تكوين
السجالُ المُحْتَدِمُ في ساحة الخطاب السياسي العربي الراهن الذي بلغَ ذُروته في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم، إنما هو عائدٌ، بصورة أساسية إلى التباس المفاهيم التي شغلت هذا الخطابَ ومثلت المحورَ الذي استنفد في الدوران حوله من دون أنْ ينتهيَ إلى مسلّمات جامعة أو نتائج حاسمة للجدل.
في هذا الإطار يُمكن أنْ نصنّفَ مفاهيمَ الهُوية والقومية والوَحْدة والتاريخ والثقافة والدين والعلمنة والديمقراطية والنهضة والتنمية والاشتراكية والدولة. هذه المفاهيم التي تبدو في ظاهرها تعريفات نهائية ذات دلالات واضحة ومحددة، ما هي في الحقيقة إلا حقول تناقض واختلاف، رموز جدالية تُشير إلى تضاد عميق ترافق مع الوعي العربي لمقولات الحداثة. إنها بالأحرى، إشكاليات مطرُوحة على الدوام لصراع تتجدّد به دلالاتها وينكشف معه عمق الفراق والتضاد اللذين ميَّز تفاعل الفكر العربي مع مفاهيم وافدة غير مستنبتة في بيئته السياسية والاجتماعية والأيديولوجية.
أول هذه المفاهيم وأكثرها التباسًا مفهوم الهُوية والانتماء. فعلى رغم طرح أفكار العروبة والقومية العربية منذ ستينيات القرن التاسع عشر ثم طرح مسألة الوَحْدة منذ مطلع القرن العشرين، يظل الالتباس حول هذه الأفكار والاختلاط في مضامينها ومدلولاتها والتضاد في تفسيرها وتأويلها من الأمور التي باتت مألوفة عند تناول أي من الأيديولوجيات القومية المتداولة لمسألة التعريف بالقومية العربية والهيئة المرتجاةُ للوَحْدة العربية.
فالقومية العربية من وجهة نظر الإسلاميين لم تكنْ لتقوم لولا الإسلام الذي جمع شتات القبائل العربية المتنازعة ووحَّدها تحت راية الإسلام. إن الإسلامَ في رأي هؤلاء هو “صانعُ تاريخ العرب وأمجادهم وثقافتهم وحضارتهم” وهو الذي “صنع الأمة العربية جسدًا ورُوحًا، لأن الأمةَ العربية قبل هذا الدين كانت قبائلَ تحيا في جاهلية طامِسَةٍ”.
لكن القوميينَ لا يؤيدون هذا التفسير، لأن الهُويةَ العربية في نظرهم” شأنٌ حضاري ثقافي لا شأنٌ عنصري أو إقليمي أو ديني”. فلا الدين ولا الدولة ولا الحياة الاقتصادية ولا الرُقعة الجغرافية، هي المقوماتُ الأساسية للأمة العربية، بل اللغةُ العربية هي التي “سكبت عقول العرب في قالب واحد وركّزت طبائعهم، وجعلت منهم أخلاقيًا ورُوحيا أمة واحدة”.
ويميل التوفيقيون إلى القول بتلازم العروبة والإسلام. فالإسلام “وحّد العرب وحمّلهم رسالة وأعطاهم قاعدة فكرية ايديولوجية، وبه كوّنوا دولة”.
هذا التناقض بين من يرجعون القومية العربية إلى اللغة والثقافة وبين من يرجعونها إلى الدين والإسلام ما برح من الأمور التي تزيد في حدة الالتباس والاختلاط في مفهوم القومية العربية. فمحمد عابد الجابري في “مسألة الهُوية: رأى أن ثنائيةَ العروبة والإسلام” يصعب الوصول بشأنها إلى اتفاق أو حل وسط… كل واحدة منها محقة فيما تثبت غير محقة فيما تنفي”.
وليس مفهومُ الوَحْدةِ العربية تبعًا لذلك أقلَّ التباسًا واختلاطًا. فهل الوَحْدة العربية هي وَحْدةُ الناطقين بالضاد، ما ليس كافيًا لتكوين كِيان سياسي في دولة واحدة موَحْدة، أم هي وَحْدةُ عرب المشرق كما نادى بها نجيب العازوري أو هي وَحْدةُ سورية الطبيعية كما ذهب أنطون سعادة أو هي وَحْدةُ المغرب العربي كما ساد في الخطاب السياسي في بلدان شمال أفريقيا في ثلاثينيات القرن الماضي؟ وما هو مظهرُ هذه الوَحْدة؟ هل هي اندماجيةٌ أو فيدرالية أو كونفدرالية؟
في موازاة هذه المفاهيم القومية والوَحْدوية الملتبسة كانت تُطرح مفاهيمُ أخرى مثل: “العقل العربي” و “الشخصية العربية” و”المجتمع العربي”، ولكنه بات ثابتًا حتى الذين أدمنوا على القول بها واستعمالها في أدبياتهم، أنها قد لا ترمز إلى واقع أو حقيقة، وأنها ليست إلا تعميماتٍ مختزلةً ومبسّطة، إذ ليس ثمة ما يوحِّدُ العربَ على صعيد النظر العقلاني، إنْ على مستوى التاريخ أو على مستوى الجماعات والأفراد. حتى مفهومُ التاريخ ذاته، هو أيضًا ملتبسٌ ومختلطٌ، فبينما هو في رأي الأصوليين ومن وجهة نظر سكونية، ناجز ومكتمل مُجَلَّلٌ بالقداسة والأسطورة، وهو في رأي الحداثيين حركة وتطور وانقلاب، يُمكن الاستفادة من عِبَرِهِ، إلا أنه لا يُستعاد ولا يُقتدى إلا فيما يلائم الراهن ويلائمه. وهذا يُحيل بدوره إلى مفهومي: الأصالة والمعاصرة. الذي يتوهم فيهما الافتراق الكامل بينهما: فهل يتناقض ما هو أصيل مع ما هو معاصر تناقضًا ناجزًا وتامًا؟
تُحيل هذه المفاهيمُ إلى مفهومِ النهضة، إذ يلتبس معناها بين النقل أو الاستعادة أو الإبداع. فمن منهجٍ سكوني، النهضة هي ناجزٌ يتكرر ويُستعاد ويقتبس فلا يصلحُ حاضر الأمة إلا بما صَلُحَ به أولها. ومن منهج دينامي تطوري تاريخي النهضة إبداعٌ مستمر ومواكبة لحركة الكون والمجتمع والناس واستجابة لدواعي الاستمرار والبقاء والتقدم. ما يُمَثِّلُ العصبَ الأساسي في إشكال الحداثة ومفهومها الملتبس. فهل هي الإنجازات المادية والتِقْنية المرادفة لها أو هي الرؤيا الإبداعية الثورية والمتجددة للكون والتاريخ والعلائق الاجتماعية والانسانية؟
أما مفاهيم العلمنة والديمقراطية فهي الأخرى من المفاهيم الأكثر التباسًا واختلاطًا في الخطاب السياسي العربي المعاصر. فهل العلمنة تعني فصل الفضائين: الديني والسياسي، وتحرير الرُوح في علاقتها مع الما وراء من وطأة السياسي ونوازعه، أم هي التفلّت من الأحكام الإلهية وإعادة الحاكمية إلى البشر؟ وفي هذه الحال ما معنى الديمقراطية؟ هل هي اختيار الحاكم أم اختيار القانون؟
وهكذا يبقى معنى العلمنة والديمقراطية غامضًا ومثيرًا للجدل، على رغم شيوع هذين المفهومين الواسعين في الخطاب السياسي العربي في العقدين الأخيرين من القرن العشرين. ولا ريب أن ذلك إنما يعود في أحد أُسسه إلى إشكالية مفهومي: الدين والدولة، والعلاقة القائمة فيما بينهما. فهل الدينُ هو طقوسٌ مغلقة ولاهوتٌ جامد وتأويلٌ معصوم أم إيمانٌ منفتح وتجرِبةٌ ذاتية وتواصلٌ رُوحي حي مع الله؟ وهل الدولةُ تِبْعًا لذلك تعبيرٌ عن إرادة الناس أم أنها كِيانٌ منفصل مفروض من فوق غيرُ قابلٍ للجدل والنقاش؟
وعلى رغم تكاثر المظاهر الديمقراطية الصورية وشيوعها في العالم العربي -انتخابات، استفتاءات- فإن مفهومَ الدولة بمعنى العقد الاجتماعي، لم يَعُدْ من المسلّمات ولا يزال يختلط بمفهوم الدولة بمعناه البطركي أو الأوتوقراطي أو التسلطي الاستبدادي.
ومن المفاهيم التي ما فَتِئَ يسودها الالتباس والاختلاط في الخطاب السياسي العربي المعاصر، مفاهيمُ التنمية والاشتراكية والتقدم، إذ يلتبس مفهوم التنمية بمعناها الإنساني الشامل بالمعنى الاقتصادي البحت، ويختلطُ مفهومُ التقدمِ بمفهوم التغريب والتحديث، ويختلط معنى الاشتراكية بوصفها فلسفةً مادية تُعيد كل شيء إلى الإنسان في النظام السياسي والاجتماعي، ولا تعترف بمركزية غير مركزيته، وبين الاشتراكية بمعناها الديني والإنساني؛ المشاركة والإحسان والرحمة.
أما مفهومُ الثقافة فيعاني أيضًا من الالتباس والاختلاط على رغم وفرة البحوث والدراسات في الخطاب الثقافي ودور المثقف منذ خمسينيات القرن الماضي، فما بَرَحَ الالتباسُ قائمًا بين المثقف والفقيه والمبشر والمحترف. ومع هذا الالتباس يضيع مفهومُ الآخر ويلتبسُ بين معنى الآخر المختلف ومعنى الآخر العدو والضد.
إن ما حدث ويحدث من ثورة في المبادئ والقيم والأفكار والمفاهيم وما حصل ويحصل من تبدّل وانقلاب في الأنساق النظرية والايديولوجية على أرض الغرب، ثورة وتبدل قفزا بالغربيين إلى ما بعد الحداثة، بعد أن كانوا قد ولجوا الحداثة مُمتطين ثورة مماثلة على العقل القروسطي والرؤيا اللاهوتية للكون والمجتمع والإنسان. فهل كان في وُسع هؤلاء تخطي لاهوت القرون الوسطى وقيمها ومفاهيمها لولا الثورة الصناعية والنتاجية والعلمية؟ وهل كانوا استطاعوا أن يتوجهوا إلى ما بعد الحداثة لولا الإنجازات غير المسبوقة في العلوم والتِقْنية والاتصال؟
وإذا كنا لا ندري اليوم إلى أين ستتجه ثورة ما بعد الحداثة، فلأننا لا ندري كذلك ما سيطرأ من إبداعاتٍ ثورية ومختلفة وغير معهودة، ليست: الإنترنت ولا الاستنساخ ولا الخريطة الجينية ولا الذكاء الاصطناعي، ولن تكون آخر مطافها.