توحيدُ أصولِ الكرِسْتُولوجيا والإمامة: لماذا “المسيح والرسول” مجددًا؟

 تكوين

تُمَثِّلُ المسيحية والإسلام منظورًا لرؤية العالم عند جانبٍ كبير من الإنسانية من جهتين:

  • فأولاً، يتعامل الدين عمومًا مع المساحة نفسها تقريبًا، التي تتعامل معها الفلسفة، تلك المساحة التي تنقسم عادةً إلى ثلاث نظريات أساسية، هي الوجود أو الأنطولوجيا، والمعرفة أو الإبستمولوجيا، والقيَم أو الأكسيولوجيا. يرسم الدينُ خريطة الوجود في مستوياته، وموجوداته، وطبيعة الكينونة، وأساليب الوجود المختلفة، والعلاقات المعقدة بينها، كما يتعامل مع طبيعة المعرفة الإنسانية بصورة عامة من جهة ما يُمكن وما لا يُمكن التفكير فيه، أي حدود المعرفة الإنسانية، ويتعامل على نحو أكثر تفصيلاً ومباشرةً مع الأخلاق والسياسة وربما الاقتصاد، وإنْ كان كل ذلك من زاوية أكثر عمومية وأقل في التفاصيل مما تفعل الفلسفة.
  • وثانيًا، تُسهم المسيحية مع الإسلام بنصيب كبير حقًا من الإيمان الديني في عالَم اليوم، حوالي نصف عدد المتدينين في العالم، ومنذ فترة ليست بالقصيرة من التاريخ: أكثر من ألفي عام عند المسيحية، وحوالي خمسة عشر قرنًا من الزمان في حالة الإسلام. ومن ثم يُمكن القول إن فحص المشترَك بينهما يوضح لنا منظور هذا الجانب الهائل من الإنسانية في مستوى كل من الجغرافيا والتاريخ.

رغم ذلك، فإن الواضح لنا في المقارنة بين منظور الدين ومنظور الفلسفة، أن الدين -المسيحية والإسلام تحديدًا في هذا المقام- قد طرح إشكاليات أنطولوجية أكثر مما طرح لنا من المسائل المعرفية والقيمية. ولهذا يركز هذا المقال على أنطولوجيا (نظرية الوجود الخاصة بكل من) المسيحية والإسلام. وفي رأينا لا يجدر بمثقف أو مفكر مُنْهَمّ بقضايا عالمية دولية ألّا يبحث فيما يُمثل كل هذا القدر من الاشتراك بين البشر في وجهة النظر الأنطولوجية العامة، إلى جانب ما يرتبط بها من بعض القضايا المعرفية والقيمية، خاصةً وأنه قد سبق لنا أن قدمنا مقالة مطولة فيما يتعلق بفلسفة التاريخ في الأديان الإبراهيمية في موقع مؤسسة تكوين الفكر العربي تحت عنوان: “أيام القيامة، كيف تعاملت المذاهب الدينية مع الكوارث التاريخية؟ وهل تأسست الخبرة الدينية على الماضي الكارثي للبشرية؟“،[1] ناقشنا فيه الرؤية العامة للتاريخ ومنهجية التأريخ في الديانات الإبراهيمية. وفي المقالة الحالية نناقش الأساس الأنطولوجي لهذه الرؤية الدينية-التاريخية، ولكن من منظور لاهوت المسيحية، ولاهوت الإسلام، أو بالاصطلاح المألوف للمختصين في الدراسات الإسلامية: علم أصول الدين، أو علم الكلام.

ومع ذلك فإن كل ما سبق لا يُقدم تبريرًا كاملاً للتركيز ها هنا على دور كل من شخص المسيح وشخص الرسول. واستكمالاً لهذا التبرير نقول: إن دور كل من الشخصيتين في كل من الديانتين حاسم لتصورنا عن نسق المعتقدات، وطبيعة الاعتقاد، ودور الدين في الدولة، ومسار تطور الأطروحة الخاصة بكل منهما في هذا التاريخ.

الأنطولوجيا الثلاثية

 مما قد يدهِش غير المختص بعلم الكلام حقيقة، أن القضية الأساسية فيه -بما هو لاهوت أي علم الطبيعة الإلهية- هي رئاسة الدولة، وذلك فيما يعرف بمسألة الإمامة. ذلك في حين أنه مما قد يتعجب له غير المختص باللاهوت المسيحي أن القضية الهُمَّى فيه هي طبيعة يسوع المسيح نفسه، وذلك فيما يعرف بالكرستولوجيا. نحن نتحدث في الحالتين عن شخص تاريخي: الرسول في حالة الإسلام، والمسيح في حالة المسيحية. وهذا أوضح في حالة المسيحية، أما في حالة الإسلام، فإن مسألة الإمامة لم يمكن بطبيعة الحال إثارتها نظريًا إلا بعد وفاة الرسول، ففي حال وجوده على قيد الحياة لم يقع نزاع بين المسلمين في إمامته للدولة. وفي الحالتين أيضًا نتحدث عن طبيعة مزدوجة لهذا الشخص التاريخي، فإن الكرستولوجيا تطرح مسألة الطبيعة الإلهية-الإنسانية أو اللاهوتية-الناسوتية ليسوع، أما الإمامة فتطرح البُعدين النبوي والسياسي للرسول. فالأمر عند يسوع لم يُفارق لاهوتُه ناسوتَه، وعند محمد لم تفارق نبوتُه رئاستَه، هذا أولاً.

وثانيًا، فإن اللاهوت بعامة -بما يستوعب كلاً من اللاهوت المسيحي والإسلامي- هو أنطولوجيا ثلاثية، تتضمن ثلاث دوائر هي: الإلهية والإنسانية والطبيعية متراكبة في علاقات محددة بحسب المذهب اللاهوتي. اللاهوت إذن -كما يمكن القول- هو العلم الخاص بدراسة العلاقة العامة جدًا للوجود، لا الطبيعة الإلهية ذاتها، وذلك إذا عرّفنا اللاهوت بأنه محض وجود العلاقة بين تلك الدوائر الثلاث المتداخلة دون افتراض مسبقٍ لا مبرر له لمركزية إحداهن، وتبعية واحدة أو أكثر من الأخريين، وبلا مبرر أيضًا لوجود تلك الثلاث بالذات إلا بنية الوجود بوصفه بنيةً ووجودًا، ولا لمال الميزان بين الثلاث لصالح إحداهن، أو ربما هو كذلك في هذه الفترة وحدها من الزمان، التي قد تكون طويلة جدًا. ربما وجدت الثلاث منفصلة في زمانٍ آخَر أو عالَم آخَر، وربما اتصلت كلها أو اثنتان منها بطريقة مختلفة في عالَم آخَر له قوانين أساسية مختلفة عن عالمنا.

وبناء عليه، فإننا حين نقارن البنية العامة للاهوت المسيحي عمومًا بنظيرتها في علم الكلام الإسلامي، نجد لكل منهما مبحثًا رئيسًا، يمثل أغلب المبذول من جهد مباشر أو غير مباشر في مجاله. كما قلنا نجد الكرستولوجيا في اللاهوت، ونجد في المقابل الإمامة في علم الكلام الإسلامي (علم أصول الدين). ورغم أن كلاً من العِلمَين ينشغل بالمسائل العقدية بالدرجة الأولى، فإننا نجد انعكاسًا بينهما في البنية؛ ففي اللاهوت تُمثل الكرستولوجيا القلب، أو على الأقل تحتل موضع القلب حجمًا ومركزيةً وأهميةً ورمزيةً من جسد اللاهوت المسيحي، وطبيعي أن نفكر في المسيح بوصفه إلهًا، إذا اعتبرنا بطبيعته المزدوجة وفق مدارس اللاهوت المسيحي، ومن ثم يصير اللاهوت المسيحي لاهوتًا بالمعنى الحرفي، أي دراسة للطبيعة الإلهية، أو الدائرة الإلهية من الدوائر الثلاث سابقة الذكر. أما في حالة الإسلام، فإن علم الكلام يتمركز حول طبيعة بشرية هي: طبيعة النبي-الإمام. وهنا نجد انعكاسًا بينهما في البنية في زاوية التركيز: دائرة الإله في المسيحية، ودائرة الإنسان في الإسلام.

في هذه الأنطولوجيا القدسية يُمثل الأنبياء (تبسيطًا بما يتضمن المسيح) نقطة اتصال الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية، اتصال الطبيعة الإلهية بشخص البشر في شخص المسيح، مرةً بوصفه جانبًا بشريًا من الطبيعة الإلهية، ومرةً بوصفه جانبًا إلهيًا من الطبيعة البشرية. لذلك فإن طبيعة المسيح في المسيحية هي الأساسُ، الذي يجب أن يظل دومًا مكينًا. أما في الإسلام فقد وقع اتصال النبوة، بدلًا من أن يكون مع الألوهة، مع السياسة، في شخص تاريخي مثل المسيح، غير أنه أكثر “تاريخيةً” إنْ جاز التعبير. لذلك فإن قضية الإمامة هي القضية المركزية، التي تبدو أحيانًا الغاية البعيدة الأساسية “الأصلية” لعلم أصول الدين في جوهره، الذي يناظر اللاهوت المسيحي بوصفه محض تداخل تلك الدوائر الثلاث الإلهية والطبيعية والإنسانية، دون افتراض مسبق بمركزية أو بتبعية.

إقرأ أيضًا: ولي الفقيه وهوس الدولة الدينية

لذلك تتعلق المسألة بطبيعة هذه الصلة بين السماء والأرض، المسيح والرسول، قبل أن تتعلق بطبيعة العلم أو بطبيعة الدين أو بطبيعة المذهب، وقبل كل شيء قبل أن تتعلق بطبيعة الله. والسبب أنها -طبيعة النبي- هي التي نراها بعيوننا في الحاضر ويراها الناس معنا، ونصدقها ويصدقونها، ونروي عنها حين تروي عنا، ثم تروي عنا حين نروي عنها، وهكذا يمتد اللولب الجدلي عبر التاريخ في مسار أقرب إلى الاستقامة أي التركيز في الاتجاه. ها هنا اندمج الاتجاه مع القوة واتخذ بعدًا مكانيًا محددًا إذا تصورنا التاريخ كما كان. وبمن ثم يُحقق الدينُ عادةً نقلة تاريخية أبعد بمراحل من كل ما يُمكن لمدارس كاملة من الفلاسفة والعلماء والفنانين والمؤرخين والزعماء الروحيين وعظماء المحاربين والمناضلين. ولا يكاد يناظر الدين في قدرته على إحداث مثل تلك النقلات التاريخية سوى السياسة.

الأنبياء هم درجه من القوة التاريخية، أو بالأحرى درجة من “قوة الحضور التاريخي”، إنها ببساطة قوة مؤثرة في اتجاهات محددة واحتمالات أقل نسبيًا للاختلاف حولها من الرواية في التاريخ أو فيما وصلنا من التاريخ. والأزمة فيما يتعلق بتاريخ الأنبياء هي نقص المعرفة التاريخية بصددهم؛ فنحن مثلاً لا نعرف مدى الهول الذي انتاب آل فرعون ومن شهد الموقف من قرب من بني إسرائيل والبحر ينشق تحت ضربة عصا موسى، أو ما انتابهم من دهشة وفضول وشعور القداسة. ربما أغشي على البعض أو كاد يصاب بصدمة أو بحاله من الذعر. ولا نعرف حتَّامَ بقيت تلك الذكريات في عقول من شهدوا ذلك الموقف، حين التهمت أفعى موسى أفاعي السحرة، أو حين أحيى المسيح جسدًا ميتًا، أو غيرها من معجزات ظاهرة لجماعة أو لأفراد أو ربما حتى لفرد واحد. نحن نتحدث عن مستوى من القوة والتفرد والجمال والجلال والإلهام والعمق، وأحيانًا الاستراتيجية، وأحيانًا الفداء المستميت، وأحيانًا الفروسية، وأحيانًا أخرى الغرابة والقداسة والجَمال أو الرعب. لا جرم وأنهم أقرب البشر إلى الطبيعة الإلهية أو على الأقل لطبيعة الملائكة أو ربما على أقل الأقل لمستوى معارف الملائكة وخبرتهم بالطبيعة الإلهية نفسها وبالخلق الإلهي الرهيب القديم.

الأنطولوجيا المزدوجة

وقد نشأت شخصية النبي من اجتماع تركيز الآثار لعاملين أساسيين من عوامل التحول الاجتماعي والنفسي والدرامي- الرمزي، والتاريخي- السياسي في آن، وهما ميل المهزوم لنموذج النبي المهزوم “على الرغم من” أنه كان على حق، وميل المنتصِر لنموذج النبي المنتصر “لأنه” كان على حق، ومن ثم ميل المنتصر في حاضره الزماني لنموذج النبي المنتصر الخاتم “لأنه على الحق”، لهذا تختتم نبوة آل إبراهيم في نظر المسلمين بالرسول محمد تحديدًا، الذي، وبناء على ما سبق، لا بد من الميل بصدده إلى دعم فرضية عدد من المؤرخين المحترفين بخلاف ما عند المستشرقين متنوعي التخصصات، مفادها أن كلاً من المسيح ومحمد كانا بحسب الآثار الباقية، لا بحسب الإيمان، رجلاً متفردًا في التاريخ كله، أو على الأقل أحد أهم عوامل حركة التاريخ ذاتها، على الأقل أيضًا في مرحلة مفصلية بين شيخوخة العصور القديمة، وصبا العصور الحديثة الآلية الميكانيكية.

هكذا يجمع هذا الشخص -يسوع أو محمد- نمطين من أنماط الكينونة، ولكن بصورتين مختلفتين حين نقارن بينهما باعتبار كلًا منهما حلقة صلة بين اللا متناهي والمتناهي: فإذا كان المسيح حلقة صلة بين اللاهوت والناسوت بالاعتبار الميتافيزيقي لكل منهما، فإن الرسول محمدًا حلقة الصلة بين المتعالي والتاريخي، وهو ما يعادل القول بأنه صلة بين الله والتاريخ. وهي أولى النتائج المهمة فعلاً لهذا الطرح؛ فإن من شأن هذا المنظور أن يفسر لنا الأساس الأعمق في رأينا لكون الفصل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية وارد في النصوص المسيحية المقدسة (في رسائل القديس بولس الرسول) في حين يغيب ذلك في حالة القرآن. أساس هذا الاختلاف هو أن الأنطولوجيا المزدوجة، أو طبيعة التداخل قد اختلفت بين الدائرتين الإلهية والإنسانية في الحالتين: اللاهوت والناسوت في المسيحية، والمتعالي والتاريخي في الإسلام.

فإن تصور يسوع بوصفه صلة بين الإلهي والإنساني يعني كونه شخصًا تاريخيًا من الناحية المجازية، يعني أن مملكته فعلاً ليست من هذا العالَم. وعليه وجب التمييز بين الديني والسياسي في مرحلة مبكرة من تأسيس الديانة. أما محمد فقد كان “أكثر تاريخيةً” أو أنه كان تاريخيًا على الحقيقة لا المجاز.[2] وهو ما يتصل من جهة أخرى بمفهوم “الكلمة” Logos بينهما. فبينما المسيح كلمة من الله (طبق الإنجيل والقرآن معًا)، كلمة يتم بها الخَلْق، أو كلمة ميتافيزيقية، فإن كلمة محمد، أي القرآن، كلمة على الحقيقة بما هو كلام الله. الأول صلة بين الميتافيزيقي (اللاهوت) والفيزيقي (الجسد المتعين) والثاني صلة بين الميتافيزيقي (الله) والتاريخي.

إقرأ أيضًا: تحديث الانشغال بالكون: الحلقة الثالثة مبادرة الوجود وأنطولوجيا التعقُّل

وقد جرى شبه عُرفٍ بين المستشرقين ومن تابعهم من الباحثين في المشرق الإسلامي على أن تُنسَب نشأة علم الكلام إلى مجريات السياسة، لأن الصراع بين السنة والشيعة والخوارج في أحداث الفتنة الكبرى هو السبب الأهم في تكوُّن مذاهب العقيدة الإسلامية، مما يعني أن اختلاف تلك المذاهب قد نشأ سياسيًّا وانتهى عَقَديًّا. لكن ما يطرحه المنظور الحالي، أن هناك سببًا أعمق في طبيعة الديانة نفسها وفي دور النبي نفسه وما يمثله من صلة، وتحديدًا ما دعوناه هنا فلسفيًّا بالأنطولوجيا المزدوجة، أي طبيعة ازدواج دور الشخص-بطل الدراما الدينية: محمد الرسول. وبصفة عامة لا يمكن رد ظواهر الوعي إلى ظواهر اجتماعية مادية فيما هو أقرب إلى تفاعل ميكانيكي-حتمي؛ لأن الوعي بوصفه وعيًا، أي في التعريف، يتمتع بإمكان التغذية العكسية، ولا يمكن افتراض الحتمية فيه.

الفرق بين ما يتمتع بتغذية عكسية وما لا يتمتع بها: هو أن الأول يتغير بالمعطيات، ومن ثم يتبدَّل رد فعله على المتغيرات نفسها في حال تكرارها، مما يؤدي إلى استحالة إعادة إنتاج الاستجابات نفسها، ومن ثم لا يُمكن تكميم ظواهره، فتفشل معه المناهج الكمية. لا يبقى عندنا -في حالة التغيرات الكيفية- إلا تنوع المنظور، تلك الفئة من المناهج، التي تلائم الظواهر الكيفية، في حين تنجح المناهج الكمية في حالة الظواهر الحتمية الميكانيكية. ولأن التاريخ الإنساني ظاهرة إنسانية، لا يمكن فيه افتراض حتمية وقوع نتيجة بعينها، ولا يمكن فيه افتراض سببية مطَّرِدَة آلية. بالطبع يمكن الاستعانة بمناهج إحصائية وبمناهج تكميمية في بعض الحالات، ولكن بشرطَينِ:

  • أولهما، التحديد الواضح الدقيق لنطاق عمل تلك المقاربات التكميمية (مثلاً: نسبة القائلين من علماء الكلام بالجبر أو بمعية السببية القبلية، في مقابل القائلين بالحرية أو بالسببية القَبْلية، وذلك في إطار محدد للمادة العلمية المتوفرة ومع قَصر النتائج على تلك المادة لتُحدَّد بحدودها)
  • وثانيهما، هو الإقرار الصريح أو الضمني على الأقل بأن تلك المقاربة التكميمية هي فقط إحدى المقاربات الممكنة، أي تفعيلها مع عدد من المقاربات المتنوعة.

ولهذا قلنا ذات مرة: إن فاعلية المادية التاريخية مقصورة على الأحكام العامة، إلا إذا أقررنا بأن الاقتصاد هو محصلة تفاعل كل العوامل الاجتماعية على اختلافها، كلها لا أحد تلك العوامل، باعتبار أنه “تعبير” عن نتيجة التأثير المتبادل فيما بين تلك العوامل. في دراسة تتعلق بمنهجية نصر أبو زيد بعنوان “منهج الحَفْر الأيديولوجي”،[3] والتي قُدمت للمشاركة بتأبين نصر أبو زيد ومحمد عابد الجابري عام 2010 بالمعهد السويدي بالإسكندرية، قلنا:

إن فاعلية العوامل المادية في سياق المادية التاريخية لا نزاع فيها عمومًا، لكن تخصيص نتيجة معينة لها في المجتمع أو الثقافة غير ممكن في حدود المتاح من المناهج الموظَّفة في العلوم الاجتماعية؛ نظرًا لتعدد تلك العوامل وتنوع آثارها، والتأثير المتبادل بين تلك العوامل نفسها، وكذلك -وهو الأهم- لأننا نتعامل مع ظواهر الوعي لا ظواهر المادة الجامدة.

إقرأ أيضًا: مشروع نصر حامد أبو زيد

وفي آخر لقاء لنا مع الدكتور نصر أبو زيد بالجمعية الفلسفية المصرية في ديسمبر 2009، أي قبيل وفاته في 2010 بشهور، تقدمت بسؤال مفاده: ألم يَئِنِ للمفكر العربي المعاصر تخطّي تلك المعالجة المادية-التاريخية للفكر العربي-الإسلامي، والتي بدأها أدونيس في “الثابت والمتحول”-1973 لتكون دراسة شاملة في الإبداع والاتباع عند العرب، ثم تابعه فيها الجابري وحسن حنفي وآخرون (بمن فيهم هو)؟ ولم يردّ الدكتور نصر عن السؤال.

ولأن يسوع كان اتحاد الوحي بالحياة، أي لأنه كان وحيًا حيًّا، فقد سمح هذا بتنوُّع أشكال الوحي في المسيحية -بخلاف الإسلام- إلى ثلاثة:

  • المسيح نفسه بوصفه شخصًا تاريخيًا
  • والنصوص المقدسة
  • وأخيرًا الكنيسة ذاتها.

إن الكنيسة بوصفها صورة من صور الوحي لا يُمكن لها بطبيعة الحال، ومنذ فترة مبكرة من تاريخ تأسيس الديانة كما قلنا سابقًا، أن تمارس دور الحكم السياسي، وإلا فسد الإيمان واضمحلت السياسة كليهما. وهو -في المقابل- السبب الأعمق في رأينا للانفصال المبكر بين الكنيسة والدولة في المسيحية، وهو ما يتجلى بالمقارنة بالحالة المقابلة في الإسلام. ففي الإسلام لم يوجد الداعي لهذا الفصل في النص المقدس، أي القرآن، لأن الرسول مجرد رسول بنص القرآن، عليه أن يبلغ الرسالة الإلهية، وليس له سلطان على الناس من جهة الإيمان بنصوص قرآنية أخرى عديدة، أي أنه لم يكن وحيًا حيًّا، وأما المسجد أو الجامع فهو محل للعبادة، أو للتعلم، وليس محلاً للوحي. يبقى التشابه الوحيد بين الوحيين المسيحي والإسلامي مُتمثلاً في النصوص المقدسة. والنص المقدس أحد وجوه الوحي كما أسلفنا في المسيحية، غير أنه الوجه الوحيد للوحي في حالة الإسلام. اللغة هي الصلة الوحيدة الدائمة بين السماء والأرض في الإسلام.

صحيح أن الرسول محمدٌ كان سياسيًّا، وكان يمارس دور الحكم السياسي مباشرة، لكنه لم يكن يفعل ذلك من منطلق النبوة والوحي؛ فلم يكن يحكم وحده على كل حال؛ بدليل أمر القرآن له بالشورَى، ووصْف القرآنِ في آية أخرى للمؤمنين بأنهم الذين يتشاورون في الأمر. وقد وصفه القرآن بكونه على خلُق عظيم، كما عاتبه كذلك في بعض المواقف كما في {عبس وتولى. أنْ جاءه الأعمَى. وما يدريك لعله يزَّكَّى} (سورة عبس: 1-3). ولو كان سياسيًّا بالوحي والنبوة، لما عاتبه القرآن، لأن من يُعاتَب ليس معصومًا، ومن ليس كذلك، ليس له أن يَستبدَّ برأيه في أمور يتوقف عليها مَعاشُ الناس.

ومن الصحيح تاريخيًا أيضًا أنه لا الكنيسة التزمت بذلك الفصل بينها وبين الحُكم طيلة وجودها، ولا الإسلام التزم به طيلة وجوده. وقع المسلمون في الخطأ ذاته، الذي وقع فيه المسيحيون في فترات طويلة من عُمْر الديانتين مديدتَيِ العُمْر. ومن ينظر في حال الكنيسة في العصر الوسيط في أوروبا لَناظرٌ إلى حال اتصال الدين بالسياسة بوصفها أنصعَ ما يكون، وكذلك في حالة الإسلام. وإن المُتتبع لتاريخ نشأة دولة المرابطين مثلاً من جماعات سلفية أقرب إلى الوهّابية التي عرفناها في القرن التاسع عشر، إلى قوة سياسية لها شعب وجيش، ثم إلى دولة في الشمال الإفريقي، ثم في الأندلس كذلك، بل والمتأمل في حال الدولة الوهّابية نفسها، التي قضى عليها جيش محمد عليّ، لَراءٍ كيف تطورت الدعوة إلى دولة. وحين نتأمل بدورنا ذلك نجد ها هنا العواملَ التاريخية-السياسية، وتحديدًا لجوءَ الدول في الحالتين للقمع كونه نهجًا أيسرً عليها للحكم، سببًا أساسيًّا في توظيف الدين ليكون إعلامًا شموليًا، يُبرر قمع المعارضين السياسيين، ويحشد الجنود والمدنيين في الحروب الإمبراطورية التوسعية، ويُخرس الأصوات المتمردة الرافضة لسياسة الخليفة أو الكنيسة، حتى لو ظلت محض أصوات، عن طريق التحكم في العقول والقيَم الخلُقية، بتأسيس سلطة معرفية، لا تبقى كذلك إلا في حالة جهل الخاضعين لها بها. تُفسر العوامل السياسية كذلك سبب انتخاب بعض المذاهب وتنحية ما سواها في مراحل تاريخية معينة. وقد تحدثنا عن سبب تفضيل المذهب الأشعري تحديدًا في حكم دولة عابرة للأجناس في المرحلة الثانية من حياة الدولة العباسية في مقال بعنوان “عولمة المعتزلة وأسلمة الأشاعرة”.[4]

الأنطولوجيا التوحيدية

تأتي ضرورة طرحها في هذا المقام من كونها المنظور، الذي يُمكّننا من فهم سبب كون الأنطولوجيا المزدوجة بهاتين الطبيعتين المختلفتين المذكورتين آنفًا: اللاهوت/الناسوت في المسيحية، واللاهوت/التاريخ في الإسلام. وكي نفهم هذا المنظور، لا مناصَ من العودة خطوة إلى الوراء، لفهم طبيعة التوحيد نفسه. قلنا في مقالة سابقة[5] إن مما يجدر بنا التساؤل بصدده، كون أغلب الديانات في تاريخ البشرية المعروف تعددية، أي تعتمد على مجمع من الآلهة، هم وإن كوّنوا في مجموعهم كينونةً لا متناهية تقترب من تصورنا اليوم عن لا نهائية الإله الواحد، فإنهم كونهم أفرادًا ذوي إراداتٍ متضاربة، يتنازعون في المُلك، بينما يقف الإنسان وسط ساحة صراعهم الأبدي فريسةً لهذا التضارب. ومِن سيزيف، الذي أبَى أن يبقى ميتًا وفضّلَ العودة إلى الحياة، فحُكِم عليه بدفع الصخرة إلى قمة الجبل إلى الأبد، تلك التي تهوى إلى سفحه كلما أوشكت أن تستقر على قمته رمزًا للحياة الدنيا، بمنطق “هذه هي حقيقة الحياة التي أردتَ”، إلى أخيل الذي قتل البطلَ الطروادي العظيم هكطور، فلم يكد ينتصر عليه حتى اغتاله سهم باريس أخسّ محاربي طروادة، السهم الذي وجّهه الإله أبوللو، ليصيب أخيل في مقتله الوحيد، هكذا نرى كيف كانت رؤية العالَم العامة في نظر أصحاب الديانات الوثنية؛ محكومة بكل من العبَث والمأساة الناجمة عنه والبطولة بما هي جمّاع كل من القوة والجمال والألم غير المستحَقّ، والناجم بدوره عن الوعي بالعبث من جهة، وعن تضارب إرادات الآلهة من جهة أخرى.

إذن فإن الفضيلة الممكنة لإنسان تلك العصور أو إنسان تلك الديانات التعددية هي البطولة كما وصفناها أعلاه، والتي تمجّد القوة والجمال أنفسهما دون كثير من التقدير للعدل والرحمة والتواضع والزهد. وحديثًا، ومما يوضح ارتباط هذه الأخلاق بالوثنية، أنها هي الأخلاق نفسها التي اقترحها نيتشه لتكون بديلًا عن الأخلاق المسيحية، بافتراض أن الأخيرة قد قضت عليها مع قضائها الجزئي على الوثنية، وهي المنظومة الخلُقية نفسها التي ارتأى فيها النازيون أخلاقًا جديدة لأوروبا لو انتهت الحرب لصالحهم. ويقال إن هَيِنْرِش هِمْلَر، الرجل الثاني في الرايخ الثالث بعد هتلر، كان يُعِدُّ للأوروبيين دينًا جديدًا بديلاً عن المسيحية، هو أقرب إلى العقائد الوثنية.[6] وقد أبدى الفيلسوف المتعاون مع النازية مارتن هَيْدِجَر أيضًا تفضيلاً لبعض سمات اللاهوت الوثني في عدة كتابات له، وهو المتابع لنيتشه في بعض الجوانب، ويمثل امتدادًا له في سياق حزمة من الاتجاهات الوجودية، مثلما نقرأ رأيه مثلاً في كتابه “السؤال عن التقانة”[7] بشأن الطبيعيات (فلسفة الطبيعة) الوثنية، التي رفعها درجةً على الطبيعيات الوضعية الحديثة، إذ حوّلت الأخيرةُ الطبيعةَ من إلهٍ أو مِن “خَلْق إلهي” إلى مورد اقتصادي، ومن ثم تحولت الطبيعة في عقل إنسان العصر الحديث من كيفٍ خاص جدًا إلى كمٍّ بحت. وهو ما يلِجُ بنا إلى مناقشة الدائرة الطبيعية من دواثر الأنطولوجيا الثلاثية من جهة، ومن جهة أخرى فإن التكامل بين الدوائر اللاهوتية الثلاث: الإلهية والطبيعية والإنسانية، كان عند الأديان التوحيدية خطوةً لا مفر من إنجازها، ما دامت تلك الأديان تقدم نفسها بوصفها “معقولة” في كونها فهمًا أصحّ وأكثر اتساقًا لكل من تلك الدوائر في تصور شامل.

ولقد أدت هذه النظرية الخلُقية إلى فساد كبير في الأرض، من طغيان الحاكم-الإله على شعوب بأكملها واقعة تحت سلطانه، وقائمة بخدمته وعبادته بالمعنى الحرفي أحيانًا، كما حدث في مصر وروما القديمتين، إلى التقسيم الطبقي الحادّ الجائر للشعوب من العِرْق نفسه، وبين الأعراق المختلفة كما كانت الحال في الهند واليونان قديمًا. ومن أقوى الدلائل على قسوة تلك العصور ودموية، ما نجم عن تلك الديانات الوثنية من نتائج خلُقية هو قتل الأطفال. يعرف المسلمون أن عادة وأْد البنات قد انتشرت بين العرب قبل الإسلام، وأن الإسلام جاء بتحريمها {وإذا الموءودة سُئلت. بأي ذنب قُتلت} (التكوير: 8-9)، غير أن القرآن قد تحدث أيضًا عن قتل الأطفال عمومًا في غير آية {ولا تقتلوا أولادكم خشيةَ إملاق} (الإسراء: 31). ومع ذلك لم تنحصر أسباب قتل الأطفال في الشعور بالعار من إنجاب الأنثى أو الخوف من الفاقة، فإن الأبحاث الحديثة في أنماط التربية تخبرنا أن قتل الأطفال Infanticide كان “نمط تربية”، ما يعني أنه كان بوسع الأبوين قتل أطفالهم ليكون نوعًا من تأديب غيرهم من الأطفال! فإذا قتلَ المرء ابنَه أو ابنتَه فلا جرم عليه ما دام قد فعل هذا بنفسه. والأسوأ من ذلك أن هذه الممارسة الشنيعة قد استمرت -بوصفها نمط تربية- حتى القرن التاسع الميلادي، ولولا المسيحية التي حرمتها ثم الإسلام من بعدها، ولولا الطبيعة التبشيرية الدعوية لهاتين الديانتين، ولولا انتشار كل منهما في مساحات شاسعة من الأرض، لاستمر هذا النمط التربوي القاتل بضعة قرون أخرى على الأقل.[8]

وذلك أنَّ الديانات العالمية التوحيدية يمكن في إطارها افتراض العدل والرحمة العالميتين الإلهيتين، بعيدًا عن تعدد الآلهة متعارضة الإرادات ومختلفة الطباع، وذلك عن طريق مفهوم الإله الواحد العادل الرحيم الحكيم بصورة مطلقة. وهذا بعد أن كان تعدد الآلهة وصراعاتها الداخلية في مستوى مجمعها، وأزماتها “النفسية” على مستوى أفرادها هو التفسير المعقول لوجود الشر العبثي في العالَم، بعبارة أخرى كان تعدد الآلهة فرضيةً لتفسير الشر من طريق استبصار نظام خلف الفوضى، نظام يستند إلى اتساق الفوضى الأرضية مع فوضَى سماوية تناظرها. ولذلك كانت إحدى المسلمات المشتركة بين الديانات الإبراهيمية مثلاً، عقيدة القضاء والقدَر، أي وجود خطة إلهية كبرى حكيمة عادلة، لا تظهر حكمتها إلا للمتأملين للنطاق الأوسع من المجتمع والطبيعة والمدى الأبعد من التاريخ، لذلك كانت قصص الأنبياء موضوعًا جوهريًّا مشتركًا بين تلك الديانات، وهو ما يتركز أغلبه في العهد القديم. باختصار: استندت الديانات التوحيدية الكبرى إلى مبدأ نَفْي النقص والشر عن الخلق الإلهي في مجموعه وامتداده، وما نراه بخلاف ذلك مثل، عذاب طفل بمرض أو إعاقة من دون استحقاق عقوبة، إنما “يبدو” لنا شرًّا وجَورًا على النطاق الضيق والمدى القصير.

هكذا يمكن القول تلخيصًا للفرق من هذه الزاوية بين الديانات التعددية والتوحيدية: إنه بينما اكتَشفَت/افتَرضَت التعدديةُ اتساقًا بين مستويين، أرضي وسماوي، للنقص والفوضَى، فإن التوحيديةَ قد اكتَشفَت/افتَرضَت الاتساقَ بين مستويين، أرضي وسماوي، للكمال والنظام. وبصورة أخرى قد نقول إن الديانات التعددية قد اعتقدت في أصالة الشر والعبث في الوجود، فافترضته في السماء كما عاينتْه واختبرتْه على الأرض، أما الديانات التوحيدية فقد لاءمتْ تصورًا أكثر عالمية للبشَر، وأطول زمنًا في الماضي والمستقبل، لهذا حققت أهم لحظات انتشارها وانتصارها بعد تكوين الإمبراطورية الرومانية، التي كانت أول إمبراطورية مستقرة (بعد محاولة الإسكندر الذي انقسمت إمبراطوريته عقب وفاته) تجمع الشرق والغرب القديمَين، وتسيطر على البحر المتوسط كله في ذروة عصرها الذهبي. ومما تجدر ملاحظته بوصفه قرينة مهمة، أن مفهوم “المواطن العالمي”، بمعنى تصورنا عن الإنسان كونه إنسانًا بقطع النظر عن لونه أو ديانته، قد نشأ عند الرواقيين في العصر الهللينستي، أي بعد أولَى المحاولات الناجحة لتوحيد الشرق مع الغرب على يد الإسكندر المقدوني. وكذلك لا بد أن نلاحظ أن الديانات التعددية بطبيعتها ديانات “قومية” بتعبيرنا الحديث، أي مرتبطة بشعب معين مثل: الإغريق أو الشماليين أو المصريين أو الفرس، وغير قابلة للعولمة، وإنْ كانت تستعير بعض المعبودات أحيانًا من ديانات تعددية أجنبية، أو تدمج أكثر من معبود في معبود واحد مثل المعبود سيبرابيس، الذي سادت عبادته في الإسكندرية في العصر المذكور عينه. إذن يمكن القول إن فرضية النظام السماوي والاتجاه نحو التوحيد الميتافيزيقي قد اقترن بتوجُّه متزايد في الفلسفة نحو مفهوم الإنسان العالمي، وفي السياسة نحو الدولة الإمبراطورية متعددة الأعراق. حين توحَّد الإنسانُ في دنياه، توحَّد في تصوره الإله.

ختامًا لهذه الفقرة نقول إن العقائد الوثنية قد أوقعت مجتمعاتها -بعد تطور تلك المجتمعات إلى حد معين ومع تعقُّدها المطَّرِد وتزايُد عدد سكانها- في أزمة خلُقية معقدة؛ فمن جهة يتطلب مثل هذا المجتمع المعقد، كي يبقى ويزدهر حدًا أدنى من العدالة والرحمة بين الأعراق والطبقات، ومن جهة أخرى تقوم الفضيلة في تلك العقائد على أساس تجاهُل هاتين القيمتين. ومن ثم بحثت البشرية -فيما نتصور- عن مخرج ملائم من ذلك الوضع، لا يضحّي بالدين، الذي يرسم معالم الصورة المتسقة الشاملة للوجود على هيئة الدوائر الثلاث الإلهية والإنسانية والطبيعية، أو الأنطولوجيا الثلاثية كما أسلفنا في صدارة المقال، وفي الوقت نفسه ليؤدي ذلك المخرج إلى إقرار العدل والرحمة بوصفهما أصلًا للأخلاق. وكان الحل فيما نرى هو التوحيد، أو ما دعوناه هنا بالأنطولوجيا التوحيدية. يمكن عند هذا الحد أن نقول بصدد العلاقة بين الأنطولوجيات الثلاث: الثلاثية والمزدوجة والتوحيدية. إن الإنسان بطبيعة عقله الساعي في إيجاد نظام عام في الموجودات، وبطبعه الباحث عن الطمأنينة في النظام والإيقاع، والمذعور من كل شكل من أشكال الفوضى والاضطراب، قد حاول طيلة التاريخ أن يُعيد بناء الأنطولوجيا الثلاثية على نحو أو آخَر بهيئة عامة متسقة، وانتهى إلى الأنطولوجيا التوحيدية بما هي هذه الهيئة (على الأقل حتى الآن وعلى الأقل في مجال الدين)، وكانت وسيلة بنائه للأنطولوجيا التوحيدية هي بطل الدراما الدينية-التاريخية الواحد مزدوج الطبيعة أو مزدوج الدور، أي الأنطولوجيا المزدوجة، التي أدت دور الحلقة الوسطى في ربط الحلقتين الأخريين في السلسلة اللاهوتية: الإلهية والطبيعية. ويبقى لدينا أن نفصّل مسألة كيف كان التوحيد مخرجًا من الأزمة الخلُقية للوثنية. تحديدًا: كيف كان التوحيد حلًّا لمشكلة الشر؟

  • التوحيـــــــــد والعدل

الأصل الميتافيزيقي للتوحيد هو أن فعل القدر الشرير ليس كذلك قطعًا، وأن الإله خيِّر بإطلاق، ومتفرد في ذلك إلى درجة التعالي، والمفارَقة بالمعنيين، بمعنى افتراقه عن بقية الموجودات الطبيعية بسبب طبيعته، وبمعنى ما يثير وجوده مفارَقات دائمة لا حل لها عندنا في حدود فهمنا؛ فهو رحيم إلى درجة أن مرضًا كالسرطان يحمل هو نفسُه أملاً للبشر في الشباب الدائم حتى الموت من دون شيخوخة، رغم أن السرطان شر بالنسبة لنا بلا مِراء، وهو ما يوقعنا في تناقض، غير أن التناقُض لا مفر منه حين نحاول فهم صفة من صفاته مضروبة في اللا نهاية. وكل ما هو مضروب في اللا نهاية في الفيزياء والرياضيات “متفردة” Singularity. ولأنه متفرد إلى هذه الدرجة، فهو متفرد إلى حد يسمح له بتجاوز حدود تعريفاتنا نفسها بصدد الخير والشر. وكان أبسط الحلول، وأكثرها احتمالاً، أن تتكون أطروحة مركبة، مفادها: أنّ الابتلاء ممكن وضروري، وهو – الابتلاء- الأمر الذي قد يتضح للإنسان منّا بعد مرور سنوات على مشقة اعترت حياتَه يومًا، أو بعد حدثٍ بعينه في المستقبل، ومع حدث مُناظرٍ غالبًا في الماضي يطويه المصيرُ ذاته. وأساس إمكان الابتلاء هو أن الإنسان مشكوك في حقيقة انتمائه، وأن بعض البشر فعلاً سيكونون من أتباع الشيطان، أو سيغدون أنفسُهم شياطينَ. هكذا صار اختباره للتحقق من انتمائه ضروريًّا، على الأقل في حدود ما يَعلم ويَفهم، استكمالًا لمصيره التاريخي الأبدي. بكلمات أخري: كي ننزّه الإله، طَعَنّا في ذمّة الإنسان! وربما يقال إننا نزّهنا الإلهَ، لأننا أصلًا شككنا في أمانة الإنسان. وما دامت كل أفعال الله خيّرة، فإنها كلها عادلة، وهو ما يؤدي بنا إلى طرح مسألة العدل الإلهي.

إقرأ أيضًا: إشكاليّات العدل الإلهي في الأديان التوحيدية جزء الأول: في العقاب الجماعي

يعني ما سبق أن الله عادل مهما وقع في الدنيا-المختبَر، وأننا طيلة حياتنا سنقبل الشك في أنفسنا، ونقبل كوننا دائمًا وعلى رغم كل شيء عرضةً للاتهام، ولكنْ دائمًا في حدود علمنا وفَهْمنا وقدرتنا. ومن ثم تَرْسم تلك الحدودُ المعالمَ الأساسية لمفهومنا نفسه عن العدالة الميتافيزيقية. والسبب في أننا سنشك دائمًا في أنفسنا هو أننا من البداية، أو منذ زمن طويل جدًا قد شكَكْنا فيها فعلاً، وخاصةً بتزايد قدرتنا على التأثير في الطبيعة والمجتمع، مع توسُّع معارفنا وتسارع اتصالاتنا وتضخُّم شبكاتِ وجودنا الجمعي التواصلي، حتى صارت المعلومات أسرع اقتصادات عالَم اليوم في النموّ: اقتصاد الخدمات. ولكنْ في هذه الحالة من القدرة والعلم الإنسانيين المحدودَين، ما حدود حريتنا في الفعل والقرار؟ وهو ما يطرح مسألة الحرية وما يشتبك معها من قضية السببية.

  • الحـــــريــة والسببية

بدوره يعني ما سبق أن كل ما يُمكن لنا تخيله من الحرية والقدرة، وما يُمكن أن يتوافر عندنا من الإرادة القابلة للتحقق، والتي تتولد من زواجهما، يقع بالضرورة في نطاق ما يُمكن لنا فهمه الآن من حيث هو مفهوم، أو ما يمكن لنا فهمه من حيث هو ممكن. لذلك سوف نشكُّ دائمًا في حريتنا. وسوف نشكُّ دائمًا في معرفتنا، فليس مثل هذا الوجود المختلف، والمتفرد في رتبة الكينونة ذاتها مُلْزَمًا من جهة العدل بإفهامنا تصميمَ كلِّ شيءٍ، وغايةَ أيِّ شيء، بل قَدْرًا محدودًا كلَّ مرةٍ من هذا وذاك، درجةً من السبب، وفكرةً ناقصةً عن الغاية.

ونظرًا لأننا لن نعرف الأسباب القصوَى أبدًا، بسبب أن كل معارفنا الممكنة محدودة بحدٍّ أدنَى وحدٍّ أقصى، فلا يُمكن لنا أن نضع تنبُّؤات علمية قابلة للرصد الدقيق تحت مستوى معين من الحيز المكاني، أو الحيز الزماني، وإلا شرع مبدأ عدم التأكُّد لهيزنبرج في محو كل يقيننا، كما لا نستطيع تلقَّي أية معلومات بصدد ما يتخطَّى الحدودَ القصوى للزمان والمكان والسرعة والجاذبية، في مستوى ظواهر النسبية لآينشتاين بما يتلاءم مع تحصيل سرعة الضوء الثابتة في جميع الحالات. لا يُمكننا التقاط أي أشعة حاملة لمعلومات (إشعاع هوكِنْج غير ناقل للمعلومات) مما يلي أفقَ الحدَثِ في الثقب الأسود، لأن السرعة الدنيا المطلوبة للهرب من جاذبية الأخير دائمًا ستكون أكبر من سرعة الضوء، لذلك لا تهرب الأشعة من داخله إلى خارجه، مع ملاحظة أن إشعاع هوكِنْج يتولَّد بالضبط “خارج” أفق الحدث. هكذا كانت أعظم نقلة معرفية بصدد طبيعة وجودنا فيما هو قابل للاختبار والتجريب من مجال الطبيعة والوجود هي نفسها اكتشاف حدود المعرفة الإنسانية، وهكذا أيضًا كانت -هذه النقلة نفسها- أكثر النبوءات إلى اليوم سوداوية ودقة: معرفة بآخر حدود المعرفة، وبمحدودية العلم البشري الحتمية.[9]

لهذا فلن يُمكننا أبدًا، مهما تقدَّمْنا واستكشفنا وأبدَعْنا، أنْ نُقَدِّمَ روايةً سببية متكاملة بصدد حدثٍ يهمنا، قد يكون مهمًّا بما نَجمَ عنه من آثار عظيمة، أو بما حملَ من قيمة رمزية، تُشير -إذا كان الحدث بالفعل مقصودًا بوصفه رمزًا- إلى وجود رامزٍ، وعيٍ ذاتيٍّ عُلْوِيٍّ، يتكلم بلغة التاريخ، والأهم أنه يكلمنا نحن. وفي ذلك الموقف لن يُمكن لنا حَسْمُ القول فيما إذا كان الحدَث المعنيُّ مفهومًا بوصفه نتيجةً آليةً لسببٍ مع توفر رابطة سببية حتمية بينهما في اتجاهٍ واحدٍ: من الماضي إلى المستقبَل، أو مشهودًا بما هو فِعل “الغاية التي هي غاية نفسها”، أو “السبب الذي لا يُسَبَّب” أو “المؤثِّر الذي لا يتأثَّر”، أو باختصار وبتعبير أرسطو: “المُحَرِّكِ الذي لا يتحرك” فقد قصدَ بالحركة كلَّ تغيُّر، وافترضَ لكل حركة سببًا حتميًّا، قبل أن يفترض وجودًا مُغيِّرًا لا يتغيَّر. ليس لهذا المحرِّك سببًا أو لصفاته أو لأفعاله، فهو بين حالة الانقطاع السببي causal disconnection، فلا يُؤثِّر عليه شيءٌ سواه، وحالة الاتصال السببي، إذ يُمكن له هو أن يؤثِّر على ما سواه، وأن يَعرف عنه ما لا يعلمه هو نفسه، رغم أن العكس مستحيل إلا بمشيئته. وهي ربما أهم خصائص وجوده المتفرد إلى درجة أنه يُستعمل للإشارة إلى ذاته (في القرآن) غالبًا ضمير الغائب المفرد “هو” أو أحد أسمائه. يتحدث عن نفسه بوصفه شخصًا ثالثًا، لأنه دائمٌ عندنا بين الحضور والغياب.

بِناءً عليه –وختامًا له– فإن فكرتنا بصدد حدودنا المعرفية، قد توافقت مع تصورنا عن الصفات المُطلقة للإله من جهة، كما توافقت تلك الصفات المطلقة مع توحيدنا إياه من جهة أخرى، والتأمت في النهاية فكرتنا عن التوحيد مع ما تطلبته البشرية في مرحلة تاريخية معينة لتطور المجتمعات من أصول للأخلاق. يظلُّ الإله الواحد في عقول المؤمنين به؛ هو الكينونة المتفردة بالاكتفاء الذاتي التام، بالعِزَّة المطلَقَة. إنه {الأول والآخِر والظاهر والباطن} (الحديد: 3) أي المتفرد بالقدرة الكاملة على المكان بلا حدود دنيا أو قصوَى فهو أول في كل مكان، وآخِر في كل مكان، وهو قدير على الزمان بما هو دائمًا الأوَّل، مهما امتدَّ الزمان في اتجاه الماضي، ودائمًا الآخِرَ، مهما امتدّ في المستقبَل، حتى لَتَنقضِي الأبديةُ نفسها، التي سنحياها بلا موتٍ في النعيم أو الجحيم -طبقَ الديانات الإبراهيمية- من طول زمن وجوده. الأبديةُ نفسُها تستحيل عنده إلى فترة مؤقَّتة!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش والمراجع:

[1] أَيَّامَ الْقِيَامَةِ – تكوين

[2] سبق أن تعرضنا لدور الرسول محمد التاريخي في مقال على موقع مؤسسة تكوين الفكر العربي: كِفَاحُ مُحَمَّدٍ – تكوين

[3] نشرت بقسم الأبحاث المحكمة بموقع مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” عام 2016.

عولمة المعتزلة وأسلمة الأشاعرة – تكوين  [4]

ما وراء الأصول: الجزء الثالث…”الأصل والقانون” – تكوين  [5]

[6] قدمنا تتبعًا للأثر المتبادَل بين الأيديولوجيات الفاشية عمومًا، وفي القلب منها النازية، وبين مجالات إنسانية أخرى سوى الفلسفة، وخاصة الأدب والموسيقى، في عدة مقالات ودراسات سابقة، منها: انقطاعات سيبليوس | لغز السيمفونية المحترقة، والنزعات البطوليّة في الموسيقى – كريم الصياد – منصة معنى الثقافية.

[7] Heidegger, Martin, “Die Frage nach der Technik”, in Vorträge und Aufsätze, Gesamtausgabe, Band 7, Vittorio Klostermann, Frankfurt am Main, 2000.

[8] See for example: Kennedy, David, The Well of Being, State University of New York Press, 2006, p. 86.

[9] نتعرض في المقال التالي لهذه الإشكالية المتعلقة بحدود المعرفة، وأثر ذلك على المنهج التجريبي والفلسفات العلمية، والتجليات الأدبية العربية والغربية لصراع العلم والدين تحت عنوان “من النبوة إلى النبوءة: عَرَفة.. إنسان محفوظ الأخير وفاوِسْت الإسلامِ”.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete