جدلية الفكر والوجود: مقارنة بين الرؤية المثالية والرؤية المادية للرُوح ومصيرها الكوني (ابن سينا وإيلينكوف· نموذجًا)

 تكوين

مقدمة:

تتخذ ضرورة الفكر عند كلا من الفيلسوف ابن سينا وإيلينكوف Evald Ilyenkov صورتين متقابلتين، ولكنهما يتقاطعان في تجاوز المحسوس المُعطى. ويقدمان تأملًا فلسفيًا يتناول فكرة الخلاص من خلال الفِكر؛ فبينما الخلاص عند ابن سينا خلاصٌ فردي يُعبر عن رؤية لاهوتية لمعنى الوجود واتصال النفس بالعقل الفعال، كان الخلاصُ عند إيلينكوف جماعيًا اجتماعيًا يغرس المعنى في النشاط الإنساني.

أراد كلاهما “عقلنة” الوجود عن طريق الجدل بين الوجود والفكر؛ ومن هنا تنبع مشروعية هذه المقارنة؛ فعلى الرغم من اختلاف السياق التاريخي والمرجعية النظرية، فهما ينطلقان من سؤال أنطولوجي واحد: كيف يمكن للفكر أن يكون سبيلَ الإنسان إلى تجاوز نقصه وتحقيق خلاصه أو كماله داخل الوجود؟ هل هو قوة مفارقة للمادة أم صورة عُليا من صور تحققها؟ غير أن هذا السؤال الأنطولوجي لا يبقى عند حدود تفسير الوجود، بل ينفتح عند كليهما على أفق إيتيقي؛ إذ يصبح السؤال عن العقل سؤالًا عن موقع الإنسان، وعن مسؤوليته، وعن مصير الرُوح أو الفكر داخل العالم. فمن الأنطولوجيا ينتقل البحث إلى الإيتيقا: من سؤال (ما الفكر؟) إلى سؤال (ماذا يفعل الفكر، وأي دور ينهض به الإنسان العاقل في الوجود؟)

وتزداد ضرورة المقارنة لأن العقل عند ابن سينا وإيلينكوف ليس عقلًا سلبيًا يكتفي بتلقي العالم كما هو. فعند الأول، لا تكون النفس العاقلة مرآة جامدة تنطبع فيها الصور انطباعًا آليًا، بل تشارك في عملية التجريد، فتستخلص الصورة الكلية من مادتها الجزئية. وعند الثاني، لا يكون الفكر انعكاسًا دماغيًا أو استقبالًا حسيًا فقط، بل شكلٌ من أشكال النشاط الإنساني الاجتماعي، يتجسد في اللُّغة، والعمل، والأدوات، والثقافة. لذلك لا يواجه الإنسان العالم عندهما بوصفه معطًى خامًا، بل بوصفه عالمًا يحتاج إلى وساطة: وساطة الحس والتجريد والاتصال العقلي عند ابن سينا، ووساطة الثقافة والعمل والتاريخ عند إيلينكوف.

ومن هنا تصبح المقارنةُ ضروريةً أيضًا على مستوى العلاقة بين الوعي الفردي والواقع. فالمعطى الحسي عند كليهما لا يكفي بذاته؛ إنه بداية لا نهاية. عند ابن سينا، يمدُّ الحسُّ النَّفْسَ بالمواد الأولى للمعرفة، لكنّ العقلَ لا يقف عندها، بل يتجاوزها نحو الكلي والمعقول. أما عند إيلينكوف، لا توجد علاقة مباشرة أو بريئة بين الوعي الفردي والعالم؛ إذ تتوسطها الثقافة المتكوّنة تاريخيًا: اللُّغة، والأدوات، والمؤسسات، وأشكال الحياة الاجتماعية. وبذلك يلتقي الفيلسوفان في رفض الاختزال الحسي المباشر، وإن اختلفا في تفسير طبيعة هذه الوساطة ومصدرها.

كما تفرض المقارنة نفسها من جهة مفهوم الحركة. فابن سينا يفهم الوجود في ضوء الانتقال من القوة إلى الفعل، ومن الإمكان إلى التحقق، إذ تكون الحركة علامة على نقص يطلب كماله. أما إيلينكوف، فيفهم الفكر والمثالي بوصفهما حركة مادية-اجتماعية، يتحول فيها النشاط الإنساني إلى أشياء، ثم تعود هذه الأشياء لتكوّن نشاط الإنسان ووعيه. وفي الحالتين لا يكون الوجود ساكنًا، بل صيرورةٌ تتحدد عبر الانتقال والتحول والتوسط.

وتبلغ المقارنة ذُروتها عند سؤال الغاية والمصير. فابن سينا يربط كمال النفس بمصيرها العقلي والرُوحي، إذ يتحدد خلاصها بقدر اتصالها بالعالم العقلي وتحققها بالكمال المعرفي. أما إيلينكوف، فيرفض الغائية الميتافيزيقية التي تجعل الفكر غاية مفروضة على الكون من الخارج، لكنه لا ينفي أن للفكر مُهمةً كونية محتملة: فالفكر ليس قدرًا مضمونًا، بل إمكانٌ مشروط، يمكن أن يتحقق ويمكن أن يفشل. ومن هنا يظهر الفرق بين غائية ميتافيزيقية ترى للرُوح مصيرًا مقررًا، وبين تصور مادي ديالكتيكي يرى في الفكر ذُرْوَة مُمكنة لحركة المادة، لا نهايتها الحتمية.

لهذه الأسباب لا تقوم المقارنة بين ابن سينا وإيلينكوف على تشابه خارجي أو تجاور تاريخي عابر، بل على وَحْدة إشكالية عميقة: كلاهما يحاول أن يفهم العلاقة بين الفكر والوجود لا بوصفها ظاهرة نفسية معزولة، بل بوصفها مدخلًا لِفَهْمِ الإنسان وموقعه في العالم. غير أن أحدهما يفتح هذا السؤال من داخل ميتافيزيقا عقلية تجعل الرُوح صاعدة نحو الكمال، ويفتحه الآخر من داخل مادية ديالكتيكية تجعل الفكر تتويجًا تاريخيًا واجتماعيًا لحركة المادة.

إشكالية الدراسة:

تتمحور إشكالية البحث حول التقابل الأنطولوجي بين المثالية الجوهرية· والمادية الديالكتيكية في فهمهما لماهية النّفْس/الفكر ودورها في النظام الكوني. تنبع مشروعية هذه المقاربة من أنها لا تفترض تماثلًا تاريخيًا أو منهجيًا بين ابن سينا وإيلينكوف، ولا تسعى إلى إسقاط أحدهما على الآخر، بل تنطلق من إشكالية بحثية مشتركة تَتَمَثَّلُ في السؤال الآتي: كيف يتحول الفكر من محض فعل معرفي أو إدراكي إلى إمكان خلاص مشروط، تكشف للإنسان شروط وجوده ومصيره داخل الكُل؟

لذلك لا يُقرأ ابن سينا بوصفه سابقًا على الجدل المادي، ولا يُقرأ إيلينكوف بمنطق الفلسفة السينوية، بل يُفهم كلٌّ منهما داخل أفقه الخاص. فعند ابن سينا، يتخذ الفكر وظيفة ميتافيزيقية-خلاصية؛ إذ يرتقي بالنفس من المحسوس إلى المعقول، ويكشف افتقار الممكن إلى واجب الوجود، ما يجعل خلاص النفس مشروطًا بانكشاف النظام العقلي للوجود. أما عند إيلينكوف، فيتخذ الفكر وظيفة اجتماعية-تاريخية؛ إذ ينتقل من المُجرد إلى العياني، كاشفًا أن العالم الاجتماعي ليس قوة غريبة عن الإنسان، بل تجسيدٌ لنشاطه التاريخي القابل للفهم والتغيير. ومن ثمَّ تقوم المقارنة لا على التطابق، بل على إبراز اختلاف شكلين من الخلاص بالفكر: خلاصٌ كوني ميتافيزيقي عند ابن سينا، وخلاصٌ اجتماعي تاريخي عند إيلينكوف.

أسئلة الدراسة:

  • هل الفكر “فيضٌ” عقلي وجودي صادر عن واجب الوجود (ابن سينا) أم “ضرورةٌ” شرطية تَظهر حين تبلغُ المادةُ مستوى الوعي بذاتها وبشروط بقائها (إيلينكوف)؟
  • ما التباين بين النفس (عند ابن سينا) بوصفها جوهرًا بسيطًا مفارقًا للمادة، وبين الفكر (عند إيلينكوف) بوصفه شكلًا من أشكال النشاط المادي والاجتماعي؟
  • كيف يتقاطع “المعاد الرُوحاني” الفردي مع “الفداء الكوني·” المادي في تحديد الوظيفة الخلاصية للفكر تجاه الوجود؟

أهمية الدراسة:

تفتح هذه الدراسة أفقًا يتجاوز المقابلة السطحية بين المثالية والمادية من خلال صورتين مختلفتين للخلاص: خلاص ميتافيزيقي، ترتقي النفس فيه إلى أفق المعقول وتجد كمالها في الاتصال بالعالم العقلي؛ وخلاص مادي-تاريخي، لا يهرب الإنسان فيه من العالم، بل يعمل داخله، ويعيد تنظيم علاقته بالطبيعة والمجتمع والتاريخ. وبهذا المعنى، لا يعود الفكر محض تأمل نظري، بل قوةٌ توجيهية: إما أن يحرر النفس من الاضطراب والانغماس في المحسوس، أو يحرر العالم من العمى التاريخي الذي تنتجه علاقات الاستغلال والحرب والتشيؤ. وتساعد الدراسة على إعادة القيمة للفكر بوصفه قوةً خلاصية، لا بمعنى ديني أو أخلاقي مباشر فقط، بل بوصفه قدرةَ الإنسان على تجاوز المعطى: تجاوز الحس إلى المعقول، وتجاوز الضرورة العمياء إلى الفعل الواعي.

ومن هنا تأتي أهمية الدراسة في أنها تجعل المقارنة بين ابن سينا وإيلينكوف ملائمة لإعادة صياغة سؤال معاصر شديد الإلحاح: أي نوع من الفكر نحتاج في زمن الكارثة؟ فكر يكتفي بالخلاص الداخلي، أم فكر يربط خلاص الإنسان بخلاص العالم؟ وربما تكمن قيمة المقاربة في أنها لا تلغي أحد البعدين لصالح الآخر، بل تكشف الحاجة إلى فكر يجمع بين ارتقاء النفس ومسؤولية الإنسان عن العالم، وبين طلب الحقيقة وضرورة تغيير الشروط التي تجعل الحياة الإنسانية مُهددة بالفناء أو الانحطاط.

منهج الدراسة:

تستخدم الدراسة منهجًا مقارنًا جدليًا بين تصور ابن سينا للنفس الناطقة بوصفها جوهرًا رُوحانيًا مفارقًا· في التعقل والبقاء، وتصور إيلينكوف للفكر بوصفه خاصيةً عُليا للمادة، وأعلى شكل من أشكال حركتها الكونية·، لا جوهرًا مستقلًا عنها.

الإطار النظري:

أولًا: أنطولوجيا النفس/الفكر عند ابن سينا وإيلينكوف:

ينطلق البحث من تداخل مستويين أساسيين: مستوى أنطولوجي يتصل بطبيعة الفكر وموقعه من الوجود، ومستوى إيتيقي يتصل بما يترتب على هذا الموقع من معنى للفعل الإنساني. فعند تناول إيلينكوف، لا يكون الحديث عن الفكر محض بحث في المعرفة أو في وظائف الدماغ، بل اقترابٌ من سؤال أعمق عن علاقة الفكر بالمادة، وعلاقة الإنسان بالعالم الذي ينتمي إليه. ومن هنا يصبح الانتقال من الأنطولوجي إلى الإيتيقي ضروريًا؛ لأن تحديد ماهية الفكر يسبق فَهْم دلالة الفعل، كما أن تصور الإنسان بوصفه كائنًا مفكرًا يفتح المجال للنظر في مسؤوليته التاريخية والعملية تجاه الطبيعة والمجتمع والمستقبل.

لذلك لا يبدأ إيلينكوف من “الدماغ الفردي·” ليشرح المجتمع، بل يبدأ من العلاقة الاجتماعية العملية بين الإنسان والطبيعة، ثم يفسر الوعي بوصفه أثرًا وشكلًا ذهنيًا لهذه العلاقة. لذلك شنَّ نقدًا حادًا على المادية الساذجة أو المبتذلة التي تختزل “المثالي”· إلى فكرة، أو صورة ذهنية، أو إحساس فردي. فهذا الفَهْم في نظره، يعجز عن تفسير ظواهر مثل: اللُّغة، والنقود، والقيمة، والقانون، والدولة، والرموز، والأدوات؛ إذ إن هذه الظواهر موجودةٌ خارج وعي الفرد، وتمتلك فاعلية موضوعية، لكنها لا تُفسَّر من خلال مادتها الفيزيائية وَحْدها. ومن هنا رأى “أن المثالية الذكية أو الديالكتيكية عند أفلاطون وهيجل، رغم طابعها المقلوب، كانت أقرب إلى إدراك المشكلة من المادية الساذجة”[1].

ومن قبله، استفاد ماركس من فكرة المثالية الموضوعية objective idealism وتُعرَّف بأنها: “ذلك التصور الذي تَتَمَثَّلُ فيه المثالية بوصفها عالمًا خاصًا من الكِيانات اللا جسمية، أي الأفكار، قائمًا خارج الإنسان ومستقلًا عنه”[2]، بعبارة أخرى، هي تلك المثالية التي تقول بأن الثقافة (أو “الدولة” بتعبير أفلاطون) تسبق الفرد وتُملي عليه كيف يتصرف، مما ساعده على فَهْم أن “الوعي الاجتماعي” ليس تَكْرارًا للوعي الفردي فحسب، بل هو واقع موضوعي مستقل، وهنا تظهر أهمية ماركس عند إيلينكوف؛ فالفارق بين الإنسان والحيوان لا يكمن فقط في امتلاك الإنسان وعيًا داخليًا، بل في أن الإنسان يجعل نشاطه نفسه موضوعًا له. إنه لا يندمج مباشرة في نشاطه الحيوي كما يفعل الحيوان، بل يفصل النشاط عن ذاته، ويصوغه ليكون غايةً، ثم يجسده في أداة أو رمز أو مؤسسة، ثم يعود هذا التجسد ليكوّن وعيه ووعي الآخرين.

بهذا المعنى يصبح الوعي الإنساني وعيًا اجتماعيًا متشيئًا· في العالم، لا حالة نفسية فردية فقط، فيقول: “إن الحيوان واحدٌ مباشرة مع نشاطه الحياتي. إنه لا يميِز نفسه عنه. إنه هو نشاطه الحياتي. أما الإنسان فيجعل نشاطه الحياتي نفسه موضوعًا لإرادته ووعيه”[3]، فالحيوان مجبول على النشاط من أجل بقائه، أما الإنسان فنشاطه الذهني أو الفكر هو تجسيد النشاط الاجتماعي لمجموع الأفراد الذي يتوسط وعيهم وواقعهم.

ومن خلال ذلك استخلص إيلينكوف أن “المثالي” هو حركة المادة في أرقى صورها؛ ويصبح ” نوعًا من الختم· الذي يطبعه النشاط الحياتي الإنساني الاجتماعي على مادة الطبيعة؛ إنه شكل اشتغال الشيء الفيزيائي داخل سيرورة هذا النشاط”[4] . يتجلى هذا الفكر في الدورة الديالكتيكية التي لا تنقطع؛ فالحركة التي تحول النشاط الذهني أو الفكرة إلى شيء مادي مثل: كتاب أو قانون أو آلة، عن طريق عملية التشيؤ reification ، تعود ليستوعبها إنسان آخر ويحولها بدوره مرة أخرى إلى نشاط ذهني وعملي بنزع التشيؤ. وهذه الحركة بين النشاط والأداة هي التي تخلق “الرُوح” أو المثالي. وبهذا المنطق لا تصبح الرُوح شبحًا ميتافيزيقيًا يسكن الجسد، بل طريقةُ اشتغال المجتمع البشري ووظيفة اجتماعية تتوسط علاقة الإنسان بالواقع عبر اللُّغة والعمل والثقافة. ويصير الوعيُ خاصية للدماغ لا ملكية خاصة به. ومن هنا فإن أنطولوجيا الفكر عند إيلينكوف لا تفصل الرُوح عن المادة، بل تفهمها بوصفها أعلى طريقة تنتظم بها المادة اجتماعيًا وتاريخيًا.

على الجانب الآخر، تظهر أنطولوجيا الفكر عند ابن سينا عن طريق جعل طبيعة الفكر تابعة لطبيعة موضوعه؛ إذ يتلخص طرحه في إثبات لا جسمية النفس الناطقة من كونها تُدرك الكُليات. ولأن موضوع الفكر ليس المحسوس الجزئي، بل المعقولُ الكلي وهو بطبيعته غير مادي، إذن الفكر -في كونه تعقلًا للكُلي- لا يمكن أن يكون حركة مادية في عضو فحسب.

ومن هنا، لا يكون الفكر عنده نتاج الدماغ وَحْده، ولا محض صورة اجتماعية، بل هو تحقق النفس الناطقة بالمعقولات، وذلك بانتقالها من القوة إلى الفعل بواسطة العقل الفعال؛ ويقدم ابن سينا في إثبات هذه الفكرة عدة براهين. إذ ينطلق من أن الإنسان يدرك المعاني الكلية مثل: “الكل” و”العدد” و”النوع” و”الجنس” وغيرها، بواسطة النفس الناطقة. لذلك فهي من جهة تعقلها لتلك المعاني تكون جوهرًا غير جسماني. وهو يطرح تلك الحُجَّة من خلال عدم التناهي والانقسام؛ أي بما أن الجسم محدود وله مقدار، وكل ما هو مُنطبِعٌ في جسم يكون تابعًا له في المقدار والوضع والانقسام، فإذا كانت الصورة العقلية موجودة في جسم، فإما أن تكون منقسمة بانقسام ذلك الجسم، أو لا تكون منقسمة. لكنّ المعنى الكُلي لا يعمل بهذه الطريقة. فمعنى “الإنسان” ليس شيئًا يُمكن أن نقسمه مكانيًا إلى يمين ويسار، أو نصف وثلث. لا نقول إن نصف الدماغ يحمل نصف معنى الإنسان، والجزء الآخر يحمل النصف الآخر بطريقة الانقسام نفسها للخط أو السطح. ويقول في ذلك: “إن الجوهر الذي هو مَحَلُّ المعقولات ليس بجسم ولا هو قائم بجسم على أنه قوة فيه أو صورة له بوجه. فإنه إن كان مَحَلُّ المعقولات جسمًا أو مقدارًا من المقادير، فإما أن تكون الصورة المعقولة تحل منه شيئِا وحدانيًا غير منقسم، أو تكون إنما تحل منه شيئاً مُنقسمًا. والشيء الذي لا ينقسم من الجسم هو طرف نقطي· لا محالة”[5] فالنفس الناطقة (العقل) هي الوحيدة التي تدرك “الإنسان الكلي” المجرد من الأين والمتى والمقدار. وبما أن هذا المدرَك “مجرد”، فالمُدرِك (النفس) يجب أن يكون من جنسه، أي مجردًا كذلك عن المادة. وهذا يقود إلى نتيجة أن القوة العاقلة غير جسمانية. إذن أنطولوجيا الفكر تبدأ من طبيعة موضوعه؛ وموضوع الفكر هو المعقول الكلي، لا المحسوس الجزئي.

كما يميز ابن سينا بين نوعين من الانقسام يستخدمهما ليحصر “المادة” في زاوية مستحيلة؛ فيقول: “ليس كل معقول يمكن أن ينقسم إلى معقولات أبسط منه؛ فإن هاهنا معقولات هي أبسط المعقولات، وهي مبادئ التركيب في سائر المعقولات، وليس لها أجناس ولا فصول، ولا هي منقسمة في الكم، ولا هي منقسمة في المعنى. فإذن، ليس يمكن أن تكون الأجزاء المفروضة متشابهة، كل واحد منها هو في معنى الكل، وإنما يحصل الكل بالاجتماع فقط؛ ولا أيضًا يمكن أن تكون غير متشابهة، فليس يجب أن تنقسم الصورة المعقولة·“[6] يستخدم ابن سينا هنا برهان الانقسام. فالانقسام المادي (الكمي)؛ أي انقسام الكل إلى أجزاء متشابهة في الماهية (مثل تقسيم خط إلى خطين، أو قطعة ذهب إلى قطعتين، والانقسام المنطقي (المعنوي)؛ أي تحليل المفهوم إلى أجزاء غير متشابهة (جنس وفصل)، مثل تحليل “الإنسان” إلى “حيوان” و”ناطق” وهكذا. ومن ثمَّ فإن “عدم انقسام المعنى” هو دليله على “مفارقة الرُوح للمادة”. إذ كيف نقسم مفاهيم مثل: “الوجود” أو “الشيء” أو “الوَحْدة”؟

ومن ضمن براهينه كذلك على أن النفس الناطقة قادرة بالقوة على تعقل معقولات لا نهاية لها، يقول: “إن الشيء الذي يقوى على أمور غير متناهية بالقوة لا يجوز أن يكون جسمًا ولا قوة في جسم، قد برهن على هذا في الفنون الماضية. فلا يجوز إذن أن تكون الذات المتصورة للمعقولات قائمة في جسم ألبتَّة، ولا فعلها كائن في جسم ولا بجسم”[7]، بمعنى آخر يقول إن أي قوة تسكن في جسم (مثل قوة البصر أو السمع) يجب أن تكون متناهية بتناهي ذلك الجسم؛ لذا يتعب البصر وتضعف الحواس. أما النفس الناطقة (العقل) فهي قادرة على تعقل أمور لا تتناهى (مثل سلسلة الأعداد، الأشكال الهندسية، الروابط المنطقية الكلية). لأن العقل كلما تعقل أكثر، زادت قوته على التعقل ولم يكلْ.

كما يُلاحظُ أن ابن سينا لا يجعل الوجود وقائع متناثرة فقط، بل يجعله بِنية عقلية يمكن فهمها عبر مفاهيم: الواجب، والممكن، والعلة، والوجود، والماهية. وهذه المفاهيم لا يدركها الحس، بل يدركها العقل. لذلك تظهر ضرورة الفكر؛ لأن الفكر هو الذي يكشف أن الممكن لا يفسر ذاته، وأن الموجودات الممكنة تحتاج إلى مبدأ واجب أول. بمعنى آخر، لا يمكن للموجودات أن تكون كلها ممكنة ومحتاجة إلى غيرها بلا نهاية. إذ لا بد من انتهاء السلسلة إلى موجود لا يحتاج إلى غيره، وهو: واجب الوجود بذاته.

ويقدم ابن سينا في طرحه القائل بأن “تتبع سلسلة العلل لا بد أن ينتهي إلى مبدأ أول” عدة براهين، إذ يقول: “فقد تبين من جميع هذه الأقاويل أن ههنا علة أولى، فإنه وإن كان ما بين الطرفين غير متناه، ووجد الطرف، فذلك الطرف أول لما لا يتناهى، وهو علة غير معلول”[8]، ويشرح سبب ذلك بواسطة استحالة أن تكون العلل الممكنة دائرة أو متسلسلة بلا مبدأ أول، فيوضح: “وليس كلامنا ههنا فيما هو بشخصيته مبدأ لا بنوعيته، وفيما هو بالعرض مبدأ لا بالذات، فإنا نجوز أن تكون هناك علل قبل علل بلا نهاية في الماضي والمستقبل، وإنما علينا أن نُبين التناهي في الأشياء التي هي بذواتها علل”[9] فحتى لو طال التسلسل، يبقى السؤال: لماذا وُجدت السلسلة كلها؟ إن كانت كلها ممكنة، فهي محتاجة إلى علة. ولا يمكن أن تكون علتها من داخلها فقط، لأن كل ما في داخلها مفتقر إلى غيره. إذن لا بد من علة ليست ممكنة، بل واجبةٌ.

ولأن الفكر الفلسفي لا يكتفي بملاحظة التعاقب بين الأشياء، بل يميز بين البعدية الزمنية an eternal succession of causal relations والعلاقة العلية الذاتية true causal series  · فإن ابن سينا يُنبه إلى أنه لا ينبغي أن نفهم قولنا، إن شيئًا كان من شيء آخر بمعنى أنه جاء بعده فحسب، إذ قد تدل (من) هنا على البعدية فقط لا على دخول شيء من ذات الأول في الثاني. كما يُميز بين التقدم الذاتي Essential priority والتقدم العَرَضِي accidental causal priority  ·، فيقرر أن بعض التحولات، مثل تحول الماء والهواء، لا تجعل أحدهما متقدمًا بالذات على الآخر، بل يكون التقدم باعتبار الشخصية لا النوعية. ومن هنا يظهر أن العقل لا يبحث عن سلسلة أحداث فحسب، بل عن ترتيب وجودي حقيقي ينتهي إلى علة أولى غير معلولة. فضرورة الفكر عند ابن سينا تظهر في قدرته على كشف هذا الفرق بين التعاقب والعلية، وبين التحول العَرَضِي والتأسيس الأنطولوجي·.

لذلك يصدر الوجود عنده عن مبدأ عقلي أعلى، لا عن حركة مادية عمياء؛ ويشرح ذلك في قوله: “وإنما يعقل وجود الكل عنه على أنه مبدأ، وليس في ذاته مانع كاره لصدور الكل عنه، وذاته علة بأن كماله وعلوه بحيث يفيض عنه الخير”[10]، أي يصدر بسبب كمال المبدأ الأول وعلوه. والفيض· هنا ليس فعلًا ماديًا، بل صدورٌ عن مبدأ عقلي كامل. كما أنه ليس عشوائيًا ولا ماديًا محضًا، بل وَفْق نظام عقلي؛ ” بل عقلٌ محضٌ، ومدبَّرٌ بما عَقِلَ من ذاته نحو ما في الوجود أن يفعله فيه كيف يمكن، وكيف يكون أفضل ما يكون أن يحصل وجود الكل على مقتضى معقول”[11]. هكذا لا يكون الفكر عند ابن سينا محض نشاط ذهني، بل انكشافٌ عقليٌ لحقيقة أن “ممكن الوجود” لا يقوم بذاته، بل يستمد وجوده من “واجب الوجود”.

ثانيًا: ماهية الوعي بين “تجريد” النفس و”تتويج” المادة:

لا يفهم إيلينكوف الوعي على أنه مُعطى جاهزٌ داخل الطبيعة، ولا تجريدٌ ذهني منعزل عن العالم، بل بوصفه تتويجًا لمسار طويل من تنظيم المادة داخل العمل والثقافة والتاريخ. ولذلك كانت نقطة البدء عنده من سبينوزا “الجوهر الواحد”، تحديدًا من سؤال: “هل يمكن للحجر أن يشعر؟ نعم يمكنه ذلك. كل ما عليك فعله هو أن تسحقه، ثم تنبت نباتًا من مسحوقه، ثم تأكل النبات، وبهذا تتحول مادة الحجر إلى مادة جسد ذي إحساس”. وأوضح أن “هذه الومضات البارعة· من الجدل عند سبينوزا، والمقترنة بنظرة مادية في جوهرها إلى العقل الإنساني، قد دُفنت في التيار العام للتفكير الميتافيزيقي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، إذ غمرها هذا التيار وطمسها”[12]. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين وجود المادة بوصفها جوهرًا كونيًا شاملًا كما يفهمها إيلينكوف، وبين تحقق الفكر بوصفه أعلى أشكال هذا الجوهر. فالمادة لا تفكر في كل أجزائها مباشرة، لكنها تحمل إمكان الفكر حين تبلغ، عبر الحياة والعمل والدماغ والثقافة، صورة من التنظيم قادرة على جعل العالم موضوعًا للوعي.

ويتيح مثال سبينوزا، كما يستعيده إيلينكوف، تجاوز الفصل الميتافيزيقي بين المادة والفكر: فالإحساس ليس جوهرًا غريبًا عن المادة، بل إمكانٌ لا يتحقق إلا عندما تبلغ المادة درجة معينة من التنظيم. غير أن هذا لا يعني السقوط في مادية ميكانيكية تختزل الوعي إلى وظيفة عضوية مباشرة، كما لو كان الفكر إفرازًا من الدماغ شبيهًا بوظائف القلب أو الكبد. هنا تأتي أهمية تحديد مقولة المثالي عند إيلينكوف؛ فلو كان المثالي وظيفة عضوية في الدماغ فقط، لما احتجنا إلى مقولة مستقلة أصلًا، ولا يجوز أن تبقى مرادفًا غامضًا لـ “النفس” أو “الذهن” فيقول: “وهذا ما كانت عليه قبل أفلاطون، إذ كان مصطلح [الفكرة] يُستعمل، حتى عند ديموقريطس، للدلالة على شكل جوهري تمامًا، أي على الخطوط الهندسية الخارجية لـ [شيء]، لجسم، تنطبع في الإنسان انطباعًا فيزيائيًا تامًا، في الجسد الفيزيائي لعينيه. وهذا الاستعمال، الذي كان يميز الشكل المبكر والساذج من المادية، لا يمكن بالطبع، أن تستخدمه مادية اليوم، التي تأخذ بعين الاعتبار كل تعقيد العلاقات بين النشاط الذهني الفردي وعالم الأشياء”[13].

ويوضح إيلينكوف: “أن المادة تحمل في ذاتها ضرورة توليد الفكر؛ فهي عبر لا نهائية المكان والزمان، تنتج باستمرار كائنات مفكرة وأدمغة قادرة على التفكير. وبذلك لا يكون الفكر حادثًا عابرًا، بل إمكانٌ كونيٌ يتحقق دائمًا في المادة، حتى يغدو كل جزء منها قابلًا، في لحظة ما، لأن يكون جزءًا من دماغ مُفكر؛ ومن ثم يُمكن القول إن المادة ذاتها تفكر”[14]. ويقصد بالإمكان الكوني هنا أن ضرورة الفكر ليست ضرورة ميكانيكية أو مباشرة؛ فهو لا يقول إن كل ذرة تفكر، ولا إن الإحساس موجود في الحجر كما هو موجود في الكائن الحي. بل الضرورة المقصودة ضرورة كونية-ديالكتيكية؛ أي أن المادة، في لا نهائية تحولاتها، تُنتج أشكالًا متزايدة التعقيد، حتى تبلغ: الحياة، والدماغ، والعمل، والثقافة. عندئذ فقط يصبح الفكر تحققًا فعليًا لإمكان كان كامنًا في المادة لا بوصفه فكرة جاهزة، بل بوصفه قابلية للتنظيم والتطور·.

ويضيف: “بما أن المادية الجدلية ليست تجميعًا وضعيًا للمعطيات العلمية فحسب، بل نسقٌ فلسفي قائم بذاته، فهي تقر بأن الدماغ المفكر هو أعلى صور تنظيم المادة، وأن الفكر، بوصفه فعالية لهذا الدماغ، يُمَثِّلُ أقصى ما تبلغه المادة الكونية في تطورها”[15]، وبهذا المعنى، لا يكون الوعي تجريدًا مفارقًا للمادة، ولا محض وظيفة بيولوجية معزولة، بل تتويجٌ لمسار مادي-تاريخي طويل. إنه تجريد بالفعل، لكنه تجريد عملي متجسد؛ أي إن الفكر يجرِّدُ العالم لأنه سبق أن حوَّله: بالعمل، والأداة، واللُّغة، والثقافة. ولذلك فإن الوعي عند إيلينكوف لا ينشأ من التأمل الخالص، بل من النشاط أو الممارسة التي تجعل الطبيعة موضوعًا إنسانيًا.

وإذا كان الوعي، في مستواه الاجتماعي، لا يظهر إلا حين تتحول الطبيعة إلى ثقافة عبر العمل والنشاط، يوسع إيلينكوف هذا المنطق على المستوى الكوني؛ فالفكر لا يكون ثمرة ثقافية محلية فقط، بل حلقةٌ في دورة المادة الكونية نفسها. فكما أن المثالي اجتماعيًّا هو شكل المادة حين تدخل في النشاط الإنساني، فإن الفكر كونيًا هو شكل المادة حين تبلغ أعلى درجات تنظيمها وتعود لتؤثر في شروط وجودها. يقول: “ومن ثمَّ فإن الفكر، بوصفه خاصيةً للمادة، بل بوصفه أسمى نتاج للتطور الكوني، يندرج داخل هذه الدائرة الأبدية الكبرى للمادة الكونية، التي تجدد دوراتها باستمرار. فهو يظهر بوصفه إحدى حلقات دائرة التطور، بل حلقةٌ تمر عبرها الدائرة الكبرى كلها، على نحو ما، وبضرورة صارمة[16]“.

وهنا تبرز فرادة إيلينكوف في “إنزال” المفهوم الدائري وإعادة تأسيس معناه على أرض المادة والتاريخ؛ فبينما حَبَسَ الإغريق “اللوجوس” في الشكل الدائري بوصفه رمزًا للكمال السماوي المفارق·، وحافظ التوحيديون على قدسية الدوران في طقوسهم (كالهقافوت اليهودي·، أو الطواف في الإسلام·) لربط الوعي بالأفق الأخروي، غير أن هذا الربط لا ينبغي فَهْمه فَهْمَ تطابقٍ بين الفلكي والديني، بل فَهْم تحولٍ في دلالة الدائرة: من رمز للكمال الكوني عند اليونان إلى حركة شعائرية تُعيد توجيه الجسد والوعي حول مركز مقدس. جاءت الحداثة عند إيلينكوف لُتحرر هذا “الكلي” من صورته المفارقة. فأنزل هذا المقدس الدائري من عليائه ليربطه بالمادة والتاريخ والصيرورة؛ ومن ثمَّ لم يَعُدْ “الكليُّ” إلهًا مفارقًا، بل صار متمثلًا في “الجزئي” (الإنسان، العمل، التاريخ) الذي يعيد إنتاج سؤال الكلي أرضيًا عبر دورة المادة التي تتوج ذاتها بالفكر.

على الجانب الآخر، اعتمد ابن سينا في دراسة النفس منهجًا استنباطيًا رصينًا؛ فبدلًا من البدء بالمسلمات الدينية أو الأخلاقية، انطلق من الملاحظة الطبيعية لأفعال الأجسام الحية· (التغذي، النمو، الإحساس، الحركة الإرادية·، والتفكير). ومن هذه الملاحظة صاغ مقدمات عقلية كلية ليستنتج ضرورة وجود “النفس” بوصفها المبدأ المحرك؛ إذ إن الأجسام في كونها “أجسامًا” لا تكفي لتفسير الحياة (فالحجر والمعدن أجسام، لكنها لا تنمو ولا تحس). لذا لا بد من وجود مبدأ زائد على الجسمية يصير به الجسم حيًَا، وهو ما يُعبِّر عنه بقوله: “لا يتم حيوانًا ولا نباتًا بالبدن ولا بالنفس، فيحتاج إلى كمال آخر هو المبدأ بالفعل”[17].

ثم ينتقل ابن سينا لتدقيق المصطلحات، فيميز بين الجسم (بوصفه آلة وأداة) والنفس (بوصفها المبدأ المدبر). وهنا يطرح تمييزًا فلسفيًا مُهمًا بين “الصورة” و”الكمال”. فعندما يصف النفس بأنها “صورة”، فإنه لا يقصد الشكل الخارجي، بل المعنى الوجوديُّ الذي يصير به الجسمُ نوعًا معينًا (إنسانًا أو حيوانًا). ومع ذلك، يرى أن مفهوم “الكمال” أعم وأدق من “الصورة”؛ فبينما تقتضي الصورة الحلول المباشر في المادة والالتصاق بها، قد يكون الكمال “مفارقًا” ومدبَّرًا من الخارج. ويوضح ذلك بمثاله الشهير: “ثم كل صورة كمال، وليس كل كمال صورة، فإن المَلِك كمال المدينة، والرُّبَّان كمال السفينة، وليسا بصورتين للمدينة والسفينة، فما كان من الكمال مفارق الذات لم يكن بالحقيقة صورةٌ للمادة وفى المادة. فإن الصورة التي هي في المادة، هي الصورة المُنْطَبِعة فيها القائمة بها، اللهم إلا أن يُصطلح فيقال لكمال النوع صورة النوع. وبالحقيقة فإنه قد استقر الاصطلاح على أن يكون الشيء بالقياس إلى المادة صورة، وبالقياس إلى الجملة غاية وكمالًا، وبالقياس إلى التحريك مبدأ فاعليًا وقوة محركة”[18]، فالنفس بالقياس إلى المادة هي “صورة” (لأنها تُكمل النوع)، وبالقياس إلى الجملة (الكائن كله) هي “كمال وغاية”، وبالقياس إلى التحريك هي “مبدأ فاعل”.

ثم يُفرّق كذلك بين الكمال الأول والكمال الثاني. فالنفس “كمال أول” لجسم طبيعي آلي، بمعنى أنها هي التي “تحقق وجوده” بوصفه كائنًا حيًّا (مثل وجود علم الكاتب في ذهنه). أما الأفعال الصادرة عنها (مثل: التفكير أو الحركة) “كمالات ثانية” (مثل: ممارسة الكاتب للكتابة فعليًا)·. ويوضح ذلك: “ولأن الكمال كمال للشيء، فالنفس كمال الشيء، وهذا الشيء هو الجسم، ويجب أن يؤخذ الجسم بالمعنى الجنسي· لا بالمعنى المادي، كما علمت في صناعة البرهان. وليس هذا الجسم الذي النفس كماله كل جسم، فإنها ليست كمال الجسم الصناعي كالسرير والكرسي وغيرهما، بل كمال الجسم الطبيعي. ولا كل جسم طبيعي، فليست النفس كمال نار ولا أرض ولا هواء، بل هي في عالمنا كمال جسم طبيعي تصدر عنه كمالاته الثانية بآلات يستعين بها في أفعال الحياة التي أولها التغذي والنمو. فالنفس التي نَحُدِّها هي كمال أول لجسم طبيعي آلي له أن يفعل أفعال الحياة”[19]، وقد يتبادر سؤال عن إمكان القول بأن النفس هي الحياة، ويطرح في ذلك: “إن الحياة نفسها هي هذا الكمال فتكون الحياة هي المعنى الذي يصدر عنه ما تنسبون صدوره إلى النفس. فلنشرع في جواب واحد من ذلك وحله، فنقول: أما الأجسام السماوية فإن فيها مذهبين: مذهب من يرى أن كل كوكب يجتمع منه ومن عدة كرات قد دُبِّرت بحركته جملة جسم كحيوان واحد، فتكون حينئذ كل واحدة من الكرات يتم فعلها بعدة أجزاء ذوات حركات، فتكون هي كالآلات. وهذا القول لا يستمر في كل الكرات. ومذهب من يرى أن كل كرة فلها في نفسها حياة مفردة… فهؤلاء يجب أن يروا أن اسم النفس إذا وقع على النفس الفلكية وعلى النفس النباتية فإنما يقع بالاشتراك، وأن هذا الحد إنما هو للنفس الموجودة للمركبات”[20]. هنا يشرح ابن سينا أن الأجسام السماوية (الأفلاك) تمتلك “حياة مفردة”. وإذا قلنا إن النفس هي محض “الحياة” بالمعنى البيولوجي المعروف (تغذية، نمو، حركة)، فإننا لن نستطيع إطلاق اسم “نفس” على الأنفس الفلكية أو السماوية·، لأن حياتها تختلف في النوع عن حياة الكائنات المركبة (الإنسان والحيوان والنبات). فاسم “النفس” قد يقع على النفس الفلكية والنباتية “بالاشتراك” مما يعني أن “النفس” مفهوم كلي وجوهر أعم من الوظائف الحيوية الظاهرة فحسب. فالحياة في النبات (نمو وتغذية) تختلف عن الحياة في الحيوان (إحساس وحركة)، لكن كليهما يشترك في وجود “نفس” لتكون مبدأً لهذا الكمال وهي التي “تُدبر” حركة الأجزاء. ومن ثمَّ تصبح النفس الكمال الأول لأنها ليست فعلًا جزئيًا مثل الأكل أو الإبصار أو الحركة، بل المبدأ الذي تصدر عنه هذه الأفعال. وهنا يثبت أيضًا أن النفس ليست واحدة من أفعال الحياة، بل أصلُ أفعال الحياة·. فلا يصح أن نقول: النفس هي التفكير فقط. لأن التفكير فعل من أفعال النفس الإنسانية. ولا يصح أن نقول: النفس هي الإحساس فقط. لأن الإحساس فعل من أفعال النفس الحيوانية. ولا يصح أن نقول: النفس هي التغذّي فقط. لأن التغذّي فعل من أفعال النفس النباتية. بل النفسُ هي المبدأ الأول لهذه الأفعال.

وفي مسار استقلال النفس، يطرح ابن سينا تجربته الذهنية الأشهر: “الإنسان الطائر”، فيقول: “لو خُلق إنسان دفعة واحدة، وخُلق متباين الأطراف، ولم يُبصر أطرافه، واتفق أن لم يمسها، ولا تماست، ولم يسمع صوتاً، جَهِلَ وجود جميع أعضائه، وعلم وجود إنيته شيئاً واحداً مع جهل جميع ذلك. وليس المجهول بعينه هو المعلوم، وليست هذه الأعضاء لنا في الحقيقة إلا كالثياب التي صارت لدوام لزومها إيانا كأجزاء منا عندنا. وإذا تخيلنا أنفسنا لم نتخيلها عُراة، بل نتخيلها ذوات أجسام كاسية، والسبب فيه دوام الملازمة. إلا أنا قد اعتدنا في الثياب من التجريد والطرح ما لم نعتد في الأعضاء، فكان ظننا الأعضاء أجزاء منا آكدٌ من ظننا الثياب أجزاء منا”[21] إذ يطلب منا أن نتخيل إنسانًا خُلق دفعة واحدة وبشكل كامل، لكنه معزول تمامًا عن حواسه ومدخلاته المادية، وذلك عبر الخلق الدفعي، لإلغاء أثر الذاكرة والخبرة الجسدية. ثم عُزلت الحواس (حُجب بصره، وصُمَّت أذناه). ثم عُزل اللمس: (يهوي في خلاء لا يصدمه هواء، وأعضاؤه متباعدة لا تتماس). فبسبب “وهم الملازمة”، يصعب علينا تخيل أنفسنا مجردين، تماما كما يصعب علينا تخيل أنفسنا بلا ملابس في أذهاننا لاعتيادنا عليها. لكنّ تجرِبة الإنسان المعلق تكسر هذا الوهم، لتثبت أن البدن ليس إلا “آلة” أو “ثوبًا” تلازم النفس، وأن الرُوح كِيان سابق ومستقل، يدرك ذاته بذاته في أسمى صور التجريد.

ثالثًا: “المعاد” عند ابن سينا ومنطق “الفداء الكوني المادي” عند إيلينكوف:

يطرح إيلينكوف مشكلة الموت الحراري· بوصفها مأزقًا فلسفيًا للمادية: فإذا كانت المادة الكونية تفقد طاقتها الفعالة عبر الإشعاع والتبريد، فلا بد من تفسير العملية المعاكسة التي تعيد تركيز هذه الطاقة وتفتح إمكان ولادة عوالم جديدة. وإلا صار تجدد الكون محتاجًا إلى تدخل خارق أو “مُحرك أول”. ومن هنا تأتي فرضيته الجريئة: لعل المادة المفكرة، بوصفها أعلى نتاج لتطور المادة وإحدى خواصها، تُسهم في إعادة إطلاق الدورة الكونية. فالفكر لا يبقى شاهدًا على فناء العوالم فقط، بل يصبح لحظة فعالة في التفاعل الكوني الشامل، تُنتج فيها المادة الفكر، ثم يشارك الفكر في إعادة تنظيم شروط وجود المادة نفسها·، ولذلك يقول: “إن المادة المفكرة في الدماغ -بوصفها الشكلَ الأعلى لحركة المادة الكونية- لا تنتج أي شيء فوق طبيعي. وعلى العكس، فإن موتها يظهر ظهورَ تحولٍ بسيط إلى أشكال أخرى أكثر بدائية من الحركة؛ أي أن موتها يَتَمَثَّل في توليد أشكال جديدة من حركة المادة”[22].

ولذلك يضع إيلينكوف فرضية مفادها: “أن موت المادة المفكرة مرتبط بالضرورة بعملية تحول المادة المتجمدة في الفضاء بين المجرات إلى سحابة غازية متوهجة، وأن هذه المادة المفكرة تُمَثِّلُ عاملًا ضروريًا في هذه العملية”[23]. يستثمر إيلينكوف الإرث السبينوزي في فَهْم الفكر بوصفه خاصية للمادة/الجوهر، لا جوهرًا مفارقًا لها، ويوضح أن الفكر مرحلة ضرورية في إنتاج الدورة الكونية نفسها، إذ ليس ضروريًا أن تكون الإنسانية الأرضية وَحْدها المادة المفكرة. لكن وجود مادة مفكرة في الدورة الكونية ضروري، لأنها الحلقة التي تعيد إطلاق التجدد. “وفي هذه العملية، يضحي الفكر بنفسه، ولا يستطيع الحفاظ على وجوده. غير أن هذه التضحية تتم بوصفها واجبًا تجاه الطبيعة. فالإنسان، بوصفه رُوحًا مفكرة، يرد دينه القديم إلى الطبيعة: فكما أن الطبيعة أنجبت الفكر في مرحلة من مراحلها، فإن الفكر، على حساب وجوده، يُعيد إلى الطبيعة المحتضرة شبابها المتوهج، ويطلق دورة جديدة من التطور الكوني، قد تفضي مرة أخرى -في زمان ومكان آخرين- إلى نشوء فكر جديد”[24]. ومن هنا لا يكون الفكر عند إيلينكوف نمطًا عابرًا من أنماط المادة فحسب، بل خاصيةٌ ضرورية لها، أي حلقة لا يمكن للدائرة الكونية الكبرى أن تكتمل دون المرور بها.

وفي هذا الفعل يموت الفكر، لكن موته ليس عبثًا؛ إنه فعل خلاق، يجعل من نهاية الفكر بداية لعوالم جديدة وفكر جديد. ولذلك يقول: “موت الدماغ المفكر شكلًا من أشكال خلوده”[25]. يتضح هنا الطابع الفدائي للمادة المُفكرة؛ فالفكر لا ينجو من الكون، ولا يطلب خلاصًا خارج المادة، بل يضحي بذاته داخل المادة ومن أجلها. يمكن على سبيل الاستعارة التحليلية، وصف المادة المفكرة هنا بـ “المسيح” الكوني، لا بمعنى لاهوتي، بل بمعنى مادي: إنها تفنى، كي تمنح الكون إمكان دورة جديدة. فالخلاص هنا ليس خلاص الرُوح من العالم، بل خلاصُ العالم المادي نفسه من الموت الحراري. إذ يستعير إيلينكوف بِنية الخلاص، لكنه يُفرغها من مضمونها اللاهوتي. فالغاية الأسمى التي بحثت عنها الأديان لا توجد خارج العالم، بل داخل الوظيفة الموضوعية للفكر في تطور المادة. وهكذا يتحول الخلاص من وعد أخروي إلى مُهمة كونية مادية.

لذلك لا يُلغي إيلينكوف الحاجة إلى المعنى، بل يُعيد تأسيسها ماديًا، يقول في ذلك: “إن الإنسان، وهو واعٍ بضخامة الدور الذي يؤديه في الكون، يكتشف أيضًا إدراكه لغايته الأسمى، ولأسمى أهداف وجوده في العالم. وتكتسب نشاطاته طابعًا جديدًا من الحماسة (الباثوس)، تتلاشى أمامه الحماسات الدينية الزائفة. إنه باثوس الحقيقة، باثوس الوعي الحقيقي بدوره الموضوعي في منظومة الكون”[26]، ومن هنا يستبدل إيلينكوف بالباثوس· الديني القائم على خلاص مفارق باثوس الحقيقة، أي الحماسة الوجودية والمعنوية التي تنبع من وعي الإنسان بدوره الموضوعي في الكون، ومن إدراكه أن الفعل الإنساني يشارك في مصير المادة الكونية ذاتها.

أما في سياق ابن سينا، فلا يكون الإنسان حيوانًا متطورًا فقط، بل حيوانٌ من جهة البدن، لكنه يمتلك النفس الناطقة، أي القدرة على إدراك الكُليات والمعقولات. فالإنسان عنده كائن وسيط، يوضح ذلك بقوله: “فالوجود إذا ابتدأ من عند الأول لم يزلْ كل تالٍ منه أدْوَنُ مرتبة من الأول، ولا يزال ينحطُّ درجاتٍ؛ فأول ذلك درجة الملائكة الرُوحانية التي تُسمى عقولًا، ثم مراتب الملائكة الرُوحانية التي تُسمى نفوسًا، وهي الملائكة العقلية، ثم مراتب الأجرام السماوية، وبعضها أشرف من بعض إلى أن يبلغ آخرها، ثم بعدها يبتدئ وجود المادة القابلة للصورة الكائنة الفاسدة، فيلبس أول شيء صور العناصر ثم يتدرج يسيرًا يسيرًا فيكون أول الوجود فيها أخسُّ وأَدْوَنُ مرتبة من الذي يتلوه، فيكون أخسُّ ما فيه المادة ثم العناصر، ثم المركبات الجمادية، ثم النباتات، وأفضلها الإنسان، وبعده الحيوانات، ثم النبات”[27]، أي أن الإنسان هنا قدماه في العالم المادي، لكن رأسه متجه نحو العالم العقلي في ترتيبه الهرمي للموجودات.

ويربط ابن سينا الحوادث الجزئية بنظام عِلِّيٍّ واسعٍ لا يقتصر على الأسباب السماوية وَحْدها، بل يتداخل فيه السماوي والأرضي، الطبيعي والإرادي؛ ولذلك لا تكفي معرفة المقدمات العامة للانتقال إلى الغيب، فيقول: “لا يكفيك أن تعلم أن النار حارةٌ مسخنة وفاعلةٌ كذا وكذا، في أن تعلم أنها سخنت، متى لم تعلم أنها حصلت. وأيُّ طريقٍ من الحساب يُعطينا المعرفة بكل حدثٍ وبِدعةٍ في الفلك؟ ولو أمكنه أن يجعلنا ونفسه بحيث نقف على وجود جميع ذلك، لم يتم لنا به الانتقال إلى المغيبات؛ فإن الأمور المغيبة التي في طريق الحدوث إنما تتم بالمخاطبات بين الأمور السماوية -التي لو تسامحنا وقلنا إنا حصّلناها بكمال عددها- وبين الأمور الأرضية المتقدمة واللاحقة، فاعلها ومنفعلها”[28] وهذا يوضح أن الفكر عنده ليس ادعاءً للإحاطة المطلقة، بل تمييزٌ دقيق لمراتب العلل وحدود المعرفة الإنسانية.

ولا يتم الفكر عند ابن سينا بالحسِّ وَحْده ولا بالخيال وَحْده، بل يحتاج إلى نور العقل الفعَّال حتى تتحول الصور الخيالية إلى معقولات مجردة، “فتكون النفس الناطقة إذا وقعت لها نسبةٌ ما إلى هذه الصورة بتوسط إشراق العقل الفعَّال، حدث فيها شيءٌ من جنسها من وجه، وليس من جنسها من وجه، كما أنه إذا وقع الضوء على الملونات فَعَلَ في البصر منها أثرًا ليس على جملتها من كل وجه”[29]. فكما يجعل الضوء الألوان مرئية للبصر، يجعل العقل الفعال الصور قابلة للتعقل.

فتظهر نتيجة هذا الاتصال: أن تصير النفس “عالمًا عقليًا مُرتسمًا فيها صورة الكل، والنظام المعقول في الكل، والخير الفائض في الكل، مُبتدئاً من مبدأ الكل”[30] لذلك تكون السعادة الأخروية عنده تحول النفس إلى عالم معقول موازٍ للعالم الموجود، أي كأنها تعكس النظام الكوني في ذاتها، ومن ثم فالسعادة الأخروية ليست لذة حسية أو بدنية، بل لذةٌ عقلية تتحقق للنفس التي بلغت من الكمال ما يمكنها، بعد مفارقة البدن، من استكمال ذاتها في عالم المعقولات.

لهذا يرى ابن سينا أن الآخرة هي تحررُ الرُوح من سجن الجسد، ومن ثم كان عذاب القبر عنده وجدانيًا خياليًا. كما رأى أن خلود العذاب يحدث فقط للنفوس التي عرفت الشوق للكمال، لكنها قصرت في اكتساب “ملكة العلم” في أثناء وجود البدن، فتظل في حسرة أبدية لأن أداة التحصيل (البدن) قد فات أوانها. أما النفوس التي كبلتها الذنوب الأرضية فيتناقص عقابها مع مرور الزمن حتى تتطهر النفس تدريجيًا، لأن الشر “عرضي” في الوجود، وما هو عَرَضِي لا بد أن يزول ويبقى الجوهر (النفس) طاهراً في النهاية[31].

ومن هنا تظهر ضرورة الفكر: فهو الذي يوقظ في النفس شوقها إلى العالم العقلي، ويجعلها قادرة على الانفصال عن علائق البدن والاتجاه إلى كمالها الحقيقي، و”تبلغ السعادة التي تخصها وأن النفوس البُلْهِ التي لم تكتسب الشوق إذا فارقت البدن وكانت غير مكتسبة الهيئات البدنية الرديَّةَ، صارت إلى سِعة من رحمة الله ونوع من الراحة وإن كانت مُكتسبة للهيئات البدنية الرديَّة وليس عندها هيئة غير ذلك ولا معنى يضاده وينافيه، فتكون لا محالة ممنوة بشوقها إلى مقتضاها فتعذب عذابًا شديدًا بفقد البدن ومقتضيات البدن قد بقي”[32]. فالثواب الحقيقي أن تصير النفس قريبة من عالم العقل، متصلة بكمالها، لا مشدودة إلى الجسد. وهذا هو “الخلاص السينوي”؛ أي خلاص النفس بالفكر، والمعرفة، وتهذيب القوى العملية·.

خلاصة:

لا تهدف المقاربة بين اللاهوت الميتافيزيقي، ممثلًا في ابن سينا، وبين الديالكتيك المادي، ممثلًا في إيفالد إيلينكوف، إلى تأريخ للفلسفة بقدر ما تكشف عن فلسفة للوجود المعاصر تبحث في عقلانية الكون العابرة للإيديولوجيات. فرغم الاختلاف الشاسع بين منطلقاتهما، فإنهما يتحدان في منح “الفكر” شرعية كونية تجعله ضرورةً لا غنى عنها لاستقامة نظام الوجود. ويتضح هذا التناظر في رؤيتيهما لجدلية الرُوح والفكر فيما يلي:

  • اتفق الفيلسوفان على أن ظهور الوعي في الكون لحظة ذات دلالة أنطولوجية داخل نظام الوجود. فعند ابن سينا، لا يصدر الفكر مباشرة عن البدن أو الدماغ، بل يندرج ضمن نظام فَيْضِيٍّ عقلي يبدأ من واجب الوجود، بوصفه عقلًا محضًا ومبدأً أولًا، ويمرُّ بمراتب العقول، وصولًا إلى العقل الفعَّال الذي يخرج النفس الناطقة من القوة إلى الفعل. ومن ثمَّ، يظهر العقل الإنساني عنده لا بوصفه واقعةً بيولوجيةً محضة، بل بوصفه تحققًا خاصًا للنفس الناطقة داخل تراتبية كونية عقلية. أما عند إيلينكوف، فلا يظهر الفكر بوصفه جوهرًا مفارقًا ولا عطية من عالم علوي، بل بوصفه إمكانًا موضوعيًا في المادة اللا متناهية، يتحقق حين تبلغ المادة أعلى صور تنظيمها في الدماغ الإنساني والنشاط الاجتماعي. غير أن الفكر، في فلسفته العامة، لا يوجد في الدماغ وَحْده، بل يوجد موضوعيًا في: الثقافة، والعمل، واللُّغة، والقانون، والأداة، والفن، والدولة. فالمادة لا تفكر مباشرة في كل صورها، وإنما تُنتج الفكر حين تصير مادة اجتماعية تاريخية قادرة على تحويل الطبيعة إلى معنى. وعلى هذا النحو، يلتقي الاثنان في رفض اختزال الفكر إلى حادث بيولوجي عابر، لكنهما يفترقان في تفسير ضرورته: فعند ابن سينا، ضرورة الفكر ميتافيزيقية وخلاصية، لأنه يربط النفس بالعالم العقلي وبالمبدأ الأول؛ أما عند إيلينكوف، فضرورته مادية-تاريخية، لأنه يُمَثِّلُ أعلى أشكال تنظيم المادة وقدرتها على إنتاج المعنى والثقافة وتجديد العالم الإنساني.
  • الفكر عند ابن سينا له طابع حدسي/إشراقي/عقلي؛ ليس بمعنى أنه بلا مقدمات، بل بمعنى أنه لحظة التعقل النهائية التي لا تفسر بالمادة أو الحواس وَحْدها، بل تحتاج إلى نور العقل الفعَّال. بخلاف إيلينكوف، فالفكر عنده نشاط عملي اجتماعي؛ لأن الإنسان لا يعرف العالم بالتأمل فقط، بل بتغييره. فيصنع الأداة، ويبني اللُّغة، وينتج القانون، وينظم العمل، ويخلق الرموز، ثم تعود هذه الموضوعات المصنوعة لتكوّن وعيه.
  • يستخدم كلا الفيلسوفين مفهوم “اللا نهائية” ليكون دليلًا، ولكنْ في اتجاهين متعاكسين؛ فاللا نهائية عند ابن سينا هي قدرة العقل على التعقل، ودليل على أن النفس “فوق مادية”، لأن المادة سجن محدود، والرُوح حرية غير متناهية. لذا الآخرة عنده هي تحرر هذا الوعي اللا متناهي من سجن الجسد المتناهي. ويتفق إيلينكوف مع ابن سينا في أن الفكر قوة “لا متناهية” وضرورية، لكنه يقلب الآية؛ فيرى أن هذه اللا نهائية ليست دليلًا على مفارقة الرُوح للمادة، بل هي دليل على أن “المادة المفكرة” ضرورة كونية. فالمادة لا نهائية في الزمان والمكان، وكي تحفظ حركتها الأبدية من “الموت الحراري” المتناهي، يجب أن تنتج “الفكر” ليكون قوةً تُعيد شحن دورة الوجود.
  • يتفق كلا الفيلسوفين على حتمية الفكر للخلاص، وكلاهما يرفض انتهاء الإنسان إلى الجسد المحض؛ لكنْ في الرؤية المثالية عند ابن سينا يكون الخلاص عموديًا: من البدن إلى النفس، ومن النفس إلى العقل، ومن العقل إلى العقل الفعَّال. أمَّا عند إيلينكوف يتم الخلاص أفقيًا/تاريخيًا: من الفرد إلى المجتمع، ومن النشاط إلى الثقافة، ومن العمل الشخصي إلى الذاكرة الإنسانية.
  • يظهر الفكر عند كلا الفيلسوفين بوصفه طوق نجاة أنطولوجيًا وإن اختلفت زاوية الطرح؛ إذ يؤدي الجهل عند إيلينكوف إلى فشل أداء المهمة الكونية، فحين لا يمتلك المجتمع العلم والمعرفة والوعي الديالكتيكي، فلن يستطيع إنقاذ الكون من الفناء وَفْق تصوره للموت الحراري. بينما الجهل عند ابن سينا يؤدي بالفرد إلى الحسرة الأبدية، فالنفس تُحرم الاتصالَ بالعقل الفعّال وتظل في عذاب أبدي.
  • تكشف المقاربة بين ابن سينا وإيلينكوف أن الخلاف الجذري بين المثالية الميتافيزيقية والمادية الديالكتيكية لا يُلغي وجود رهان مشترك عميق، يَتَمَثَّلُ في رفع الفكر من مستوى الإدراك الفردي إلى مستوى الضرورة الوجودية والخلاصية. فنتعلم من الأول أن الفكر لا يكتمل ما لم يتجاوز المباشر والحسي نحو معنى كُلي، ونتعلم من الثاني أن هذا الكُلي لا ينبغي أن يبقى مفارقًا للعالم، بل يجب أن يتحقق في العمل والتاريخ والمادة. ومن ثمَّ فإن خلاص البشرية اليوم لا يكون بالهروب من العالم إلى عقل مفارق، ولا بالاستسلام لمادية عمياء بلا غاية، بل بتأسيس عقل عملي-كوني قادر على تحويل المعرفة إلى مسؤولية، والتفكير إلى فعل، والإنسان إلى كائن يعي موقعه في مصير الوجود.
  • تكشف الدراسة أن البعد الرُوحاني في الإنسان لا ينبغي فَهْمه بوصفه هروبًا من العالم أو نفيًا للمادة؛ فالأول لم يلغِ الدين، لكنه رفض أن يُحبس الدين في صورة حسية جامدة. نقل ابن سينا السؤال من: متى بدأ العالم؟ إلى: ما الذي يجعل العالم موجودًا أصلًا؟ وهذا نوع من التلطيف العقلي للعقيدة، لا بإفراغها، بل بتعميقها والمساعدة على قراءة دينية أكثر عقلانية، لا تخاف من العلم، ولا تذوب فيه. أما إيلينكوف، فيرى رُوحانية الإنسان في قدرته على تحويل المادة إلى ثقافة ومعنى. وبين التلطيف العقلي للعقيدة والتجسيد الاجتماعي للفكر يظهر البعد الروحاني بوصفه قدرة الإنسان على تجاوز الظاهر، لا بإنكار العالم، بل بإعادة منحه المعنى.

____________________________________

المصادر والمراجع:

  • ابن سينا، الإلهيات، ضمن كتاب الشفاء، تحقيق: إبراهيم مدكور وآخرين، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
  • ابن سينا، الشفاء: النفس، تحقيق حسن زاده الآملي، ط1 (قم: مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، 1417هـ/1375ش).
  • ابن سينا، النجاة في المنطق والإلهيات، تحقيق: ماجد فخري، بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1985.
  • Ilyenkov, Evald V. “Dialectics of the Abstract and the Concrete in Marx’s Capital” Moscow: Izdatels’ stvo akademii nauk CCCP (1960).
  • Ilyenkov, Evald. “The concept of the ideal.” Philosophy in the USSR: Problems of dialectical materialism (1977).
  • Karl Marx, Frederick Engels, Collected Works, Vol. 3, Moscow, 1975.
  • منودي المختار. الثعبان الذي يعض ذيله! أو كيف تعود المادة إلى حالتها السديمية الأولى وما هو دور الفكر في هذه العملية؟ Manoudi El Moukhtar philosophie dialectique et pensée critique. مارس 2026. متاح على: https://dialectique-critique.blogspot.com/2026/03/blog
  • الفيلسوفان ابن سينا (أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا 980-1037م) فيلسوف ذو نزعة مثالية–عقلية، وإيفالد إيلينكوف (إيفالد فاسيليفيتش إيلينكوف 1924-1979م) فيلسوف مادي جدلي.
  • مثالية ابن سينا جوهرية لأنها تجعل الفكر قائمًا في جوهر النفس الناطقة، لا في العلاقات الاجتماعية أو الأشكال المادية للعمل. يمكن الرجوع إلى فصل “في إثبات أن قوام النفس الناطقة غير منطبع في مادة جسمانية” من كتابه الشفاء، النفس، حيث يطرح بأن الفكر ليس عرضًا ماديًا، ولا صورة منطبعة في عضو جسماني، بل فعلٌ صادر عن جوهر نفساني عاقل، وهو النفس الناطقة، التي تدرك المعقولات الكلية لأنها غير منطبعة في المادة الجسمانية.
  • الفيض: يقصد به التعبير السينوي عن علاقة الممكن بواجب الوجود؛ أي، لا يملك الممكن وجوده من ذاته، بل ينال وجوده من مبدأ أول كامل، يفيض عنه الخير والوجود على ترتيب عقلي. يستخدمه ابن سينا في أكثر من موضع منها: “وذاته علة بأن كماله وعلوه بحيث يفيض عنه الخير” (ابن سينا، الإلهيات، ضمن كتاب الشفاء، المقالة التاسعة، تحقيق: إبراهيم مدكور وآخرين، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص163). وهنا يتحدد الفيض عنده بوصفه صدورًا عقليًا للوجود والخير عن المبدأ الأول. ورغم أن الفيض لازم عن كمال واجب الوجود، لكنه ليس ضرورة مادية عمياء. لأن المبدأ الأول عند ابن سينا “عقلٌ محض”، يعقل ذاته، ويعقل ما يلزم عن ذاته من نظام الوجود، لذلك الفيض عنده ليس ميكانيكيًا، بل عقلي ومنظم.
  • لا ينكر ابن سينا المعاد الجسماني المقرر شرعًا في أعماله، لكنه فلسفيًا يجعل البرهان العقلي الحقيقي أقوى في جانب المعاد النفساني/الروحاني. حيث يطرح بأنه يمكن البرهنة على المعاد النفساني من خلود النفس وتجردها. للتوسع انظر أعماله في النجاة والرسالة الأضحوية.
  • يُقصد بـ “الفداء الكوني” كما يصوغه إيلينكوف في دراسته (كسمولوجيا الروح 1970 Cosmology of the Spirit) اللحظة التي تتحول فيها المادة المفكرة، أي الروح أو الفكر، من مجرد نتيجة لتطور الكون إلى قوةٍ تعيد للكون إمكان تجدده؛ وذلك عبر تضحية الفكر بذاته في مواجهة الموت الحراري، لا بوصفها قدرًا محتومًا أو غاية ميتافيزيقية، بل بوصفها إمكانًا مشروطًا داخل حركة المادة الكلية. وهو لا يضع الفكر باعتباره قوة فوق-مادية تنقذ الكون من خارجه. بل يقدمه باعتباره شكل من أشكال المادة، أو “مادة مفكرة”. لذلك فالفداء الكوني ليس تدخلًا خارقًا للطبيعة، بل فعل داخلي من أرقى أشكال الطبيعة نفسها. وتجدر الإشارة إلى أننا نجد أن العنوان الفرعي لمقالة كسمولوجيا الروح يصفه إيلينكوف بأنه phantasmagoria بمعنى فلسفية-شعرية (مشهد تأملي / تصوري متحوِّل كما تصفها القواميس) مبنية على مبادئ المادية الديالكتيكية. أي أنه يقول للقارئ تقريبًا: هذا النص ليس برهانًا علميًا صارمًا بالمعنى الضيق، بل تجربة فكرية كونية أو خيال فلسفي منظّم يتخيل دور “المادة المفكِّرة” في مصير الكون.
  • يقصد بـ “الجوهر الروحاني المفارق” عند ابن سينا النفس الناطقة الإنسانية، من حيث إنها جوهر غير جسماني، لا يُختزل إلى البدن ولا إلى وظائفه العضوية، وتملك قدرة على التعقل المجرد والبقاء بعد فساد الجسد. غير أن مفارقتها ليست انفصالًا تامًا عن البدن منذ البداية؛ فهي تحدث مع البدن وتتعلق به في تدبير الحياة واكتساب المعارف، لكنها لا تعتمد عليه في حقيقتها الجوهرية ولا في فعلها العقلي الأعلى. راجع: ابن سينا، الشفاء: النفس، تحقيق حسن زاده الآملي، ط1 (قم: مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، 1417هـ/1375ش) المقالة الأولى، الفصل الأول، في تعريف النفس، والمقالة الخامسة في النفس الناطقة وتعقلها؛ وانظر أيضًا: ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، نمط النفس.
  • المقصود هنا أن المادة، عبر تطورها الطويل، تنتقل من أشكال بسيطة من الحركة إلى أشكال أعقد، حتى تبلغ في الدماغ والعمل والثقافة مستوى الفكر. انظر: (كسمولوجيا الروح 1970 Cosmology of the Spirit)
  • عند إيلينكوف الدماغ الفردي هو حامل عضوي عابر للفكر. ففي كوسمولوجيا الروح، يذهب أبعد من المستوى الاجتماعي إلى المستوى الكوني. فهو يتحدث عن المادة المفكرة لا بوصفها فردًا، بل بوصفها أعلى شكل نوعي لحركة المادة، ولهذا يقول إن الفكر لا ينبغي أن يكون زهرة عقيمة تظهر في هامش الكون وتختفي بلا أثر؛ بل يجب أن يؤدي دورًا في الدائرة الكونية الكبرى، لأن الشكل الأعلى للحركة لا يمكن أن يكون أكثر أشكالها عقمًا ولا جدوى. انظر: (كسمولوجيا الروح 1970 Cosmology of the Spirit)
  • يُعرف المثالي في هذا السياق على أنه فقط “ما يوجد داخل الرأس أو داخل الوعي الفردي”. وينتقد إيلينكوف هذا الفهم الضيق؛ فهناك أشياء مثالية لكنها ليست موجودة فقط في وعي شخص واحد. هي موجودة اجتماعيًا وموضوعيًا، لكنها لا توجد كشيء مادي مباشر مثل الحجر أو الخشب. انظر مقاله (مفهوم المثالي):

Ilyenkov, Evald Vasilyevich. “The Ideal in Human Activity“. Marxists Internet Archive, (2009).

[1] Ilyenkov, Evald. “The concept of the ideal.” Philosophy in the USSR: Problems of dialectical materialism (1977): 73.

[2] Ilyenkov, Evald Vasilyevich. “The Ideal in Human Activity“. Marxists Internet Archive, (2009), p:253.

  • كلمة “متشيئ” هنا من مصطلح الترجمة العربية الشائعة لـ Reification، وأصلها الألماني عند لوكاتش وماركس هو غالبًا:

Verdinglichung أي: تحويل العلاقة أو الفعل أو المعنى الإنساني إلى شيء يبدو مستقلًا عن البشر. لكن يجب الانتباه أن استعمالها عند لوكاتش يختلف قليلًا عن استعمالها عند إيلينكوف الذي يوظفها ليبرهن على أن الوعي أو الفكرة لا تبقى داخل الرأس كحالة نفسية مجردة، بل تتجسد في شيء خارجي مادي: كتاب، أداة، قانون، مؤسسة، عمل فني، آلة، رمز، لغة، نقود… إلخ. للاستزادة راجع: جورج لوكاتش، التاريخ والوعي الطبقي، ترجمة حنا الشاعر، ط2، بيروت: دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، 1982، ص80.

[3] Karl Marx, Frederick Engels, Collected Works, Vol. 3, Moscow, 1975, p. 276.

  • يستخدم إيلينكوف مثال الورقة النقدية ليبين أن “المثالي” ليس مادة خفية أو قوة سحرية داخل الدماغ، بل وظيفة اجتماعية تؤديها مادة معينة داخل شبكة من العلاقات الإنسانية. فالورقة النقدية، من حيث مادتها المباشرة، ليست سوى قطعة ورق مطبوعة؛ لكنها داخل المجتمع لا تُعامل كورق فحسب، بل كحامل لقيمة، وتمثيل لكمية من العمل أو الذهب أو البضائع وغيره. أي إن جسدها المادي البسيط يؤدي وظيفة تتجاوز ماديته المباشرة. وبالطريقة نفسها، لا يكون الفكر عند إيلينكوف شيئًا منفصلا عن الدماغ أو جوهرا روحانيًا يسكنه، بل طريقة اشتغال الدماغ داخل النشاط الاجتماعي الإنساني. فالدماغ، مثل الورقة النقدية، جسد مادي؛ لكنه في سياق اللغة والعمل والثقافة يصبح قادرًا على تمثيل العالم الخارجي، وإعادة إنتاجه في صور ومعانٍ ومفاهيم. لذلك فالمثالي ليس ضد المادة، بل المادة حين تؤدي وظيفة تمثيلية واجتماعية تتجاوز وجودها الفيزيائي المباشر. وبذلك يحسم فكرة “الروح الشبحية”؛ فالروح عنده تعني “ديناميكية المادة الاجتماعية”، وهي حقيقية وموضوعية تماما مثل حقيقة أن الورقة النقدية تشتري لك خبزا حقيقيا، رغم أنها “مثالية” في جوهرها. ويضيف في كتابات أخرى، وحدها المادية الديالكتيكية تستطيع أن تفهم العلاقة بين المادة والفكر على هذا النحو؛ لأنها لا تختزل المسألة إلى القول البسيط: “لا فكر بلا دماغ” أو “لا وعي بلا جسم”. فهذا صحيح، لكنه يبقى مستوى ماديًا ميكانيكيًا إذا فُهم بمعزل عن حركة المادة وتطور أشكال تنظيمها.

[4] Ilyenkov, Evald. “The concept of the ideal“, op cit., p: 86.

  • المقصود بـ “نقطي” أي منسوب إلى النقطة لكن ليس نقطة بالمعنى العادي فقط، بل بالمعنى الهندسي الفلسفي القديم؛ أي ما لا ينقسم، وهي طرف الخط أو حده، وليست جسمًا له امتداد. لذلك فـ”الطرف النقطي” عند ابن سينا يعني حدًّا غير منقسم من الجسم أو المقدار، لا جسمًا ممتدًا قائمًا بذاته. انظر تعريف إقليدس في الأصول، المقالة الأولى، التعاريف 1–3. متاح على: اضغط هنا

[5] ابن سينا، الشفاء: النفس، تحقيق حسن زاده الآملي، ط1 (قم: مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، 1417هـ/1375ش)، المقالة الخامسة، الفصل الثاني، ص189.

  • يجب ملاحظة أن أسلوب ابن سينا كما نٌقل بالنص من مراجعه الأصلية قد يبدو للقارئ الحديث غريبًا، لأنه يكتب بلغة فلسفية تقنية قديمة متأثرة بالمنطق اليوناني والترجمة الفلسفية.

[6] المرجع نفسه، ص 193.

[7] المرجع نفسه، ص296.

[8] ابن سينا، الإلهيات، ضمن كتاب الشفاء، تحقيق: إبراهيم مدكور وآخرين، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 129.

[9] المرجع نفسه، ص130.

  • البعدية الزمنية: مجرد وقوع شيء بعد شيء في الزمان، من غير أن يلزم أن يكون المتقدم علة ذاتية للمتأخر. العلاقة العلية الذاتية: علاقة يتوقف فيها وجود المعلول أو فعله على علته توقفًا حقيقيًا، لا مجرد تعاقب زمني؛ فالعلة هنا متقدمة بالرتبة الوجودية ولو لم تكن متقدمة بالزمان. وتذكر موسوعة ستانفورد أن ابن سينا يفهم الخلق أو الصدور بوصفه اشتقاقًا أنطولوجيًا خارج الزمن، وأن العالم يمكن أن يكون أزليًا ومع ذلك معلولًا؛ أي إن التقدم هنا وجودي لا زمني. متاح على:

Causality and Cosmology/ اضغط هنا

The Causal Relationship

  • التقدم الذاتي: أن يكون واجب الوجود متقدمًا على الممكنات لا كحلقة زمنية قبلها، بل كمبدأ وجودي يمنح السلسلة كلها أساسها. التقدم العرضي: أن يكون الشيء متقدمًا داخل السلسلة أو في ترتيبها الداخلي، لكنه لا يؤسس وجود السلسلة كلها. هو تقدم بين الوحدات، لا تقدم على السلسلة من حيث هي سلسلة. انظر:  Causality and Cosmology/ The Causal Chain/ اضغط هنا
  • لا يرفض ابن سينا كل تسلسل، بل يرفض فقط أن تكون سلسلة العلل التي تمنح الوجود الآن سلسلة بلا مبدأ أول. وبهذا يظهر دور الفكر: فالحس يرى الأشياء موجودة، لكن العقل يسأل: هل وجودها من ذاتها؟ أم تحتاج إلى مصدر؟

[10] نفس المرجع، المقالة التاسعة، ص162.

  • يظهر تأثير الأفلاطونية المحدثة عند ابن سينا في استخدامه لنفس المصطلحات مثل الفيض، والإشراق وغيرها لكنه يوظف ذلك لبناء نسق خاص به ويبرهن من خلاله على واجب الوجود بذاته وترقي النفس العاقلة للاتصال بالعقل الفعال.

[11] نفس المرجع، ص164.

  • لا تحتوي فلسفة سبينوزا على أفكارًا تشبه ما سيصبح لاحقًا الجدل الفلسفي أو المادية الجدلية. بمعنى أنه لم يتنبأ بالجدل، بل كانت في فكره بذور له كما يوضح إيلينكوف، بالتالي الومضات البارعة هنا تمهيدًا فكريًا لشيء سيظهر لاحقًا.

[12] Ilyenkov, Evald V. “Dialectics of the Abstract and the Concrete in Marx’s Capital” Moscow: Izdatels’ stvo akademii nauk CCCP (1960), p12.

[13] Ilyenkov, Evald. “The concept of the ideal”, op cit., p: 78.

[14]   منودي المختار. الثعبان الذي يعض ذيله! أو كيف تعود المادة إلى حالتها السديمية الأولى وما هو دور الفكر في هذه العملية؟ Manoudi El Moukhtar philosophie dialectique et pensée critique. 29 مارس 2026. متاح على:   Ilyenkov, Evald. “Cosmology of the Spirit.” Stasis 5.2 (2017), p:165. اضغط هنا

  • يمكن تشبيه الضرورة هنا برمي النرد، فلو رمينا النرد مرة واحدة، يصبح ظهور رقم 6 ليس ضروريًا. لكن لو رميته عددًا لا نهائيًا من المرات، فظهور رقم 6 يصبح حتميًا تقريبًا داخل السلسلة كلها. إيلينكوف يفكر بطريقة قريبة من هذه، لكن على مستوى كوني؛ بمعنى أنه ليس من الضروري ظهور الفكر هنا والآن، لكن في كون لا متناهٍ وزمن لا متناهٍ، ومع مادة تحمل إمكانية إنتاج الحياة والدماغ، يصبح ظهور الفكر ضرورة داخل الكل.

[15] المصدر نفسه.

[16] المصدر نفسه.

  • للاستزادة انظر: محاورة طيماوس لأفلاطون متاح على: اضغط هنا وكتاب أرسطو On the Heavens الذي يربط فيه السماء بالحركة الدائرية الأزلية، متاح على: اضغط هنا
  • طقس الهقافوت Hakafot في عيد Simchat Torah هو الدوران حول منصة القراءة أو مع لفائف التوراة، وغالبًا سبع دورات، للتوسع انظر: اضغط هنا
  • يمكن قراءة هذا الدوران/الطواف، تأويليًا، بوصفه ربطًا للوعي بالمركز المقدس وبأفق الخلاص، لا بمجرد الحركة الفيزيائية.
  • الجدير بالانتباه في هذه المقالة لابن سينا (الشفاء: النفس) أنه لا يبدأ مباشرة بتعريف النفس من جهة الدين أو الأخلاق أو الآخرة، بل من جهة فلسفية طبيعية: ما الشيء الذي يجعل الجسم الحي حيًا؟ بمعنى أن وجود النفس عنده لا لأن الدين يقول ذلك، ولا لأنها شيء نراه بالمعطى الحسي المباشر، بل يستدل عليها من أفعال الحياة.
  • الحركة الإرادية voluntary causal necessity : تُفهم الإرادية عند ابن سينا في إطار علِّي؛ أي إدراك/عزم/نزوع يؤدي إلى حركة، لا كاختيار أخلاقي منفصل عن البنية النفسية والعلية. انظر: Natural and voluntary causal necessity اضغط هنا

[17] ابن سينا، الشفاء: النفس، مرجع سابق، المقالة الأولى، الفصل الأول، ص14.

[18] المرجع نفسه، ص16.

  • يوضح ابن سينا أن النفس لا تحل في أي جسم (كالحجر أو السرير)، بل في جسم “آلي” (أي يمتلك أعضاء وأدوات). النفس هنا هي الكمال الأول لهذا الجسم لأنها “القوة” التي تجعل هذه الآلات (الأعضاء) مستعدة لأداء وظائف الحياة. على سبيل المثال الإنسان العالم، حتى لو كان ساكتًا الآن، عنده علم. هذا كمال أول. أما حين يشرح أو يفكر أو يكتب، فهذا كمال ثانٍ. كذلك فأن كلمة “كمال” هنا لا تعني الكمال الأخلاقي أو الجمال، بل تعني ما به يصير الشيء بالفعل ما هو مستعد أن يكونه.
  • الجسم بالمعنى الجنسي يعني: الجسم بوصفه جنسًا عامًا في التعريف، أي شيئًا له امتداد وقابل لأن يكون تحته أنواع كثيرة.

[19] المرجع نفسه، ص22.

[20] المرجع نفسه، ص23.

  • المقصود الاشتراك في الاسم فقط، لأن “النفس” في الفلك ليست هي نفسها “النفس” في الإنسان، لكنها تظل تسمى “نفساً” لأنها المبدأ المحرك والكمال الأول لذلك الجسم السماوي. ولكنها نفس مفارقة للمادة في تدبيرها ولا تشبه أنفسنا في حاجتها للأعضاء الآلية (التغذي والنمو). ابن سينا يرفض الاكتفاء بكلمة “حياة” لوصف الفلك، لأنه يريد إثبات وجود “جوهر” (نفس) هو المسؤول عن تحريك الفلك وتدبير كماله.
  • وهنا يواجه ابن سينا إشكالية تعريف النفس بـ “الحياة”؛ فلو قلنا إن “النفس هي الحياة” والحياة هي “أفعال النفس”، وقعنا في الدور المنطقي. ولمعالجة ذلك، يؤكد أن النفس هي “المبدأ السبقي” للحياة؛ فالحياة في الأفلاك السماوية مثلاً تختلف عنها في النبات، لكنهما يشتركان في مسمى “النفس” كجوهر مدبر. المخرج هنا هو “السبقية الذاتية”؛ فالرُّبّان (الكمال الأول) يسبق الملاحة (الكمال الثاني) رتبةً ووجوداً، وهذا التمييز هو ما يكسر حلقة الدور ويجعل “الحياة” مجرد اسم بديل لجوهر النفس في دلالتها على الكمال الأول.

[21] ابن سينا، الشفاء: النفس، المرجع السابق، المقالة الخامسة، الفصل السابع، ص 348.

  • يُقصد بالموت الحراري اتجاه المادة الكونية، عبر إشعاع الحرارة والضوء في الفضاء بين المجرات، نحو التبرد والتشتت والتجانس، بحيث تفقد الأجرام الساخنة طاقتها الفعالة وتقترب المادة من حالة توازن بارد لا تمايز فيه. للاستزادة راجع: منودي المختار، “كيف تعود المادة إلى حالتها السديمية الأولى وما هو دور الفكر في هذه العملية”، متاح على: اضعط هنا
  • ولأن الفكر عند إيلينكوف ليس روحًا مفارقة، ولا قوة فوق طبيعية، بل عملية طبيعية، حامله الدماغ، والدماغ نفسه مادة منظمة بدرجة عالية. لذلك لا يوجد، في رأيه، أي خروج عن المادية بالقول: إن الفكر يؤثر في المادة. لكنه يوسِّع هذا التأثير إلى مستوى كوني؛ أي كما يستطيع الفكر تغيير الأرض، يمكن -في فرضيته- أن يشارك في تغيير مصير نظام كوني كامل.

[22] منودي المختار. الثعبان الذي يعض ذيله! أو كيف تعود المادة إلى حالتها السديمية الأولى وما هو دور الفكر في هذه العملية؟ Manoudi El Moukhtar philosophie dialectique et pensée critique. 29 مارس 2026. متاح على: اضعط هنا

[23] المصدر نفسه.

[24] المصدر نفسه.

[25] المصدر نفسه.

[26] المصدر نفسه.

  • مصادر عدة تترجم Pathos إلى الانفعال أو الحماسة الوجدانية، منها ما ذكره رمضان بسطاويسي في كتاب (جماليات الفن) عند حديثه عن استعمال أرسطو للكلمة في سياق التأثير الوجداني، حيث يقابلها بمعنى الانفعال أو الاستثارة. انظر: رمضان بسطاويسي، جماليات الفن، ص 155، حيث يذكر أن أرسطو استعمل كلمة Pathos في مقابل معنى الانفعال/الاستثارة. لكن ايلينكوف ينقله هنا من سياقه البلاغي الأرسطي إلى سياق فلسفي مادي، حيث يصبح تعبيرًا عن الحماسة الناتجة من وعي الإنسان بدوره الموضوعي في الكون.

[27] ابن سينا، الشفاء: النفس، المرجع السابق، ص179.

[28] المرجع نفسه، ص 181.

[29] المرجع السابق، المقالة الخامسة، ص 322.

[30] ابن سينا، النجاة في المنطق والإلهيات، تحقيق: ماجد فخري، بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1985، ص168.

[31] المرجع نفسه، ص168.

[32] المرجع نفسه، ص171.

  • المقصود بالقوى العملية practical philosophy عند ابن سينا هو جانب النفس المتصل بتدبير الفعل والسلوك، وضبط النزوعات الشهوانية والغضبية تحت توجيه العقل، في مقابل القوة النظرية التي غايتها إدراك الحقائق والمعقولات. وتدعم موسوعة ستانفورد هذا التمييز من خلال عرضها لاهتمام ابن سينا بقوى النفس المتعددة وبالكمال الأخلاقي والعقلي، وكذلك بموضوعات الفلسفة العملية في نهاية الشفاء. انظر: The Metaphysics of the Rational Soul; Practical Philosophy اضغط هنا 

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete