا الإطار، لم يكنْ نشاطُ الإرساليات التبشيرية بعيدًا عن الصراع على الهُوية داخل المجتمع القبطي، إذ حاولت تلك الإرساليات ضم أبناء الأقباط إلى كنائس أخرى أو التأثير داخل الكنيسة القبطية من الداخل. وقد تزامن ذلك مع مرحلة كانت فيها الكنيسة والوطن معًا أمام سؤال النهضة والتحديث، وكان التعليم يُمثل في نظر الكنيسة وسيلةً أساسية للحفاظ على الهُوية الدينية والرُوحية، وهو ما ظهر بوضوح في عهد البابا كيرلس الرابع الذي اهتم بإنشاء المدارس القبطية، واهتم بتعليم الفتيات إلى جانب البِنين، كما أنشأ أول مدرسة للبنات في مصر، وأنشأ مطبعة للبطريركية لنشر الكتب الدينية والرُوحية.

وفي المقابل، انتشر التعليمُ الأجنبي في مصر على يد الإرساليات التبشيرية، إذ أنشأت تلك الإرساليات مدارس دينية في أنحاء مصر، وتركز نشاطها في أسيوط بصعيد مصر، ثم امتد إلى القاهرة والإسكندرية. وافتتحت أول مدرسة للإرساليات في أسيوط عام 1865، وبحلول عام 1887 وصل عددُ المدارس التابعة لتلك الإرساليات إلى نحو 168 مدرسة يدرس بها أكثر من أحد عشر ألف تلميذ، الأمر الذي أدى إلى ازدياد تأثير التعليم التبشيري داخل المجتمع القبطي. ومع هذا الانتشار، حدث تحولٌ متزايد بين بعض الأقباط إلى المذهب الإنجيلي، فقد ارتفع عدد المتحولين من نحو 600 شخص عام 1875 إلى آلاف عديدة مع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وهو ما يعكس حجم التحديات التي واجهتها الكنيسة في الحفاظ على بِنيتها الاجتماعية والدينية.

وأمام هذه التحديات، عملت الكنيسةُ على تعزيز حضورها في المجال العام عبر التعليم الديني وتنظيم الحياة الكنسية، حين قرر البابا كيرلس الخامس والمجمع المقدس تدريس الدين المسيحي وتاريخ الأقباط، والعمل على أنْ تكونَ التربيةُ الدينية قائمةً على المبادئ الأرثوذكسية، مع متابعة المناهج الدينية داخل البطريركية. كما قام البطريرك برحلة رعوية إلى مدن وقرى الصعيد على باخرة نيلية، لمواجهة النشاط التبشيري البروتستانتي، ومنع الأقباط من إرسال أبنائهم إلى مدارس الإرساليات، حتى إن الكهنةَ كانوا يطوفون على البيوت للتحذير من هذه المدارس.١٠

وشهدت تلك الفترة أيضًا صراعًا بشأن إدارة أوقاف الكنيسة وثرواتها، عندما رأى المجلس الملي ضرورة تنظيم إدارة الأوقاف وحصرها وحسن استغلالها، خاصة بعد اكتشاف أعداد كبيرة من العقارات والأراضي التابعة للأديرة والكنائس، والتي كان يتولى إدارتها عددٌ محدود من رؤساء الأديرة. وقد أدى ذلك إلى خلافات بين المجلس الملي والبابا بخصوص إدارة هذه الأوقاف، إذ رأى البابا أن بعض هذه المحاولات تُمثل تدخلًا في الشأن الكنسي، فجُمِّدَ المجلس الملي أكثر من مرة في تلك الفترة.

ومع بداية القرن العشرين، وعندما أصبح سعدُ زغلول ناظرًا للمعارف سنة 1907، قرر إدخال تعليم الدين المسيحي في المدارس الابتدائية، مؤكدًا ضرورة أنْ يعرفَ الأقباط مبادئ دينهم ويحافظوا على هُويتهم الدينية. كما شهدت تلك المرحلة تصاعدًا في التلاحم الوطني في ثورة 1919، فقد رفعت شعارات الوَحْدة الوطنية مثل “الدين لله والوطن للجميع” و”يحيا الهلال مع الصليب”، وشارك الأقباطُ والمسلمون معًا في الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني، وبارك البابا كيرلس الخامس هذا التلاحم، مؤكدًا وطنية الأقباط وارتباطهم بالمشروع الوطني المصري.

ومع كل هذه التحولات، يُمكن القول إن تموضع رجل الدين القبطي في المجال العام لم يكنْ ثابتًا، بل ظل يَتَكَوَّنُ عبر التفاعل بين المؤسسة الكنسية، والنخب المدنية، والسلطة السياسية، إذ تحرك رجل الدين بين الحفاظ على الثوابت الدينية، والمشاركة في الشأن الاجتماعي والوطني، في إطار تاريخي اتسم بتداخل الدين بالسياسة والمجتمع في مصر الحديثة.

البابا كيرلس الخامس: الصراع مع الملك والتحالف مع الوفد

شهدت علاقة البابا كيرلس الخامس بالسلطة الزمنية توتراتٍ متعددةً ارتبطت أساسًا بإعادة تعريف حدود السلطة داخل الجماعة القبطية، ولا سيما فيما يتعلق بإدارة الأوقاف وتنظيم الشأن الإداري للأقباط. وقد تبلور هذا التوترُ في سياق إدارة الصراع مع المجلس الملي القبطي، الذي مثّل في تلك المرحلة تعبيرًا عن صعود النخب المدنية داخل المجتمع القبطي، وسعيها في توسيع نطاق المشاركة في إدارة الشؤون الطائفية في ظل التحولات التي شهدتها مصر مع تكوّن الدولة الحديثة.

وقد انتهت إحدى مراحل هذا الصراع إلى نفي البابا كيرلس الخامس إلى دير البراموس بوادي النطرون، وهي واقعةٌ يمكن قراءتَها في إطار أوسع من التداخل بين الديني والسياسي، إذ لم يكنْ الصراعُ محض خلافٍ كنسي داخلي، وإنما كان انعكاسًا لتشابك البِنية الكنسية مع مراكز القوة السياسية والاجتماعية في تلك المرحلة. وقد مثّل النفيُ لحظةً رمزية داخل الوعي القبطي، حينما تحوّل البابا إلى رمز للاستقلال المؤسسي للمؤسسة الكنسية في مواجهة محاولات إعادة توزيع السلطة داخلها.

ومع التحولات السياسية التي شهدتها مصر عقب ثورة 1919 وصعود الحركة الوطنية بقيادة سعد زغلول، حدث نوعٌ من التقارب الموضوعي بين البطريركية والاتجاه الوطني الذي مثّله حزب الوفد، فقد اتخذ هذا التقاربُ هيئةَ توافقٍ في المصالح الرمزية أكثر من كونه تحالفًا سياسيًا مباشرًا. فقد احتاج الخطابُ الوطني إلى تأكيد فكرة الوَحْدة الوطنية، في حين سعت المؤسسة الكنسية في تعزيز حضورِها داخل المجال العام الوطني في مواجهة الضغوط المؤسسية والسياسية المختلفة.

الكنيسة والسلطة السياسية: كيرلس الخامس وتموضع رجل الدين بين الوطنية والمؤسسة

غيَّبَ الموتُ البابا كيرلس الخامس وسعد زغلول في ذات العام 1927، بعد مسيرة طويلة من النضال من أجل ترسيخ ملامح الاستقلال الوطني والكنسي. وقد تركت وفاتهما المجال السياسي والكنسي معًا مفتوحًا أمام التأويلات بشأن كيفية استمرار مشروع الاستقلال، سواء على مستوى الدولة أو الكنيسة، في مرحلة تاريخية كان فيها المجال العام المصري يَتَكَوَّنُ عبر التداخل بين الدين والسياسة والحركة الوطنية.

ففي المجال السياسي، استطاع سعد زغلول أنْ يتحولَ إلى رمز وطني جامع، حمل مشروع الاستقلال وطرح مبادئ الوطنية المصرية، الأمرُ الذي جعله في مواجهة مباشرة مع القصر، خاصة مع الملك فؤاد الأول، الذي اتجه إلى دعم أحزاب الأقلية مثل: حزب الاتحاد وحزب الشعب، ثم دعم حكومة إسماعيل صدقي في مسعى لإعادة ضبط موازين القوى السياسية، وهو ما تجسد في إقرار دستور 1930 مقابل دستور 1923، في محاولة لإعادة تكوين المجال السياسي وَفْق رؤًى أكثر توافقًا مع سلطة القصر.

وفي المجال الكنسي، أفضت وفاة البابا كيرلس الخامس عام 1927 إلى فتح مرحلة جديدة اتسمت باضطراب في تقاليد اختيار البطريرك، شهدت فيها الكنيسة الأرثوذكسية محاولات متكررة للتدخل في آليات انتخاب البطريرك في الفترة من 1927 حتى 1954. وقد عمَّقَ ذلك الإحساس بالأزمة داخل الجماعة القبطية، إذ بدا أن مسألةَ اختيار البطريرك لم تعدْ مسألة كنسية خالصة، بل أصبحت مجالًا للتنافس بين القوى الدينية والمدنية والسياسية داخل المجال العام، الذي أصبح فيه تمثيلُ الكنيسة في الفضاء الوطني جزءًا من توازنات أوسع تتعلق بالهُوية والسلطة والنفوذ الاجتماعي.

وفي ديسمبر 1927 دعا الدكتور سوريال جرجس، أحد أنصار الإصلاح الكنسي، إلى اجتماع ضم عددًا من وجهاء الأقباط في فندق الكونتيننتال، وطالب بضرورة الإسراع في انتخاب بطريرك جديد. ورُشحَ القمص يوحنا سلامة، ثم أُجريت عملية انتخاب داخلية، وأُرسل القرار إلى وزارة الداخلية. غير أن الملك فؤاد تدخل مباشرة، وأصدر قرارًا بتعيين الأنبا يوأنس مطران البحيرة قائمَ مقام للكرسي البابوي لمدة ستة أشهر، في ظل مناخ من القلق داخل الرأي العام القبطي من احتمال تعدد مراكز السلطة داخل الكنيسة، وما قد يترتب على ذلك من اضطراب في التمثيل الديني داخل المجال العام.

وفي السياق نفسه، استدعى الملك فؤاد وزير المواصلات آنذاك توفيق دوس، وأعرب عن قلقه من ترشيح القمص يوحنا سلامة وما تردد عن علاقته بالإنجليز، مع إبداء رغبته في أنْ يتولى الأنبا يوأنس كرسي البطريركية نظرًا لثقته السياسية والإدارية فيه. وفي هذه الأثناء عقد المجمع المقدس اجتماعًا أكد فيه عدم الممانعة في أنْ يأتيَ البطريرك من طائفة المطارنة، حين كان يوحنا سلامة وكيلًا لمطرانية الخرطوم.

وفي ظل هذا الصراع، تحركت قوًى سياسية مختلفة على المسرح المصري، فقد سعى كل من الإنجليز والقصر الملكي في التأثير في المؤسسة الكنسية، بوصفها أحد مراكز التأثير الاجتماعي داخل المجتمع المصري. وقد قام الملك فؤاد بحصر الناخبين للبطريرك في فئات محدودة تمثلت في الوزراء الحاليين والسابقين، وأعضاء البرلمان، وبعض كبار الأثرياء الذين اختارهم الملك بنفسه، ليقتصر عدد الناخبين على ستةٍ وتسعين ناخبًا فقط، بما يعكس محاولة ضبط عملية الاختيار داخل إطار سياسي محدد.١١

وبدا أن اختيارَ البطريرك لم يَعُدْ شأنًا كنسيًا صرفًا، ولكنْ أصبح جزءًا من التوازنات السياسية داخل الدولة المصرية الحديثة، فقد ظلت الكنيسة تُمثل أحد المراكز المؤثرة في المجال العام المصري، في إطار علاقة معقدة بين السلطة الدينية والسلطة السياسية والفضاء الوطني.

وفي ظل هذا الصراع، بدا أن مسألة اختيار البطريرك لم تكنْ محض شأن كنسي داخلي، بقدر ما كانت تعبيرًا عن الصراع على النفوذ والسلطة الرمزية داخل المجال العام المصري، إذ ظل رجلُ الدين يُمَثِّلُ ليس فقط رمزًا رُوحيًا، وإنما فاعلٌ اجتماعيٌ وسياسيٌ تتداخل عنده المصالح الدينية والوطنية، في مرحلة تاريخية اتسمت بتشابك علاقات الكنيسة بالدولة والمجتمع في مصر الحديثة.

الكنيسة ومسارات الإصلاح الديني والاجتماعي

شهدت أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تحولات فكرية واجتماعية عميقة في مصر، تداخلت فيها عوامل عديدة أسهمت في إعادة تكوين موقع الدين داخل المجتمع المصري. فقد ارتبطت هذه المرحلة بسقوط الخلافة العثمانية، وتصاعد النفوذ الاستعماري الأوروبي، إلى جانب انتشار الأفكار الحديثة القادمة مع البعثات التعليمية والثقافية الغربية، وهو ما دفع قطاعاتٍ واسعةً داخل المجتمع المصري إلى إعادة التفكير في مسألة الهُوية الدينية والوطنية في آن واحد. وفي هذا السياق، لم يكنْ السؤالُ الديني منفصلًا عن سؤال النهضة والتحديث، بل أصبح جزءًا من مشروع أوسع سعت به المؤسسات الدينية في الحفاظ على ثوابت الهُوية في مواجهة التحولات الاجتماعية والسياسية المتسارعة.

وفي داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تجسد هذا المسارُ الإصلاحي في الاهتمام المتزايد بالتعليم الديني والمؤسسي، حين ظهرت مبادرات تعليمية هدفت إلى مواجهة نشاط الإرساليات التبشيرية التي توسعت في إنشاء المدارس داخل المدن المصرية والقرى، خاصة في صعيد مصر والوجه البحري. وقد مثل إنشاء مدارس الأحد في مطلع القرن العشرين استمرارًا لهذا المسار الإصلاحي، فقد سعت الكنيسة في تكوين أجيال جديدة من الكوادر الدينية القادرة على مواجهة التحولات الثقافية والاجتماعية، مع تزايد التحاق أبناء الطبقة المتعلمة بالحياة الرهبانية في ظاهرة عُرفت لاحقًا بالرهبان الجامعيين، الذين رأوا في الحياة الكنسية مسارًا رُوحيًا واجتماعيًا لإصلاح المؤسسة الدينية من الداخل.

وفي هذا المناخ التاريخي، كان تموضعُ رجل الدين داخل المجتمع المصري يتخذ أنماطًا أكثر تنوعًا، فلم يَعُدْ مقتصرًا على الدور الكنسي التقليدي، بل أصبح جزءًا من الفضاء الاجتماعي والسياسي الذي يَشهد صراعًا بشأن الهُوية الوطنية ومواجهة النفوذ الاستعماري. وقد مهد هذا السياقُ لظهور نماذجَ دينيةٍ تجاوز حضورها حدود المؤسسة الكنسية إلى المجال العام الوطني، وكان القمص سرجيوس أحد أبرز هذه النماذج، إذ ارتبط اسمه بالحركة الوطنية المصرية، وتحول إلى فاعل تعبوي داخل المجال العام، يجمع بين الخطاب الديني والخطاب الوطني في لحظة تاريخية فارقة من تاريخ مصر الحديث.

المجال العام والتفاعل بين الدين والمجتمع

يُشير مفهومُ المجال العام إلى ذلك الفضاء الاجتماعي الذي تَتَكَوَّنُ داخله النقاشات العامة بشأن قضايا المجتمع والسياسة والهُوية، إذ يتفاعل الأفراد والجماعات في إطار من الحوار العقلاني بخصوص المصالح المشتركة. وقد ارتبط هذا المفهومُ، في صيغته النظرية، بما طرحه هابرماس، الذي رأى أن المجالَ العام ينشأ من تجمع الأفراد بصفتهم مواطنين خصوصيين، يتناقشون في قضايا المجتمع والدولة، بعيدًا عن هيمنة السلطة السياسية أو الاقتصادية، بما يسمح بصناعة رأي عام قادرٍ على التأثير في صناعة القرار السياسي.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم المجال العام بوصفه مساحة وسيطة بين الدولة والمجتمع، تَتَكَوَّنُ فيها الآراءُ عبر النقاش والتفاعل الاجتماعي، وتعتمد على قيم الشفافية والعقلانية والمشاركة الحرة. كما أكد هابرماس أن المجالَ العام يرتبط بتطور المجتمع المدني، وأنه يُمَثِّلُ حلقةَ وصل بين الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيصبح الرأي العام قوة رمزية قادرة على التأثير في شرعية السلطة السياسية.١٢

وفي الحالة المِصرية، اكتسب المجالُ العام طابعًا خاصًا، إذ يشير طارق البشري في كتابه “المسلمون والأقباط في إطار الحركة الوطنية” إلى أن المجتمعَ المصري تكوّن تاريخيًا في إطار من التداخل بين الدين والوطن، دون وجود قطيعة حادة بين المجال الديني والحياة العامة. فقد ظل الدينُ عنصرًا فاعلًا في تكوين الوعي الجمعي، خاصة في ظل التحولات السياسية التي شهدتها مصر مع تكوّن الدولة الحديثة، وتصاعد النفوذ الاستعماري، ونمو الحركة الوطنية المصرية.

ومع هذه التحولات، اتسع المجالُ العام المصري ليشمل مؤسسات دينية وتعليمية ووطنية، أصبح فيها الدينُ جزءًا من الخطاب الوطني في مواجهة الاحتلال، وليس محض منظومة رُوحية منفصلة عن الشأن العام. وقد سمحت هذه البيئة التاريخية بظهور أنماط جديدة من حضور رجال الدين داخل المجال العام، إذ لم يعد الدور الديني مقتصرًا على المؤسسة الكنسية أو الرُوحية فقط، ولكنْ امتد إلى المشاركة في القضايا الاجتماعية والسياسية، وهو ما مهد لظهور شخصيات دينية كان حضورها التاريخي مرتبطًا بالحراك الوطني المصري، وفي مقدمتها القمص سرجيوس، الذي ارتبط اسمه بالخطاب الوطني في ثورة 1919 ومقاومة الاحتلال البريطاني.

القمص سرجيوس وتموضع رجل الدين في المجال العام: الوطنية والفاعلية الاجتماعية

في خضم التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها مصر في مطلع القرن العشرين، برزت شخصيات دينية استطاعت أنْ تتجاوزَ حدود الدور الكنسي التقليدي، لتصبح فاعلًا حاضرًا داخل المجال العام، وكان من أبرز هذه الشخصيات القمص سرجيوس، الذي تحوّل في ثورة 1919 إلى أحد أهم خطباء الحركة الوطنية المصرية. وُلِدَ ملطي سرجيوس عبد الملك عام 1883 بمدينة جرجا في صعيد مصر، وانتقل في سن مبكرة إلى القاهرة ليلتحق بالمدرسة الإكليريكية عام 1899، حيث تلقى تعليمه اللاهوتي وتخرج فيها عام 1903، قبل أنْ يُرسمَ كاهنًا ويبدأ مسيرته الكنسية في عدد من المدن المصرية، ثم يُرقَّى لاحقًا إلى رتبة قمص. وقد اتسمت شخصيته منذ وقت مبكر بنزعة نقدية واضحة، ظهرت في نشاطه الفكري والصحفي، عندما أصدر مجلة “المنارة المرقسية” في فترة خدمته في السودان عام 1912، واتخذ منها مِنبرًا لانتقاد الاستعمار البريطاني ومناقشة قضايا المجتمع والكنيسة، وهو ما أثار غضب السلطات البريطانية التي رحَّلتهُ من السودان عام 1915.

ومع اندلاع ثورة 1919 إثر اعتقال سعد زغلول ونفيه، وجد سرجيوس نفسه منخرطًا بصورة مباشرة في الحراك الشعبي الذي اجتاح المدن المصرية، فقد خرج إلى الشارع مُنضمًا إلى المتظاهرين، لتقوده المسيرة إلى الجامع الأزهر، في لحظة تاريخية فارقة اعتلى فيها منبره مرتديًا زيه الكهنوتي ليخطب في الجماهير، في سابقة لم تعرفها الحياة الدينية والسياسية في مصر من قبل. ومنذ تلك اللحظة تحول الأزهر إلى منصة رئيسة لخطاب سرجيوس الوطني، إذ ظل يُلقي خُطبًا يومية أمام الجماهير، مُستخدمًا لغة خطابية حماسية تجمع بين السخرية السياسية والقدرة على تحريك المشاعر الجماهيرية، حتى أصبح واحدًا من أبرز الأصوات المحرضة على مقاومة الاحتلال البريطاني. وقد لقي حضورُه ترحيبًا من عدد من علماء الأزهر الذين رأوا في خطابه تعبيرًا عن وَحْدة المصريين في مواجهة الاستعمار.

ولم تكنْ أهميةُ سرجيوس في تلك اللحظة التاريخية نابعة من كونه خطيبًا مفوهًا فحسب، ولكنْ من رمزية حضوره الديني داخل الفضاء الوطني العام، إذ استطاع أنْ يُجسد في خطاباتِه فكرةَ الوَحْدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، وهي الفكرةُ التي أصبحت أحد أهم شعارات ثورة 1919. وكان يبدأ كثيرًا من خطبه بعبارة “يحيا الهلال مع الصليب”، مؤكدًا أن الدفاعَ عن الاستقلال هو قضيةٌ وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات الدينية. بل إن بعض خطاباته حملت تعبيرات شديدة الحدة في الدفاع عن وَحْدة المصريين، إذ أعلن في إحدى المناسبات أن الاستقلالَ إذا كان مشروطًا بالوَحْدة الوطنية، فإنه على استعداد لأن يضع يده في يد إخوانه المسلمين مهما كانت التضحيات. وقد جعل هذا الخطابُ التعبوي منه رمزًا بارزًا للحظة التلاحم الوطني التي ميزت الثورة المصرية.

وقد أثار تأثيره المتزايد في الشارع المصري قلق السلطات البريطانية التي رأت في خُطبه عاملًا محفزًا لاستمرار الاحتجاجات الشعبية، الأمر الذي دفعها إلى اعتقاله في أبريل 1919 ونفيه إلى رفح لمدة ثمانين يومًا في محاولة لإسكات صوته. غير أن هذا الإجراءَ لم يضعْ حدًا لصورته الرمزية داخل الوعي الوطني، بل أسهم في تعزيز مكانته بوصفه أحد أبرز خطباء الثورة، فقد ظل اسمه مرتبطًا بتلك اللحظة التي التقى فيها الخطاب الديني بالخطاب الوطني داخل المجال العام المصري، في نموذجٍ يعكس طبيعة التداخل بين الدين والسياسة في التجرِبة المصرية في مرحلة تكوّن الحركة الوطنية الحديثة. ١٣

ضد الوفد والإخوان

مع انحسار موجة ثورة 1919 وإقرار دستور 1923، بدا أن الحضورَ السياسي الصاخب للقمص سرجيوس قد هدأ نسبيًا، غير أن ذلك الهدوءَ لم يدم طويلًا. ففي الثلاثينيات عاد إلى ساحة الصراع السياسي، ولكنْ هذه المرة عبر موقع مختلف، إذ انخرط في الخلافات التي عصفت بحزب الوفد بعد رحيل سعد زغلول. وقد مال سرجيوس إلى تأييد الجبهة التي ضمت أحمد ماهر وفهمي النقراشي في مواجهة قيادة مصطفى النحاس ومكرم عبيد، وهو ما وضعه في قلب التجاذبات السياسية التي كانت تشهدها الحياة الحزبية المصرية آنذاك.

وفي السياق ذاته، دخل سرجيوس في مواجهة فكرية وسياسية مع جماعة الإخوان المسلمين، التي كان صعودها المتسارع في الأربعينيات يُثير قلق عدد من النخب السياسية والفكرية. وقد عبّر عن هذا الموقف بوضوح في مقالاته التي نشرها في مجلة المنارة المصرية، حين وجّه نقدًا حادًا للجماعة ورأى في خطابها خروجًا على الرُوح الوطنية الجامعة التي تجلت في ثورة 1919. وفي أحد مقالاته كتب ساخرًا أن مِصرَ تبدو وكأنها لا تعيش على مياه النيل، بل على أمطار السماء، حتى إذا انقطعت تلك الأمطار استُمطرت دموع المسيحيين لتروي ظمأ اتباع حسن البنا ومعتنقي أفكار الإخوان المسلمين.

وفي عام 1949 قررَ سرجيوس أنْ يُترجمَ موقفه السياسي إلى فعل مباشر، فأعلن ترشحه لعضوية مجلس النواب، في لحظة كان يرى فيها أن صعودَ جماعة الإخوان يُمَثِّلُ تهديدًا لمسار الوطنية المصرية الذي تبلور منذ الثورة. واختار دائرة شبرا، ذات الكثافة القبطية الملحوظة، ساحةً لمعركته الانتخابية. غير أن المنافسةَ اشتعلت بعد ترشيح حزب الوفد لإبراهيم فرج، قبل أنْ تنتهيَ المواجهة بتنازل سرجيوس عن الترشيح. ويُشير الدكتور محمد عفيفي في كتابه الدين والسياسة في مصر المعاصرة، نقلًا عن القمص بولس باسيلي الذي عاصر تلك الوقائع، إلى أن هذا التنازلَ جرى في إطار تفاهم انتخابي كان يقضي بتعيين سرجيوس في مجلس الشيوخ، وهو ما لم يتحقق لاحقًا، الأمر الذي عمّق حالةَ التوتر التي ظل يحملها تجاه حزب الوفد.

ضد الكنيسة

لم يكنْ تمردَ سرجيوس مقصورًا على المجال السياسي أو الوطني، بل امتدَ كذلك إلى داخل المؤسسة الكنسية نفسها. فقد ظهرت نزعة الاعتراض عنده مُبكرًا منذ سنوات دراسته في المدرسة الإكليريكية، حين شارك عام 1902 في حركة احتجاج قادها طلاب المدرسة اعتراضًا على تدهور أوضاعهم المعيشية والتعليمية، بعد أنْ قررت البطريركية تقليص الحصة اليومية من الخبز المخصصة للطلاب. وقد طالب المحتجون بتحسين ظروفهم العلمية والمعيشية والاهتمام بمستقبل الخريجين، غير أن البطريركية واجهت هذا التحرك بحزم، فاستعانت بالشرطة لإنهاء الاعتصام، ثم لوّحت باستخدام سلطة الحرمان الكنسي ضد الطلاب وآبائهم، الأمر الذي دفع الحركة الاحتجاجية إلى التراجع.

وفي السنوات اللاحقة، واصل سرجيوس هذا النهجَ النقدي عن طريق مقالاته في مجلة المنارة، التي اتخذ منها منبرًا لمناقشة شؤون الكنيسة الداخلية. وقد أعلن بوضوح أن من بين أهداف المجلة تقويم ما يراه اعوجاجًا في الحياة الكنسية والاجتماعية للأقباط. وفي هذا السياق كتب مقالات انتقد فيها ظاهرة السيمونية، أي شراء المناصب الكنسية بالأموال، كما وجّه انتقادات مباشرة لبعض المطارنة، الأمر الذي عرضه للمحاكمة أمام المجلس الإكليريكي المختص بالنظر في القضايا الكنسية، قبل أنْ يُعفى عنه لاحقًا بعد تدخل عدد من المطارنة الذين رأوا في مواقفه تعبيرًا عن رغبة في الإصلاح.

كما تبنّى القمص سرجيوس عددًا من الآراء التي خالفت التقاليد الراسخة في الكنيسة الأرثوذكسية، من بينها دعوته إلى السماح بزواج المطارنة، واقتراحه أنْ يُختار البطريرك من خارج فئة الرهبان. كذلك طالبَ بتعيين نائب بطريركي يتولى إدارة شؤون الكنيسة بدلًا من البابا كيرلس الخامس بسبب تقدمه في السن، وهو ما أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط الكنسية وانتهى بصدور قرار بتجريده من رتبته الكهنوتية.

وبعد نياحة البابا كيرلس الخامس وتولي البابا يوأنس الكرسي البابوي، واصل سرجيوس كتابة مقالاته النقدية في الإصدار الثاني من مجلة المنارة المصرية، عندما تناول الصراع الدائر بين الكنيسة والمجلس الملي بخصوص إدارة الأوقاف القبطية. وفي عام 1936 أعلن تأسيس ما أسماه “فريق الإنقاذ”، وهو تجمعٌ من الشباب والطلبة هدفه –وَفْق تعبيره– إنقاذ الكنيسة من العبث الذي يُهدد مؤسساتها.

وعلى الرغم من محاولات المصالحة التي جرت لاحقًا، والتي انتهت بقرار البابا يوأنس إعادة رتبته الكهنوتية، فإن الخلافاتِ لم تنتهِ بصورة نهائية، إذ جُرّد مرةً أخرى من رتبته في عهد البابا يوساب. وقد رفض سرجيوس هذا القرار وشن حملة نقدية حادة ضد البطريركية، معتبرًا أن النفوذَ الحقيقي داخلها كان بِيد أحد خدام البابا ” الذي كان –في تقديره– يتحكم في إدارة شؤون الكنيسة.

ويلفت روبير الفارس في مقال له بصحيفة البوابة نيوز تحت عنوان: القمص سرجيوس الذي أغضب الاحتلال والكنيسة.. أول كاهن خطب في الأزهر وقاد المظاهرات في ثورة 1919..”١٤” صديق سعد زغلول اعتقله الإنجليز بعد خطبتين في جامع ابن طولون»، إلى أن شخصية القمص سرجيوس لم تكنْ محض خطيب ثوري عابر في سياق أحداث ثورة 1919، وإنما كانت نموذجًا لفاعل ديني تحرك داخل المجال العام المصري بجرأة استثنائية؛ إذ لم يتردد في الاشتباك مع مختلف القوى السياسية والدينية في آنٍ واحد. فقد عارض الاحتلال البريطاني، واصطدم لاحقًا بقيادات حزب الوفد، كما دخل في مواجهة حادة مع جماعة الإخوان المسلمين التي رأى في مشروعها انحرافًا عن رُوح الوطنية الجامعة التي بشرت بها ثورة 1919. ولم يتوقف تمرده عند حدود السياسة، بل امتد إلى داخل المؤسسة الكنسية نفسها، عندما وجّه نقدًا لاذعًا لعدد من الممارسات الكنسية وطالب بإصلاحات جذرية في إدارة الكنيسة، وهو ما جعله شخصية جدلية تجمع بين الخطابة الوطنية والتمرد المؤسسي. وبذلك تكشف تجرِبة سرجيوس عن نمط مبكر من التداخل بين الدين والسياسة في المجال العام المصري، تحولت فيها المنابر الدينية إلى فضاءات للتعبئة الوطنية، وأصبح رجلُ الدين فاعلًا سياسيًا يتجاوز الأدوار التقليدية للمؤسسة الكنسية.

كما تكشف سيرة القمص سرجيوس عن شخصية احتجاجية تكوَّنت مبكرًا داخل المؤسسة الكنسية ذاتها؛ إذ قاد، وهو طالبٌ في المدرسة الإكليريكية، حركةَ اعتراض على أوضاع الطلاب مطالبًا بإصلاح نظم التعليم وتحسين ظروف المعيشة، وهو ما يعكس مبكرًا نزعة التمرد والإصلاح التي لازمته طوال حياته. ولم يتوقف هذا الميل عند حدود المؤسسة الدينية، بل امتد لاحقًا إلى المجال السياسي والوطني، إذ دخل في صدام مبكر مع الإدارة الاستعمارية في أثناء خدمته في السودان، قبل أنْ يتحول في ثورة 1919 إلى أحد أبرز الخطباء الذين نجحوا في نقل الخطاب الديني من نطاقه الطقسي التقليدي إلى فضاء التعبئة الوطنية داخل المجال العام المصري.

وفاته

ظل القمص سرجيوس شخصية مثيرةً للجدل حتى سنواته الأخيرة، جامعًا في مسيرته بين رجل الدين والخطيب الوطني والناقد الحاد للمؤسسة الكنسية والسياسية على السواء. وفي الخامس من يونيو عام 1964 تُوفي عن عمر يناهز الحادية والثمانين، بعد حياة امتدت عبر مراحل مختلفة من تاريخ مصر الحديث. وقد شُيعت جنازته من البطريركية المرقسية في القاهرة، وأوفد الرئيس جمال عبد الناصر مندوبًا رسميًا للمشاركة في مراسم التشييع، في إشارة إلى المكانة التي ظل يحتلها في الذاكرة الوطنية بوصفه أحد خطباء ثورة 1919 وأبرز رموز لحظة التلاقي بين الدين والوطن في المجال العام المصري.

تفسير الفارق في تموضع البابا كيرلس الخامس والقمص سرجيوس داخل المجال العام المصري

قامت ثورةُ 1919 أساسًا على مبادرة رموز مدنية تنتمي إلى أطياف اجتماعية وسياسية متعددة، وكان لأعيان القبط حضورٌ بارز في هذا السياق. فقد جاءت المبادرة بالتواصل مع الوفد من بعض أعيان القبط المنتمين إلى نادي رمسيس، دون أنْ تظهر أي إشارة إلى استشارة الكنيسة أو أي من الرموز الدينية القبطية في هذه الخُطوة، وهي دلالة لافتة. فهذه المبادرة، رغم أنها صدرت عن شخصيات قبطية بارزة، لم تتخذ من الكنيسة إطارًا تمثيليًا لها، الأمر الذي يعكس طابعها المدني أكثر مما يعكس تمثيلًا دينيًا للطائفة. ويكشف ذلك في الوقت نفسه عن جانبين مهمين: أولهما الطبيعة المدنية الواسعة للحركة الوطنية في تلك اللحظة التاريخية، وثانيهما استمرار التوتر القديم بين أعيان القبط ورجال الكنيسة بخصوص مسألة تمثيل الطائفة وإدارة شؤونها.

ويعود هذا التوتر إلى تاريخ طويل من الصراع بين الطرفين في إدارة الموارد المالية للطائفة وتنظيم شؤونها الإدارية، وهو صراعٌ كثيرًا ما استند فيه كل طرف إلى دعم السلطة الحاكمة لتعزيز موقعه. وقد عاصر البابا كيرلس الخامس (1874–1927)، بطريرك الكنيسة في تلك الفترة، مراحل متعددة من هذا الصراع منذ توليه الكرسي البطريركي، وخاض مواجهات مع أعيان القبط الذين تمكنوا، مستندين إلى نفوذهم الاجتماعي وصلاتهم بالسلطة، من تأسيس المجلس الملي ليضطلع بإدارة الشؤون المالية والإدارية للطائفة ويمثلها أمام الدولة.

وفي هذا السياق، لم يكنْ مستغربًا أنْ تتباينَ مواقف قطاعات من الأقباط، وكذلك المؤسسة الكنسية، تجاه الحركات الوطنية التي كانت آخذةً في الصعود في مطلع القرن العشرين، خصوصًا في ظل قيادة الحزب الوطني للحركة السياسية آنذاك وما حمله خطابه من حضور ديني ملحوظ أثار بعض التحفظات. كما أن الكنيسةَ، بوصفها مؤسسة دينية تراتبية تقليدية، لم تكنْ بطبيعتها مؤسسةً ثورية، بل كان رجالها منشغلين إلى حد كبير بالصراعات الداخلية مع الأعيان بخصوص قيادة الطائفة وإدارة مواردها. وربما كان الدرسُ الأبرز الذي كشفته هذه التجرِبة التاريخية هو طبيعةُ العلاقة المعقدة بين الكنيسة والسلطة السياسية؛ إذ أظهرت الوقائع أن الحفاظَ على قدر من التفاهم مع السلطة الحاكمة كان يُمثل في كثيرٍ من الأحيان سندًا مهمًا في إدارة هذه الصراعات الداخلية وتنظيم شؤون الطائفة.

إلى ذلك، يُمكن القول إن ثمةَ مسافةً واقعية تفصل بين تموضع البابا كيرلس الخامس والقمص سرجيوس في المجال العام المصري في تلك الفترة، وهي مسافةٌ تعكس اختلاف الموقع والدور لكلٍ منهما داخل البِنية الدينية والاجتماعية. فقد كان البابا كيرلس الخامس على رأس مؤسسة كنسية عريقة، وهو موقعٌ يفرض بطبيعته قدرًا من الحذر في العلاقة مع السلطة الزمنية وسلطات الاحتلال، فضلًا عن تعقيدات الصراع الداخلي مع النخب القبطية التي كانت تنازعه النفوذ عبر المجلس الملي. وفي هذا السياق يلفت مجدي جرجس إلى أن موقفَ الكنيسة من الثورة ارتبط بجملة من الاعتبارات المؤسسية، إذ يقول: «ومن ثم، اتخذت الكنيسة، في ظني، موقفًا مناوئًا للثورة، وهذا الموقف مبعثه دافعان: الأول، الاستكانة والركون إلى السلام مع السلطات (الاحتلال والحكومة)، وهو خطٌ مستمر في سياسات الكنيسة لتقوية موقفها على رأس الطائفة؛ والثاني، المعارضة على طول الخط لسياسات الأعيان القبط، وعدم تمكينهم من الظهور بمظهر الممثل لجموع القبط». في المقابل، تحرك القمص سرجيوس في المجال العام بوصفه فاعلًا دينيًا ذي حضورٍ فردي أكثر منه ممثلًا رسميًا للمؤسسة الكنسية، وهو ما أتاح له هامشًا أوسع من الحرية في التعبير والمشاركة السياسية. ومن هنا جاء حضوره البارز في المظاهرات والخطب الوطنية في ثورة 1919، وهو حضورٌ أربك المؤسسة الكنسية نفسها، لأن نشاطَه السياسي العلني كان يجري، في حين لا يزال مرتديًا عباءة الكهنوت بما يحمله ذلك من دلالات رمزية تتجاوز شخصه. وقد لاحظ مجدي جرجس هذا الإرباك حين أشار إلى أن ظهورَ القمص سرجيوس في قلب الثورة خلق وضعًا ملتبسًا؛ فمن ناحية كان لا يزالُ يمثل الكنيسةَ رمزيًا بوصفه كاهنًا، ومن ناحية أخرى كان يتحرك بقرار شخصي بوصفه مواطنًا مصريًا منخرطًا في الحركة الوطنية. ١٥

وعلى هذا الأساس يُمكن القولُ إن البابا كيرلس الخامس كان محكومًا باعتبارات الموقع المؤسسي ومسؤولياته تجاه الكنيسة والجماعة القبطية الواقعة تحت رعايته، في حين أن القمصَ سرجيوس تحرك في المجال العام بقدرٍ أكبر من الحرية، مستندًا إلى شخصيته الخطابية وتجربته السياسية، الأمر الذي جعله أحد أبرز الوجوه الدينية التي اندمجت في التعبئة الوطنية في ثورة 1919 بعيدا عن مؤسسة الكنيسة بصفتها الرسمية.

خاتمة:

وفي ضوء ما سبق عرضه من معطيات تاريخية وتحليلية، يُمكن القولُ إن حضورَ رجال الدين الأقباط في المجال العام المصري في العقود الأولى من القرن العشرين لم يكنْ حضورًا نمطيًا واحدًا، بل تكوّن عبر مسارات متعددة ارتبطت بطبيعة الموقع المؤسسي لكل فاعل ديني، وباللحظة السياسية التي تحرك فيها، وبالحدود التي رسمتها المؤسسة الكنسية نفسها لهذا الحضور. فالمجال العام، بوصفه فضاءً للتفاعل بين القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية، لم يكنْ منفصلًا عن البِنية المؤسسية للكنيسة، بل ظل متأثرًا بها بقدر ما كان يؤثر فيها.

ومن هذه الزاوية يتضح أن موقعَ البابا كيرلس الخامس داخل المجال العام ارتبط في الأساس بطبيعة السلطة البطريركية ذاتها. فقد مثّل البطريرك رأس المؤسسة الكنسية وحامل شرعيتها التاريخية، الأمر الذي جعل حضوره في المجال العام محكومًا باعتبارات المحافظة على توازنات دقيقة بين الكنيسة والدولة، وبين الجماعة القبطية ومحيطها الوطني الأوسع. ولذلك جاء تدخله في الشأن العام غالبًا عبر صيغ تمثيلية أو تفاوضية، تعكس موقعه بوصفه قائدًا دينيًا لجماعة دينية، أكثر من كونه فاعلًا سياسيًا مباشرًا. وبذلك اتخذ حضوره طابعًا مؤسسيًا محافظًا، يسعى في حماية موقع الكنيسة وضمان استقرارها داخل النظام الاجتماعي والسياسي القائم.

أما حضورُ القمص سرجيوس فقد اتخذ مسارًا مغايرًا، ارتبط بظروف اللحظة الوطنية التي فجّرتها ثورة 1919، وبالطابع التعبوي الذي طبع المجال العام المصري آنذاك. فقد خرج سرجيوس إلى المجال العام بوصفه خطيبًا وطنيًا قبل أن يكونَ ممثلًا لمؤسسة دينية، الأمرُ الذي أتاح له قدرًا من الحرية في مخاطبة الجماهير بلغة وطنية جامعة تتجاوز الحدود الطائفية. ومن هنا تحوّل حضورُه إلى حضورٍ حركي جماهيري، تكوّن في قلب الفضاء الوطني المشترك بين المسلمين والأقباط، وارتبط بخطاب الوَحْدة الوطنية والمقاومة الشعبية للاحتلال.

غير أن هذا الاختلافَ في التموقع لم يكنْ محض اختلاف في الأسلوب أو الخطاب، بل كان انعكاسًا مباشرًا للفروق البِنيوية بين موقعين داخل الحقل الديني ذاته. فالبطريرك يتحرك من داخل مؤسسة تفرض عليه حسابات الاستمرار والاستقرار، في حين يتحرك الكاهن الخطيب من هامش نسبي يسمح له بالانخراط في الفعل السياسي المباشر. وهنا يظهر بوضوح أثر السلطة البطريركية في تكوين حدود المشاركة في المجال العام؛ إذ إن هذه السلطةَ، بحكم طبيعتها الهرمية، تُحدد ليس فقط موقع الكنيسة داخل المجتمع، ولكنْ الكيفية التي يُمكن لرجال الدين أن يظهروا بها في الفضاء العام.

ومن ثمّ يمكن القول إن تموضعَ كلٍ من: البابا كيرلس الخامس والقمص سرجيوس في المجال العام لم يكنْ نتاجَ اختيارات فردية فحسب، وإنما كان نتيجةَ تفاعل معقد بين البِنية المؤسسية للكنيسة، والتحولات السياسية التي عرفها المجتمع المصري في تلك الفترة، والفرص التي أتاحها المجال العام نفسه لبعض الفاعلين دون غيرهم. فقد أتاح هذا المجال إمكان بروز خطابات دينية ذات طابع وطني جامع، كما حدث مع سرجيوس، لكنه في الوقت نفسه ظل محكومًا بقيود مؤسسية حالت دون أن تتحول المؤسسة الكنسية ذاتها إلى فاعل سياسي مباشر.

وبذلك تكشف هذه المقارنةُ أن المجالَ العام المصري في تلك المرحلة لم يكنْ فضاءً محايدًا تتحرك فيه جميع القوى بالقدر نفسه من الحرية، بل كان مجالًا تتحدد فيه المواقع والحدود عبر شبكة معقدة من العلاقات بين الدولة والمؤسسات الدينية والقوى الوطنية. وفي هذا الإطار تتبدى الفروق بين البطريرك والكاهن الخطيب بوصفها تعبيرًا عن اختلاف في الموقع والوظيفة داخل الحقل الديني، بقدر ما تعكس اختلافًا في طرق التفاعل مع المجال العام نفسه.

وعليه فإن الإجابةَ عن سؤال البحث تقودنا إلى نتيجة أساسية مفادها أن حضورَ رجال الدين في المجال العام المصري لم يكنْ ظاهرة أحادية، بل تكوّن عبر أنماط متعددة من الفعل والموقع. فقد مثّل البابا كيرلس الخامس نموذج الحضور المؤسسي المحافظ الذي يسعى في إدارة العلاقة بين الكنيسة والدولة، ومثّل القمص سرجيوس نموذجَ الحضور التعبوي الذي اندمج في الحركة الوطنية الواسعة. وبين هذين النموذجين تتكشف حدود المجال العام ذاته، كما تتكشف قدرة اللحظة التاريخية على إعادة تكوين أدوار الفاعلين الدينيين داخله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

  • سليمان نسيم، مصر القبطية، مركز ابن خلدون للتنمية سنة 2000، ص 13و14
  • وليام سليمان، الكنيسة تواجه الاستعمار والصهيونية، ص 24
  • طارق البشري، المسلمون والاقباط في إطار الجماعة الوطنية، ص 558 و559
  • عبد العزيز الرافعي، ثورة مصر 1919 دراسة تاريخية تحليلية، قصور الثقافة ،2019، ص 25 ،34
  • محمد عبد الفتاح أبو الفضل، تأملات في ثورة 19، قصور الثقافة ،2019، ص 24

٦-سليمان شفيق، الأقباط بين الحرمان الوطني والكنسي ،1996، ص 42

٧-ايريس المصري، قصة الكنيسة القبطية، الكتاب الخامس، مكتبة المحبة، ص 40

٨- أبو سيف يوسف، الأقباط والقومية العربية، مكتبة الأسرة، ٢٠٠٦، ص ١١٥

٩- سليمان شفيق، مرجع سابق، ص ٥١

١٠ – وليام سليمان، مرجع سابق، ص ٢٧

١١- طارق البشري، مرجع سابق، ص ٥٧٠

١٢- ممدوح مصطفى إسماعيل، مفهوم المجال العام قراءة تحليلية في النشأة والتطور. مجلة العلوم الاجتماعية

https://journals.ku.edu.kw/jss/index.php/jss/article/view/2081

١٣-عوض بسيط، مئوية الثورة والغضب| القمص سرجيوس.. ضد الإنجليز والوفد والإخوان والكنيسة،١٠ مارس ٢٠١٩

الرابط: https://manassa.news/stories/3708

١٤- روبير الفارس، القمص سرجيوس الذي أغضب الاحتلال والكنيسة. أول كاهن خطب فى الأزهر وقاد المظاهرات فى ثورة ١٩١٩.. صديق سعد زغلول اعتقله الإنجليز بعد خطبتين فى جامع ابن طولون، البوابة نيوز، مارس 2025

https://www.albawabhnews.com/5174049

١٥- مجدي جرجس، اختطاف ثورة 1919 تحت شعار الهلال والصليب، دار المرايا، مايو 2019

الرابط:

https://elmaraya.net/ar/blogs/%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%B7%D8%A7%D9%81-%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-1919-%D8%AA%D8%AD%D8%AA-%D8%B4%D8%B9%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%84%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D9%8A%D8%A8

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete