تَفْسِيرُ القُرآنْ، التَّأويل والتَّشْريعُ وَفَائِضُ المعْنى

«التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله».

القول منسوب إلى ابن عبَّاس

«اَلْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ اَلدَّفَّتَيْنِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ ولاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ وإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ اَلرِّجَالُ».

ابن أبي حديد، شرحُ نهج البلاغة، ج8، ص104.

 

تهدف هذه الدّراسةُ إلى إبرازِ التَّحدِّياتُ التي تُواجِهُ المفكِّرينَ المعاصرين، عَرَباً وغرباً، وذلك عندَ طرقهم قَضَايَا تتعلَّقُ بالنَّصِّ الدِّينيّ. يمكنُ ردُّ تلكَ التَّحديَّات إلى أَمْرَين: أحَدُهُما، أَنَّ ما يقدِّمُهُ الدِّينُ من معانٍ، غيرُ مُنْفَصِلٍ عن واقع الإنسان، بل وَثيقُ الصِّلَةِ به؛ والثَّاني، أنَّ الرَّقابة عَلى المعنى، من طَرَفِ السُّلطةَ الدِّينيَّة بَاتَ عَائِقاً أمام إمكانيَّةِ تحْدِيث قراءةِ النَّصِّ الدينيِّ. ينسحبُ هذا الأمرُ على الإسلامِ، مِثْلَمَا يَنْسَحِبُ على اليَهودِيَّةِ والمسيحِيَّة، معَ فارقٍ في منسوبِ التَّراكمِ الدِّراسيِّ والمنهجي الذي حقَّقتهُ الدِّراساتُ التَّوراتيَّةُ والإنجيليَّةُ. تَمَسُّ الإشْكَالياتُ المتَرَاكِمَةُ، التي يطرحها الوَاقِعُ، جَوْهَرَ الدِّينِ؛ حَيْثُ يَلْعَبُ تَفْسِيرُ القرآن دَوْراً، أسَاسيًّا، في تَطوُّر الممَارسَةِ الدِينيَّةِ، وفَهم مَنْطِقِ الخِطَاب الإلهيِّ؛ لأنَّهُ، في حقيقته، انعكاسٌ لتَطَوُّرِ الشَّرِيعَةِ نَفْسِها. لقدْ وَضَعَ عُلَماءُ القُرآنِ والمفسِّرُون، بالتَّبعةِ من ذلك، قَواعدَ ومبادئ، تُمَكِّنهم من تَحْقيق فهمٍ أفضل للنَّصِّ، وتحقيق الفَهْمِ القَويم لمعناهُ ومقصده.

اختلفتْ أَشْكَالُ التَّفسير التي اضطَلعَ بها القدماءُ؛ فَقَدْ رَكَّز بعضهمْ على تفسير “القُرآنِ بالقرآن”، في حين ذَهَبَ بعضُهم إلى تَفْسِيرهِ بــ “المأثور” من أقوال النبيِّ وصحابته، وذهبَ آخرون إلى التفسير بـ “الرأي”. لقد تَطَوَّرتْ أَشْكَالُ التَّفْسِير تَبَعاً للطُّرق التي يتمُّ تناول القرآنِ بتوسُّلها، إمَّا جزئيًّا أو كليًّا، وإمَّا حَرْفيًّا أو مَجَازياً. التَّفسيرُ في الإسلامِ أَوْسَعُ المجَالَاتِ، وهو بالنِّسبةِ إلى باقي مجالات المعرفة الإسلاميَّة كالرأس بالنِّسْبَة إلى الجَسَدِ.

أوَّلاً: التَّفْسِيرُ، جَدَلُ النصِّ والواقعِ

التَّفسيرُ مِنْ أوسعُ العلومِ الإسلاميَّةِ التَّقليديَّةِ نِطاقاً، ولا يكادُ أنْ يُضَاهِيه فنٌّ آخرُ من الفنونِ سِعةً؛ لاتِّصالهِ بالقُرآنِ. يرتبطُ التَّفسيرُ بواقعٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ مُتَغيِّرٍ، ولم يكُن المسلمونَ سباقين إلى ممارسةِ التَّفسير، بل مارسهُ اليهودُ، والمسيحيون بعدهمُ؛ إذْ التَّفسيرُ عَمَليَّةٌ تَسْعى من خلالها الجَمَاعةُ الدِّينيَّةُ إلى رَبْطَ هويتها بالزمن، وإعادةَ استحضارِ الذَّاكرةِ بعدِّها جُزْءاً من الحاضر واستشرافاً للمستقبل. و، بالتَّالي، يُصبحُ النَّصُ الدِّينيُّ، وتفسيرهُ، جُزْءاً من صيرورةٍ يُشَكِّلُ كلُّ عنصرٍ منها الآخرْ. يمكن القولُ إنَّ النصَّ وَثيقَةً تَدْشينيَّةً (=تأسيسيَّةٌ)، والتَّفسيرُ نشاطٌ اجتماعيٌّ، واستجابةٌ لِوَاقعٍ مُتَغيِّر. و، هكذا، فإنَّ التَّفسير (= التَّأويل) كنَشَاطٍ يَصِيرُ مرتهناً لأسْئلةِ الواقعِ، ومن أجلِ حَثِّ النصِّ على الانخراطِ في التَّجْربَةِ الجَماعيَّةِ. وعلى الرَّغم من المصَنَّفات، الكثيرةِ التي وضعتْ من أجلِ تحديدِ قَوَاعد التَّفسير وأصوله، إلّا أنَّ الاختلافات المنهجيَّة بين المفسِّرين كانت سبباً في تكاثُرِ التَّفَاسِيرِ وتضخُّمها.

يَرْتَفِعُ مُعدَّلُ التَّنافُسِ بينَ المنَاهجِ التَّفسيريَّةِ، كلَّما كانَتْ مَحْمُولَةً على حَاملٍ عَقَديٍّ، وأظهرُ دليلٍ على ذلكَ أنَّ ما كُتِبَ من تفاسيرٍ، إبانَ ازدهارِ علم الكلامِ، ودِفَاعاً عن العقائدِ الكلاميَّة، يفوقُ، في حجمه، ما كُتبَ بهدفِ الكَشْفِ عمَّا غَمُضَ من معاني النَّصّ القرآنيِّ. يَنْبَغي أنْ يُلحظَ هذا التَّحوُّل من الأسئلةِ اللُّغويَّة البسيطِةِ إلى الأسْئِلَة ذاتِ الطَّابعِ العقديِّ، بحسبانه تحوُّلاً في رُوحِ الجَمَاعَةِ الحاملةِ للنَّص، ودليلاً على العُمقِ الذي وَسَمَ تَجْربتَها الدِّينيَّة. فما هي أبرزُ سمات هذا التَّحولُ؟ وكيف ساهمَ في خلقِ مدارسَ تَفْسيريَّة؟ وما هي الوظائف الاجتماعيَّة التي أدَّتها تلك المدارسُ؟

1.     القِرَاءَاتُ وَجَدلُ التَّكْوين

لا بدَّ مِنَ الوقوف عند بعض الملامح الأولى لِتَشَكُّل التَّفْسِير في الإسْلامِ، والتي ترجعُ إلى النِّصف الأخير مِنَ القَرْن الثَّاني للهجرةِ/ الثامن الميلادي، أي الفَترةُ التي مَهَّدت لنشأةِ التَّقَاليد الأرثوذوكْسِيَّة في التَّفسير، ونشأةِ مدوَّنتها النصِّية. يَبْرُزُ مَوقِفَانِ مُتَعَارِضَانِ حَولَ المظَانِّ الأولى للـتَفْسير؛ أوَّلهما، التَّقليدُ الإسلاميُّ، والذي يبدأ بالتَّفسير النَّبويِّ (L’exégèse prophétique)، وبَعْدَهُ تَفْسِير الصَّحابة، ثم التَّابِعين؛ حَيثُ تُنُوقِلتْ تلك المرويَّاتُ الخاصَّةُ بالتَّفسير، جِيلاً بَعْدَ جيلٍ، بِفَضْل الإسناد، وحُفظتْ، لاحقاً، في بُطُونِ الكتُبِ؛ وأصبحت شَاهِداً على المعنى الذي اقْتَرَحَهُ الأوَائِلُ بخصوص النَّصِّ القُرآنيِّ؛ والثَّاني، الموقف الاستشراقي الذي وضعَ المرويَّاتِ المتعلِّقةَ بالتَّفسير موضع شكٍّ، وذلكَ من خلالِ إعمَالِ مناهج النَّقد التاريخيِّ والمقَارنةِ بين النُّصوص. ويمكنُ تتبُّع صدى هذه القراءاتِ في أعمالِ كثيرٍ من البَاحِثِينَ المعاصرين؛ مُنْذُ كتاباتْ جُوْن وانسبرو وباتريشيا كرون، إلى أعمال جين دِيمن ماكأوليف، وغابرييل سعيد رينولدز، ونيكولاي سيناي، وغيلوم دي ومهدي عزايز، وآخرين.

يمكنُ تَحْدِيدُ الدَّلالَة التي يُحِيلُ إليها التَّفْسير، حتّى نَتَبيَّنَ صورتهُ الجنينيَّةَ الأولى، قبل أنْ يصير علماً قائما بذاتهِ. يَحْمِلُ مَفْهُومُ “التَّفسيرِ ” مدلولاً لفظيًّا، وقف عندهُ القدماءُ، يقول الزركشيُّ في البرهَانِ([1])؛ «التَّفْسِيرُ كَشْفُ الْمُغْلَقِ مِنَ الْمُرَادِ بِلَفْظِهِ، وَإِطْلَاقٌ لِلْمُحْتَبِسِ عَنِ الْفَهْمِ بِهِ. وَيُقَالُ: فَسَّرْتُ الشَّيْءَ أُفَسِّرُهُ تَفْسِيرًا، وَفَسَرْتُهُ أَفْسِرُهُ فَسْرًا، وَالْمَزِيدُ مِنَ الْفِعْلَيْنِ أَكْثَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَبِمَصْدَرِ الثَّانِي منها سَمَّى أبو الفتح ابن جِنِّي كُتُبَهُ الشَّارِحَةَ الْفَسْرَ وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْ سَفَرَ وَمَعْنَاهُ أَيْضًا الْكَشْفُ». يقفُ الزركشي عند الدَّلالة اللُّغويَّة لمفهومِ التَّفسير، وذلك بِحُسْبَانِه “كَشْفاً” للمعنى الكامن خلف ستارِ اللُّغة، ويُصْبِحُ المفسِّرُ كاشِفاً للمعنى، ومُظْهِراً لهُ بعد أنْ تَوارى وحُجِبَ عَنِ الفَهْمِ. لكنْ لا تَفِي الدَّلالةُ اللُّغويَّةُ بِتَحْدِيدِ معنى “التَّفسير”؛ لارتباطِها بـ “حَرْفيَّةِ” اللُّغة، واقتصارها على الألْفَاظِ؛ فبالإضافةِ إلى المدلولِ اللَّفظي ثَمَّةَ بُعدٌ رمزيٌّ للُّغةِ، وعليه يكونُ التَّفْسِيرُ بياناً لمرادِ اللَّه، واسْتِمْرَاريَّةً للدّور النبويِّ في التَّعاطي معَ النَّصِّ الموحى به. و، هكذا، كَانَ دورُ المفسِّر حاسماً في تحقيق الوساطةِ بين القارئ والنَّص.

يُميِّزُ كُلود جيو Claude Gillot  بينَ لفظْ “التَّفسير” الذي ينسبُ إلى المتقدّمين، كابن مجاهد وابن عيينة وآخرين الذين شَرَحُوا النَصَّ شَرْحاً مباشراً، ولفظ “التَّعْلِيقْ” الذي يُنْسَبُ، عَادةً، إلى المصنَّفَات التفسيريَّةِ الجامعةِ([2]). ويكونُ التَّفسيرُ، وفقاً لهذا المعنى، مُبَاشرةً للنَّص بالشَّرح، والتَّعليقُ تَحْقِيقٌ في التَّفسير بترجيحِ المعنى الأقرب إلى النصِّ. لقد تَطوَّرت “المدوَّنةُ التَّفسيريَّة” بالتَّوازي مَعَ تَطَوُّر فروعٍ معرفيَّةٍ أخرى، كالحديث، أصول الفقه، والسيرة، وما شاكلَ ذلك من اللُّغَةِ والنَّحو([3]). وهكذا، بَدأتْ المصنَّفاتُ التَّفسيريَّة للقرآنِ تَتَّسعُ ضمن هذهِ المجالات. يضافُ إلى ذلك أَنَّ الأعْمَالُ التَّفسيريَّة الأولى لم تخرُج إلى الوجودِ كَامِلةً، وأوَّلُ نصٍّ يمكنُ النَّظرُ إليه على أنَّهُ مشروعٌ جامعٌ هو تفسيرُ محمّد بن جرير الطَّبريّ (ت311ه/923م)، المسَمَّى: «جامعُ البيان عنْ تأويل آي القرآن»، والذي جَمَعَ فيه آراء المفسِّرين المتقدّمينَ عليه، والمرويَّات، والأحاديث التي تُفسَّرُ في ضوئها الآياتُ([4]).

عَرَضَ إغنتس غولدتسيهر ما استوقفه من أفكارٍ، لحظةَ اشْتِغَالهِ على المرحلةِ «البدائيَّةِ في تفسير القرآن»([5])؛ حيث يرى أنَّ الأوائلُ قد حَظوا بحريَّةٍ أكبر في تعاملهم مع النَّص، بِمَا في ذلك تَثبيتهم للنَّص القرآني في نسختهِ العثمانيَّة (= مصحف عثمان) (La fixation du texte). يُظْهرُ اسْتِخْدَامَ مَفْهُوم الحريَّة بأَنَّ مَرْحَلة تشكُّل “القراءات”، لم تكُنْ مَسْأَلةً بديهيَّةً كما يُظَنُّ، بل إنَّها تعكسُ جَدَلاً، مُبَكِّراً، ورغبةً في الوُصُولِ إلى قراءةٍ للنَّص مُجمعٍ عليها. ولمَّا كانت جميعُ المؤشِّراتِ قدْ دَلَّت على غيابِ هذه الإمكانيَّةِ، فَإنَّ غولدتسيهر قَدْ اتخذَ الحريَّةِ معياراً مِن أجْلِ فهم أطْوَارِ التَّفسير الأوليّ للقرآن. يقول غولدتسيهر([6]): «في ما يتعلَّقُ بإقامةِ النصِّ المقدس في الإسلام الأوَّل، كانت تسودُ حريَّةٌ مطردةٌ إلى حدّ الحرية الفرديَّة، كأنما كان سواءً لدى النَّاس أن يرووا النَّصّ على وجه لا يتفق بالكليَّة مع صورته الأصلية». يؤكِّد غولدتسيهر، تبعاً لذلك، على الغنى الذي كانت تزخرُ به طُرقُ قراءةِ النصِّ، وذلك يرجعُ إلى أمرين أساسيين؛ الأوَّلُ، يتَعلَّقُ بالرَّسمِ؛ إذ لم يقع الاتِّفاقُ حول رسمِ جميعِ الألفاظ الواردةِ في المصاحف كلِّها، ما أدّى إلى الاختلافٍ في الأفهام؛ والثاني، مدارهُ على القَوَاعِدِ النَّحويَّة وتراكيبها، وما يتعلَّقُ بِصَرْفِ الجُمَل على ما يَقْتَضيه ِلسَانُ العربْ. كَفَلَ هذانَ الأمرانِ فَتْحَ باب الاختلاف في القراءةِ بَيْنَ القُرَّاءِ والمفسّرين واللُّغويين.

يُقابلُ غولدتسيهر، في عرضه لمسألة حُريَّة “القراءاتِ”، بينَ من آثَرَ الدِّفاعَ عن قِراءةٍ منْ دُونَ أُخْرَى، ومن قبل بِأَكِثَر من قِرَاءَةٍ. غير أنَّ حَدِيثاً مَنْسُوباً إلى النَّبيّ في مَسْألَةِ القِرَاءَاتِ، يُحدِّدُها في “سَبْعٍ”، مَا دَفعَ بكثيرٍ منَ القرَّاء إلى البحثِ عمَّا يؤكِّدُ نِسْبةَ قراءتهم إلى النَّبيّ بالتَّواترِ. وعلى الرّغمِ من مُحَاولاتِ تحديد القراءات في “سَبعٍ”، إلَّا أنَّ كثيراً مما عُدَّ في القراءاتِ “الشاذة” عن السَّبعةِ، كانَ لهُ ما يعضدهُ، في فهم بعض الأمور الغامضةِ من النَّص القرآنيِّ. وَأيًّا تكُن المعَاييرُ التي اقترحها القرَّاء، في اختيار القراءات “السبع”، فالذي لا مشاحة فيه أنَّ عَدَد القراءات المقبولةِ، وفق معاييرهم، جَاوَزَتِ “السَّبْعَ” إلى “العشرِ”، وبلغت بالقراءات الشاذّة أربعَ عشرةَ قِرَاءةً. أضف إلى ذلك أنَّ الرَّغبةَ في تحديد القراءات قد دفعتْ، في كثيرٍ من الأحيانِ، إلى تَحْدِيدِ “قِرَاءَةٍ رَسْميَّة” بهدفِ ضمانِ توحيد المسلمين، وَمَنْ أخذ بغيرها من القراءاتِ الشاذة كَانَ يُقَابَلُ، في العادةِ، بِالقَمْع والاضطهاد([7]).

كانتْ مَسْألَةُ القِرَاءَاتِ، إذن، إحدى الصور الأوليَّة لتَثْبيتِ النَّص، وشكلاً من أشكالِ فهمهِ؛ فالقراءةُ ليست تَحْدِيداً لرسم الألفاظ وحركتها، بل هي، أيضاً، طريقةٌ في فهم النَّصّ، حسبَ ما يقتضيه “السِّيَاقُ”. ولئنْ ضاعت كثيرٌ من المصاحف التي يمكنها تأكيدُ مساحةِ الحريَّة التي حظي بها المسلمونَ في قراءتهم للقرآن على وجوه كثيرةٍ، فإنَّ المروياتِ التي يحملها التّقليدُ الإسلاميُّ كفيلةٌ بإظهارِ حجم التبايُنِ والتَّعارضِ في فهم المسلمينِ لدلالةِ الألفاظِ القرآنيَّة وَمَعَانيها.

**

صَاحَبَ تحوّلُ القرآن من خِطَابٍ إلى نصٍّ تَشَكُّلَ نخبةٍ مِنَ العُلَمَاء، الذين أُسْنِدَتْ إليهم مهمَّةُ الحفاظ على النصِّ، وتأمينِ جَوَانِبِهِ كلّها. لَمْ يكن ثمّة ما يبررُ النَّظَرَ إلى القرآن بوصفه خِطَاباً، يُحَاور المتغيِّرَاتِ الاجتماعيّة والثَّقَافيَّة التي حصلت داخلَ المجتمع، وإنَّما تَحَوَّلَ النّصُ إلى فضاءٍ مُغْلَقٍ، وأصبح “المصحفُ” كِياناً “مقدَّساً” في ذاتهِ، وضَاهَى الهويَّةَ الفِعْليَّةَ للخطاب القرآني. يُمْكِنُ، في الحقيقةِ، الحَدِيثُ عن تَحَوّلاتٍ ثلاثةٍ في صيرورة القرآن بدل اثْنَتَين، الانتقال من الخطاب إلى النّصِ، على اعتبار أنّ النّص هو المصحف. لكنَّ ثمّة لحظةً أخرى رُبَّمَا أغفلت في هذا الانتقال، وهي تلك اللحظة الوسيطةُ، التي طبعت تاريخاً طويلا من الفكر الإسلامي الكلاسيكي؛ إذ لم يصبح القرآنُ مدوّنةً غير قابلةٍ للتَّعديل، بالمعنى النِّهائي، إلّا في عَهْدِ عبد الملك بن مروان، حيثُ حُوربت النُّصُوصُ التي لا تتوافق معَ الرِّواية الرَّسْميَّة، واتخذ المصحف العثماني، نَصًّا مِثَاليًّا نهائيًّا.

2.     التَّفسير والتَّقليد المَورُوث

التَّفسيرُ، في التَّقليد الإسْلَامي، نَوعَانِ أَسَاسيَّان؛ الأوَّلُ، تفسيرٌ بالمأثور وقاعدتُه التَّقاليدِ النصيَّةُ التي ورثت عنِ النبيّ وصَحَابَتهِ؛ والثَّانِي، تفسيرٌ بالرَّأي وَمَدَارُهُ على العقل أو الاجتهاد الشخصيِّ. يحيلنا هذا التَّقسيمُ إلى وجودِ بُنْيَتَين فكريَّتين متعارضتين، ومتقابلتينِ، قوام الأولى على التقاليد النصيَّة (=المأثور)، وقوامُ الثانيَّةِ على العقل (= الرأي). يتغيَّا التَّفْسِيرُ بالمأثُورِ وضع القواعدِ النِّهائيَّةِ، والقُيودِ المنهجيَّة على العقلِ، من أجل تحديد جهةِ الفهم، وَمَسَار المعنى، والتَّأكيد على أهميَّةِ نُصُوصِ الحَديثِ في عمليَّة التَّفسير([8]). تَأسَّسَ، عَلَى النَّقِيضِ من ذلك، التَّفسيرُ بالرَّأي على العقلِ في فهم النُّصوصِ، وذلك باستقلالٍ عنِ سلطة المرويَّاتِ. ومهما يكنْ من تناقضٍ بين هذين النَّوعين من التَّفسير، إلّا أنَّهما أبرزُ مثالٍ على غنى التّجربة التفسيريَّة الإسلاميَّة للقرآن.

يَعْمَدُ مُنَاصِرُو التفسيرِ بالمأثورِ إلى “الأحاديثِ” المنسوبةِ إلى النبيِّ للتأكيد على مشروعيَّةِ تفسيرهم([9])؛ إذ نهى عَنِ التَّفسير بالرَّأي بمقتضى نصِّ الحَديث([10]): «من فسَّر القُرآن برأيهِ، فليتبوَّأ مقعدهُ من النَّار»، أو «مَنْ قَالَ في القُرآن ‌برأيه وأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأ»، في الحديثين، معاً، ما يفيدُ بأَنَّ القولَ في القرآنِ خارجَ دائرةِ الموروثِ أمرٌ مرفوضٌ وخاطئٌ. انشغلَ المفسِّرونَ الذينَ ينتسبون إلى هذا التَّقليد بالتَّقصِّي عنْ مُعْظَمِ الأحاديثِ والمرويَّات التي تعزِّزُ فَهمهُم للنَّصِّ، وَذَلك من منطلقِ أنَّ الذين هُمْ أقربُ إلى زمن الوحي أدرى بمعناهُ. يعتبرُ هذا النَّوعُ من التَّفسير، في عُرْفِ مؤرِّخي التَّفسير الإسلاميّ([11])، أوثق الأنواع، وأعلاها قِيمةً؛ إذْ ترتبطُ مشروعيَّتهُ “بالإسنادِ” أو “بالإجماع”، وكلاهما استدلالٌ على قصدِ اللَّهِ من آياتهِ التي بلَّغها نبيُّه إلى النَّاس.

فُسِّرَتْ بَعْضُ الآياتِ بآيَاتٍ أُخُرى؛ حيثُ ووُسِمَ هَذَا الضَّربُ من التَّفسير بــــ “تَفْسِير القرآن بالقرآن”، إلَّا أنَّ هذه الظَّاهرةَ لمْ تُغَطِ النَّصَّ كُلَّه، فَلَجَأَ المفسِّرونَ إلى ما نُسِبَ إلى النَّبيِّ، بِحُسْبَانِ “الحديثِ” على درجةٍ من الموثوقيَّةٍ كفيلةٍ بتحديدِ المَعْنَى الأصليِّ للنَّصِ. كانتْ حُجَّتهم في ذلكَ أنَّ النَّبيَّ، بِنَصِّ القرآنِ، لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى «إنْ هو إلَّا وحيٌ يوحى»([12]). ظلَّ القرآنُ حجَّةً، بالنِّسبةِ إلى المرجعيَّةِ التفسيريةِ القائمةِ على المأثور، وحتَّى في التَّأكيد على دورِ النبيِّ في تفسير القرآنِ. لمْ يكُنْ ثَمَّةَ مِنْ شَكٍّ في أنَّ القُرآنَ جاء بلغةِ العَربِ، إلّا أنَّ تراكيبهُ ومقاصدَهُ ظلَّت عَصِيَّةً على الفهم، حتى من أقرب الأقربين إلى النبيِّ([13])؛ فكانَ تدخُّلهُ أَسَاسِيًّا من أجلِ إيضاحِ مَدْلُول النَّصِ. تنقلُ النُّصوص التَّفسيريَّةُ المنسوبةُ إلى النبيّ، بعداً تعليميًّا مرتبطاً بالبنيةِ اللُّغويَّة للنصّ، أو ما يتعلَّق بطريقةِ تطبيق حكم من الأحكامِ. كانتْ التَّفسيراتُ التي يقدِّمها النبي، في الأغلب، إرْشَادِيَّةً، ولمْ يغلِق باب الاجتهاد في طلب معاني النَّصّ.

ليس ثمَّةَ ما يؤكِّدُ أنَّ النبيَّ قد فسَّر القرآن كلَّهُ، ولكنَّ بعض صحابتهِ كانوا على درايةٍ بسِيَاقِ بَعْضِ الآيَاتِ القُرْآنيَّةِ، وكَانوا أَقْدَرَ على فهم المرادِ منها، وما/من نزلت فيه. اعتمدَت المرجعيَّةُ التَّقلِيدُيةُ، القَائمُةُ على الموروثِ، المرويَّات عن الصَّحابةِ، بِعدِّها مَصْدراً ثَالثاً، من مصادر تَفْسيرِ القُرْآن. يستنتجُ المتأمِّلُ، في ما ذهبتْ إليه المرويَّاتُ التفسيريَّةُ المنسوبة إلى الصَّحابةِ، ارتفاع منْسوبِ الذَّاتيَّةِ في تَفْسِيرِ معاني الآياتِ؛ حيثُ كانَ تفسيرهم للقرآن وليدَ تَجْربتهم الشَّخصيَّة، وعلاقتهم بسياقِ الدّعوةِ، وإلّا مَا كَانَ لنا أن نفهمَ، بدِقَّةٍ، الصُّورةَ التي قدِّمت عَنْ ابن عَبَّاس، وهو الذي لم يبلغ الثالثة عشر من عمره حين أدركَ الموتُ النَّبيّ، ولكنهُ احتلَّ، في الرّوايةِ، منزلةً لا يُغالبُهُ فيها أَحدٌ. يَرْجِعُ الفضلُ في نَشْأَةُ التَّفْسير، وِفْقَ المنْظُور الإسلاميِّ التَّقليديّ، إلى أَسْمَاءٍ عَشَرة، فيهم الخلفاء الأربعة، بالإضافة إلى عبد الله بن مسعود (ت. 32ه/652م)، وعبد اللّه بن عبّاس (ت. 68ه/ 687م)، وأبي بن كعب (ت. 30ه/ 650م)، وزيد بن ثابت (ت. 45ه / 666م)، وأبي موسى الأشعريّ (ت. 42ه/ 662)، وعبد الله بن الزبير (ت. 73ه /692م). تَطُولُ هذه القائمةُ لتضمَّ أسماءً أخرى من المرحلةِ الأولى، مثل عبد اللّه بن عمر، وأنس بن مالك وعامر بن عبد اللّه بن الزبير([14]).

لم يسلُكِ أصحابُ التَّفسير بالرأي المسْلَكَ عَيْنَهُ الذي اتَّخَذَهُ أصْحابُ التَّفسيرُ بالمأثور، وإنَّما تَحَوَّطوا من التَّقاليدِ المورُوثَةِ، والشَّاهدُ على ذلكَ ما كَانَ للْمُعْتزلةِ وَمن آراءٍ حولَ قضايا عقديَّةٍ، مثلَ مَسْأَلَةِ الذَّاتِ والصِّفاتِ، وَيُمْكِنُ أنْ يَجدَ المرء فيها على كثيرٍ من الحيثيَّاتِ التي تُظْهرُ بوضوحٍ أولويَّةَ العقلِ عندهم على السمع([15]). نقرأُ في ما كتبَ نصرْ حامدْ أبو زيد ما يلي([16]): «الاستدلال بالقرآن، أو اعتبارهُ دلالةً لا يصحُّ إلَّا بعد معرفة المتكلِّم بكلِّ صفاته من التَّوحيدِ والعدل، بما يتضمَّنهُ مبدأ العدل من أن الله حكيم لا يختار القبيح ولا يأمر به ولا يكذب في أخباره. وإذا كانت كل هذه الأشياء من صميم النظر العقلي، لا من الاستدلال السمعي، فإن القرآن نفسهُ لا بدَّ أن يخضعَ في الاستدلال به للنظر العقلي». واضحٌ، إذن، أنَّ النقاشَ حول القرآنِ، ومعناهُ، قد تشكَّل في جوٍّ من الصِّراعاتِ العقديَّةِ، والشَّاهدُ على ذلكَ ما كتبَ حول قَضِيَّةِ “خلق القرآن”.

3.     التَّفسير في ضَوء العَقِيدَة

نَسْتَعِيرُ عُنْوَانَ هذه الفِقْرةِ من عنوان فَصْلٍ من كتاب غولدتسيهر مذاهب التَّفسير الإسلامي، وهو الفصل الثاني (= التفسير في ضوء العقيدة: مذهب أهل الرّأي)؛ لأنَّهُ دالٌ على ما آل إليه التَّفسيرُ في ظلِ الجدل العقائديّ بين المسلمين([17]). سَاهَمَتْ عِدَّةُ عَوامِلَ في خلقِ هذا المناخ الجدلي العقائديّ، ومنها الامتدادُ الذي عرفهُ الإسلامُ في مناطقَ جغرافيَّةٍ واسعة، منذ القرن الأول للهجرة/السابع للميلاد؛ حيثُ استقطبَ الإسلامُ مُجْتَمعاتٍ دينيَّةً أخرى، كانتْ تدينُ باليهوديَّة والمسيحيَّة والزرادشتيَّة، وغيرها، من أديان أواخر العصور القديمة. شَكَّلتْ تلك الأديانُ، إذن، نَواةً للجَدلِ الضارِبِ بجذورهِ التَاريخيّةِ والثقافيَّةِ([18]). لم يَكُنِ الجَدَلُ العَقَائديُّ مُقْتَصراً على الأطراف، بل انتقل إلى عقرِ المركزِ، وأصبحَ جزءاً من التَّقاليد الثَّقَافيَة للحواضرِ الإسلاميَّة، في مكَّة والمدينة والعراق، وفي بِلَادِ الشَّام. وهكذا، تَأَثّرَ المسْلِمُونَ بصنوفٍ مِنَ المُمارساتِ الثَّقافيَّة التي عرفتها الإمبراطوريَّاتُ المجَاوِرَةُ، من الأراضي التي وَقَعَت تحتَ سلطةِ المسْلِمين. و، هكذا، فقد أدَّى التَّوسُّع الجغرافيُّ إلى توسُّعٍ ثقافيٍّ، وتَأَثَّر المسْلِمُون بالجدلِ اللاهوتي الذي بدأتْ معالمُهُ مُبَكِّراً في عِلْم اللاهوتِ المسيحيِّ، والصِّراعِ الذي نشأ حول طبيعةِ المسيحِ، وغطَّتِ المرويَّاتُ الإسرائيليةُ (=اليهوديَّة) البياضات في قصص الأنبياء.

آذنَت نِهَايةُ القَرنِ الثَّاني للهجرة/ الثَّامِن للميلاد، ببدايةِ تَدْوينِ التَّفسير، حتَّى صارَ القرنُ الثالثُ/ التاسعِ قَرْناً للتَّفسير بامتياز. يرجعُ الفَضْلُ إلى محمّد بن جرير الطبريّ في تفسيره المسمىّ: “جَامِعُ البَيَانِ عَنْ تَأويل آي القُرْآن” الذي يحظى بقيمةٍ، استثنائيَّةٍ، في مجال دِراسةِ تَفَاسِير القُرآن؛ فإليه انتهتْ الرِّواياتُ التَّفسيريَّةُ مِنْ طَريق الإسْنَادِ([19])، و”يُعَدُّ، من ناحيَّةٍ أخرى، نُقْطَةَ البدء، وحجر الأساس لأدب التَّفْسير القُرآني”([20]). ترجعُ قيمةُ تَفْسِير الطَّبري إلى مَنْهَجِه في عَرْضِ مادَّتهِ، وطرقهِ للرِّوايَاتِ المختلفةِ التي حول الآية الواحدةِ، كما يرجعُ إليه الفضلُ في تبيُّنِ الأشْكَالِ الأوليَّةِ لبدايةِ التَّفسير، وَمَا وقع اتِّفَاقٌ قطُّ على قيمةِ كتابٍ في التَّفسير، بين كبارِ المستشرقين، مِثْلَمَا وقع على “تفسير الطبري”. يُمثِّل هذا التَّفسيرُ، ما أشرنا إليه سابقاً، نموذجَ “التَّفسير بالمأثور”. انتشرتْ بعدَ ذلك الأعمالُ التَّفسيريَّة الكبرى، في شكلِ مجموعاتٍ تخدمُ غاياتٍ مختلفة، إمَّا كلاميَّةً، أو تشريعيَّةً، أو صوفيًّة. وهلُمَّ جرًّا.

اتَّسَعَ المنظور التَّفسيري لَدَى المسْلِمينَ، بِتَأثيرٍ مُباشرٍ من علماء الكلامِ الذين تَفكَّرُوا في النَّصِّ، وفي إمكانياتِ تَأْويلِهِ، أو قل – للدِّقَةِ – حينما فَتَحُوا النَّصَّ على مقولاتٍ ميتافيزيقيَّةٍ، ما كانَ النَّصُّ ليكشف عنها بِنَفْسِهِ، وَرَبَطُوهَا بِوَاقِعٍ يَمُورُ بأَحْداثٍ مُتَوالِيَاتٍ اجتماعيًّا وسياسيًّا. لَقَدْ ازْدَهَرَتِ المدَارِسُ الكَلَاميَةُ، في القَرنُ الثَّالث للهّجرة/ التَّاسِع للميلاد، وتبلورتْ رُؤَاهَا حَولَ مَسَائِلِ، من قبيل: “الذَّاتِ وَالصِّفَات”، وحول “قِدَم العَالمِ وحُدُوثِهِ”، وَحَولَ “حُرِّيَة الإنْسَانِ أَمَامَ القَدَرِ ” و”العنايةِ الإلهيَّة”. كانت هذهِ القَضَايا مَدَارَ جدلٍ عقائديٍّ، منذُ النصفِ الأخير من القرن الأولّ الهجريِّ، إلَّا أنَّها احتاجتْ عقوداً من أجلِ تأسيسِ نفسِها كمدارس فكريَّةٍ مستقلَّة؛ حيثُ حُملتْ على حاملٍ سياسيٍّ؛ فظهرتْ بذلكَ تيَّاراتٌ سُنِّيَّةٌ وأخرى شيعيَّة وخارجيَّةٌ، لكلٍّ منها نظرتهُ العقديَّةٌ الخاصَّة، ومنهجهُ في تفسير القرآنِ، بالإضافةِ إلى تَبَاينٍ بينهمُ في الاعْتِدَادِ بالمورُوثِ.

**

أمسى تَفْسِيرُ القُرآنِ أَعْقَدَ، في ظلِّ التَّحَوُّلات المتلاحقة التي شهدها المجتمع الإسلامي، وتشعَّبتْ طَرائقُ تَفْسِيرِهِ بالتَّقاليد اللاهوتيَّة التي يصدُر عنها المفسِّرونَ، في تعاملهم مع نصوص القرآن، وتحديدهم لـمُحْكَمِه وَمُتَشَابهه. سَمَحَ التَوَسُّعُ الجغرافيُّ للمُسْلِمينَ، في القرون الثَّلاثة الأولى، باحْتِضَانِ ثقافاتٍ جديدةٍ، حملتْ أَسْئِلَتَها الخَاصَّةُ التي وضعت النصَّ الدِّيني في مِحَكّ النَّظرِ، وأخذ المسلمون على عاتقهم مهمَّة الإجابةِ عنها، وليس علم الكلام، في ذلك سوى «الحِجَاجُ عَنِ العَقَائِدِ الإيمَانيَّةِ بالأدِلَّة العَقْليَّة»([21]). تَبَيَّنَت الحَاجَةُ إلى ضَرُورَةِ استعادةِ النَّصِّ عَقْلِيًّا، في سبيل طَرْقِ قَضَايَا، مِثْلَ: الحُريَّةِ، والعدالةِ، والذَّات، والصِّفات، والقضاء والقَدَرِ. إلخ. لم يكُنِ الجَدَلُ مع الثَّقافاتِ الأخرى وحدَهُ الذي دفعَ المسلمينَ إلى استعادَةِ النَّصِّ، بل زكَّتْهُ الانقساماتُ الدَّاخليَّةُ، والانْشِقَاقَاتُ التي حدثتْ في صُفوف المسلمينَ، بعدَ مَقْتَل عثمان بن عفَّان، ثَالِثِ الخلفاء. لقدْ أفصحَ مَوتُ ابن عفَّانْ عمَّا اسْتَبْطنَهُ اللاوعي الجَمْعِي، من صِرَاعٍ على السُّلطةِ، ورَغبةٍ في احتكارها، طَمَعاً في ما تعودُ به من نفع على أصحابها؛ فأصبحتِ الشَّرعيَّةُ السِّيَّاسيَةُ محمولةً على شرعيَّةٍ دينيَّةٍ، وأمسى الاحتجاجُ بالقرآنِ أَمْراً مشاعاً لدى الفرق الكلاميَّة كلِّها.

*

ظَهَرَتْ الحَاجَةُ إلى التَّفسير بالرّأي والاعتماد على العقلِ، في ضوء التَّعقيدات التي ارتبطت باستخراج معنى النَّصّ، والحاجةِ إلى تفسير أحكامهِ، بما يتلاءمُ مَعَ واقعٍ متغيّرٍ بالاعتماد على الاجتهادِ. و، بالتالي، لم يعدِ الاعتمادُ على التَّقاليدِ المرويَّةِ كافياً، في تناول النَّصِ وتفسيرهِ. وعلى الرَّغم من الجدلِ الحاصلِ بين النصِّ والعقل، في أفق تحديد “المعنى”، إلّا أنَّ المدوَّنة التفسيريَّة لم تَسْتَطِعِ التَّركيبَ والدّمجَ بين النَّموذجين، وظلتْ تعتبرهما قطبينِ متناقضين ومتعارضينِ.

4.     في مَبَادئ التَّفْسِير

تنبَّه أبو الوليد بن رشْد إلى مُعْضِلَةِ تأويل النَّصِّ، وذلك في معرضِ تَحْديدِه لمعنى الظاهر والباطن في تأويل النصّ؛ حيثُ يقول([22]): “والسببُ في ورود الشرع فيه الظاهرُ والباطنُ هو اختلاف فطر الناس وتباينُ قرائحهم في التّصديق. والسببُ في ورود الظواهر المتعارضة فيه هو تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينها. وإلى هذا المعنى وردت الإشارة بقوله تعالى «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آياتٌ محكمات» إلى قوله «والراسخون في العلم»”. يخاطبُ القرآنُ، وفقاً لابن رشد، النَّاسَ على قدر استيعابهم، وعلى قدر استعدادهم الفطري والنَّفسي، الأمر الذي يقتضي تفسيرَ بعض النُّصوصِ تفسيراً ظاهرياً، لمن اقتصر فهمُهم على إدراك الظاهرِ، وتفسَّرُ النصوصُ ذاتها تفسيراً مجازيًّا لمن بلغَ فهمُهُ إدراك المعاني المجازيَّة العقليَّة. لم يقفْ ابن رشد عند هذا المستوى، بل رفضَ رفضاً كليًّا، التَّصريح بالتَّأويلات إلى الجمهور (= عامَّة النَّاس)([23]).

يقومُ التَّفسيرُ الكلاسيكي على مبادئ، تحدَّدتْ معها أشكالُ الممارسة التَّفسيريَّة، وصارَت جزءاً لا يتجزَّأ من المنظور التَّقليديّ. دأبَ المفسِّرون الكلاسيكيون، على تقسيم الآياتِ القرآنيَّة إلى مجموعاتٍ، إما تلك التي تتعلَّقُ بالأحكام والتّشريعات، أو تلك التي تتعلَّقُ بالعبادات والمعاملاتِ، أو الوعظِ والإرشاد. غيرَ أنَّ ما يسترعي الانتباهَ يتمثَّلُ في التَّوافُق الذي حصلَ منهم حولَ بعض المبادئ التي صارتْ بمثابةِ مسَّلماتٍ ينطلقُ منها المفسِّرونَ، بغاية الوصولِ إلى نتائجَ من تفسيرهم، وقد صِيغت تلك المبادئ في شكلِ أزواجٍ ثنائيَةٍ، يمكنُ الوقوفُ عند بعضِها:

أَوَّلها، ما يتعلُّقُ بالمحكم والمتشابه؛ حَيْثُ قَسَّمَ المفسِّرونَ([24]) القرآنَ إلى محكمٍ ومتشابهٍ، بِنَاءً على تفسيرهم للآيةِ السابعةِ من “سورة آل عمران”: «هُوَ الذي أَنزَلَ عليك الكتاب ‌منه آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ مُتَشَبهَاتٞ»؛ فدَلَّ بذلك “المحكمُ”، عندهمْ، على ما يمكنُ فهمهُ منْ دُونَ تَأويلٍ، والمتشابهُ على ما يَتَطلَّبُ التَّفكُّرَ والتَّمعّن في سبيل بُلُوغ المعْنَى الكامن وراء النَّص، والقصد من الخِطَاب. لقدْ ظَلَّ مِعْيَارُ التَّمييز بين المحْكَمِ والمتشابِهِ مشدوداً إلى اللُّغةِ وَقَوَاعِدها. يَسُوقُ الطَّبريُّ، في تحديدِهِ لمعنى “المحكمِ”، آراءً مختلفةً؛ فهو “ما يُعملُ به”([25]) ارتباطاً بالعِبَادَاتِ، وَهُو الذي “لم يُنسخ”([26])، أو هُوَ “ما عرف العلماءُ تأويله، وفهموا معناه وتَفْسِيره”([27]). تتباينُ المعاني التي يوردُها الطبري عن مَعْنَى “المحكم”، الأمرُ الذي يتبينُ معه أنَّ تحديد “المحكم” لا يقتصرُ على المعرفة باللُّغة، فَقَطْ، بلْ يتعدَّاهَا إلى المعنى، والمعرفةِ بالنَّاسخ والمنسوخِ. أَمَّا “المتَشابهُ”، فَمدَارهُ على الغَامِضِ من الآياتِ التي تستوجبُ التَّفسير، حتى يتحدَّدَ معناها العامّ، ويتَّضح القصدُ “الإلهيُّ” منها. ارْتَبَطتْ الآياتُ المتشابهات، عند المفسِّرين، بالتَّأويلات العَقَديّةِ، وبالأخصِّ تلك التي تتصِلُ بالذَّاتِ الإلهيةِ وصِفَاتِها، مثلَ: معاني آياتِ “الاسْتِواء”، و”الوجه”، و”اليد”، إلى غير ذلك من الشَّواهدِ التي اختلفَ حولها المسلمون اختلافاً كبيراً. احتَدَمَ النقاشُ بين مختلفِ المذاهب الكلاميَّة، فمنهم من وقفَ، مَثَلاً، عندَ التَّفسير “الحَقِيقي” لمعاني الصِّفَاتْ، كأحمد بن حنبل (ت. 241ه /855م)، وتبعهُ في ذلكَ مفسِّرونَ، مثلَ: البغوي (ت.515ه /1122م)، وابن تيميَّة الحرّاني، وابن كثير. وعلى النَّقيض من ذلك، فقد اتّخذ مُفَسِّرون آخرون، نهجاً اعتزاليًّا، يُعْلي من قيمة المجاز، كالرّازي (ت. 606ه / 1209م)، والزمخشري (ت. 539ه/ 1144م)، وابن عربي (ت. 638ه/ 1240م).

وَثَانِيهَا، مَا اتَّصلَ بــ “الحَقِيقَة” و”المجاز”، ودورهما في تَفْسِيرِ القُرْآن؛ حيثُ يَتَجَاوزُ المفسِّرُ المعْطَيَاتِ الظَّاهرِية (=الحرفيَّة) للنَّص إلى العَنَاصرِ الرَّمزيَّة والمجَازيَّة التي يحيلُ إليها. يَتَشَبَّثُ المَنْظُورُ التَّفسيريُّ التَّقليديُّ بِحَرْفيَّةِ النصِّ([28])، وَيَضَعُهَا في المقام الأوَّل، ومن دونها مرتبةُ المجازِ. غيرَ أنَّ كثيراً من الآيات، إذا ما اقتصرَ المفسِّرُ على قراءةِ ظاهرها، فإنَّهُ سينتهي إلى دَائِرةٍ مُغْلَقَةٍ، أو إلى التَّناقضِ مع مسلَّماته العقديَّةِ. كانتِ الغَايَةُ من فهمِ مستوياتِ “الحَقيقيةِ” و “المجَاز” في القرآن، تسعى إلى تَبَيُّنِ القصدِ الإلهيِّ من وراء الوحي. كَانَتْ الآيَاتُ المتعلِّقةُ بالذَّاتِ الإلهيَّة، مَصْدرَ جَدلٍ، واسعٍ، بين المسلمين؛ وانعكسَ أَثَرُهَا، بشكلٍ كبيرٍ، في التَّفاسِير الكلاسيكيَّةِ. أثَارَتِ الآيةُ العَاشِرَةُ من “سورة الفتح“، مثلاً، جدلاً بين المتكلّمين والمفسّرين، حَوْلَ المرادِ من “اليد” «يدُ اللَّهِ فَوْقَ أيدِيهِمْ»، والتي لو أُخذت على المعنى “الحقيقي” لكانتْ تَجْسِيماً صريحاً للذَّاتِ الإلهيَّة، ولذلك كَانَ لِزَاماً أنْ تُحملَ هذه الآيةُ على المعْنَى المجازي، والذي يُفِيدُ معنى “القُوَّةِ” و”الجَبَرُوت”. ومع ذلكَ، فقد أصرَّ كَثِيرٌ من المفسِّرين، المحْسُوبين على التَّوجهِ السني (=الأورتذوكسي)، على رفضهمِ للمجازِ.

وثالثها، ما ارْتَبَطَ بالعَامِ والخَاصِّ([29])؛ إذ يميِّزُ المفسِّرون بين ألفاظٌ عَامَّةٍ، وأخرى خاصَّةٍ. تَتَحَدَّدُ العَامَةُ من خلالِ دلالتها عَلَى حَقْلٍ لُغَويٍّ معينٍّ، مثل: تَعْيين لَفْظِ “الإنْسَانِ” كنايةً عنِ البَشَريَّةِ جَمْعَاء، وَمَا شَاكَلَ ذلكَ من ألفاظٍ تَسْرِي على فِئاتٍ عامَّة، ك “الرِّجال”، و”النساء”، و”المسْلِمِين”. اهتمَّ المفسِّرونَ، إلى جانب الفقهاء، بِتَحْدِيدِ هذهِ الألفاظِ، لـَمَّا علموا ما في ذلك من أهميَّةٍ في تَطْويرِ الشَّرِيعَةِ الإسْلَاميَة. لا يعني تَحْدِيدَ تِلكَ الألْفَاظِ حُصُولَ الإجْمَاع حول دَلَالَاتها النِّهائِيَةِ؛ إذ ظلَّ الاختلافُ بينَ المفسِّرينَ قائماً في شأنها. وبالمقابلِ تظهرُ ألفاظٌ “خاصَّة”، وهي أَوْضَحُ، مُقارنةً بالآياتِ العامَّة، ولا يبذلُ المفسِّرون جهداً في سبيل تَفْسِيرها، لوُضُوحِها الذَّاتي، وارتباطها بنوازل معيَّنة؛ كالنصوص المرتبطةِ بالعقوباتِ، وما جرى مجراها.

ورابعُها، ما كانَ في حكم “الصّريح” أو “المضمر“؛ حيثُ ذهبَ المفسِّرون إلى وضع تراتبٍ في فَهْمِ الآياتِ، إمَّا بحسبانها مباشرةً وصريحةً أو بعدِّها مضمرةً وضمنيَّةً. وأما المعاني الصَّريحةُ، فهي التي تدركُ مباشرةً من ظاهر الآيةِ، من المعنى “المنطوق”، من دون الحاجةِ إلى تفسيرٍ، وأمَّا “المضمر” فيستدعي اشْتِقَاقَ المعنى الثَّاوي خَلْفَ حِجَابِ اللَّفظ، واسْتِقْرَائِهِ في حالاتهِ كلِّها. تَسْتَلْزِمُ قراءةُ “الضمني” الكَشْفَ عَنْ الطَّبَقَاتِ التي تغطِّي المعنى. وعلى الرَّغم من أَهَمِيَّةِ الكَشْفِ الذي يُتوصَّلُ به إلى طَبَقَاتِ المعنى، إلّا أنَّ القدماء آثروا الصَّريح على الضمني، بدعوى أَنَّهُ أَقْرَبُ إلى الصَّواب وَأَبْعَدُ مِنَ الزَّللِ([30]).

وخَامِسُهَا، “المتقدِّمُ” و”المتأخر“، وهما زَوْجٌ مفاهيميُّ أساسيٌّ، وتَرْجِعُ أهميّتهما إلى اتّصالهما المباشر بالقضايا التَّشريعيَّة والأخلاقيَّة، وَتقتضي المعرفةُ بهما إدراك التَّسلسلِ الزَّمني للنُّصوص القرآنيّة. درجَ التَّقليدُ الإسلاميُّ على التَّسليم بنَسْخِ الآياتُ المتأخرَةُ للمتقدِّمةَ، حِينَ يتعلَّق الأمرُ بآياتِ الأحكامِ؛ فإدراكُ ذلك مما يُحْفَظُ بهِ منطق الشرعِ، كَمَا هو الحالُ بالنِّسبةِ إلى الآياتِ المتَعَلِّقَةِ بشربِ الخَمْرِ. كانَ الفصلُ في هذهِ الآياتِ، عادةً، ما يتمُّ بين المكي والمدنيّ، على أساسٍ زمنيٍّ، مع الإشارةِ إلى أنَّ الاختلافَ في تحديد المكيّ والمدنيِّ مما تحفلُ به كتبُ التَّفسير.

شكَّلت هذه الثنائياتُ، إذَن، أَرْضِيَّةً عملَ من خلالها المفسِّرونَ على ضبطِ المعنى، وتحديدهِ، لكي يكونَ نواةً من أجل بلورةِ النظام التَّشريعيّ. أَخذتْ هَذِهِ المبادِئُ مَكَانَةً بارزةً في التَّقليد الإسلامي، لما لها من أهميَّةٍ في تحديد معاني النَّصِّ، بالإضافةِ إلى أنَّها تمثِّلُ إطاراً نظريّاً تتحدَّدُ معهُ الممارسةُ التَّفسيريَّة.

ثانيًّا: القُرْآنُ، التَّشْريعُ وسُلْطَانُ التَّأويل

يؤدّي تعدّدُ القراءات الناتجة حول النصّ إلى تعدّد أشكال الفهم، وكلّما اتسعَت دائرةُ القضايا التي تجابهُ المجتمع كلّما سعت قراءةُ النصّ إلى تبيُّن تلك المعاني في ضوء ما يرشدهم إليه النصّ، وتتحوّل الرمزيّةُ كأداةٍ ممكنة للقياس، بعد أن كانت محظورةٍ. يفرضُ النصُّ نَفْسَهُ على وَاقعٍ المتغيّرٍ، وتتحوّلُ أشكال تفسيرهِ وقراءته في علاقة بصوره التي يتّخذها عبر تلك الصيرورة، ويتحدّدُ معناهُ ووظيفته عبرَ التّاريخِ، ومن الماضي نحو المستقبل، ويصيرُ جزءاً من كلِّ معنى جديد في، وتجربة تخوضها الإنسانيّة. يتصلُ هذا الطور من التّفسير بتكوين المجتمع المتمحور حول النّص، ومن خلال استمراريّة الأدوار النبويّة، في الجسد الفقهي واللاهوتي، والأدوار التي يضطلع بها المفسّرون، ورجال السّياسة، وفي النّهاية ما يرتسمُ كتطلّعات للفرد. يعيدُ النّصُ بذلك إنتاج دوائر المعنى المغلقةَ؛ والنظر في تاريخيّته كفيلٌ بالشهادة بأنَّ كلَّ لحظةٍ من لحظات تاريخ النصّ تدّعي بأنّها حصلت على المقصدِ النهائي، والمعنى الذي نزل به الوحي.

يَغْدُو التَّفكير في تَفْسِير النَّصِّ القُرآني، تَفْكيراً في مَسَائل، جَوْهَريَّةٍ، تَتَجَاوزُ نِطَاقَ العلاقة بين الألفاظ والمعاني، وَتَنْظُرُ إلى النَصِّ بوصفهِ جُزْءاً من التَّجْربة المعِيشَة، ووَاقعٍ يَخْضَعُ لتَحوُّلاتٍ مُتَلاحقةٍ؛ حَيْثُ يُقَدَّمُ النَّصُّ القرآنيُّ نَفْسَهُ، بحسبانه نَصًّا قَانونيًّا وتشريعيًّا، تَسْعَى الجَمَاعَةُ مِنْ خِلَال تفسيرهِ إلى بِنَاءِ نِظَامٍ يُوجِهِ سُلُوكَ الفَردِ والمجتمعْ.

1.    في مَرْكَزيَّة النَصِّ وسُلْطَتِهِ التَّشريعيَّة

أمسى النصِّ القُرْآني مَرْجعاً – ذَاتيًّا، من أجل تبيُّنِ الأحْكَامِ، وتَحْدِيدِ الضوابط الكفيلة بالتَّعامل مع النَّوازلِ. يُفَسِّر هذا الأمرُ الرَّغْبَةَ التي كانت لدى الخُلَفَاءِ – وتحديداً عمر بن الخطَّاب – في التَّعجيل بتدوين النصِّ وضبطه. وعلى الرَّغم من الاختلاف في الرِّواياتِ حول بدايات فعل “التدوين”، إلّا أنّه كانَ من المهام السيّاسيّة التي تشرعنُ استمراريّة الحكم في الإسلام، فبالرّغم من وفاة النبي محمّد إلا أنَّ القرآن هو استمراريّةٌ للدّور النبوي في الجسد السياسي، والخلافة لا تقوم إلّا باستمداد شرعيّتها منه، وحتى القرآن نفسه يشهد على هذا الأمر (آل عمران: 144)، وفي هذه الآية التي تَلَاها أبو بكر، بعد وفاة النبي، تذكيرٌ بالفصل بين النبوّةِ والوَحْي؛ لأنَّ دور النبي ينتهي بوفَاتِهِ المحتومة، في حين أنَّ دور الوَحْي يستمر باستمراريّة وبقاء المؤمنينَ به. كَانَتِ الغَايةُ منَ الوَسَاطَةُ التي نشأتْ بين النّص و”جَمَاعة المؤمنين”، تَوْسيع نِطَاقهِ، بِما يسمحُ له باحْتِواءِ ما اسْتَجدَّ من النَّوَازِلِ([31]).

تَظْهَرُ الإشَارةٌ إلى الشريعة في القرآنِ بمعانٍ مختلفةٍ، ومما ذهب إليه الطبري أنَّ معنى الشّريعة “الفرائض والحدود والأمر”([32]). لكنّ هذا المعنى هو من بينِ مجموعةٍ من المعاني الأخرى، التي يُمْكِنُ أن تكون أقرب دَلَالَةً إلى ما ورد في القرآنِ، كأنْ تَدُلَّ الشَّريعَةُ، مثلاً، على سنّة الأولين، أو أنْ تُحِيلَ إلى مَعْنى القاعدة إلى غير ذلك. ولم ترد كلمةُ “شريعة” إلّا في (الجاثية: 18) باستثناء لفظ “شَرَعَ” (الشورى: 13) أو “شِرْعَة” (المائدة: 48)، وهي في مدلولاتها أقربُ إلى التّوجيه، والتوصيّة منها إلى النظام الشرعي المبني على الأمر كما وردَ في الآية الأولى. يأخذُ الأمرُ هنا معنى التوجيه الفعلي الذي تنظّمُ من خلاله الحَيَاةُ الاجتماعيّةُ، ويَصِيرُ كلُّ توجيهٍ دينيٍّ مَحْمُولاً على دلالات تُسْتقى من النصِّ، بما يشبهُ الالتزام أو العقد بين الله وبين “جماعة المؤمنين”.

تَرتبطُ سُلْطَةُ النصِّ القُرآنيِّ بالوظائف التي يؤدّيها دَاخِل المجتمع، وفي علاقته بالأصل الذي يفترضُ أنهُ قَدْ صَدَرَ عَنْهُ؛ فَالقُرْآنُ مِحْوَرٌ للعَدِيدِ من التَّوظِيفَاتِ العَقَدِيَّةِ، والتَشْريعيَّةِ، والسِّيَاسيَّة، والمذهبيَّة، وهو، أيضاً، مقدّس؛ لأنّه – في اعتقاد المسلمين – وحي من الله نَقَلهُ الملك جبريل إلى النَّبي محمَّد. لكنَّ هذا النصَّ قد حقَّقَ اسْتِقْلَاليَّتَه، الخَاصَّة، وتطوَّرَ بمعزلٍ عن معطيات نَشْأَتِهِ. لا يُسْعِفُنا، تَبَعاً لذلكَ، البَحْثُ في مَخَاضِ النَّشْأَة، بل الرَّاجحُ أنْ نَفْهَمَ الصُّورةَ المرْكَزيَّةَ للنَّصِّ القرآنيِّ داخل المجتمع. يَكْتسبُ النّصُ القرآنيُّ وَثَاقَتَهُ في علاقته بأشكال التَّفسير التي تقامُ حوله، إذ لا بد لكلِّ نصٍّ دينيٍّ من أن يَحْظَى بِتَفسيرٍ وشَرحٍ، يخُرِجهُ من دائرة “الغامض” و”الغريب“، إلى دَائِرَةِ “المألوف” و”المتداول“. حصل هذا التَّطوُّر، في فهم النَّص القرآني، بِالتَّوَازِي مَعَ تَشَكُّلِ القَوَاعِدِ التَّشِريعيّة. لكنْ إذا كانَ التفسيرُ يُجَسِّدُ نفسه كسلطةٍ في امتدادٍ لسلطة النَصّ. فمن ذا الذي يجرؤ على خوضِ مثل هذه المهمّة؟ وهلْ ثمّةَ من قراءةٍ نموذجيّةٍ للنصّ لا تضارعُ؟ ومتى يُعلى من شأنِ التَّفسير؟ وهل تتدخّلُ السلطة السياسية في تحديدِ الاختيارات التَّفسيريَّةِ للنص، قَبُولاً ورفضاً؟

نَشَأَتْ حَولَ النَّصِّ القُرْآنيّ مَذَاهِبٌ كَثِيرةٌ، استمدَّتْ شَرْعيَّتَها مِنْ أَحْكَامِهِ، وَدَافعت عن تأويلاتها بِتَوسُّلِ سُلْطَانهِ. لكنَّ لمْ تكنْ تِلكَ الصُّورة التي بِهَا تُقدِّمُ تلكَ المذاهبُ نَفْسها، سوى قِرَاءةً مِنَ القراءاتِ الممْكِنَة للنصِّ الذي لا يُعطي نَفْسَهُ إلا بالقَدْرِ الذي نسعى نحنُ إليه([33]). يَأْخُذُ القرآن مَكَانتهُ ضِمْنَ التَّقَاليد الكلامِيَّة، ويُحَاوِلُ كُلُّ فريقٍ تَأَوُّلَ النَصِّ، بِمَا يُمَكِّنهُ من مَعْرفةِ “حقيقة” الذَّات الإلهيّة([34])؛ فَالله عندَ المشبّهة مُجّسمٌ، ولَهُ صِفَاتٌ نظيرةٌ لتلك التي لَدَى الإنْسَانُ، وعند المعتزلةِ فتتّخذُ الصِّفَاتُ معانٍ أخرى نَقِيضَةً، كليًّا، للأولى، وكذلك الأمر عند الصُّوفيّة. تَتبُّع صورة الله، في الكتاباتِ الكَلَاميّةِ، كفيلٌ بوضعنا أمام المنظور الذي نشأتْ حولهُ العَقَائِدُ في الإسلام، وكفيلٌ، أيضاً، بوضعنا أمام المُقَدِّمَةِ التَّالية: لا تَمْثُلُ حقيقة الذّات الإلهية إلّا انطلاقاً من المعاني التي يستخلصها المفَسِّرُ من خلالِ النَّصِّ، وتبعاً لدرجةِ التَّجْريدِ والرّمزيةِ التي تتباينُ من تَيَّارٍ كَلاميٍّ إلى آخر([35]).

يُحِيلُنَا هذا الاختلافُ العقدي إلى مَسْأَلَةٍ رَئيسةٍ، يُمْكِنُ استشكالها على النّحو التّالي: كَيْفَ حُفِظَ التَّشْريعُ أمام التَّبَايُنِ في التَّأويل؟ وهل ثمّةَ في التّشريعِ من ضَمَانَاتٍ يُؤكِّدُهَا التَّأويل؟ يَسْتَعْصِي هذا الإشكالُ على المقَارَبَةِ التَّاريخيَّة، ولا يُستَخْلصُ إلَّا بِتَتَبُّع المتغيّرات التي خضعَ لها “نظامُ الاعْتِقَادُ” في الإسْلَام، لا سيّما وأنَّ المسألة العقديَّةَ لم تستقلَّ بنفسها، ضمن مُؤَسَّسَة، بل ظَلَّتْ من الوَظائف المقدَّسةِ للدَّولة. تدعونا العلاقة بين التشريع والمعنى، إلى إعادةِ استشكالِ العَلَاقَةِ بين النصِّ والواقع. لا يتحقَّقُ مثل هذا الأمرِ بتوسُّل الحقيقة معياراً، وإنّما بِطَرح سُؤالِ “المعنى” أيضاً، فَأيُّ “معنى” يكمنُ في النَصِّ قدْ يدفع المأمون العبّاسي إلى استصدار أمرٍ بِتَكْفِيرِ مَنْ لَم يَقُلْ بخلق القرآن؟ يؤدّي بنا البحثُ عنْ الجراثيم الأولى لنشأة الخِلاف الكَلَامي، رَأْساً نَحوَ القضايا العقديّة، وما قَدْ يَتَرتَّبُ عنها من تَشريعاتٍ تُصاغُ باسم الدّين.

لقدْ أثّرت هَذِهِ الاتِّجَاهَاتُ العَقَدِيَّة على تَفْسِيرِ النَّص، وَأَصْبَحَتْ “المدوّنةُ التَّفْسيرية” تحيلُ، تبعاً لذلك، إلى تلك التلوينات المذهبيّة التي صيغت ضمن المعتقد الذي تنضوي تحت لوائه، والدّفاع عن المعنى الذي تمخّض عن النّص، من خلال فاعليّتي التفسير والتّأويل. لا بدَّ أنَّ مشكلة التشريع في الإسلام، من المشكلات التي لم تلقى حظًّا وافراً من العنايةِ، خاصةً فيما يروم علاقتها بالمعنى والسلطة داخل الإسلام. لا تكفي المقَارَبَة التَّاريخيَّة وَحْدَهَا من أجل فَهم مظاهر تلك العَلَاقة، ومنهُ وجب الاستنادُ إلى الـمُقَارَبَة المفَاهِيميَّة، لِتَبَيُّنِ الحمولة الدَّلاليَّة للمفهوم ضِمن بيئته التّاريخيّة، وحينئذ سيصبحُ لمفهوم السلطة دلالةٌ أكبر نطاقاً، في علاقتها بالمعنى ([36]).

يَتَّصِلُ التَّشْرِيعُ على نحو وَثِيقٍ بالنصِّ القُرآنيِّ؛ لأنَّهُ المصْدَرُ المِعْيَاريُّ والقانونيّ للمُجْتَمَعِ، ويَشتملُ على قواعد وأوامر تُحدِّدُ سُلُوكَ الفَرْدِ. يُضاف إلى ذلكَ أنَّ تلك التَّوجيهَات قد اعْتُمِدَتْ، على نطاق واسعٍ، كأُصولٍ قام عليها نظام الشريعة، وَأَضْحَت هذه النصوص الثَّواني قَانُوناً تَكْوينيًّا يؤسسُ قَاعِدَةٍ مشتركةً بين الأفراد الذين يتبنّون نفس اللّغة، ويَخْضَعُونَ لنَفس القواعدِ داخل المجتمع الإسلامي. تَصِيرُ النُّصُوصُ التشريعيَّة – القانونية، أداةً لتحديد الوعي المعْيَاري الأخْلَاقي، لدى الأفرادِ وجزءاً لا يتجزّأ من مَلَكَةِ حكمهم على الأشياء؛ فالحلال والحَرَام، مفهومان مؤسّسان للعقل التّشريعي الإسلامي.

خَضَعُ القُرآنُ لِتَأويلَاتٍ متعارضةٍ، وَصَلَ بها التَّعَارضُ حَدِّ الصِّدَامِ والصِّراع، وَمَرَدُّ ذلك إلى الطَبَقات المتراكبة التي نشأت حول النصِّ القرآني، وحجبتِ الطبيعةَ الفَيْضِيَّة للمعنى في النَّصّ؛ حيثُ احتُكِرَ المعنى في النصِّ القرآني مِنْ طَرفِ المفسِّرينَ (والفُقَهاء)، ولم يعُد التَّفكيرُ مُمْكِناً خارج نِطَاقِ “الحقيقة” المذهبيّةِ ([37]). لِلنَّصُ القُرْآنيّ مَكَانَةٌ اجْتِمَاعِيَةٌ وثقَافِيَةٌ، وَلَمْ تقِهِ تِلْكَ المكَانَةُ مِنَ أنْ يُسْتَثْمَرَ سيَّاسيًّا. و، بالتالي، فلا محيد عَنِ النَّظَرِ إليه في علاقته بالمتغيّرات السياسِيَّةِ والاجتماعيَّةِ. تُعْلِنُ النُّصُوصُ التَّفسيريَّةُ قواعدها وأوامرها الملزمة للأفراد، وتؤسِّسُ هذهِ القَواعدُ لمشروعيّة السُّلطة السِّياسية داخل المجتمع؛ فالسلطة، عند “جماعة المؤمنين”، تَصْلُحُ متى التزمت تَطْبِيقَ أوامر النَّصْ/ النُّصوص المقدَّس(ة)، وتفسدُ وتَنْحلُّ متى نأت عنهُ وفارقتهُ. سَمَحُ هذا كلُّه بِنُشُوءِ نوعٍ من التَّبريرِ القانوني – الفقهي والأخْلَاقي للممارسات السَّياسية في تاريخ الإسلام. تَرْتَسِمُ العلاقة بين الديني والسياسي، في الحدود التي ترسمها السُّلْطَة، والتي يَتَحَدَّدُ معها من يحقُّ له أنْ يُفَسِّرَ النصَّ والكيفيَّة التي يتمُّ بها ذلك التَّفسير([38]). أدَّى الجدلُ حولَ التَّشْرِيع في النَّصِّ، في كثير من الأحيان، إلى انْقِسَامِ المجتمع على نفسه، وادَّعَى كُلُّ حزبٍ أنَّهُ الأجْدَرُ بِتَفْسِيرِ النصِّ، وما ذلك إلا رغبةً منهم في الاسْتِحْواذِ على السُلطةِ التأثيرية التي يُمَارِسُها النَّصُّ على “جماعة المؤمنين”. يتشكَّلُ، هكذا، مثلَّثُ زواياهُ التَّشْرِيعُ، والمعنى، والسلطة، وَيُفْرِزُ عَلاقاتٍ مَفَاهِيمِيَّةً أخرى، مثل: الصِّلةِ القائمةِ بين أُصُولِ التَّشريع، والرّقابة، أو مفهوم التَّأويل والمعنى، بالإضافة إلى التَّفْسِير المقْبُولِ، والتَّفْسِيرِ المرْفُوضِ.

**

يخلقُ النصُّ القرآنيُّ في تاريخيَّتِهِ حَيَواتٍ متعدّدة، تتنوّعُ بتنوّعِ أشكالِ الحوار التي يجريها معَ واقعه. و، بالتالي، يَتَحَوَّلُ منطق السُّلْطَة التي يفرضها على ذلك الواقع، يَمْتَدُّ إلى نصوصٍ أُخْرَى. ولا يحدثُ هذا الأمر بِشَكلٍ تراتبيٍّ، بالضّرورة، بل إنَّ تلك النّصوص قد تفرغُ النصَّ كليًّا من سلطته (= من دُونِ المسَاسِ بِقَدَاسَتِهِ)([39]). تتحوّلُ سُلْطَةُ النَّصِّ إلى تفاسيره، وأشكال قراءته، وتتركّزُ  في مَجَالٍ جَدِيدٍ، في شَكْلِ حَلقَاتٍ يشُدُّ بَعْضُها بعضاً، ويتحوّلُ الجدل إلى نحو علاقةٍ مفهوميّةٍ تَدُورُ بينَ النَّصِ المقدّس والنصِّ ذي السُّلطان. وما يَشْهَدُ لهذا الأمرِ هو أنَّ الفُرُوقَ المذهبيّة والعقديَّة، اتَّفقت على النَّصِّ ولم تتفق على التَّفسير، وأَنْشَأتْ معتقداتها منْ خلال نُصُوصٍ تفسيريةٍ، تمثِّلُ اجتهاداتٍ في فهم النصِّ، ولكنْ صَارَتْ – في عرفِ أصحابها – المُدخل الوحيد إلى النصّ القرآنيِّ.

2.    التَّشْرِيعُ والمعنى: الثَّابت والمتَحَوِّل

لَمْ يكُنْ نَصٌّ دينيٌّ ليحظى بمكانته المحوريّةِ داخل الجسد الاجتماعي، لولا وجودُ “جماعةِ المؤمنين”، أولئك الذين يبذلون ما في وسعهم لكي ينفذوا إلى أعماق النصّ ويستحضرونهُ في حياتهم اليوميَّةِ. يُضعُ النصُّ القرآنيُّ بجملةٍ من القواعد التي تمثِّلُ نظاماً تَتَحدَّدُ معهُ – وتَتَشَكَّلُ بهُ – نظرةُ المسلمينَ إلى أنْفُسِهم والعالم. يستَمدُّ المسلمونَ شريعتهم من النصِّ القرآني، وهو عند الجماعات الإسلاميّة دُسْتُورٌ دينيٌّ لا حول عنه، وتلك “الشريعةُ” في حقيقتها سلطةٌ ينبغي فهمها وفهمُ ما تحيلُ إليهِ. حدثت مَأْسَسَةُ الشَّأن الدّيني في الإسلام، بشكلٍ نخبويٍّ داخلَ البلاطاتِ؛ حيثُ كانَ يُجْرِي السلاطينُ والأمراء المناظرات، وتُكْتَتَبُ الدواوين وتختمُ ليتحدّدَ بعد ذلك شكلُ التّأويل الذي ينبغي أنْ يقرأ في ضوئه النصٌّ القرآنيُّ. وُوجِهتَ أفكار معبد الجهني، وغيلان الدّمشقي المعتزليّين، كما ووجهت أفْكَارْ أحمد بن حنبل، لكن لم يقعِ التَّساؤلُ حول الدَّافع من وراء تلك المواجهة: هل تسعى “السلطة” إلى إدراك حقيقة النصِّ، أم أنَّها تسعى بالمقابل من ذلك إلى تثبيت المعنى؟

أعتقدُ أنَّ التفكيرَ في الطبقات المتراصّةِ التي تشكّلت حول النصّ القرآني، كفيلٌ بإعادتنا إلى حقل المعنى نفسه، وعلاقته بأَزْوَاجٍ مَفَاهيميَّةٍ أخرى، ك «الظّاهر»، و«الباطن»، و«الحرفي» و«المجازي»([40])؛ حيثُ تَتَبَدَّى تلك الأزواج كالحدود التي تُقَيِّدُ أَشْكَالَ القراءة التي يَسِيرُ عليها المفَسِّرُ أو المتأوِّل لنصٍّ من النُّصُوص؛ فحين يؤخذ النصُّ على ظاهره بإطلاقٍ يصبحُ العثور على خَيطٍ نَاظِمٍ غير ذا جدوى، وكما أنَّ صرف النَّص إلى المعنى الباطن وحده، والاستغناء بالإشارة عن العبارة، قد يقودنا إلى مواجهةِ تناقضاتٍ لا حصر لها في الكَشْفِ عن معنى النَّصِّ. ولئن كانت القراءة الظاهريّةُ للنصُّ تؤدّي إلى بتر المعنى فيه، فإنَّ القراءة الباطنيّة تعفيه من المنطق الذي هو أداةُ التّشريع وغايته. يبدو أنَّ العقل الإسلامي لا يزال محكوماً بهذه الأزواج في قراءته للنصِّ، وبعيداً عن الرَّغبة في الانعتاق نَحْوَ أُفُقِ القِرَاءَةِ التَّاريخيَّةِ للمعنى، التي تؤمن بتطوُّرِهِ في أُفُقِ التَّجْرِبة الإنسانيَّة.

يُقدِّمُ القرآنُ نَفْسهُ بوصفه نصاً متعدِّداً مضيافاً، وخاصَّةً إذا ما تعلّق الأمر بمعانيه. يرجعُ ذلك، غالباً، إلى مركزيّته في التجربةِ الروحيّةِ للمجتمعات التي اعتنقت الإسلام. لكنَّ زوجاً مفاهيمياً قلّما انتُبهَ إليه، يتعلّق الأمر ب«القداسة» في مقابل «المعنى». ينقسمُ تَفْسِير القرآن، كما تمَّت الإشارةُ سابقاً، إلى اتّجاهين مُتَعَارضَين؛ اتّجاهٌ يقبلُ بالفيوضات اللانهائيّةِ للمعنى الذي يتدفَّقُ، باستمرار، من النَّص؛ واتّجاهٌ يأخذُ بحرفيّةِ النصِّ وقراءته على ظَاهِرِهِ. ولو تّأمّلنا الاتّجاهات التي انقسم إلى تفسير القرآن، في الثقافة العربيّة الإسلامية، لوجدنا أنَّ كلّ حزبٍ يدّعي أنّه قد وصل إلى مراد الله من النّص. فأهلُ المأثورِ يدّعون أنَّ فهمهم للنّص أقوم، لارتباطهم بالرواية والإسناد، وأهل الرأي انشغلوا بمعاني النّص وتأوّلوها على وجوهها كافّةً([41]).

**

مرَّ العَقْلُ الإسلامي بمنعطفٍ رئيسٍ، حكمتهُ مقولتانِ أساسيَّتانِ: الأولى، مدارها على فكرة الانْغِلاقِ، وتؤكِّدُ على أنَّ معنى النَّصِّ قد أُغْلِقَ وانْتَهى، ولا سبيل إلى تجديده، وهذا الأمرُ يُحَتِّمُ علينا؛ النَّظَرَ إلى الاجتهادات الفقهية التي مُورِسَتْ إلى حدود القرن الخامس الهجري، على أنّها القانون النِّهائي الذي يمثِّلُ جَوْهَر الإسلام، وأنْ نَكتفي بوصف هذا التراث كما لو كانَ أثراً تَاريخيًّا؛ والثانيةُ، أنْ نأخذ في الحسبان أن المعنى لا يزال يتشكّلُ من خلال التجربة الإنسانيّة الكليّة، التي يقطعها الإسلام، في أشواطِ تَطَوُّرِهِ التَّاريخيَّةِ.

تتجلّى، إذن، عَمَليَّةُ «القراءةِ» بوصفها تَدْشِيناً لعلاقةٍ جَدَليَّةٍ بين «قدسية» النصِّ و«معناهُ»، ويحدُثُ ذلك وفق مسارٍ معيّنِ تقطعهُ التجربةُ الروحيّةُ للأمّة في تطوّرها التّاريخي. تصيرُ عناصرُ التّشريع، والسّرد القصصيّ، متماهيّةً في عمليّةِ القراءة التي يختصُّ بها المفسّرون في مراحلِ التاريخ كلّها، فيفتحون النّص على مصراعيه ليحلَّ في قراءاتهم، ويجعلونهُ في حالٍ «برزخيّةٍ» بين الحرفِ المقدّس بنفسه، والمعنى الذي يتجدّدُ باستمرار. ينبغي أنْ نقرأَ تفسير القرآن على أنّه توطينٌ لتجربةِ الذّاتِ في المعنى الذي، يعتقدُ أنهُ، يكمنُ في النّص.

1.    التفسير بوصفه فاعليَّة اجتماعيَّة

حصلَ تَحَوُّلٌ، كَبِيرٌ، في قلب المجتمعات، التي ارتكّزت تَشْريعَاتُهَا على النَّص الدِّيني، بما فيها المجتمعات الإسلاميّة. ذلك أنَّ أيَّ تغيير قد يحدثُ في وظيفية النصِّ يَعْقُبُه تغييرٌ في طرق قراءته وتأويله([42])، وهذا الأمر يحصلُ تبعاً للغاياتِ والآمال التي يحملها المجتمعُ، ويتطلّعُ إليها من خلال قراءة نصّه المقدّس. ما يحصل، وفي الواقع، هُوَ أنَّنا نَتَأوّلُ تلك الغاياتِ والآمال من خلال النّص، بإسقاط أنفسنا عليه، مدفوعينَ نحو تلكَ المعاني المتواريّة خلف النّص، للكشف عنْ حركيتهِ الخَفيَّةِ وعكس وعينا الاجتماعي عليها؛ فيصيرُ كلُّ تفسير للنصِّ جزءاً من عمليِّةِ التّمسُّكِ بهويَّتهِ، وبمركزيّته داخلَ الحياة الجماعيّة. يَظهرُ النّصُ القرآني بِوَصْفِهِ التزاماً مَادِيًّا، ودليلاً تاريخيًّا، على أطوارِ التّحول التي خضعتْ لها العلاقةُ بين الله وجماعة المؤمنين، من خلال التّسلسل الذي خضعت له الأحكامْ والقَوَانِين التي تضمن ذلك العهد، وتحفظه من خلال النظام العقابي الذي يضعنا القرآن أمامهُ، ولهذا فإنَّ أطوار تدوينه، والعناية به، كانتْ غايةً في الأهميّةِ. لكنَّ القبول المبدئي لهذا النظام الشرعي تمَّ من طريق شفهي أوّل الأمر بين النبي وبين أتباعه.

يتطلّبُ التَّمييز بين النّصوص التّشريعية وغيرها من النّصوص، النَّظَر في مدى مقبوليتها، وقيمتها، وسلطتها، لدى المجتمع الذي تتركّز فيه. تعتبرُ خاصيةُ التّشريع من الخصائصِ البارزة التي تتحددُ من خلالها وظائف النصّ الاجتماعيّةُ الأخرى، فمهابتهُ وقداسته تتأتى من كونه مصدراً للتشريعِ، ومن جهة أخرى فإنَّ فكرة القداسة الملازمة للنصّ لا تظهرُ إلّا من خلال المكانة الاجتماعية التي يضطلعُ بها، خاصّةً في توجيهه للمعنى، وَقُدْرَتِهِ على تِبْيَانِ أشكال المعرفة الدينيّة المرتبطة به. يبدو أنَّ فكرة امتداد سُلْطَة النّص في سياقه، ليست أكثر من تحوّلٍ في الأدوار التشريحيّة والتفصيليّة لما جاء مجملاً في النصِّ القرآنيِّ. ليست هذه الوظيفة “الامتداديّة” إلّا تعبيراً عن استكمال النّص لأدواره من خلال التفسير والشرح، وبالتالي تتحدّدُ معالم “الشَّريعة” بوصفها نموذجاً قِيَاسِيًّا للمنظور الأصلي للنصّ.

ثمَّة نظامان تشريعيّان لِلنَّصُّ المركزي داخل الجماعة، الأوَّل مُنْفَتِح، حيثُ تكون العناصرُ الأساسية في النصّ قابلةٍ للتعديل والإضافة، بما يسمحُ بإضافة قوانين جديدة يكونُ لها الأثر نفسه، كالذي لسابقتها وتكون ملزمة بالقدر نفسه، ومعنى ذلك أنَّ المنظومة القانونية، تصبحُ جزءاً متغيّراً وتابعاً لديناميّة المجتمع. والثانية مغلقة، تكون فيها العناصرُ النصيّةُ محصورةً، ولا يُسمحُ باستدخال أي عنصرٍ جديد، مهما كانت أهميّته. وفي حقيقة الأمر يمكنُ النظرُ إلى القرآنِ كمنظومة تزاوجُ بين النظامين، فهو من ناحيّةٍ يحيلُ على إمكانيّة القراءة المتجدّدة لمبادئ التشريع القانوني، ومن ناحيّة أخرى يغلق أيّ إمكانيّة للاجتهاد، وهذا ما تنبّه إليه الفقهاء والأصوليّون حينَ وضعوا قاعدتهم الأساس أنْ “لا اجتهاد مع النّص”.

تبقى طبيعةُ العلاقة بين اللاهوت والسيّاسة ملتبسة ومتداخلةً إلى حدٍّ كبيرٍ، وليس ثمّة ما يبرّر لنا الخوضَ فيها، في هذا المقام، إلا من باب الإشارة إلى أنًّ سلطة فهم النصّ الديني في الإسلام قد عهد بها إلى “أهلها”، ولم تعُد ملكاً لأي قارئ أولئك الذينَ سينصّبون أنفسهم، أو نصّبتهم السلطة، على أنّهم “أهل العلم” الذين تناظرُ مكانتهم مكانة الأنبياء. إنَّ “أهل الذكر” هم المرجعُ الفعليُّ للأمّةِ، إنّهم أهلُ الحلِّ والعقد الفعليّون، وبفضلهم تضفى الشّرعيّةُ على السلطة نفسها، ولهمُ الحقُّ الحصريُّ في قبول التّأويلات الأنسب، ورفض ما عدَاها. لعلَّ مطالعةً بسيطةً لفكرةِ “الإمامة” عندَ أهل المذاهب المتنازعة في الإسلام، كفيلة بأنْ توضّح لنا الصورة الكليّة التي يمكنُ من خلالها أن يتّخذ النصٌّ القرآني ذريعةً لإخفاء الأغراض السيّاسيّة، والإيديولوجيّة، التي دفعت بكثير من هؤلاء “العلماء” إلى إسالة مداد كثيرٍ في نقض المذاهب الأخرى وتكذيبها، وذلك ما جرت عليه العادة في علم الكلام الإسلامي.

يتغيّرُ وضعُ النصّ الدينيّ، حينَ يتّخذُ شكلهُ النهائي، ووفقاً لذلك يتحتّمُ التّعاملُ معهُ كمدوّنةٍ مغلقةٍ لا تقبل أن يلحقها تغيير. يغيبُ البعدُ التربوي والتعلميُّ للنصِّ لصالح تمكّنِ البعدِ العقدي والإيديولوجي، وتصبحُ السّياسةُ غاية التفكير المذهبي والعقدي، وتتلوّن المعتقدات بتلوينات الاختيارات السِّياسيّةِ للدّولة، لكن هذا يدفعنا إلى التّساؤل: إلى أيِّ حدٍّ يمكن القول إنَّ تاريخ العلاقة بين الديني والسياسي قد شكّلتْ بينة النّص ونظام المعنى فيه؟ وهل الدّولة في الإسلام احتكرت المؤسسة الدينية؟ ثم، بأي معنى يمكن الحديث عن نوع من الفصل بين الدّيني والسياسي داخل نظام السلطة في الإسلام؟

*

يَمْثُلُ أمامنا، للوهلة الأولى، مدى التّعقيد الذي تتّسمُ به مثلُ هذه الإشكالات، التي تدورُ في فلك النّص الديني، دون أن نغفل عن مسألة رئيسة، وهي أنَّ النّص يتّخذُ قيمته الاجتماعيّة ضمن هذه العلاقة الكبرى، والجدل القائم بين السياسة والدّين. يسمحُ ذلك كلّهُ بأنْ نفهم طبيعة المشكلات التي تتمخضُ عن تلك العلاقة، وخاصةً تلك التي ترتبطُ بصورةِ القيم، والمعايير الأخلاقية والاجتماعيّة.

ثالثاً: التَّفْسِيرُ وَالتَّأويل، ونَظَريَّةُ القِرَاءة

لعبَ المفسِّرونَ دوراً، هامّاً، في إنتاجِ قراءاتٍ مختلفةٍ للنَّصّ القرآني، وساهموا بكتابتهم وتَأليفِهم في بلورةِ نظامٍ متكاملٍ عن التَّوجُّهاتِ التي تحدِّدُ مَسَارَ الفَهْمِ والمعْنَى. رسم فِعْلا القِراءةِ والكتابةِ المنهجَ الذي من خلالهِ يمكنُ للمفسِّرِ أن يستجيبَ للنصِّ، وأنْ يُخضع الفهمَ لسياقهِ العقائديِّ، وكذا نظرتهِ إلى الظروف الاجتماعية والسّياسيّة التي يتفاعلُ معها. يصيرُ المفسِّرُ صاحبَ وَظِيفَةٍ تَبريريَّةٍ؛ حيثُ يحاولُ إخضاعَ النَّص القرآني لنموذجيَّةٍ معيّنةٍ في الفهم تتحدَّدُ سلفاً بمنظورهِ الخاصِّ، (= السُّني، أو الشيعيّ، أو الإباضي، أو النحوي. إلخ). تُأثِّرُ طُرِيقَةُ التَّفْسِيرِ على الفهمِ بطريقةٍ مباشرةٍ، ويشكِّلُ الفهمُ الواقعِ من طريقٍ ثانيًّة. تحوَّلت النُّصوصُ التَّفسيريَّة إلى وسيطٍ بين النصِّ وعمليَّة الفهم، ولمْ يعُد المعنى ظاهراً بنفسهِ، بل يحتاجُ إلى من يظهِّرهُ ويكشفهُ، وفق ضوابط تستجيبُ كلِّياً للتَّقليد الذي ينطلقُ منهُ المفسِّرُ، والعقيدةِ التي ينتمي إليها.

كتبَ كثيرٌ من الباحثين المعاصرين حول موضع التَّفسِير الكلاسيكي، بحسبانهِ جزءاً لا يتجزّأ من أشكال الاستجابةِ للنَّص القرآني، ونَمَطاً من أنماطِ تلقّيهِ، وذلك في مراحلَ مختلفةٍ ومنفصلةٍ عن ظُروفِ إنتاجِه كخطابٍ([43]). ينبغي النَّظرُ إلى التفسيرِ، وبالأخصِّ الكلاسيكي، على أنَّهُ عمليَّةٌ تتداخلُ فيها العناصرُ الذَّاتيَّةُ والموضوعيَّة؛ فَمَهْمَا كانَ المفسِّرُ مدَّعيًّا للحيادِ، فإنَّهُ يُنطلقُ من رؤاهُ ومعتقداته. يمكنُ أنْ نصوغَ هذه المشكلةَ على شكلِ سُؤالين: كيفَ يستدمجُ المفسِّرونَ آراءهم الذاتيَّة، ومنطلقاتهم، في عمليَّة تفسير النَّص القرآنيِّ؟ وإلى أيِّ حدٍّ يستجيبُ النَّصُّ لتلك المنطلقاتِ الخارجيَّةِ؟

1.    عَنِ النَصِّ وفائض المعْنَى

تشكّلُ القراءةُ عنصراً هامًّا، ومدخلاً أساسيًّا في التّعامل مع النصّ، أيًّا كان ذلك النّص، لكنّها أساسيةٌ في التّعامل مع النّصوص المقدّسة. يمهدُ فعل القراءةِ لفك شيفرات النّص، وفتحه على أفاق جديدة، وبالتالي فإنَّ فعل القراءة في جوهره نقلٌ زمنيٌّ للنصِّ المقدّس، كما تسمحُ بضخِّ المعنى فيه بعدَ أنْ يكونَ جامداً، لأنَّ المعنى ليس أصليًّا فيه، بَلْ إنّه نتاجٌ للقراءات المتواليّة التي تضفيه عليه. تبدو الشريعةٌ المغلقةُ أشدَّ تأثيراً على معتقديها، وهي في ذلك الأثر تسمحُ بممارسة سلطتها، بالتّوازي مع قوّتها القانونيّة، ما يسمحُ بالتفكير فيها على أنّها فريدةٌ وغيرُ قابلة للتّقليد أو المشابهة، أو أنَّ يذهبَ مثلُ هذا الاعتقاد إلى حدِّ النظر إليها كسابقةٍ تاريخية لا نظير لها. ولئنْ كانَ النصُّ النهائي والختامي للقرآن قد أنجزه عثمان بن عفّان، فإنَّ هذا لا يعني أنَّه الوحيدُ؛ لأن الرواية الإسلاميّةَ تذهبُ إلى وجودِ نصوصٍ أخرى، كتبها صحابةٌ آخرون للنبي، كابن عمّه علي بن أبي طالب، أو عبد الله بن مسعود، وهذه المصاحف ستصيرُ بمثابة نصوص محظورة (أبوكريفا) في تاريخ الإسلام، وخير شاهد على ذلك تلك الحملة الوبيلة للحرق التي شنّها الخليفة عثمان على تلك المصاحف.

تتَّجهُ كلُّ قراءةٍ للنصِّ إلى البَحْثِ عن معناهُ، وعندما يفسِّرُ المرءُ ذلك النّصَّ، فإنَّما يسعى إلى إظهاره وتجليَّته حتى يصيرَ واضحاً. لكنْ قلَّما نطرَحُ على أنْفسنا التساؤلاتِ التَّالية: ما معنى “المعنى”؟ وهل النصُّ الماثلُ أمامنا هو ذو معنىً واحدٍ؟ وهلْ يمكنُ أنْ نضمنَ وُصُولَ قرَّاءٍ بخلفياتٍ ومرجعياتٍ متباينةٍ إلى نفس “المعنى”؟ الرّاجحُ أنَّ المعنى في النَّص يتضخَّمُ بتضخُّم قرَّائهِ، وسيصيرُ القرآنُ ذا مقصدٍ بالنسبةِ إلى قرَّائهِ. غيرَ أنَّ “المعنى” بوصفهِ مفهوماً يتَّسعُ نطاقُهُ باتِّساع الأغراض التي يضمُّها الكتابُ نفسهُ. يبحَثُ قرَّاءُ النَّصِّ عن ضالَّتهم فيه، فتمسي عمليَّةُ القراءةِ تلبيَّةً لقصدِ القارئ أكثر منها انعكاساً لحقيقة النّصّ([44]). يمكنُ أنْ نميِّزَ – بشكلٍ أوَّليٍّ – بين مكوِّناتٍ ثلاثَة للُّغةِ، من أجلِ تبيُّن معنى المعنى، العبارةُ، والدَّلالة، والمظهر، فعندما تجتمعُ هذه العناصرُ؛ فإنَّها تشكِّلُ “نظاماً” تمثيليًّا، يمكِّننا من إعادةِ استحضارِ ثقافةِ النصِّ ومجتمعهِ، استحضاراً ماديًّا ورمزيًّا. يعملُ ثالوثُ العبارةِ والدّلالة والمظهر، في شكلٍ حلقيٍّ، حيثُ أنَّ كلَّ عنصرٍ لا يكتملُ، إلّا بوجود العنصرين الآخرين.

ثمَّةَ علاقةٌ، قويَّةٌ، بينَ اللّفظِ والمعنى، وتظهرُ تلك العلاقةُ في نطاق تسميَّة الأشياءِ([45]*). يحتوي القرآنُ على نظامٍ لغويٍّ، يمكنُ تَمْييزُهُ عن أشكال النظُمِ التي عرفها العربُ، كالشعرِ، وأشكال السجعِ. وعلى الرّغم من تميُّزه واختلافه، إلّا أنَّ العربَ حاولوا تحديدَ جنسه، فقالوا إنّهُ شعرٌ، وأنَّ النبيَّ شاعرٌ. لكنَّ القرآنَ ظلَّ يشكّلُ فارقاً لغويًّا استقلَّ بنظامهِ، الذي يعلنُ دخول المعنى نحوَ منعطفٍ جديدٍ، ويعلنُ عن وقوع تحوُّلٍ جذريٍّ من ثقافةٍ إلى أخرى. لقد كانَ وقعُ العباراتِ القرآنيَّةِ، في المرحلةِ المكيَّة وسورها قصيراً، وقريباً إلى الجرسِ مقارنةً بسور المرحلة المدنيَّة التي اعتمدت العبارات الطويلةَ، لكنَّ الدّلالاتِ، في عمومها، كانت واضحةً بالنسبة إلى المتلقّين الأوائلِ. لمْ يكن دورُ النبيّ مقتصراً على النّقل السلبيّ للوحي، بل إنّهُ كان، في كثيرٍ من الأحيان، يتدخَّلُ لتوضيحِ بعضِ دلالاتهِ وتفسيرها. لقد كانت كلماتُ القرآنِ أكثر من مجرّدِ أصواتٍ، حيثُ أدَّى ترتيلُ النصِّ إلى إضفاء “القدسيَّة” على كلمات النصِّ نفسها، حينَ انتقلت الكلماتُ من المستوى الخطابي إلى المستوى الطقوسيّ – الشَّعائري.

لا يتَّصلُ المعنى باللّفظ المفرد، وإنَّما بالتراكيب الكليّةِ التي يندرجُ ضمنها، وقد يحدثُ أنْ تفهمَ الألفاظُ ولا تُفهمَ التّراكيبُ، والعبارةُ ما بهِ يسعى المرء إلى إيصال “المعنى”، إلى من هو معنيٌّ بالخطاب، وكلَّما كانت الدلالةُ واضحةً في النصِّ كانتْ دالةً على مقصدِ مرسلها. يثيرُ ها الأمرُ سؤالاً جوهريًّا: كيفَ تدلُّ الكلماتُ على مقصدِ القائل؟ وكيف لذلك أنْ يشكّل معنى النّص؟ كانتْ عربيَّة القرآنِ من البداهات التي ارتكز عليها التّقليدُ الإسلامي، فالقرآنُ نزلَ بلغة العربِ، وعلى لسانهم. لكنَّ هذه المقدّمةَ تقتضي أنَّ القرآنَ واضحٌ بذاتهِ بالنسبة إلى كلِّ من هو عربيٌّ. لكنْ كيفَ تفسَّرُ المحاولاتُ الأولى للبحث عن “غريب القرآن”؟ وكيف يمكنُ فهم التناسل الكبير الذي حصل في تفاسيره وشروحاته؟

اللُّغة عبارةٌ عن نظامٍ من العَلاماتِ، ذلك هو ما ذهب إليه اللّساني الكبير فرديناند دو سوسير، وهي بنيةٌ سيميائيَّةٌ مشتركةٌ بين أفرادِ مجتمعٍ لغويٍّ معيَّن. تحيلُ اللُّغة إلى تصوُّراتٍ معيَّنة، سواء تعلّق الأمرُ بالكلماتِ المنطوقة أو المكتوبةِ (= المورفيمات). يؤكِّدُ دو سوسير على أولويَّة البنية اللّغويَّة، في أشكال التَّعبير والتّواصل الإنسانيين، على أنَّ هذه البنيَةَ ليست ظاهرةً في كلِّيّتها، بل إنَّها تُخْفِي أَكْثَرَ مِمَا تُظْهِرُ([46]). يتَّضحُ من خلال ما ذهب إليه دو سوسير أنَّ “العلامات” التي هي أساسُ نظام اللُّغة، هي نتيجةٌ موضوعيَّةٌ للاتّحاد الحاصل بين “الدّال” و”المدلول، فالأوَّلُ انطباعٌ نفسيٌّ، وصورةٌ (= أو صورٌ) تَنْقَدِحُ في نفس المتلقّي بِتَوسُّط الصَّوتِ؛ والثّاني هو التّصوُّرُ المشتركُ بين أفرادِ المجتمع اللُّغويّ، والذي يرتبطُ ب “الدّال” بصورةٍ مباشرةٍ. يمكنُ أنْ نفهم، تبعاً لما تقدّم، أنَّ القرآن الذي نزل باللُّغة العربيَّة، قد خضع لنظام العلامات المقترحة التي تنتمي إلى سياقٍ تداوليٍّ محدّد، يشملُ مجالاً جغرافيًّا واسعاً ([47]). تصيرُ اللُّغةُ حاضناً للتقاليد والعادات الاجتماعيَّة والثقافيَّة، ويمكنُ رصدُ معالمها في النصِّ القرآنيّ.

يُحِيلُنَا القُرآنُ، في كثيرٍ من جوانبه، إلى بنيَةٍ ثقافيَّةٍ محمولةٍ على ناقلٍ لغويٍّ صرف. تنبَّه مفسّرو القرآن إلى هذه المسألةِ، حين بَدت لهم بعضُ الألفاظٌ الأجْنَبيَّةٌ في القرآن، كانت تَنْتَمي إلى ثقافاتٍ مجاورةٍ كالفارسيَّة، والحبشيَّة والنبطيَّة. يَذْهبُ الطبريُّ، مثلاً، إلى توصيف هذه الظاهرة، فيقول([48]): “بل الصَّوابُ في ذلك عندنا: أن يسمَّى: عربيًّا أعجميًّا، أو حبشيًّا عربيًّا؛ إذ كانت الأمَّتان لهُ مُسْتَعْمِلَتَينِ – في بيانها ومنطقها – استعمالَ سائر منطقها وبيانها. فليس غيرُ ذلك من كلام كلِّ أمةٍ منهما، بأولى أن يكونَ إليها منسوباً – منه”. لكنَّه يصرُّ على عروبة القرآن، من دون أنْ يبيّن ما إذا كان فهم تلك الألفاظ أمراً دارجاً عند العربِ. والحال ففهم بعض الألفاظ التي عدّت من “الغريب” اقتضتْ جهداً كبيراً حتّى وصلَ بعضهم إلى معناها. نذكرُ، في هذا الصّدد، الاسهام الذي قدّمه كريستوفر لوكسنبرغ في قراءته السريانيَّة الآراميَّة للقرآن، وفكهِ للعديد من الشيفرات التي كانت غامضةً ومحطَّ التباس([49]). يؤسّسُ التّقليدُ الإسلاميُّ لمركزيَّةٍ ثقافيَّةٍ، تجدُ شرعيّتها في اللُّغةِ، بوصفها غاية لا مجرَّد وسيلةٍ تواصليَّةٍ.

يبدو أنَّ ثمَّة بوناً شاسعاً بينَ النظرةِ الإسلاميَّة التقليديَّة عن اللُّغة، والأدبيات السيميائيَّة الحديثة، فإذا كانت النظرةُ التقليديَّةُ قد استقرَّت على القول بمنشئها الطبيعي، وعلى الرابطةِ القبليَّة بين الأسماء والأشياء؛ فإنَّ سميائيَّة دو سوسير تذهبُ إلى التّأكيد على العلاقة الاعتباطيّةِ بين “الدّال” و”المدلول”، وأنَّ الكلمات ما هي إلّا انعكاسٌ للتّصوُّراتِ. يتَّضحُ، مما تقدَّم، أنَّنا أمام بنيتينِ في التّفكير مختلفتين، ومتناقضتين، الأولى؛ ذاتُ طابعٍ دينيٍّ ترفعُ اللُّغةَ إلى مرتبةِ “المقدَّس”، وتنفي عنها الطَّابعَ البَشَريِّ. وهي الرؤيَةُ التي قادت المفسِّرين من أصحاب التّقليد الإسلاميِّ ([50]). والثانيَّةُ؛ تتبنى المناهج الحديثة والمعاصرةِ في قراءةِ النصِّ الديني، بالتركيز على لغتهِ وأسلوبهِ ونظمهِ([51]). يفترضُ المنظورُ التَّقليديُّ أنَّ القرآنَ بلفظه ومعناهُ من اللَّه، وأنَّهُ وحيٌ نزلَ به جبريل إلى محمّد في ظروفٍ مختلفةٍ، وأنَّ النبيّ لم يكن له أيُّ دورٍ سوى تبليغِ ما أنزل إليه من ربِّه. وعليه، فإنَّ اللُّغةَ تصبحُ في حدِّ ذاتها “مقدَّسةً”. لكنَّ المنظور السيميائي يبحثُ في اللُّغة بوصفها جزءاً من الواقع التّواصليّ للبشر في مختلف أطوارهم، وعلى اختلاف ثقافاتهم.

**

لا تقتصرُ قضيَّةُ المعنى على البعد اللُّغويّ، والعلاقةِ بين “الدّال” و”المدلول”، وإنّما تتعدّاها إلى بنيةٍ شجريَّةٍ، تمسي فيها العلاقةُ بين تصوّراتٍ متعدّدةٍ تنتمي إلى نفس الحقل. يتناول القرآن مجموعةً من الحقول الدلاليَّة، المتعلّقةِ بالإيمان، أو بالوعد والوعيد، أو بقضايا التّوحيد، أو الحرب والسلم، والدعوة إلى فعل الخير، إلى غير ذلك من الحقول. يحتضنُ كلُّ حقلٍ دلاليٍّ ألفاظهُ، الخاصَّة، التي تسمحُ له بتحديدِ معنى الخِطَاب.

 

2.     التفسير بوصفه قراءةً للنَّصِّ

يهدِفُ المفسِّرُ إلى الكشفِ عنِ المعنى “الحقيقيِّ” الكامن وراء النَّص القرآني، وفهم القصد الإلهي (= مراد اللَّه) من إنزالِه كلَّ آيةٍ من الآياتِ. التَّفسيرُ، وفقاً لهذا المعنى، محاولةٌ بشريَّةٌ لإدراك المعاني الإلهيَّةِ. كانتِ لُغةُ النَّصّ مدارَ نقاشٍ؛ إذ النَّصُ، قبل كلِّ شيء، وحدةٌ لغويَّةٌ([52])، ويتطلَّبُ فهمهُ استحضارَ الأبعادِ الحقيقيَّة والرمزيَّة؛ لأنَّها أساسُ المعنى والسبيلُ إلى تطويرهِ. يخرُجُ المفسِّرُ عن تقليدٍ معيَّنٍ في فهم النَّصِّ، وسبقت الإشارةُ إلى قسمينِ أساسيينِ؛ الأوَّلُ، تَفْسِيرٌ بالمأثُورِ، يعتمدُ على المرويَّاتِ اعتماداً كليًّا في فهم النَّصِّ؛ والثاني، تفسيرٌ بالرّأي، يعتمدُ على العقلِ في تفسير القرآنِ ويقدِّمهُ على المرويَّاتِ. تتحقَّقُ في النَّموذجَينِ، معاً، الحلقةُ الهيرمينوطيقيَّةُ (Cercle herméneutique)([53]) التي تتطلَّبُ الإيمَانَ من أَجْلِ الفَهمِ، الأمرُ الذي يستدعي التَّمييزَ بين معنى التَّفسير (Exégèse)، الذي قد يفيدُ معنى الشرح (Explication)، أو التَّعليق (Commentaire)، عن مفهوم التَّأويلِ (Interprétation).

عنتْ هذهِ المفاهيمُ، بالنِّسبةِ إلى المفسِّرين الكلاسيكيّين، الشيء عينهُ. جاءَ في تفسير “جامعُ البيان عن تأويلِ آي القرآنِ” لمحمّد بن جرير الطبريّ “التَّأويل” بمعنى “التَّفسير”، ويستخدمُ عِبارةَ: “القَوْلُ في تَأْويلِ قَوْلِهِ”، ويعني تفسيرَ قَوْلهِ. جاءَ في تفسيرهِ للآيةِ السابعةِ من “سُورَةِ آل عمران”، ما نصُّه([54]): “قال أبو جعفر: وأما معنى “‌التأويل” في كلام العَرَبِ؛ فَإنه ‌التَّفْسِيرُ والمرجع والمصَير”. ليسَ في تفسيرِ الطبري ما يُفِيدُ وجودَ تمايزٍ بين التَّفسيرِ والتَّأويلِ، بل إنَّهما مترادفانِ ويعنيانِ الشيء نفسهُ. ولنأخذْ مثالاً آخرَ على استمراريَّةِ هذا التّرادُف بين معنى “التَّفسير” و “التّأويل”؛ فهذا ابن العربي الإشبيلي (ت. 543ه) يؤكِّدُ هذا بقولهِ ([55]): “[التَّأويلُ] يراد به ‌التَّفسير، وبيان معاني الآيات القرآنية وتوضيح المرَادِ منها”. وذهبَ ابن قُدامةَ المقدسي (ت. 620ه) إلى “ذمِ التَّأويل” ورفضهِ قائلاً[56]: “وَأما الْإِجْمَاع فَإِن الصَّحَابَة أَجمعُوا على تَرْكِ ‌التَّأْوِيل (…) وكذلك أهل كل عصر بعدهمْ وَلم ينْقُلِ ‌التَّأْوِيل إِلَّا عَن مُبْتَدع أَو مَنْسُوب إِلَى بِدعَة”. لكنْ ما الخطرُ الذي اكتشفهُ ابنُ قُدامة في التَّأويلِ حتَّى يبدِّع أهلهُ؟ وهلْ حملَ التّأويل على معنى التَّفسير أمْ أنَّهُ ميّزَهُ عنه؟ كانَ ابنُ قدامة يعاتبُ على من يخوضُ في ما تشابهَ من القرآن، ويقصدُ بكلامهِ المتكلمين، والمعتزلةَ بالتّحديد. وهكذا، يمكنُ للتقصِّي التّاريخي أنْ يفضيَ بنا إلى حدوثِ انْفِصَالٍ تَدْريجيٍّ بين التفسير والتّأويلْ([57])؛ إذْ أصبحَ التَّفسيرُ خاضعاً لضوابطَ لغويَّة ومعياريَّة صارمة، بخلاف “التَّأويل” الذي يتَّسعُ نطاقُه باتِّساعِ الأسئلةِ التي يرومُ الخوضَ فيها.

لقدْ أصبحَ التَّفْسِيرُ مَجَالاً من مجالاتِ علومِ الدِّينِ، في حينِ انحصرَ التَّأويلُ في مجال العقائدِ. وعلى الرَّغم من التَّقسيمِ الذي وضعهُ القدماءُ حول القرآنِ، وحصرهِ في آياتٍ قطعيَّةِ الدلالةِ وأخرى ظنيَّةِ الدلالة، إلّا أنَّ الحدودَ الفاصلةَ بين المجالينِ ليست حاسمةً، وتبقى هذه الآليَةُ آليةً إجرائيَّةً؛ لأنَّه مهما حصل الاتِّفاقُ حولَ الألفاظِ، يستحيلُ التَّوافُق حولَ التراكيبِ والاستعاراتِ. يذهبُ بول ريكور Paul Ricoeur إلى التّأكيد على دور الاستعارةِ في فهم النُّصوصُ، عامَّة، والأدبيَّةِ منها على وجه الخصوص. لا تفهمُ الاستعاراتُ، بالنِّسبةِ إلى بول ريكور، إلّا في إلمامنا بالنَّصِّ في كليَّتهِ، والنظرِ إليه في أفقينِ مزدوجينِ، أفُق العالم، وأُفُقْ الذَّاتْ([58]). تضخَّمَتْ معاني النَّص القرآني، في أفق الجدل الكلاميِّ، واتّسعتْ قضاياهُ باتِّساعِ دائرةِ المفكر فيه لدى المسلمين. لمْ تكُنْ المعَاني المتَجَدِّدَةُ التي خَلَقها علمُ الكلامْ، مُتَلَقَاةً من خارجِ النَّصِّ، بل توجدُ جذورها في النَّصّ. ينشأُ التَّفسير، إذن، من التَّفاعُل بين المفسِّر والقرآن، ويعكسُ مجهوداً شخصيًّا، يتأثَّرُ بقراءات المفسِّر، وتأويلاتهِ، ومناهجه، وقناعاتهِ الاعتقاديَّةِ، بالإضافةِ إلى الأهداف العامَّة التي تؤطِّرُ عمليَّة الكتابةِ([59]).

يفترضُ في عمليَّةِ التَّفسير أنْ تكونَ “إظهاراً” للمعنى، وذلك بواسطةِ أدواتٍ نظريَّةٍ، ومنهجٍ صارمٍ يستخدمهُ المفسِّر لأجل تلك الغايةِ. التفسيرُ، إذن، عمليَّةٌ تتمُّ من داخل النَّص نحو الخارج، في شكل “استخراجٍ” لما هو ضمني. لكنَّ يُصبحُ هذا التحديدُ أمراً مشكلاً، حينما يتبيَّنُ أنَّ المفسِّر (= الذات القارئة) ليس ذاتاً مفرغةً، بل إنَّهُ يأتي إلى النَّصِّ محمَّلاً بالأسئلةِ التي يفرضها عليهِ واقعهُ، ويبحثُ لها عنْ إجاباتٍ من النَّص. يمسي التَّفسيرُ استنطاقاً للنَّصّ، وإرغاماً له على التماهي مع المشكلاتِ التي تعرضُ لجماعةِ المؤمنينَ، في كلِّ زمانٍ ومكان. لقد انتهت التَّجاربُ التفسيريَّةُ الكلاسيكيّةُ إلى نتيجةٍ – يمكن أنْ نضعها كمقدِّمةٍ للتفكيرِ، في عمليَّاتٍ ثلاث؛ القراءةُ، والكتابةُ، والتَّأويل – مفادُها أنَّ الكلماتِ النَّصُّ منتهيَّةٌ، وهيَ “قطعيَّةُ الثبوت”، لكنَّ معاني النَّص، ودلالاتهِ لا يُمكنُ حصرها، وهي تتوالدُ وتتكاثرُ بتكاثرِ قُرَّائهِ.

تتّخذُ القراءةُ التشريعيّةُ من “الصرامة” أداةً، لضبط فَائِضِ المعنى في النصِّ. ويصيرُ بذلك كلٌّ شيء ذا دلالةٍ؛ فتدخلُ بذلك «سورةُ يوسفَ»، على الرّغم من اختلاف موضوعها واستقلاليّته، ضمن النّسيج العام للتشريعِ الفقهي، فتعضد بذلك ما عداها من الآيات التي وردت في سورٍ أخرى. تتحوّل القراءة من آليّةٍ للكشف إلى آليّةٍ لاستبطان النّص، وتحويله إلى مادّةٍ معزولةٍ عن أفق التّلقي. يصيرُ القرآنُ، وفقاً للقراءة التشريعيّةِ، ذا بعدٍ واحدٍ، وتقتصرُ قدسيّتهُ على ما يكشفه من أحكامٍ يطوِّعُ بها سلوك الفرد، وتغيبُ بذلك سائر الأبعادِ التربويّة، والاجتماعيّة، والإنسانيّة. يشي واقع التشريع الإسلامي، اليوم، بالأثر الكبير الذي خلّفته هذه المعضلة في ميادين القانون، والقضاء. تتخذُ القراءةُ التّشريعيةُ للنصّ قداستها، من خلال استفرادها بالتأويل، ومِنْ خِلَال استدخال النصِّ ضمن منطقها. يتّضحُ بناءً على الصورة التي يتمظهر بها النصُّ في التّاريخ أنَّ قوة الكلمةِ لا تكادُ تعادلها أيةُ قوّةٍ. تتجلّى قدسيّةُ اللّه في النّصِّ، وأيُّ تضاربٍ يُحْدِثُهُ التَّأويلُ المجازيُّ يجبُ أخذهُ بعين الاعتبار؛ فالتناقضُ ليسَ من ذات النصِّ بل هو نتاجُ حركة الفهم البشري للنصِّ نفسه. وللخروج من دائرة الصّراع التي يحصرنا المعنى في نطاقها، وجب التّخلّصُ من إسارِ وربقة المعنى القويم، والاتّجاه نحو إمكانيّة السّخاء في التّعامل مع تأويل النّص.

**

يسعى المفَسِّرُ، في قراءتهِ للنَّص، إلى الكشف عنِ الطبقاتِ الخفيَّة التي تتوارى خلف الكلماتِ، ويعملُ على تقريبِ “القصد الإلهي” إلى القارئ من الدّرجةِ الثانيَّة. يكونُ المفسِّرُ تبعاً لذلك “الكَاشِفَ” عن الغامضِ من النَّصّ، والمُظْهِر لحقيقتهِ. غيرَ أنَّ تلك الحقيقة التي يسعى المفسِّرُ للكشفِ عنها من خلالِ النَّصّ لا تمثِّلُ حقيقتهُ، بل “حقيقة” المفسِّر؛ لأنّ عمليَّة “التَّفسير” تصيرُ إسقاطاً لتجربةِ الذّاتِ على النَّص المفسَّرِ، واستحضاراً لهُ في أفق قارئهِ. وهكذا؛ فإنَّ التجربةَ الوحيدةَ الحقيقيَّة هي تجربةُ الوحيّ، أي اللَّحظةُ التي تلقَّى فيها النَّبيُّ الوحيّ. ومن ناحيَّةٍ أخرى فإنَّ القراءةَ قراءاتٌ، وليس بالإمكانِ حصرُها أو إقصاءُ بعضها والإعلاء من شأن الآخر.

3.     التفسيرُ بوصفهِ كتابةً

تعدُّ الكتابةُ تحوُّلا في مستوياتِ القراءةِ، حيثُ تتداخلُ النُّصوصُ، وتُصْبِحُ جزءاً من عمليَّة “التَّناصِ” (Intertextualité)؛ فتصيرُ قراءةُ نصٍّ ما جزءاً من شَبَكةٍ علائقيَّة، يحيلُ فيها كلُّ نصٍّ إلى آخر. ينتمي القرآنُ إلى بيئةٍ ثقافيَّة وإلى سياقٍ تاريخيٍّ، ويشتركُ مع العهدين القديم والجديدْ، نفس التَّصور العام، حول الوحدانيّة، والرسالة إلى البشر، والأنبياء. سمحَ هذا الإرث المشترك للمفسرين المسلمين، لاحقاً، بالاستعانة بهذا التُّراث من أجل فهمِ نظامِ القصصيّ لِلنَّص. يفِيضُ النصُّ بالدّلالةِ، وتصيرُ كلماتهُ بمثابةِ إشاراتٍ تقبلُ قراءاتٍ لا حصرَ لها؛ حَيثُ تنبَّهَ أصحابُ التفسير الصوفي (=الإشاري) إلى هذه المسألةِ، وذلك حينَ استغنوا بالإشارةِ عن العبارةِ، وبالرّمز عن الحرفِ؛ فليست الكلمةُ عندهم إلا أداةً للعبور إلى المعنى الذي يفيضُ باستمرارٍ([60]). تمتلكُ “اللُّغة المقدَّسةُ” (Sacred Language) هالةً خاصَّةً([61])؛ حيثُ تستمدُّ مخزونها من هويَّةِ قرَّائها، ومن المخزون الثَّقافي الحاضن لتلك اللُّغة. لكنْ من أين تستمدُّ اللُّغةُ قدسيتها؟ تتظافرُ مجموعةٌ من العواملِ مع بعضها البعض، من أجلِ إكسابِ اللُّغةِ خاصيَّةَ القدسيَّةِ، منها ما هو اجتماعيٌّ، وما هو لاهوتيٌّ، ومنها ما يُرَدُّ إلى طبيعة اللُّغة نفسها. تتطوَّرُ “اللُّغة المقدّسةُ” في علاقةٍ بتطوُّر الدين، وتَنْتَسِجُ، في ضوء تلك العلاقةُ، مجموعةٌ من الرَّوابطِ بين الحقل اللُّغويّ الدينيِّ، وباقي الحقولِ اللُّغويَّةِ الأخرى، وقد يصيرُ هذا الترابُطُ تضَمُّناً وهيمنةً، في مرحلةٍ ما من مراحلِ تطوُّر اللُّغةِ الدينيَّةِ. بناءً على ما تقدّمَ، يُمكنُ تبيُّنُ الكيفيَّةِ التي اكْتَسَبتِ العَربيَّةُ قدسيَّتها، وصار العلمُ بها أمراً رئيساً لدى المفسِّرين.

ليستِ الألفاظُ في النَّصِّ مجرّد كياناتٍ مفرغةٍ، ولا هي مجرَّدُ أوعيَةٍ يُكسبُها القارئُ (=المفسِّرُ) دلالاتٍ ومعاني، وإنمّا تحملُ الألفاظُ إيحاءاتٍ تُحفِّزُ القارئَ على استحضارِ مخزونهِ الثقافي والاجتماعيِّ الدَّفين، في إطارِ عمليَّةِ التَّلقي. ويمكنُ القولُ، تبعاً لذلك، إنَّ الوعي بالمعاني اللُّغوية يأتي متأخراً (= زمنيًّا) عن حدوثِ المعنى، وخيرُ مثالٍ على ذلكَ أنَّ العربَ في بداياتِ نزول الوحيَ، حاولت قياسهُ بالأنماط اللُّغويَّةِ المعروفةِ، والأجناس الأدبيَّة المشهورةِ بالنسبة إليهم، ولم يستوعبوا اختلافَهُ إلَّا حين أصبحَ جزءاً من واقعِ اللُّغة وثقافتها. تصيرُ قراءةُ النصِّ جزءاً من واقعِ المفسِّر، ويحصُلُ، وفقاً لهانز جورج غادامر Hans-Georg Gadamer، اندماجٌ وانصهارٌ لأفقين: أُفُقُ النَّص وأفق القارئ([62]). يختفي النَّصُ، في ظلِ هذا الاندماجِ، لتظهر القراءةُ بوصفها عمليَّةَ إنتاجٍ متجدِّدٍ للنصِّ. وعليه، يكونُ كلُّ تفسيرٍ خاضعاً للمعياريَّة الذاتيَّة التي يفرضها المفسِّرُ، وينتجُ في ضوئها المعنى. من يقارنُ تَفْسِير الطبريّ المسمَّى “جامع البيان”، بتفسير الزمخشريّ المسمّى “الكشاف” سيلاحظُ الفارقَ في الحضور الذاتي للمفسِّر؛ فإذا أقام الطبريّ للمرويَّات وزناً على حسابِ رأيهِ، فإنَّ الزمخشريّ لا يعيرها أيَّ اهتمامٍ ويأخذُ في التَّفسير من المشارب كلِّها.

لم يكُن الذين فسَّروا القرآنَ مجرَّدَ قُرَّاءٍ للنصِّ، بالمعنى المجرّدِ للكلمَة، وإنَّما زاوجوا بين وظيفةِ القراءةِ والكتابةِ، وصارتْ قراءتهم عملاً مدوَّناً يُجسِّدُ شكلاً معيَّناً من أشكالِ فهم النَّص. اكتسبتْ “المدوَّنةُ التَّفسيريًّة” سلطانها من القُرآنِ، بالإضافةِ إلى ما تمثِّلهُ بالنسبة إلى الجماعةِ التي تتَّخذُ منها أداةً تبريريَّةً لقناعاتها الاعتقاديَّة والمذهبيَّة. نتأدَّى مما سبق إلى نتيجةٍ ندرجها، هنا، بحسبانها مقدِّمةً، مفادُها أنَّ عمليَّة التَّفسير (= القراءة) غايةٌ في التَّعقيد، لتداخُلِ الحاصل بين الذاتِ والنصِّ، وفي مستوًى ثانٍ من التعقيد يظهرُ التَّفسيرُ لا كمجرَّدِ قراءةٍ، بل بوصفهِ مؤلَّفاً، أو نصًّا على النَّص. على الرَّغمِ من أنَّ النصَّ واحدٌ إلى أنَّ ظهوراتهِ تتعدّدُ بتعدُّد التفاسير الساعيَّة إلى اقتحامِ فلكه وسبر أغوارهِ. أستعيرُ في هذا السياقِ ما ذكرَهُ بُول ريكور عنِ إحدى مُعْضِلاتِ التّرجمةِ، والتي تكمنُ في محاولتينِ: (1) إقحامُ القارِئِ في فَضَاءِ المؤَلِّفِ، أو (2) إقحامُ المؤَلِّف في فَضَاء القَارئ([63]). غير أنَّ كِلْتَا العمليَّتينِ نفيٌّ للّذاتينِ معاً لـ “المُؤلِّفِ” و”القَارئ”، وانتصارٌ لذاتٍ ثالثةٍ “المترجمِ”. يَقُومُ المفسِّرُ بالوظيفةِ عينها التي يضطلعُ بها المترجم، وينقُلُ القارئ من فضاء النَّص الأصليِّ (=القرآن)، إلى فضاء نصِّه (= التفسير) الذي هو فهمٌ من الأفهام الممكنةِ حول القرآنِ.

ليس التَّفسيرُ، إذن، مجرَّد تلقٍّ للنَّصِّ القرآنِي، وإنَّما إعادةُ كتابةٍ لهُ بما يتلاءمُ مع نظرةِ المفسِّرِ إلى الوجود. تعدُّ التَّفاسيرُ الكلاسيكيَّةُ([64]) (= أُمَّهات التَّفاسير) ورشاً مفتوحاً للكشفِ عن إعادةِ تشكيلِ النَصِّ القرآني، في فتراتٍ متلاحقةٍ من تكوين التَّفاسير القرآنيَّة. تضعُ هذا التَّفاسير القرآنَ ضمنَ سياقٍ جديدٍ (Recontextualisation)، ومختلفٍ، تمامَ الاختلافِ، عن السِّياقِ الذي نَشَأَ ضِمْنَهُ. كانَ الصِّراعُ بين اتّجاهِ التَّأويل الرمزي (= الإشاري)، والاتِّجاهِ الظاهري، في الحقيقةِ، مثالاً للصراعِ حولَ أَشْكَالٍ مقترحةٍ من أجل فَهْمِ النَّصّ([65]). يُعادُ تشكيلُ القُرآنِ ضمنَ شكلٍ أدبيٍّ أوسع نطاقاً، وتصيرُ الكتابةُ أداةً لترسيخِ المعنى الجديد؛ حيثُ يَصِيرُ الاستشهادُ بالقُرآنُ حجةً ذاتَ سلطةٍ بالنسبة إلى المفسِّر، كيما يدافعَ عن المعنى الذي يُضمِّنهُ للنصِّ. لمْ تَكُنْ عمليَّةُ التَّفسير، تبعاً لذلك، حكراً على المفسِّرين، بل إنَّها تحضُرُ في مجالاتٍ أخرى، فالشاعرُ يقتبسُ من القرآن، والمتكلمُ، والفقيهُ، والفيلسوف، كلٌّ حسب مآربه التي يجدها في النَّص، ولم يكُن التاريخُ أقلَّها حظًّا؛ حيث كانتْ عمليَّتا “التَّأريخِ” و”قصص الأنبياء”، نموذجين للتفسير الذي توظَّف فيه الآياتُ القرآنيَّةُ، من أجلِ تبرير منطقٍ معيَّنٍ لتسلسل الأحداثِ، ونسجِ الأحداثِ وفق ما يريدُه المفسر([66]).

يَعْمَلُ التَّفسيرُ على تسْييق (Contextualisation) النصِّ القرآنيِّ ضمنَ أفق المفسرِّ، والدّليلُ على ذلك ما يمكِنُ تلمَّسهُ في ما اصْطُلِحَ عليه بـ “أسباب النُّزول” (= أو مناسباته)؛ حيثُ حاولَ المفسِّرون تقييدَ الآياتِ بسياقاتٍ ظنُّوا أنَّه المبرِّر وراء نزولِ الآياتِ، مع العلمِ أنَّ ذلكَ يتنافى مع الاعتقاد في مشيئة اللّه المطلقة التي تتجاوزُ التقيُّد بالأسبابِ. لكنَّ إيرادَ تلك الأسبابِ كانَ مساوقاً لنشوء الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ، وانقاد بذلكَ لضوابطها الخاصَّةِ والعامَّة. وهكذا، تعملُ أسبابُ النُّزول على تبريرِ الاختيارات “الشرعيَّة” (= الأحكام) لدى الفقهاء والمفسِّرين، أكثر من كونها جزءاً من حقيقة النَّصّ، وجزءاً من فهمِ بنيتهِ ونظامه العَامِّ. وظَّفَ المفسِّرون “أسبابَ النُّزول” لوضعِ آياتٍ محدَّدةٍ ضمن سياقٍ محدَّدٍ. أدرك المفسِّرون الكلاسيكيون الغايةَ التي من أجلها يُستعانُ بأسباب النُّزول؛ حيثُ تعملُ على تقييد الآياتِ، وتضييق نطاق استخدامها، ويصبحُ “السببُ” بمثابةِ مرجعٍ لتحديدِ القصد من الآية.

تصيرُ الكِتَابَةُ وسيلةً في خدمةِ التَّفسير، وشرطاً لتحقُّقِ المعرفةِ به كعِلمِ قائم بذاته([67])، ومن ذلك حقَّ لنا القولْ إنَّ الكِتَابةَ تَقييدٌ لِلمعنى من خلال اللّفظِ. تعطي الكتابةُ للتَّفسير نظامهُ العام، وتتحدَّدُ من خلالها المنهجيَّةُ العامَّة التي تقودُ المفسِّر، في استجابتهِ للنصِّ القرآنيّ. يعتمدُ السّيوطيّ مثلاً، في كتابهِ “الدُّر المنثور في التَّفسير بالمأثور”([68])، على “الحديث” من دون تعليقٍ، وذلك على أساس أنَّ إيرادهُ للحديث (=المأثور) سيحقِّقُ قدراً من الموضوعيَّة في التَّفسير. نجدُ في نفس الاتِّجاه ما ذهب إلى القرطبيّ، في كتابِه “الجامع لأحكام القرآن”([69])، بتركيزه على الأحكام الشرعيَّة والفقهيَّة. وأدلُ من ذلك ما جاء بهِ الواحدي في ثلاثيَّته: “التَّفْسِيرُ البَسِيط”، و”التَّفْسير الوَسِيط”، و”التَّفسيرُ الوَجِيز”؛ حيثُ يُفَسِّرُ القُرآنْ بناءً على أنماطِ تَلقِّيهِ لدى قرّائه، وينطلقُ من حَاجَاتٍ مَعْرفيَّةٍ لدى مختلف الشَّرائح الاجتماعيَّةِ. تضعُ هذه التَّفاسيرُ جميعها الآياتِ القرآنيِّة ضمن أفق جديدٍ مغايرٍ لأفقها الأصليِّ، وتُعيدُ تهييئ السِّياق بما يتلاءمُ مع الحاجياتِ التي يتطلُّع التَّفسير إلى سدِّها، ومعَ النظرةِ التي يتبنَّاها المفسِّرُ، والغايات التي توَجِّه عملهُ. يقودُ العملُ التَّفسيرُيُّ القارئَ إلى نتائجَ محدَّدةٍ سلفاً، ومتضَمَّنةٍ في المنوالِ الذي حاكَهُ المفسِّرُ، ويُجبرُ القارئ على تبنِّي الاختياراتْ التي فرضها عليها المفسِّرُ من وراء سلطةِ النَّص؛ فيصيرُ بذلك المعنى أسيرَ الحرفِ، وتصيرُ الكتاباتُ التَّفسيريَّةُ بمثابةِ “وصايا”، لا يُعذَرُ أحدٌ للجهل بها.

**

تتعلَّق قضيَّةُ الكتابةِ بالسِّياقِ الذي يصدُر عنهُ المفسِّرُ، ومحاولتهِ لاستقبال النَّصِ في أفقٍ مختلفٍ عن أفقهِ الأصليّ، بعدِّهِ نصًّا خارج التَّاريخ لا نصًّا منهُ. وهكذا، تصيرُ قراءةُ النصِّ قراءاتٍ، والكتابةُ عنهُ كتاباتٍ، على اختلافٍ في درجةِ الوثوقيَّةِ في استقبال النصِّ؛ حيثُ ترتفعُ درجتها عندَ الأرثوذوكيسيّة (= السنيَّة) لتعلُّقهم بالإسناد في الرّوايَّة، واعتبارهِ جزءاً لا يتجزَّأ من تقليد قراءة النَّص وتفسيره، وتنخفضُ عندَ أصحاب التَّفسير بالرّأي لارتباطِ قراءتهم بواقعٍ متغيِّرٍ، أو لوقوفهم عندَّ التَّناقضات الصارخةِ في المرويَّات. يمتلكُ التَّفسيرُ سلطتهُ من خلالِ تدوينهِ؛ إذ يعملُ المفسِّرُ على تبريرِ فهمه من داخل القرآنْ، ويكسبُ المعنى المُستخلصَ من النَّص صفةَ “المطلق”.

***

يوحي النصُّ الدينيُّ القرآني، بما فيه من تجارب، وما خلفه من تفسيرات، على عُمْقِ التّرابط بين المجتمع الإسلامي وبين نصوصه المقدّسة. ويمكنُ فهم هذه الأمور من خلال مجموعةٍ من الملاحظات:

الأولى؛ أنَّ مُجْتَمَعَات الإسْلَام تَمَثّلت النَصَّ القرآنيّ، بحسبانهِ مصدراً للقوّةِ والمكانة الدينيّةِ والسياسيّة، ويمكنُ استخلاصُ هذه الملاحظة من طبيعة العلاقة المحدّدةِ لدور الفردِ في الجانب التعبّدي والطقوسي، كأشكال التلاوة والحفظ، والترتيل، وما إلى ذلك. أو من خلالِ الدّور الذي تَضْطَلعُ به المكانة النبويّة، في تبليغ النصّ إلى جماعة المسلمين. وهكذا يكتسبُ النصُّ سلطانه على الأفرادِ بوصفه تجسيداً يتمُ من خلال الأدوار النبويةِ، على الحياة الفرديّة، لكن هذا الأمر يستلزم شيئاً آخر، وهو استمراريّة الأدوار النبوية من خلال طبقة رجال الدّين، ومن يحوزون الحقّ في تفسير النصّ الديني، وبذلك ما كان بالإمكان القول يوماً “إنَّ محمّداً قد مات”، لأنَّ الأدوار النبويّة تمَّ توريثها بشكل متفاوتٍ للجسد السياسي والديني لاحقاً.

الثانيّة؛ أنَّ دراسة القرآنِ في التقليد الإسلامي، تعتبرُ من أعلى شؤون المعرفة الدّينية، وهي فريضةٌ على كلِّ مسلم. يتجلّى النصُّ الدينيُّ بوصفه ركيزةً لوجود الفرد وعضويته داخل المجتمع، وبذلك فإنَّ القرآن يبقى مدارَ تفكيرٍ مستمرٍ، لدى مختلف أطياف المجتمع المتنوّرة منها والمتطرّفة على حدٍّ سواء. يستوجبُ فهم النصِّ النفاذ إلى طبقاته الخفيّة، وفهم معناه العميق، الذي لا يظهرُ في انعكاساته البرّانية، وقشوره، وهذا النّفاذ هو ما يسمحُ بتوسيع دائرة المعنى في النّص على حساب الحرف، الذي تضيق معهُ آفاق النصّ.

الثالثة؛ أن قراءة النّص القرآني، أو الاهتمام بتفسيره، يدخلُ في نِطَاق التجربة الدّينية. لا يسعى النصُّ إلى نقلِ القصص المقدسّ فقط أو الحكي عن تاريخ الأقوام الماضية، وإنّما هو التجسيدُ الفعلي لظهور الله نفسه في أحداث التّاريخ، غير أنَّ القراءة التيولوجية، واللوتيرجية، تبحثان معاً عن الله في النصّ متناسيّتين تماماً، أنَّ النصَّ هو الله، وأنَّ أيّة قراءةٍ للنصّ تعدُّ بمثابة لقاءٍ مفتوحٍ معه. ويصبحُ القرآنُ بذلك كياناً مقدّساً يتمظهر الله من خلاله، داخل التّجربة الإيمانيّة للمسلمين.

والرّابعة؛ أنَّ للنصّ أثرهُ على الواقع والاجتماع البشريين، ومن خلاله ترتسم حدود العلاقة بين الأفراد بعضهم البعض، وبين الأفراد والمجتمع. يبلغُ تأثيرُ النصّ مداهُ حينَ ندركُ أنَّه لا سبيل إلى فهمِ تجربته إلّا ضمن الأفق الذي تختطُّهُ المصالحُ المُتَضَاربة، التي تطمحُ إلى تملُّك زمام النصِّ وتسخيره لخدمةِ مآربها. ولئن كانَ الاختلافُ وارداً في ثقافات المجتمعات التي تأتلف حول نصٍّ واحد، فإنما مصدرُ ذلك اختلاف رؤاهم وطرقهم في قراءته وتأويله، ويبرّرون تلك المعتقدات الناجمة عن تأويلاتهم من خلاله. يؤثّرُ النصُّ الدّينيُّ في المجتمعات، ومنه تصدُر أشكالُ التبرير الممكنة جميعها، ولا سبيل إلى إنكارِ أمرٍ هامّ، وهو أنَّ تفسير النّصِّ يمثّلُ في جوهرهِ عمليّةَ تبريرٍ كليّة لطرق الفهم والاعتقاد، التي تسطّرُ طرق المعنى في الحياة.

المراجع:

[1] – أبو عبد الله بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، (بيروت: دار المعرفة، دت)، الج2، ص147.

[2] – Claude Gilliot, «Les débuts de l’exégèse coranique», dans : Revue du monde musulman et de la Méditerranée, n°58, 1990. Les premières écritures islamiques. P, 82.

[3] – أنظر: عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرِّسالة والتاريخ، ط2، (بيروت: دار الطليعة، 2008)، ص170.

[4] – Herbert Berg, The Development of Exegesis in Early Islam, Op cit, p.2; Claude Gilliot « Les débuts de l’exégèse coranique », In : Revue du monde musulman et de la Méditerranée, n°58, 1990. Les premières écritures islamiques. pp. 82-100.

[5] – أنظر: إغنتس غولدتسيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ترجمة: عبد الحليم النَّجار، (مصر: الخانجي، 1955).

[6] – غولدتسيهر، ص48.

[7] – غولدتسيهر، ص48 – 49.

[8] – Herbert Berg, The Development of Exegesis in Early Islam: The Authenticity of Muslim Literature from the formative Period, London, Routledge, 2000, p173.

– يتناول هربرت بيرغ، في الفصل الخامس، تَفْسير الطبري، و، بالتّحديد، مشكلة “الإسناد”، بالتركيز على الأحاديث المنسوبة إلى ابن عبَّاس.

[9] – Ignaz Goldziher, Introduction to Islamic Theology and Law, (Princeton: Princeton University Press, 1981), p38.

[10] – أنظر: الرَّازي، مفاتيح الغيب [ج7/148]، القرطبي، الجامع لأحكام الَقرآن [ج1/34]، ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل [ج1/19].

[11] – أنظر: محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسِّرون، (القاهرة: مكتبة وهبة، د.ت)، ص78.

[12] – [النَّجْم، 4]

[13] – يمكنُ العودةُ، في هذا الصَّدد، إلى ما جاء على لسان عمر بن الخطّاب حين قال: «أيها النَّاس، ‌ثلاثٌ ‌ودِدت ‌أن ‌رسول ‌الله ‌صلى الله عليه وسلم لم يفارِقنا حتى يعهد إلينا فيهن عهدًا يُنتهى إليه: الجدّ، والكلالة، وأبواب الربا». محمّد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، [ج9/ 439].

[14] -أنظر: ابن النديم، الفهرست، (بيروت: دار المعرفة، 1997)، ص41 – 42.

[15] – أنظر: أبو القاسم البلخي، القاضي عبد الجبّار، الحاكم الجشمي، فضائل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق: فؤاد السيد (بيروت: دار الفارابي، المعهد الألماني للأبحاث الشرقيَّة، 2017)، ص86.

[16] – أنظر: نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التَّفسير: دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، ط3، (الدارالبيضاء: المركز الثقافي العربي، 1996)، ص181.

[17] – تشيرُ الكتاباتُ حول الملل والنّحل والأهواء إلى بعض أَشْكَالِ التَّوظيفات العَقَائديّة للقرآن. ويمكنُ أنْ يُستخلص من تلك التوظيفات أنَّ القرآنَ أصبح، بحقٍ، سلاحاً ذا حدّينُ، ونصّا حمالاً لمعاني كثيرةٍ. أنظر في هذا الصّدد: عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجيَّة، ط2، (بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1977). وأنظر: ابن حزم الظاهري، الفصل في الملل والأهواء والنحل، (القاهرة: مكتبة الخانجي، د. ت). وأنظر: أبو الفتح محمد الشهرستاني، الملل والنحل، (دمشق: مؤسسة الحلبي، د.ت).

[18] – يناقش المؤّرخ والمفكر السوري عزيز العظمة، مسألة الخلفيَّات التاريخيّة والثقافيَّة لنشوء الإسلام، في أواخر العصور القديمةِ، في دراسةٍ متميِّزةٍ، تحتَ عنوان: “ظهورُ الإسلام في أواخر العصور القديمة” (2014). أنظر:

– Aziz Al-Azmeh, The Emergence of Islam in Late Antiquity, (United Kingdom: Cambridge University Press, 2014).

[19] – يشير هربرت بيرغ، في هذا الصّدد، إلى الطريقة التي مرّتْ بها المرويَّاتُ وطُرُق إسنادها، بدءاً بمجاهدْ بن جبرْ وصولاً إلى محمّد بن جرير الطَّبري. ويناقش، إلى جانب ذلك، مشكلة الإسناد. أنظر:

– Herbert Berg, “Weakness in the Arguments for the Early Dating of Qur’anic Commentary”, In Medieval Scriptural Exegesis in Judaism, Christianity, and Islam, edited by, Jane Dammen McAuliffe, (London: Oxford University Press, 2003), p334.

[20] – أنظر: إغنتس غولدتسيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ص107. وأنظر في هذا الصّدد أيضاً:

– Fred Leemhuis, “Origins and Early Development of the Tafsīr Tradition”, in. Andrew Rippin, Approaches to the History of the interpretation of the Qur’ān, (New York: Clarendon Press, 1988), pp 13 – 30.

[21] – أنظر: عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، ضبط وشرح: محمد الإسكندراني، (بيروت: دار الكتاب العربي، 2008)، ص423.

[22] – أبو الوليد بن رشد، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، إشراف: محمد عابد الجابري، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1997)، ص98.

[23] – أبو الوليد بن رشد، فصل المقال، ص119.

[24] – أنظر في هذا الصّدد: الطبري، جامع البيان، [6/174]، الجصَّاص، أحكام القرآن، [1/188]، والثعلبي، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، [8/39]. الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، [1/338].

[25] – أنظر: الطبري، جامع البيان، [6/175].

[26] – الطبري، [6/176].

[27] – الطبري، [6/179].

[28] – يُعارضُ ابن تيميَّة التَّفسير بالرّأي، ويُعلنُ تحريمهُ يقول: «فَأمَّا تَفْسِيرُ القُرآن بمجرَّد الرَّأي فحرام». أنظر: ابن تيميَّة الحرّاني، مقدّمة في أصول التَّفسير، (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1980)، ص46.

[29] – أنظر الزركشي، البرهان/ السيوطي، الإتقان.

[30]

[31]

[32] – أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الج21، (دار هجر، 2001)، ص85.

[33] – أُثير النِّقاش حَوْلَ طبيعة النُّصوص الدِّينيّةِ، ومشكلاتِ تأويلها في اليهوديَّة، كما في المسيحيَّةِ. غير أنَّ النقاشَ سيخرجُ عن إطارِ المذهبيَّة، والتقليد حينما سيتحوَّلُ إلى مبحثٍ قائمٍ بذاتهِ. بدأتْ “الهيرمينوطيقا” مع فريدريك شلايرماخر Schleiermacher Friedrich بوصفها عمليَّةً مزدوجةً في تأويل النصِّ الدينيّ؛ حيثُ اعتمد على القواعدِ النحويَّةِ والأبعاد النفسيَّة من أجلِ بلوغ معنى الخطابِ. يعرِّف شلايرماخر الهيرمينوطيقا بأنَّها “فنٌّ غايتهُ الفَهْمُ الصحيحُ لخطابِ شخصٍ آخر”. أنظُر في هذا الصَّدد:

– Friedrich Schleiermacher, Hermeneutics and Criticism, trans: Andrew Bowie, (United Kingdom: Cambridge University Press, 1998), p, xx.

[34] – أُنْظُر: ابن حزم الظاهري، الفصل في الملل والأهواء والنحل، (القاهرة: مكتبة الخانجي، د. ت). وأنظر: أبو الفتح محمد الشهرستاني، الملل والنحل، (دمشق: مؤسسة الحلبي، د.ت).

[35] – أنظر: صابين شميكته، المرجع في علم الكلام، ترجمة: أسامة شفيع السيِّد، (بيروت: مركز نماء للدراسات والأبحاث، 2018)، ص146.

[36] – يُراجعُ، في هذا الصَّدد، الفَصْلْ السَّابعْ من كتابِ عزيز العظمة: “ظهور الإسلام في أواخر العُصُور القَديمة”، والذي جاء تحتَ عنوان: “الإسلام القديم: شريعة المسلم” (Chapter7 : Paleo – Islam : The Paleo – Muslim canon). أنظر:

– Aziz El-Azmeh, The Emergence of Islam in Late Antiquity: Allāh and his People, (United Kingdom: Cambridge University Press, 2014), p431.

[37] – Guillaume Dye, « Pourquoi et comment se fait un texte canonique ? », in, Hérésies : une construction d’identités religieuses, Edité par : Christian Brouwer, (Bruxelles : Editions de l’université de Bruxelles, 22/2015), pp 55 – 104.

[38] – أنظر: أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين، تصحيح: ريتر (استانبول: مطبعة الدّولة، 1930)، الج2، ص582.

[39] – يبدو أنَّ مسألة القداسة (المقدّس) لا تسيرُ بالتوازي مع مسألة السلطة، لأنَّ القرآن قد ينظرُ إليه على أنّهُ نصٌّ مقدّس دون أن يعني ذلك أنّه ذو سلطانٍ لوحده، بل إنّ تلك السلطة تمارسُ من خلال فاعليّة نصوص أخرى. (كالعلاقة مثلاً: بينَ القرآن والموطّأ عند المالكيّة).

[40]

[41]

[42]

[43] – Claude Gillot, “Exegesis of the Qur’an: Classical and Medieval”, in; Jane Dammen McAuliffe, Encyclopaedia of the Qur’an, (Leiden: Brill, 2001), Vol 2, pp99 – 121. Massimo Campanini, The Qur’an: The Basics, (New York: Routledge, 2016), p68 – 69. Andrew Rippin, Approaches to the History of the interpretation of the Qur’an, (Oxford: Clarendon Press, 1988).

[44] – يقول جيل دولوز في هذا الصّدد: «تتوقّف الحقيقة على اللقاء بما يدفعنا، بقوَّةٍ، إلى البَحْثِ عَنِ الحَقّ (= الصِّدْق)». أنظر:

– Gilles Deleuze, Proust et les signes, 2éme édition, Paris, 1998, p25.

[45]* – تردُ مسألة تسميَّة الأشياءِ – بمعنى أسطوريَّ – في النصِّ القرآني، حيثُ أنَّ اللّه علَّم آدم الأسماء كلَّها (أو اسم كل شيء).

[46] – Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique Générale, Payot, 1995, p x – xi

[47] – Dan Gibson, Qur’anic Geography, Canada, Independent Scholars Press, 2011, p 7 – 16.

[48] – أنظر: محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل القرآن، تحقيق وتعليق: محمود محمد شاكر، الط2، (القاهرة: مكتبة ابن تيميّة، د.ت)، الج1، ص13.

[49] – Christopher Luxenberg, The Syro-Aramaic Reading Of the Koran, Berlin, Verlag Hans Schiler, 2007, p69.

[50] – يذهبُ عبد القاهر الجرجاني إلى الدّفاع عن نظم القرآن قائلاً: «فإِذا ثبتَ، الآن، أنْ لا شَكَّ ولا مِرْيَةَ في أنْ ليسَ “النظمُ” شيئاً غيرَ توخِّي معاني النحو وأحكامه، فيما بين معاني الكلم، ثبتَ من ذلك أنَّ طالبَ دليلِ الإِعجازِ مِنْ ‌نَظْمِ ‌القرآنِ، إِذا هو لم يطلبْهُ في معاني النحو وأحكامه ووجوه وفروقِه، ولم يَعْلمْ أنها مَعْدنِه ومَعانُه، وموضعه ومكانُه، وأنه لا مُستنبَط له سِواها، وأنْ لا وجْهَ لطلبهِ فيما عداها، غارٌّ نفْسَه بالكاذِب من الطَمَع، ومُسْلمٌ لها= =إِلى الخُدَع، وأنهُ إِنْ أبى أن يكونَ فيها، كان قد أبى أنْ يكون القرآنُ معجزاً بنظمه، ولزمه أن يُثبت شيئاً آخر يكون معجزًا به، وأنْ يلحقَ بأصحابِ “الصَّرفة” فيدفعَ الإِعجازَ من أصلِه، وهذا تقريرٌ لا يدفعه إِلا مُعانِدٌ يَعُدّ الرجوعَ عن باطلٍ قد اعتقدَه عجزاً، والثَّباتَ عليه مِنْ بَعْدِ لزوم الحجَّةِ جلداً، ومن وضعه نفسَه في هذه المنزلةِ، كان قد باعَدَها من الإِنسانية». أنظر: عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق: محمد محمود شاكر، (القاهرة: مطبعة المدني، 1992)، ص526.

[51] – Mohammad Arkoun, Lectures du Coran, Paris, Michel Albin, 2010, p69. Et : Michel Cuypers, The Composition of the Qur’an, London, Bloomsbury, 2015, pp 1 – 12.

[52] – Paul Ricoeur, Ecrits et conférences 2 : Herméneutique, (Paris : Seuil, 2010), p36.

[53] – يتخلف مفهومُ “التَّأويل” (Interprétation) عن مفهوم “التَّفسير (Explication)، ويصلُ الاختلافُ بينهما حدَّ التناقضِ، ويظهرُ ذلك في الأعمال الهيرمينوطيقيَّة الأولى لدى شلايرماخر وديلتاي. يحظى التَّأويل بدلالة ذاتيَّة محدّدةٍ، تظهرُ من خلال العلاقةِ بين النصِّ والذات المؤَوِّلةِ، وتنخرطُ هذه العلاقةُ في أفق رفض الموضوعيَّة والتَّأويل الذي يفصلُ بين الذَّات والموضوع.

– Paul Ricoeur, Ecrits et conférences 2 : Herméneutique, Op cit, p92.

[54] – تفسير الطبري [6/ 199 – 204]. (التشديدُ من عندي)

[55] – أبو بكر بن العربي، قانون التّأويل، دراسة وتحقيق: محمد السليماني، (بيروت: مؤسسة علوم القرآن، 1986)، ص240.

[56] – ابنُ قدامة المقدسي، ذمُّ التّأويل، تحقيق: بدر بن عبد الله البدر، (الكويت: الدار السلفيّة، 1986)، ص40.

[57] – لا يختلف في ذلك التَّفسير الشيعيُّ عن السنيّ؛ فقد كتبَ الطبرسي (ت. 548هـ) صاحبُ كتاب: “مجمع البيان”، في معرض حديثه عن التّأويل ما يلي: “والتَّأويل: التفسير وأصلهُ المرجعُ والمصير من قولهم: آل أمره إلى كذا يؤول أولاً: إذا صار إليه؛ وأولته تأويلاً: إذا صيرتهُ إليه”. أنظر:

– الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، (بيروت: دار المرتضى، 2006)، الج2، ص194.

[58] – يقول بول ريكور في معرض حديثهِ عن العلاقةِ بين التّأويل و”المعنى”: «إذا ما طبَّقنا التَّأويل على المعنى، بوصفهِ محايثاً للعملِ (= الأدبي)، فيمكننا الإبقاء على التّأويل بوصفه تقصِّياً عن مكامن القوّةِ في ذلك العملِ، وتجليَّةً لعالمهِ الخاصِّ، وبعدِّه تفعيلاً للحلقة الهيرمينوطيقيّة التي تمكِّننا من إدراكِ عوالم أخرى تعملُ الذاتُ على التّقدُّم في فهمها». أنظر:

– Paul Ricoeur, Ecrits et conférences 2 : Herméneutique, Op cit, p102.

[59] – يمكنُ العودةُ، في هذا السياق، إلى مقالةٍ لألفريد لويس دي بريمار، تحت عنوان “الكتابات والقراءات”، تصفُ اللحظات الأولى لتحول الوحي إلى نصِّ وانعكاس ذلك على مختلف التَّقاليد التَّفسيريَّة المبكِّرة. أنظر:

– Alfred Louis De Prémare, « Ecritures et lectures ». in : Revue du monde musulman et de la Méditerranée, n°58, 1990. Les premières écritures islamiques. p 7 – 13.

[60] – يقول أدونيس في هذا الصَّدد ما نصُّه: «واللُّغةُ الشعريَّة الصوفية تُناقضُ اللُّغة الدينيَّة – الشرعيَّة من حيثُ أنَّ هذه تقولُ الأشياء، كما هي، بشكلٍ كاملٍ ونهائي. بينما اللُّغة الصوفيَّةُ لا تقولُ إلا صوراً منها، ذلك أنها تجليَّاتُ للمطلقِ – تجليَّات لما لا يُقال، ولما لا يُوصفُ، ولما تتعذَّرُ الإحاطةُ به. فما لا ينتهي لا يُعبِّرُ عنهُ إلّا ما لا ينتهي. والكلامُ منتهٍ، والمتكلِّمُ هو كذلك منتهٍ. ستظلُّ قدرةُ الكلامِ، إذن، إشاريَّةً، ورمزيَّةً، وسوفَ يظلُّ القولُ الصوفي، شأنَ القول الشعريّ، مجازاً، ولن يكون حقيقةً، كمثل القول الديني الشرعيُّ». أدونيس، الصُّوفيَّةُ والسوريالية، ط3، (بيروت: دار الساقي، د.ت)، صص23 – 24.

[61] – يذهبُ جون ساوير John Sawyer إلى وصف اللُّغة المقَّدسةِ قائلاً: عادةً ما تُحاطُ اللُّغةُ المقدَّسةُ بمجموعةٍ من الأساطير والتَّقاليد. إنَّها لغةُ الملائكةِ أو اللُّغة التي خُلق بواسطتها العالم، أو الأصلُ الذي انبثقت عنهُ باقي اللُّغات». أنظُر:

– John F. A. Sawyer, Sacred Languages and Sacred texts, (London: Routledge, 1999), p24 – 25.

[62] – يصلُ الجدلُ بين أفق النّص (Text Horizon) وأفق القارئ (Reader Horizon) إلى الاستلاب المتبادل؛ فالنَّصُ يمارسُ سلطتهُ من خلال التَّقاليد التي تراكمت حولهُ، والقارئُ ينطلقُ من واقعه. يفضي بنا هذا الأمرُ إلى نتيجتين: إمَّا قراءةٌ سلفيًّة تجدُ ضالتها في النًّص، وتعتبرهُ غايةً في ذاته، وإما قراءة موضوعيًّة تلغي النصّ كليَّة وتخضعُه لأدوات الفحص النقدي والمنهجي. يقترحُ غادامر الدّمج بين الأفقين (Fusion of Horizon)؛ إذ أنَّ «عمليَّة فهم النصّ تجتذبُ القارئ نحو ما يقوله النَّص، وفي هذا الاندماج يختفي النصّ». أنظر:

– Hans-Georg Gadamer, The Gadamer Reader: A Bouquet of the Later Writings, edited by: Richard E. Palmer (Evanston: Northwestern University Press, 2007), p180.

[63] – Paul Ricoeur, Sur la traduction, (Paris : Bayard, 2004), p61.

[64] – مثلَ: “جامع البيان في تأويل آي القرآن” لمحمد بن جرير الطبري (ت. 310ه)، و”الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل” للزمخشري (ت. 538ه)، و”مفاتيح الغيب” لفخر الدين الرَّازي (ت. 606ه)، و”جامع البيان لأحكام القرآن” للقرطبي (ت. 671ه)، و”تفسير القرآن العظيم” لابن كثير (ت. 774ه)، و “أنوار التنزيل وأسرار التّأويل” للبيضاوي (ت. 685ه)، و”تفسير الجلالين” للمحلي والسيوطي، و”فتح القدير” للشوكاني (ت. 1250ه).

[65] – يقول ابن حزم الظاهريِّ: «فصح أنَّ اتباع الظاهر فرضٌّ، وأنَّهُ لا يحلُّ تعدِّيه أصلاً». أنظر: ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: محمد محمود شاكر، (بيروت: دار الآفاق الجديدة، د. ت)، الج3، ص42.

[66] – أنظر، في هذا الصَّدد، عن الفرق بين القصَّة الأسطوريَّة والتَّاريخِ في رسالة: محمَّد أحمد خلف اللَّه، الفن القصصي في القرآن الكريم، (القاهرة: منشورات الانتشار)

[67] – Jaques Derrida, De la grammatologie, (Paris : Minuit, 1967), pp 42 – 43.

[68] – أنظر: جلال الدّين السيوطي، الدُّر المنثور في التَّفسير بالمأثور، (بيروت: دار الفكر، 2011)، 8ج.

[69] – أنظر: شمس الدّين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، (القاهرة: دار الكتب المصريَّة، 1964)، 20ج.

اقرأ ايضا

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete