تكوين
يكثر الحديث في أيامنا هذه عن البراغماتية. أحاديث تدور بين العامة والمثقفين وغيرهم ممن يحملون ألقابًا تشير إلى مواقعهم الاجتماعية، ومن لا يحملون هذه الألقاب. يستخدم البعض منهم “صفة” البراغماتي بشكل إيجابي، بينما يستخدمها البعض الآخر بالمعنى السلبي. فيتوه المقصود من هذا المصطلح بين المؤيد والحامل له، وبين المتنكر والمعارض له. والأمر الجدير ذكره في معظم هذه الأحاديث هو أن الطرفين، مؤيد البراغماتية ومعارضها، غالبًا ما يتجاهلان أو يقفزان فوق السؤال الجوهري: ماذا يعني هذا المصطلح فعلًا، وما الفلسفة التي يحملها؟
يبدو أن ما نعيشه اليوم من كثرة هذا التيه في المصطلحات وحدودها يجعلنا نستخدم أي مصطلح نشاء في أي حوار نريد، من دون أي ضابط لحدود هذا المصطلح أو ذاك. فنلغي حدوده ونصطنع حدودًا أخرى، في كثير من الأحيان، لا تمت بصلة لهذا المصطلح أو ذاك. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعج الصحف ووسائل الإعلام بكافة أشكالها (المرئية والمسموعة والمكتوبة) ووسائل التواصل الاجتماعي باستخدام مصطلح “الذكاء الاصطناعي”. وهو مصطلح حديث مركب من مصطلحين: “ذكاء” و”اصطناعي”، ما يجعلنا نقف أمام تيه جديد يتعلق بمعنى وحدود مصطلح “ذكاء”، وكذلك الأمر بالنسبة لـ”اصطناعي”. وهذا ما يحدث مع مصطلح البراغماتية أيضًا.
تأسيس مصطلح البراغماتية pragmatism
وإن كانت البراغماتية قديمة بقدم الفلسفة اليونانية، إلا أنها تأسست كمذهب فلسفي على يد حفنة من فلاسفة أمريكيين، وهم:
- تشارلز ساندر بيرس Charles Sander Peirce
- ويليم جايمس (William James)
- جون دوي (John Dewey)
ظهرت البراغماتية في بدايات سبعينيات القرن التاسع عشر (عام 1800)، وأعلن عنها جيمس بشكل متميز عن بقية الفلسفات عام 1898 في خطاب له موجّه إلى “الاتحاد الفلسفي” (Philosophical Union) في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. ثم توسعت في مدرسة شيكاغو (Chicago School) على يد ديوي وميد (Mead) وجين آدمز (Jane Addams).
وكانت متأثرة بموجة فكرية تُعرف بـ”ما بعد الداروينية” (post-Darwinian) في فهمها للتجربة الإنسانية، ومقاربة مفاهيم كالمعرفة والحقائق… فالحقيقة معتقدات تأكدت عبر مسار التجربة، لذا فهي قابلة للخطأ وخاضعة لمزيد من المراجعة…”[1]. أي بدأت البراغماتية فعليًا مع بيرس وجيمس، ثم جاء ديوي بعدهما.
يَقودنا هذا التعريف إلى الربط بين فهم الداروينية – وتحديدًا الداروينية الحديثة – ومدى تأثيرها في تشكيل المذهب البراغماتي الذي أسس له جيمس. وعملية الفصل بين الداروينية والبراغماتية تُفقد هذا المذهب الفلسفي جزءًا كبيرًا من حدوده ودلالاته. ولن نخوض هنا غمار البحث في هذا الترابط بينهما.
لا يعني هذا أن مؤسسي البراغماتية كانوا ذوي اتجاه فكري واحد نحوها، فقد عمل كل منهم انطلاقًا من أسسه الفلسفية الخاصة. على سبيل المثال حاجج بيرس بأن “وظيفة البحث (inquiry) ليست شرح الواقع، بل تمكيننا من الفعل (act) (أو السلوك) بشكل أكثر فعالية”… بينما اصطدم جيمس مع مجموعة من الفلاسفة عندما طرح أن الحقيقة مفيدة فقط كطريقة لتفكيرنا، وسعى للتوفيق بين الفلسفة والداروينية. في المقابل، انتقد ديوي المفهوم الديكارتي للذات كجوهر موجود قبل اللغة والثقافة، معتبرًا إياها نتاجًا للممارسات الاجتماعية”[2].
ماذا يعني براغماتي؟
أي أن البراغماتية لا تمثل توجهاً فلسفياً واضح المعالم، تنطلق من مبادئ فلسفية موحدة لتصل إلى مستوى نظرية فلسفية، أو لتؤسس “مدرسة فلسفية”. ويظهر هذا إلى حد ما من معنى كلمة “براغماتية”، فكلمة “pragmatism” (براغماتية) أو “pragmatist” (براغماتي) أو “pragmatic” (براغماتي) تشير إلى
“الالتزام بالنجاح في الشؤون العملية وإنجاز الأشياء. وبهذا، فالبراغماتيون منساقون لإنجاز غاياتهم لا لإنجاز مبادئهم. بمعنى آخر، البراغماتي مفاوض وليس باحثاً عن حقيقة… البراغماتية عكس الفلسفة”[3].
إذا يمكن القول، اعتماداً على هذا التعريف، ان البراغماتية ليست بمذهب فلسفي، وماهي إلا أسلوب، أو طريقة ما، لا قاعدة فكرية لها سوى تحقيق أو انجاز غاية المفاوض، أو المحاور. أمر يعيد تذكيرنا بالسفسطائية اليونانية!
كما يصعب تحديد مصطلح “براغماتية”، لذا وفقاً لتوصيف كانينغ سكوت شيلر (F.C.S. Schiller)، وهو واحد من أبرز أعلامها، يقول:
“هناك براغماتيات بعدد البراغماتيين”[4].
ما يعيد تأكيد أن البراغماتية ليست مذهباً فلسفياً، ولا أي حتى مدرسة أو توجه فلسفي، بل مصطلح يعبر عن تحقيق غاية المفاوض أو المحاور. فأدمجت “البرغماتية” السفسطائية مع المكيافيلية “الغاية تبرر الوسيلة”، تحت هذا المصطلح المؤسس حديثاً.
مع اختلاف المنطلقات الفكرية والأسس الفكرية للبراغماتية، هل أسس أبرز مؤسسيها فلسفة براغماتيه خاصة بهم؟ سؤال يعيدنا إلى فترة تأسيسها.
البراغماتية الكلاسيكية
عُرِفت فترة تأسيس البراغماتية، مع مؤسسيها الثلاثة، باسم “البراغماتية الكلاسيكية”. وخلال فترة التأسيس، لم يعتقد مؤسسوها الثلاثة في البداية أنهم “ينتمون إلى حركة فلسفية منتظمة… فبيرس كان ينظر إلى نفسه على أنه تلميذ لإيمانويل كانط، ويعمل على تحسين مفهومه للمنطق… أما جيمس فلم يكن مهتمًا لا بكانط ولا بهيغل، بل اهتم بالدين… بينما كان ديوي متأثرًا جدًا بهيغل، ومهاجمًا شرسًا لفلسفة كانط”[5] فتأسس ثلاثة مقاربات للمواضيع المطروحة، ولكل منهم خلفيته الفكرية المعتمدة في جزء كبير منها على أحد الفلاسفة السابقين لهم.
ما يشير إلى أنه في فترة التأسيس لم يكن هناك من قواعد فلسفية موحدة للانطلاق منها والتأسيس عليها بل ضمت “تلميذ كانط”، و”مهاجم كانط”، و”الدارويني المهتم بالأديان”. وكانت التباينات والخلافات واضحة بينهم منذ البداية فعلى سبيل المثال ينظر بيرس إلى برغماتية جايمس على أنها “نسخة مبسطة واختزالية للبرغماتية”[6].
انعطافات البرغماتية:
البراغماتية الجديدة
لم تبقَ البراغماتية على حالها، بل تأثرت بفلسفة اللغة التي طرحها برتراند راسل ورودولف كارناب وغيرهما. فترةٌ عُرفت بـ”الانعطافة اللغوية” في الفلسفة البراغماتية، كما ظهرت محاولات لتوليد ما يُعرف بـ”البراغماتية الجديدة”.
في تلك المرحلة، مرت الفلسفة بمنعطف تحولي، خاصة مع غوتلوب فريجه (Gottlob Frege)، ورودولف كارناب (Rudolf Carnap)، وبرتراند راسل (Bertrand Russell) وغيرهم، الذين رأوا أنه من الأجدى أن “يناقش الفلاسفة بنية اللغة بدلاً من بنية الذهن (the structure of the mind) أو التجربة“، معيدين إحياء فكرة المذهب التجريبي التقليدي القائل بأن الإدراك الحسي (sense-perception) هو الذي يزود المعرفة التجريبية بأُسسها. وهي فكرة كان قد رفضها، في أوائل القرن العشرين، كل من المثاليين (idealists) والبراغماتيين الكلاسيكيين”[7].
الفلسفة البراغماتية
يُبيّن هذا الأمر مجددًا أن الفلسفة البراغماتية لم تتأسس على أسس فلسفية واضحة المعالم. فمنذ نشأتها، ارتكزت على مبادئ متباينة، لتشهد لاحقًا تحولات جذرية في مقارباتها مع ظهور فلسفة اللغة والتحليل الفلسفي.
أدّت هذه الانعطافة إلى خفوت وهج البراغماتية، حتى جاء ويلارد فان أورمان كواين (Willard Van Orman Quine) مقترحًا أن المراقبة التجريبية للسلوك اللغوي (linguistic behavior) لا يمكن أن تتتبّع الفارق بين الضرورة و”التأليفية الممكنة” (contingent synthetic) [8].
أما الفيلسوف البراغماتي الآخر، هيلاري بوتنام (Hilary Putnam)، فقد رفض التمييز بين “العالم كما هو في ذاته” والعالم كما يظهر في ضوء حاجات الإنسان ومصالحه (interests).
كما جرت محاولة لتمييز الفلسفة البراغماتية على أساس أنها أمريكية المنشأ لا أوروبية، ما دفع بعضهم إلى وصفها بأنها “فلسفة أمريكية”، باعتبار أن “كوين نجح في فصل الصوت الأمريكي عن كافة تقاليد الفلسفة التحليلية الأوروبية”[9] (Margolis, 2002, p. 55).
وما زالت المحاولات قائمة لتأسيس ما يعرف بـ”البراغماتية الجديدة”، وأول البراغماتي استخدم هذا المصطلح هو ريتشارد رورتي (Richard Rorty)، “في محاولة منه لتأسيس موقف فلسفي مشتق من المؤسسين للبراغماتية ومختلفاً عنهم في النقاط التالية:
- أولاً: تجنب الحديث عن التجربة والتركيز على اللغة…
- وثانياً: الاستغناء عن فكرة وجود منهج علمي لخدمة البحث”[10].
يمكن توصيف البراغماتية الجديدة – وفقًا لبوتنام – بأنها:
“نفعية دون أي حياء، ونظرة إلى البراغماتية الكلاسيكية كمصدر محفّز للأفكار. وهي تقترح أنه بدل التركيز على أهداف وهمية مثل ‘الحقيقة’ أو ‘تحليل شامل للمعرفة’، ينبغي للفلاسفة أن يركزوا على ابتكار مفاهيم جديدة للنقاش”[11].
تُفضي هذه التباينات والاختلافات داخل البراغماتية إلى سؤال جوهري: هل تُشكِّل البراغماتية “مدرسة فلسفية” متماسكة تقوم على عقيدة موحَّدة؟ ثمة مَن يُجيب بـ”لا”، إذ رغم “وجود تشابهات عقائدية وقنوات تأثير بين الفلاسفة البراغماتيين، فإن الفروقات الجوهرية بينهم تجعل من العسير اعتبارهم مدرسةً فلسفيةً ذات عقيدة واحدة”[12].
من الواضح أن ثمة خلافًا حول تحديد ما إذا كانت البراغماتية فلسفةً أم لا. ويعود جوهر هذا الخلاف إلى أن البراغماتية لا تنبني على أسس فكرية واضحة المعالم، بل تعتمد على “اللّايقين” العلمي، وتحديدًا في الفيزياء الحديثة ونظريات الاحتمال. فقد تبنت البراغماتية هذا المبدأ العلمي وحاولت أن تُأسيس قراءات تتكيّف مع تحولات الواقع لتكون قابلةً للتعديل مع متغيراته.
إضافةً إلى ذلك، تأثرت البراغماتية بالداروينية الحديثة، فسعت إلى استعارة مبدأ التطور (evolution) من العلوم البيولوجية أيضًا.
أي أن البراغماتية – منذ مؤسسيها الأوائل: بيرس، وجيمس، وديوي – سعت إلى أن تكون نفعيةً بالمعنى العملي؛ أي اعتماد كل ما يخدم الواقع القائم. وهذا الواقع نفسه غير ثابت، مما يؤدي إلى إمكانية تغيير “النفع” باستمرار. وبالتالي تصبح جميع الاعتقادات قابلةً للتعديل، متحولةً بتغيّر ما يخدم الواقع ويتكيّف معه. وهذا واضحٌ في المقاربة الأولية لفكر بيرس، وفي لا نهائية “الشك والبحث والاستقرار”. ويتجلى الأمر أكثر مع البراغماتيين الجدد الذين حاولوا تجنُّب مناقشة مفاهيم فلسفية أساسية كـ”الحقيقة” على سبيل المثال. وما دام “هناك براغماتيات بعدد البراغماتيين” – كما يقال – فإن هذا يشير إلى وجود “براغماتيات” متعددة وليس “براغماتية” واحدة، حيث يحق لكل فيلسوف براغماتي أن يُؤسس رؤيته البراغماتية الخاصة كما يريد.
يُفضي بنا هذا، وبشكل أولي، إلى أن البراغماتية تفتقر إلى أسس فكرية محددة المعالم، باستثناء اعتمادها على “ما هو نافع” وفقًا للواقع الراهن. وهذا الانتفاع – بمعنى السعي وراء المصالح – لم يُعتبر يومًا أمرًا مذمومًا في الفكر البراغماتي، بل إن البراغماتيين الجدد يصرّحون بقولهم: “البراغماتية نفعية دون أي خجل”. أي أن الحقيقة ليست بحقيقة إلا بمقدار منفعتها، والعدل ليس عدلاً إلا بمقدار نفعيته… وباختصار، فإن جميع “القيم” والمفاهيم لا تعدو كونها أدوات نفعية بحتة. وهنا يبرز سؤال جوهري: مَن يحدد معيار “النفعية”؟ هل هو المستفيد أم موضوع الاستفادة؟ وإذا افترضنا أن كل فلسفة تمثّل نمطًا فكريًا يترجم إلى واقع ملموس، فهل يمكن القول إننا نعيش اليوم في عصر البراغماتية؟ فتهنا بتوه محاولة فهم أسس البراغماتية!
__________________________________________
قائمة المراجع:
[1] Encyclopedia of Philosophy, Editor Donald M. Borchert, Thomas Gate Publisher, New York, V. 7, 2000, p. 742.
[2] Routledge Encyclopedia of Philosophy, Editor Edward Craig, Routledge, London, New York, 1998, p. 633.
[3] Aikin B. Robert, Talisse and F. Scott, Pragmatism A Guide for the Perplexed, Continum International Publishing Group, London & New York, 2008, p. 1.
[4] Encyclopedia of Philosophy, Editor Donald M. Borchert, Thomas Gate Publisher, New York, V. 7, 2000, p. 742.
[5] Routledge Encyclopedia of Philosophy, Editor Edward Craig, Routledge, London, New York, 1998, p. 634.
[6] Ibid, p. 634.
[7] Ibid, p. 635.
[8] Ibid, p. 635.
[9] Joseph Margolis, Reinventing Pragmatism American Philosophy At The End Of The Twentieth Century, Cornell University, London, 2002, p. 55.
[10] Alan Malachowski, The New Pragmatism, Mc Grill-Queen’s Press, Montreal, 2010, p. ix.
[11] Ibid, p. 205.
[12] Aikin B. Robert, Talisse and F. Scott, Pragmatism A Guide for the Perplexed, Continum International Publishing Group, London & New York, 2008, p. 1.