جدل الدولة الإخوانية: ما وراء اليوتوبيا السياسية الحالمة

  • لماذا المشروع الإخواني يوتوبي؟

لا زلنا نتذكر ذلك الرجل الذي كان يقول في لحظة زهو وإحساس بالانتصار: لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية. لقد كانت لحظة يعبر فيها الرجل بوعي أو بغيره عن لحظة سقوط ما يعتبره نظاما استبداديا ظل جاثما لسنين طويلة على مقدرات الشعب التونسي، ولكنها لحظة أيضا للثورة أو لنقل انتفاضات شعبية تتوجه رأسا للإطاحة بما تعتبره رأسا للنظام الحاكم، والمسبب لكل الأزمات التي مر منها الشعب التونسي منذ توليه مقاليد السلطة. هذه المقولة لم تكن فقط فاصلة بين نظام ونظام آخر، ولكنها فاصلة في كونها ستأخذ مسارات الثورة إلى اتجاه آخر ربما حتى ذلك الرجل لم يكن يخطر له بباله معنى المقولة: لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية. إنه صعود المد الإخواني في كل اتجاه وتهديده لكل الأنظمة، وتسلم مقاليد السلطة في غالبية البلدان العربية، معربا بذلك عن استغلال فاضح لتطلعات جماهير كانت تنظر إلى الإخوان أو إلى شعارهم الخالد الإسلام هو الحل، أن هذه التيارات ستعود بنا إلى حيث الحكم الراشد، والسياسة الحكيمة، ليكتشف الجميع أنه أمام تيارات براغماتية توظف الدين من أجل الوصول إلى السلطة، والتمكن من مفاتيحها انتظارا للحظة الانقلاب على كل المكتسبات الإنسانية التي راكمتها الدول بالرغم من كل التجارب التي حالفها الحظ أو لم يحالفها في التأسيس إلى دول ببنيات حديثة قوية، تكشف عن حجم التحولات الاقتصادية والسياسية والحقوقية المنتظرة. هنا كانت الدولة الإخوانية تتربص بكل آلياتها من أجل التمكين، في حين كانت الجماهير تنتظر برامج سياسية، وقوة سياسية اقتراحية تخرج المجتمعات العربية من حالة الجمود والتكلس التي رافقتها لعهود طويلة. ولأن الواقع مر كما يقال فلقد أثبتت التجربة بأن كل ما كانت تملكه هذه التيارات على اختلاف توجهاتها لم يكن يعدو أن يكون مجرد أحلام ويوتوبيا إسلامية صعبة التحقق في واقع معقد ومركب. فالدولة ليست فقط نظاما حاكما كما يعتقد البعض، ولكنه أيضا قاعدة شعبية عريضة يحكمها الاختلاف والتنوع، وليس الفكر الأحادي. وبما أن المشروع الإخواني مشروع أصولي في منطلقاته الفكرية والعقدية فإنه أراد أن يلغي كل هذا الغنى، ويؤسس لدولته على أنقاض هذا التنوع ببعد واحد، فكان مآله الخسران والفشل، والابتعاد عن إدارة الدولة بعقلية إدارية وسياسية ممكنة، بل كانت الإرادة هو تسيير مفاصل الدولة بعقلية الجماعة وثقافة الشيخ والمريد، وهذا ما حوّل الدولة الإخوانية من مشروع دولة سياسية مفترضة، إلى يوتوبيا إسلامية تسعى إلى تطبيق ما لا يمكن تطبيقه في مجتمعات قطعت مع الدولة الدينية الثيوقراطية لعهود طويلة، وأنتجت الدولة الحديثة بكل مؤسساتها وإداراتها. ولكي نفهم جيدا المشروع اليوتوبي الإخواني للدولة لا بد من توضيح ما معنى اليوتوبيا حتى يتضح المعنى ويسهل الفهم؟

الإنسان كائن حالم إذا صح التعبير، وهذا من خصائصه العقلية التي يختلف فيها مع باقي الموجودات، فنحن دوما في حلم دائم بغد أفضل، ومجتمع مثالي وأفكار توجد فقط في أذهاننا بشكل مسبق ربما حتى على وجودنا الذاتي. ولكن حينما نحلم لا بد أن تواجهنا مجموعة من الصعوبات، لهذا يجب علينا أن نحلم بإتقان حتى لا يتحول الحلم إلى كابوس. وهذا هو موضوع ” اليوتوبيا ” وعلاقته بمشروع الدولة الإخواني فماذا نعني بهذا اللفظ؟ وما هي سياقات تشكله؟ وهل هناك فرق بينه وبين الإيديولوجيا؟ للإجابة عن هذه الأسئلة لا بد أن نشير هنا إلى كتاب مهم في هذا الصدد موسوم باليوتوبيا مقدمة قصيرة جدا لصاحبه لايمان تاورسارجنت[1]. فهو يؤكد على أن الفيلسوف توماس مور يعتبر أول من صاغ مصطلح «يوتوبيا»، وقد كان يرمي من خلاله إلى التعبير عن اسم البلد الخيالي الذي وصفه في كتابه القصير بعنوان«كتاب مفيد وممتع حقًّا عن الحكومة المُثْلَى للجمهورية والجزيرة الجديدة المُسمَّاة يوتوبيا»، والمعروف الآن باسم «يوتوبيا».

وإذا ما أردنا تتبع كلمة يوتوبيا على مستوى الجذر اللغوي، فيمكننا أن نقول بأن كلمة يوتوبيا utopia  مأخوذة وتنحدر من الكلمة الإغريقية  topos  التي تعني مكانًا أو موقعًا. ويصفها مور بأنها الأرض السعيدة أو المكان الطيب. وبنظرة سريعة على هذا الكتاب الموسوم ب «يوتوبيا» الذي نشره توماس مور، يرى القارئ بأنه يتحدث عن سفينة تكتشف جزيرة مجهولة وغير معروفة. وما يحكم هذه الجزيرة هو أن على أرضها هناك مجتمع للعدالة والمساواة والحق، كما يحكمها رجال من ذوي الحكمة والخبرة والتجربة. هذا المجتمع الذي يصفه مور يتميز بمجموعة من المواصفات أهمها أنه مجتمع هرمي أبوي، يخضع لنظام صارم ومنضبط. ومع ذلك فهذا الأمر لم يمنع أن يسود هذا المجتمع الرفاهية، والسعادة، والخير المطلق، والأماكن الخيرة، والحكم الراشد والعادل، والحكامة والحكمة في التسيير والتدبير.

يواصل لايمان تاورسارجنت حديثه وتفصيله الممتع عن هذا اللفظ والمفهوم الواسع الانتشار والاستعمال فيؤكد بأنه بالرغم من أن توماس مور هو مَن صك كلمة «يوتوبيا»، فهذا لا يعني أنه هو من أنتج الفكرة، بل على العكس من ذلك، ففكرة اليوتوبيا ضاربة في عمق التاريخ. ويكفي أن نشير إلى أن الفكرة ظهرت منذ زمن طويل، وأُضيفت إلى اللغة كلمات أخرى لوصف أنواع مختلفة من اليوتوبيات، مثل «ديستوبيا» التي تعني المكان السيئ. لقد تحدثنا سابقا عن أن الإنسان في رحلة دائمة عن الأفضل، لا تتوقف أفكاره ولا أحلامه، حتى لو كانت هذه الأحلام لا تنتمي إلى الواقع، أو يحول بينها وبينه مجموعة من الصعوبات والتحديات. لهذا يفضل أن يعيش دوما حالة الحلم على الحقيقة، حتى لو كان ذلك مجرد هلوسات ينتجها عقله، أو فكره. لهذا دائمًا نجد الناس مستاؤون من ظروف معيشتهم، ولأنهم عاجزون أو غير قادرين على تغيير أنماط عيشهم، فإن الخيال يسمح لهم بتكوين رؤًى لحياة أفضل وأطول، ويتطلعون لحياة أحسن وأبدية.

هناك صعوبة كبيرة في تحديد أول من حلم لأول مرة بحياة تنتمي إلى عالم اليوتوبيا، لكن ما وصلنا عن هذا الأمر هو رؤى موجودة في أقدم السجلات المكتوبة التي وصلت إلينا، مثل أحد الألواح السومرية الطينية الذي يعود تاريخه لعام ٢٠٠٠ قبل الميلاد كما أكد تاورسارجنت. وهي رؤى لا علاقة لها بالواقع تشبه إلى حد كبير أحلاما ليست في متناول البشر تطبيقها أو تنزيلها في الواقع الفعلي. معنى ذلك أننا ونحن نتحدث عن أشكال اليوتوبيا المختلفة نلاحظ بأن الإنسان يعتمد من خلال هذه الرؤى على أسئلة تراوده، من خلال العيش في واقع يبدو أنه يستحيل عليه تغييره، ثم يحاول عبر اليوتوبيا القفز عن هذا الواقع من خلال خلق واقع افتراضي يمكن عيشه في عالم آخر أفضل مما هو موجود وكائن. وهذا هو مكمن ضعف اليوتوبيات، أي أنها تجعل الإنسان يعيش نوعا من المفارقة واللاواقعية إلى الحد الذي يصطدم فيه الإنسان بصلابة الواقع، وتصبح اليوتوبيا هروبا من الواقع وإليه.

لكن يطرح هنا سؤال طرحه أيضا لايمان تاورسارجنت هل هناك فرق بين اليوتوبيا والإيديولوجيا؟

كلنا نعرف بأن كلمة إيديولوجيا في بداياتها الأولى كانت تعني علم الأفكار، وأول من صك هذا اللفظ هو دي تراسي. لكن بدأت الكلمة كغيرها من الكلمات تأخذ أبعادا أخرى، ودلالات متنوعة، وشحنت بمعاني كلها لها أبعاد سلبية، وأوصاف قدحية عبرت بشكل من الأشكال عن الدلالات التي كان يريد من يستخدم اللفظ أن يعطيها لها. هنا يشير لايمان تاورسارجنت إلى نقطة غاية في الأهمية وهي أن كلمة «يوتوبيا» تم استخدامها واستعمالها قبل كلمة الإيديولوجيا بوقت طويل، غير أنهما أصبحتا مرتبطتين بشكل كبير إلى الحد الذي يصعب فيه الانفصال. وقد استُخدمت اليوتوبيا استخدامين حسب لايمان تاورسارجنت: الأول: كنقيض للإيديولوجيا. والثاني: مرادف للإيديولوجيا. ويعد كارل مانهايم الفيسلوف المشهور أول من ربط بينهما، حيث يؤكد على الأفكار التي نحملها على الأشياء والواقع الذي نعيشه لها علاقة مباشرة بطريقة تفاعلنا مع مجتمعنا، أي أنها تتحدد من خلال موقفنا الاجتماعي. وكان يطلق على معتقدات متقلدي السلطة أيديولوجيا، ومعتقدات من أملوا في الإطاحة بالنظام يوتوبيا.

إن هذا السرد الموجز لكلمة يوتوبيا يضعنا أمام الحلم الذي كان قائما وراسخا في الفكر الإخواني، حيث أن مانهايم نفسه كان يطلق على من أملوا بالإطاحة بالنظام يوتوبيا، وهذا هو الأساس الذي انطلق منه مشروع الدولة الإخواني، أي استغلال الانتفاضات الشعبية للإمساك بمقاليد السلطة، وبالتالي بيع أوهام دولة الخلافة والعدالة والمساواة، الشيء الذي تحول إلى كابوس يطاردهم بمجرد الوصول إلى سدة الحكم، ليكتشفوا بأن الحكم ليس فقط إطاحة بنظام قائم والإتيان بآخر مكانه، بل الحكم هو موازين قوى، وإكراهات، وليس نشرا لشعارات، أو اعتمادا على دولة العنف المطلق وإدارة التوحش في كل الأماكن، وهذا هو منتهى الإخفاق.

لماذا كانت الدولة الإخوانية دولة يوتوبية تكسرت على جدار الواقع؟

  • مشروع الدولة الإخواني ومكامن الضعف:

للجواب عن السؤال السابق يمكننا أن نضع سؤال الدولة أو لنقل إمكانية الدولة ضمن سياقين متناقضين: الأول: مثله التيار الإخواني، وهو الذي نظّر لمشروع الدولة لأكثر من ثمانين سنة، ورفع شعار الإسلام هو الحل، وعمل بكل جهد على أن يحوّل كل هذا المسار التنظيري منذ بداياته الأولى إلى دولة حقيقية يعيش فيها الإنسان دولة الرفاهية والعدل والمساواة والحق. والثاني: مسار آخر يمثله كل التيارات الحداثية والإصلاحية والواقعية التي كانت ترى بأن الوصول إلى السلطة من طرف الإسلام السياسي لن يحوّل الدول إلى جنات يوتوبية، بقدر ما سينشر الرعب والفوضى والخوف، وبالتالي فعلى هذه التيارات أن تتحلى بقليل من الواقعية وتقديم برامج سياسية واقتصادية، بدل تقديم شعارات جوفاء لم تنتج إلا التطرف العنيف، ودولة التوحش.

ومن خلال هذين السياقين فنحن نختار السياق الثاني لأنه أقرب إلى الواقع، وهو النموذج العملي لما تم تطبيقه في سنوات ما بعد ما سمي بالربيع العربي، أو مرحلة الانتفاضات الشعبية التي عملت التيارات الإخوانية على استغلالها وتسويق نموذجها اليوتوبي، المستحيل التطبيق في واقع عملي معقد ومركب ومتعدد الأبعاد. فمنذ أنْ نادى أفلاطون بأنّ العدالة ليست هي حكم الأقوى كما نقل عنه هارولد.ج.لاسكي في كتابه ” الدّولة نظريا وعلميا “[2] أخذ النّاس يصدِرون حكمهم على الدّولة بناءً على حكمة الأهداف السّامية التي تعمل الدّولة على حمايتها. لكن الحلم الإخواني، أو لنقل الوهم الإخواني حاول من خلال الأحداث والوقائع حينذاك استغلال الهيجان الجماهيري الذي كان متوقعا ضد بعض الأنظمة، وتقديم نفسه على أن الدولة في عهدهم هي دولة أرض الميعاد، أو دولة العدل المطلق، أو هي التجسيد العملي للإرادة الإلهية، أو روح الله بتعبير هيجل، وسيعيش المرء فيها كل قيم الخير والسعادة والحب، لكن لا شيء حدث من كل هذا الزخم التنظيري الذي فاق ثمانين سنة، والناس تنتظر اللحظة التي ستتحول فيها الأرض والدول إلى جنات، لتكتشف في الأخير أنها أمام يوتوبيات كاسرة للأحلام، وأفكار أقل ما يقال عنها بأنها غير واقعية ومستحيلة التطبيق. وبالرغم من أن الفكر الإخواني فكر براغماتي إلى حد كبير، حاول الالتفاف على العديد من المفاهيم ليتأقلم في انتظار لحظة التمكين، غير أن هذا الأمر لم يسعفه أيضا وتم اكتشاف وتعرية كل خوائه النظري من خلال افتقاده للنجاعة السياسية، والقوة الاقتراحية، والعمق الإيديولوجي في تسيير مفاصل الدولة ومؤسساتها، لينقلب السحر على الساحر كما يقال، وتتحول دولة الأحلام إلى كابوس أحرق الأخضر واليابس في مرحلة ما بعد 2011.

إن ضعف مشروع الدولة الإخوانية نابع من مجموعة من المعطيات التي يفتقدها المشروع التنظيري لهذه الدولة، ولعل أهمها هي عدم واقعيتها، فالدولة في نهاية المطاف هي تنزيل للممكن، وإدارة الصراع بأساليب ديمقراطية وسلمية نابعة من عقلية تشاركية، وليست عقلية الجماعة والشيخ والمريد. لهذا حسب مانهايم تكون الحالة الذّهنية يوتوبية حينما تتعارض مع حالة الأمر الواقع الذي تحدث فيه[3]. وهذا هو حال مشروع الدولة الإخوانية، فهي دولة لم تتجاوز التنظيرات والأدبيات الإخوانية في قضية الدولة، دون أن تفهم بأن الدولة هي موازين قوى منها المعلن، ومنها الخفي، ولا يكفي أن تدير جماعة لتصبح لديك القدرة على إدارة صراع مجتمع بكل تنوعاته، وتعقيداته وأفكاره، وإيديولوجياته. لهذا فشل المشروع، وسيفشل أي مشروع يوتوبي لا علاقة له بالواقع، فالدولة حسب هذا المشروع ” تفترض إمكان صياغة عقول البشر عن طريق وجود رؤية مسبقة مصادرة للواقع، ومن ثمّ فمهمّتها هي التّبشير بمنظومة قِيَمِها لدى الجماعة، بواسطة استبدالات تصوّرية لما هو غائب، والعمل على أنْ يستسلم لها أعضاء هذه الجماعة، بنوع من القبول الرّواقي الذي لا يخضع لغير منطق الاستبدالات وحدودها.”[4].

نقطة الضعف الثانية أيضا في مشروع الدولة الإخواني، هي هذا الامتداد المتواصل بين الإخوان المسلمين، وباقي الحركات المتطرفة والعنيفة، فيبدو أن هناك علاقة وطيدة واضحة بين الفكر الإخواني على المستوى النظري، وبين باقي الحركات المتناسلة من هذا الفكر كالتيارات الجهادية والقطبية، وحركات العنف وإدارة التوحش التي ظهرت في سوريا والعراق في سنوات ما بعد 2011. والأخطر من كل ذلك هو ما أشار إليه الكثير من الباحثين والكتاب من العلاقة الجامعة بين الفكر الإخواني والحركة الوهابية في بلاد نجد، إلى درجة أن هناك من اعتبر بأن الإخوان المسلمين هم امتداد طبيعي لما كان يسمى حينذاك بإخوان نجد المعروفون بقوتهم وطبيعتهم القاسية وعنفهم.[5] إثر الانقلاب الذي قام به إخوان نجد[6] على الملك عبد العزيز آنذاك. ولمعرفة نوازع هذا الفكر الإخواني لا بدّ من استحضار ثلاثة معطيات أساسية تقرنه بنظيره الوهّابي وهي: كراهية الآخر، تكفيره، استحلال دمه وماله.[7]

نقطة الضعف الثالثة في مشروع الدولة الإخوانية الموعودة، هي أن هذا المشروع هو مشروع عقائدي، أي أن قيادته تريد قيادة الدولة بنفس عقائدي لا اختلاف فيه ولا تنوع، وهو ما جعله يصطدم بموازين القوى المعلنة والخفية داخل الدولة ودواليبها. ولكي نفهم جيدا هذا المشروع الإخواني يكفي أن ننظر في هذا الاسم الحركي” الإخوان المسلمين “، فهو مكون من كلمتين لهما دلالة خطيرة خاصة لمن يريد أن يقود دولة، أما من يريد أن يقود جماعة فالأمر مفهوم، وممكن، ومتاح. فالدولة تعترف بمنطق المواطنة، وليس الأخوة العقدية، فالإخوان المسلمين ينطلقون من هذا البعد العقائدي لكي يحددوا نوع الرباط والعقد الاجتماعي، فهو عقد يقوم على الأخوة في الدين والعقيدة والملة، وهو أمر غير ممكن من الناحية العملية في واقع معقد ومركب ومتنوع، إلا إذا كان الهدف المعلن هو تطهير الدول من كل تنوع واختلاف، وهذا يستلزم بالضرورة استعمال العنف في حدوده القصوى. ولعل مكمن الضعف في هذا التصور هو أنه بنى كل افتراضاته لإدارة الدولة على حسابات عقائدية ضيقة، وليست حسابات إنسانية، أو وطنية، وهو ما لم يتم تحديده من خلال كل الدول التي اعتلى فيها الإخوان المسلمين مقاليد السلطة، وهنا يمكن أن نطرح السؤال التالي: كيف ترى الجماعة المختلف معها دينيا وعقديا؟. ولماذا لم تغير ببراغماتيتها المعهودة الاسم لما أصبحت تمثل الوطن لتسمي نفسها بأسماء حزبية معينة غير قائمة على البعد الديني؟. هذا يجرنا إلى التأثير المفترض للتنظيرات الأولى لحسن البنا: ففي إحدى رسائله يقول فيه:” أيّها الإخوة: إنّ الأمّة التي تحسِن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشّريفة. يهب لها الله الحياة العزيزة في الدّنيا والنّعيم الخالد في الآخرة، وما الوهَن الذي أذَّلنا إلا حبّ الدنيا وكراهية الموت، فأعِدّوا أنفسكم لعمل عظيم، واحرصوا على الموت توهَب لكم الحياة.”[8].

فالملاحظ للخطاب يجده موجها دوما إلى تعزيز الأخوة والرابطة العقدية، هذه الرابطة التي تفترض الولاء والبراء من كل ما هو غير جامع عقديا، خاصة أنه يعبر أيضا بمفهوم أعمق وهو مفهوم الأمة، والأخطر أن هذه الأمة التي ستذوب فيها كل الخلافات حسب البنا تحسن صناعة الموت، وهي ثقافة تعزز العنف، وتجعل منه صناعة، وليس فقط حتمية طبيعية، وهذا هو ما ولد الحركات العنيفة والمتطرفة من رحم الإخوان، بالرغم من الوسطية التي تحاول أن تتسم بها أو تدعيها. من هنا يسهل استخدام الدّين بوصفه أداة قمع لا شعورية للصّراع الطّبقي، فالدّين من هذا المنظور كما فعل حسن البنّا يوجِّه الإنسان نحو الخلاص الرّوحي، في مقابل الخلاص المادي، ويهتمّ بالآخرة على حساب الدّنيا من جهة. ومن جهة أخرى تعمل هذه الفئة على تبرير اضطهاد النّاس اقتصاديا، حيث تَعِد كلّ المضطهدين بكلّ الملذات التي حرموا منها في الدّنيا، باستمتاعهم بها في الآخرة[9].

المراجع:

[1] – لايمان، تاورسارجنت. اليوتوبيا مقدمة قصيرة جدا. ترجمة ضياء وراد. مؤسسة هنداوي،ط1،2016. ص: 117.

[2] – هارولد،ج لاسكي. الدولة نظريا وعمليا. إعداد وتنفيذ سعيد شحاتة. الهيئة العامة لقصور الثقافة،2012،ط2. ص:11.

[3] – مانهايم، كارل. الإيديولوجيا واليوتوبيا: مقدمة في سوسيولوجيا المعرفة. ترجمة محمد رجا عبد الرحمن الديريني. شركة المكتبات الكويتية،1980،ط1. ص: 247.

انظر أيضا: العروي، عبد الله. مفهوم الإيديولوجيا. بيروت: المركز الثقافي العربي،1993،ط5. ص: 74.

[4]– دياب، محمد حافظ. سيد قطب: الخطاب والإيديولوجيا. دار العالم الثالث. ص: 121.

[5]– المقصود بالفكر الوهابي أتباع محمد بن عبد الوهاب بن سليمان النجدي، المولود سنة 1111هـ، والمتوفى سنة 1206هـ. انظر حول الموضوع: صائب، عبد الحميد.(1995). الوهابية في صورتها الحقيقية.بيروت.الغدير للدراسات والنشر. ص: 20.

كما أثبت المحققون بأنّ هذه الدعوة قد أنشئت في الأصل بأمر من وزارة المستعمرات البريطانية كما دلت على ذلك مذكرات حاييم وايزمان، ومذكرات مستر همفر. انظر: الورداني، صالح. أكاذيب الوهابية. شبكة الفكر. ص: 19.

[6] – مصطلح إخوان نجد يعني أولئك البدو الذين قبلوا العقيدة الأصولية للإسلام على المذهب الحنبلي، الذي دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والتي نسيها آباؤهم وأجدادهم، وعن طريق الإقناع والوعظ ومساعدة ابن سعود المادية تركوا الحياة البدوية ليعيشوا في هجر بناها ابن سعود.

انظر بهذا الصدد: قراءات في التاريخ المعاصر: إسهام الإخوان في توحيد المملكة العربية السعودية: رؤية غربية. نقلها إلى العربية عبد الله بن مصلح النفيعي، 1996. ص: 36.

[7] -. يرى أحمد صبحي منصور أن نشأة الفكرة الإخوانية في مصر منصور، ترجع إلى الثّنائي حافظ وهبة، ومحمد رشيد رضا. فالأوّل كان وسيطاً وراسماً لسياسات عبد العزيز، ومن هنا كان لا بدّ من اختراق العمق المصري، عن طريق تحويل التديُّن المصري الشعبي، من تدين سُنِّي صوفي، إلى تديُّن سُنِّي وهّابي، ليكُون العمق المصري امتدادا لسياسات الدولة السعودية الثالثة. أما الثاني فهو محمد رشيد رضا وعن طريقه تسلَّلَتْ الوهّابية إلى مصر عبر مجموعة من الطرق. انظر:

منصور، أحمد صبحي. جذور الإرهاب في العقيدة الوهابية. إشراف السيد والي الزاملي. دار الميزان. بيروت،2008،ط1. ص: 96.

[8] – هذا مقتطف من رسائل حسن البنا. ملف pdf. ص: 270.

[9] – انظر ما كتبه علي بو ياسين حول موضوع الدين كأداة في الصراع الطبقي: بوياسين، علي. الثالوث المحرم:الدين، الجنس، الصراع الطبقي. بيروت:دار الطليعة، 1987،ط2. ص:21.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete