تكوين
لا يمكن النظر إلى ما يُعرف بـ “جرائم الشرف” من زاوية دينية أو قانونية فحسب؛ فهي ظاهرة مركبة تضرب بجذورها في بنية ثقافية واجتماعية ذات طابع قبلي أبوي، ثقافة نظرت إلى المرأة من منظور نفعي مادي تحكمه مبادئ السلطة والتملك من جانب، والخوف عليها حينا، ومنها أحيانا وما قد تسببه من جلب للعار من جانب آخر، الأمر الذي أثر في فهم النصوص الدينية وصياغة التشريعات ذات الصلة.
وتعيد جريمة محافظة سوهاج المصرية، التي وقعت يوم السبت الموافق 15 أغسطس 2026، وقتل فيها زوج زوجته واثنين من الرجال متهمين بعلاقة غير شريعة معها، طرح السؤال المتكرر عن كيفية التعامل مع هذا النوع من الجرائم وما هي مبرراته وسبل القضاء عليه في ظل ثقافة تؤيد هذا النوع من الجرائم حتى في أوساط المتعلمين أو القائمين على أمر التعليم والتثقيف.
سأحاول التطرق لهذه القضية عبر التعاطي مع مفاهيم وموضوعات أتصور أنها وثيقة الصلة بهذا النوع من الجريمة، وذلك من خلال سلسلة من المقالات الموسعة حول جوانب القضية المتعددة والمعقدة، وأسعى إلى تتناول التساؤلات التالية بالشرح والتحليل النقدي:
- كيف تكونت الصور النمطية عن المرأة وعلاقة قصص أصل خِلقة المرأة بذلك؟
- كيف تكونت مفاهيم الشرف والعِرض والعار وثقافة الثأر للشرف؟
- ما هو دور القبيلة والعقلية الجمعية في بناء هذه المفاهيم؟
- كيف تأثرت منظومة العقوبات الدينية بهذه الثقافة؟
- ما هي العلاقة بين ما يعرف بمقاصد الشريعة الإسلامية والعقوبات المرتبطة بالزنا؟
- ما هو دور مفهوم الشرف في تخطي حدود العقوبات الدينية نفسها رغم شدتها؟
- ما هو أثر اللغة وصياغة أوصافها في تشكيل مكانة المرأة في الذهنية العامة مقابل مكانة الرجل؟
- ما هو أثر الثقافة والعرف في نشوء وفهم مقولات دينية مثل “نقصان العقل والدين” وانعكاسها على تشريعات الزواج وحقوق المرأة؟
- ما هي العلاقة التبادلية بين البنية الأبوية والذكورية لمستقبل النص المقدس وأسلوب خطاب النص نفسه، ثم انعكاس ذلك في تفسيره واستنباط الأحكام منه؟
- كيف يتماهى المشرع مع العرف في سن القوانين التي تتعارض ربما مع الدستور نفسه؟
- كيف يمكن تطوير الصورة الذهنية عن المرأة بما يسمح بتطوير التشريعات الدينية/القانونية المنبثقة عنها انطلاقا من أن الفقه الإسلامي يعني الفهم؟
- كيف يمكن قياسا على السؤال السابق بيان الأثر الفعلي للفقه البشري على صياغة أحكام الشريعة الموصوفة بالإلهية؟
على سبيل التمهيد سأبدأ في المقال الأول من هذه السلسة بعرض بعض الصور النمطية في الذهنية العربية عن المرأة من خلال أمثلة من الاستعمالات والتشبيهات اللغوية التي تحط من شأنها وتجعلها مجرد أداة لخدمة الرجل مما يؤثر على كل ما يتعلق بالمرأة من سلوكيات اجتماعية وتشريعات قانونية، مع التأكيد على أن شيوع هذه التوصيفات لا يعني وجودها بنفس الدرجة في مختلف الطبقات أو الأماكن، كما لا يعني أنه ليس هناك تطور ثقافي وتشريعي في اتجاه رفع كرامة المرأة والحفاظ على حقوقها. غاية الأمر هو بيان تاريخ الصورة الذهنية عن المرأة والتي ما زالت حاكمة بشكل أو بآخر حتى يوم الناس هذا، تلك الصورة الذهنية التي تجعل العنف ضد المرأة مقبولا على نحو ما، سواء تحت علة التأديب أو العقاب.
دلالة كلمة الرجل مقابل المرأة
ترتبط كلمة “الرجل” في اللغة العربية بحقل دلالي يتجاوز الإشارة إلى الذكر البالغ، ليشمل معنى الفعل والحركة والانتصاب والقيام والإقدام أي المشي والقوة والقدرة والشدة. لذا فهناك من يربط كلمة الرّجُل بالرِّجْل لغويا؛ نظرا لأن العرب الرّحل كانوا يتنقلون في الصحراء عادة ماشين، أي راجلين، في حين أن النساء كن تتنقلن راكبات للهودج، ويرجع مصدر الهودج في لسان العرب إلى المشي بضعف وبلا إرادة، وتحتاج الدابة وعليها الهودج إلى قائد يقودها، وهو رجل راجل. وقد ردّ بعض اللغويين ألفاظ الجذر “ر ج ل” إلى الرِّجل، وذكر ابن فارس أن تسمية الرَّجْل، أي المشاة، ترجع إلى مشيهم على أرجلهم،[1] كما نقل ابن منظور في اللسان رأيًا يربط “الرجل” بـ”الراجل”[2].
غير أن هذا الاشتراك الاشتقاقي لا يكفي وحده لإثبات أن لفظ “الرجل” نشأ تاريخيًا من تقسيم اجتماعي كان الرجال فيه يمشون والنساء يركبن؛ فذلك يحتاج إلى شواهد تاريخية مستقلة. والأقرب أن الثقافة العربية وسعت معنى الرجولة حتى جعلتها دالة على الفعل والحزم والشجاعة وتحمل المسؤولية، بحيث قد يُنفى وصف الرجولة عن ذكر لا يحقق هذه الصفات، وقد توصف به امرأة تحققها. ويظهر هذا الفصل بين الرجولة والذكورة بوضوح في التصوف الأكبري؛ إذ يعامل ابن عربي الرجولة بوصفها رتبة روحية يمكن أن يبلغها الذكر والأنثى، وهو ما تلخصه عبارته: “كمال الرجولية… سواء كان ذكرًا أو أنثى”،[3] ومع ذلك يظل هذا الافرق القيمي بين الذكورة والأنوثة قائمًا داخل نسق لغوي يجعل صفات الفعل والقوة معيارًا يسمى “رجولة”، ودليله أن ابن عربي نفسه لم يستطع استخدام لفظ أنوثة لدلالة الكمال التي يريد التعبير عنها، وهو ما يكشف عن استمرار اتخاذ الذكورة اللغوية نموذجًا للكمال حتى في ذهنية غالبية النساء.[4] ومن ثم يمكن أن نستنتج مما سبق أن إيجابية لفظ الرجولة مرتبطة بالعمل والحركة والإنتاج وتحمل المسؤولية، وليس بجنس الرجل نفسه، وعليه فمن فقد صفات الحركة والفعل والإقدام هذه لا يكون رجلا ولو كان ذكرا، ومن اتصف بها كان رجلا ولو كان أنثى، لذا نجد بعض الثقافات العربية تستخدم عبارة “مرة بميت راجل/امرأة بمئة رجل” عندما تتصف المرأة بالصفات المنتظرة من الرجل من شهامة وإقدام وتحمل مسؤولية إلخ، ولكن حتى هذا يؤكد بطبيعة الحال على بقاء ارتباط الصفات الإيجابية هذه في الذهنية العربية الإسلامية بكلمة الرجل وليس بلفظ المرأة أو الأنثى.
تشبيه المرأة بالحيوان
تشبيه المرأة بالحيوان ورد كثيرا في اللغة والأمثال والأدب والخطاب الفقهي، مما يستوجب بحث آليات التجاور والتشبيه والاستعارة والامتلاك، وما تنتجه من صورة ذهنية عن المرأة.
أولًا: المرأة في الأمثال ذات الاستعارات الحيوانية
هناك دراسات كثيرة عالجت ربط المرأة بالدونية من خلال مقارنتها بالحيوان في الأمثلة الشعبية. على سبيل المثال تكشف دراسة أجرتها الأردنية زبيدة مدني من جامعة عمان (وآخرون)[5] أن عددًا من الأمثال الشعبية الجزائرية والأردنية يستخدم استعارات حيوانية لتقديم المرأة في صورة سلبية. فقد حللت الدراسة أمثالًا جزائرية وأردنية تستخدم الحيوانات في وصف النساء والرجال، ودرست دلالات مثل: الدونية والضعف، الغباء وسوء الطبع، التشييء، القبح، الخضوع والسيطرة، النشاط الجنسي، الأدوار الجندرية، وتبين الدراسة أن الاستعارات الحيوانية لا تُوزع بالتساوي بين الجنسين، بل كثيرًا ما تُستخدم في وصف النساء بطريقة تنتقص من إنسانيتهن أو تضبط سلوكهن الاجتماعي والجنسي.
ففي الجزائر يقال: “اللّي عينو في العذاب يخالط النسا والكلاب”، حيث تُجمع النساء والكلاب بوصفهما مصدرًا للضجيج والمعاناة. ويقال أيضًا: “ما تسمع رأي المرا، ما تتبع الحمار من وراء”، وهو مثل يربط رأي المرأة بالحمار ويوحي بأن اتباعها يقود إلى الخطأ، بما ينزع القيمة عن عقلها وخبرتها[6]. ولعل المثل الأخير يلتقي مع عبارة شهيرة أخذت قوة الحديث النبوي وهي “شاوروهن وخالفوهن”[7]، ورغم ضعف سند العبارة إلا أن أبو حامد الغزالي (ت 1111) أوردها في (إحياء علوم الدين)، ونسبها إلى الخليفة عمر بن الخطاب: “وقال عمر رضي الله عنه: خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة. وقد قيل: شاوروهن وخالفوهن”[8]. وما يعنينا هو شيوع العبارة وأثرها في الذهنية العربية الإسلامية بغض النظر عن صحة نسبتها لقائل بعينه.
إقرأ أيضًا: المرأة في اللا شعور الإسلامي
وفي الأردن يقال: “الناقة ناقة ولو هدرت”، في إشارة إلى أن المرأة تظل أضعف من الرجل مهما أظهرت من قوة. ويربط مثل “اللّي برضع لبن الحمارة بيصير مخه حجارة” بين غباء الطفل أو عناده وبين أمه. أما قولهم: «حب العمة للكنّة مثل لسع العقرب»، فيربط المرأة بالمكر والعداء والسمّية. وفي المقابل، تظهر بعض التشبيهات الإيجابية مثل تشبيه المرأة بالناقة أو الفرس، لكنها تركز غالبًا على جمالها وجاذبيتها، لا على عقلها أو سلطتها. وانتهت توصلت الدراسة إلى أن صورة المرأة في الأمثال الأردنية كانت سلبية في معظم الحالات. ومن الحيوانات التي استُخدمت لوصفها بصورة انتقاصية: الكلب، البقرة، الخروف، الدجاجة، الحمار، الأفعى، العقرب، الفأر.[9]
وتدل هذه الأمثال على أن الاستعارات الحيوانية لا تعمل بوصفها أوصافًا لغوية محايدة، بل قد تساهم في ترسيخ صورة اجتماعية تجعل المرأة ضعيفة أو غبية أو ماكرة وتابعة للرجل. وحتى حين تُستخدم الحيوانات لمدحها مثل مقارنتها بالغزال، تُختزل قيمتها غالبًا في الجمال والرشاقة، بينما يرتبط الرجل في الأمثال نفسها بالأسد والجمل والحصان بوصفها رموزًا للقوة والشجاعة والتفوق. فكما تعكس الأمثال مواقف المجتمع تجاه النوع الاجتماعي، فهي تؤدي أيضًا دورًا في ترسيخ علاقات القوة القائمة. فالأمثال التي تقدم الرجل بوصفه قويًا ومسيطرًا، والمرأة بوصفها ضعيفة أو خاضعة، لا تكتفي بوصف الواقع فحسب، بل تساهم أيضا في جعله طبيعيًا ومقبولًا.
ثانيًا: الجمع بين المرأة والحيوان في التفاسير
هناك تفاسير كثيرة لآيات قرآنية عدة تخص شأن المرأة وردت متأثر بثقافة المفسر، وسأتعرض لبعضها في مقالات لاحقة في هذه السلسة تناقش الجانب الفقهي والتشريعي في الزواج والطلاق وغيرهما. أما هنا فسأكتفي بحسب السياق بعرض مثال على صورة المرأة في التشبيهات والاستعارات اللغوية في التفسير. يحيل القرطبي (ت 1273) في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [سورة ص: 23] إلى التشابه بين النعجة والمرأة، حيث يقول: “والعرب تكني عن المرأة بالنعجة والشاة؛ لما هي عليه من السكون والمَعْجَزة وضعف الجانب. وقد يكنى عنها بالبقرة والحِجْرة والناقة؛ لأن الكل مركوب”[10].
والمَعْجَزة تعني العجز وعدم القدرة. فقد ذكر ابن منظور أن «المَعْجَزة» تأتي بمعنى العجز، وأن العجز هو الضعف وعدم القدرة.[11] أما “الحِجْرة” فهي أنثى الخيل؛ ولذلك فقد اجتمعت في العبارة أربع صور حيوانية مؤنثة: النعجة، والشاة، والبقرة، والحِجْرة، والناقة.
ويبدو أن القرطبي نقل هذه العبارة، أو اعتمد فيها اعتمادًا مباشرًا على أبي بكر بن العربي المالكي (ت 1148)، الذي سبقه بنحو قرن. فقد قال ابن العربي في تفسير الآية: “كُنّي بالنعجة عن المرأة، لما هي عليه من السكون والمعجزة وضعف الجانب. وقد يكنى عنها بالبقرة والحِجر والناقة؛ لأن الكل مركوب”.[12] وهذا يعني أن العبارة ليست ملاحظة عارضة عند مفسر واحد، بل تنتمي إلى تقليد لغوي وتفسيري سابق. كما يذكر الثعالبي عددًا كبيرًا من الألفاظ التي كانت العرب تكني بها عن المرأة، ومنها: “النعجة والشاة والقلوص والسرحة والحرث والفراش والعتبة والقارورة والقوصرة والنعل والغل والقيد والظلة والجارة”[13].
إقرأ أيضًا: الإنسان ليس قاتلاً بطبيعته: جدلية الأخلاق والقانون والقوة العارية
تكشف هذه القائمة أن تشبيه المرأة بالحيوان ليس الصورة الوحيدة؛ فهي تُشبّه أيضًا بالأرض التي تُحرث، والفراش، والنعل، والقيد. والقاسم المشترك بين عدد من هذه الصور هو تعريف المرأة من خلال علاقتها بالرجل ووظيفتها بالنسبة إليه، لا من خلال ذاتها أو فاعليتها المستقلة.
من الضروري علميًّا التمييز هنا بين ثلاثة مستويات:
- النص القرآني يذكر النعجة في سياق خصومة وتمثيل يتعلق بضم نعجة إلى تسع وتسعين نعجة.
- بعض المفسرين حملوا النعجة على ظاهرها، أي الحيوان المعروف.
- مفسرون آخرون رأوا أنها كناية عن المرأة وربطوا القصة بزواج النبي داود عليه السلام.
فالقرآن لم يصف المرأة بالنعجة، ولكن ثمة اتجاهٌ في التراث التفسيري قد فسّر النعجة في الآية بأنها كناية عن المرأة، ثم علّل بعض المفسرين، مثل ابن العربي والقرطبي، هذه الكناية بصفات السكون والعجز وضعف الجانب وقابلية الركوب. وقد أشار القرطبي نفسه إلى تعدد الأقوال؛ فنقل قول من رأى أن العدد والنعاج مجرد مَثَل، لا تقريرًا لحادثة زواج تاريخية. كما انتقد في موضع سابق من تفسير القصة كثيرًا من الأخبار الإسرائيلية المتعلقة بداود. ومن ثمّ فالصورة الحيوانية ناتجة أساسًا من التأويل الثقافي واللغوي للآية، وليست تعريفًا قرآنيًا مباشرًا للمرأة.
هذا ولم يعرض القرطبي النعجة كرمز للجمال أو الألفة، وإنما يحدد عناصر التشابه في:
- السكون: غياب الحركة والمبادرة.
- المَعجزة: العجز وعدم القدرة.
- ضعف الجانب: قلة القوة والحماية.
- الركوب: وضع المرأة في موقع الشيء الذي يُستعمل ويُسيطر عليه.
وبذلك تتكون صورة للأنوثة تقوم على السلبية والضعف وقابلية الإخضاع. فالمرأة لا تظهر بوصفها ذاتًا تتصرف، بل موضوعًا يمتلكه أو يضمه الرجل. وهذا ينسجم مع بنية قصة النعاج كما فهمها هؤلاء المفسرون: رجل يملك تسعًا وتسعين امرأة، ورجل لا يملك إلا امرأة واحدة، ثم يطلب الأول ضمها إلى نسائه. تصبح المرأة، داخل هذا التأويل، موضوعًا للتملك والتنازع والضم، لا طرفًا متكلمًا يعبّر عن إرادته.
في هذا السياق تمثل عبارة “الكل مركوب” الجزء الأكثر وضوحا وصراحة؛ لأنها تجعل الصفة المشتركة بين المرأة والبقرة والناقة وأنثى الفرس هي قابلية “الركوب”. والركوب هنا ذو مستويين متداخلين:
- معنى حسي: ركوب الدابة والسيطرة على حركتها.
- معنى جنسي: وضع الرجل في الأعلى بوصفه الفاعل، والمرأة في الأسفل بوصفها مفعولًا بها.
ولذلك لا تكون الاستعارة محايدة. فهي تنقل إلى العلاقة الجنسية النموذج نفسه الذي يحكم علاقة الراكب بالمركوب: القيادة في مقابل الانقياد، والفاعل في مقابل المفعول، والمالك أو المتصرف في مقابل الشيء المتصرف فيه. وهذا قريب جدًا من تحليل الباحثة النسوية كيشيا علي للمصطلحات الفقهية الجنسية؛ فهي تبيّن أن العلاقة بين الفاعل والمفعول النحويين تحولت في بعض النصوص الفقهية إلى علاقة بين فاعل ومفعول اجتماعيين وشرعيين؛ فالرجل ينكح ويطأ، بينما المرأة “تُنكح” و”توطأ”. وترى أن هذه اللغة تصل بين الفاعلية الجنسية والسلطة الذكورية.[14]
إقرأ أيضًا: العنف: إشكالية التعريف الفلسفى
هذا وإن كان القرطبي لم ينشئ هذه التشبيهات، بل كان يسجل استعمالًا عربيًا قديمًا، لكنه لا يكتفي بالقول إن العرب “تكني” عن المرأة بالنعجة؛ بل يعلل الاستعمال بأنها ساكنة وعاجزة وضعيفة، ثم يضيف أن المرأة والدابة تشتركان في كونهما “مركوبتين”. هنا ينتقل النص من وصف الاستخدام اللغوي إلى تفسيره وتثبيت منطقه الثقافي. ولهذا يمكن نقد العبارة بوصفها تعكس رؤية جندرية تاريخية، حتى إن كان القرطبي ناقلًا لها عن اللغة المتداولة.
وعليه، فنص القرطبي لا يثبت أن الدين أو القرآن يقرران دونية المرأة، لكنه يقدم شاهدًا واضحًا على أثر الثقافة الأبوية واللغة الجنسية التراتبية في بعض التفاسير التراثية. فالقرطبي يقرأ الكناية القرآنية أو التمثيلية من خلال تصور سابق للأنوثة يقوم على السكون والعجز والضعف والمفعولية. ومن ثمّ فإن أهمية النص لا تكمن في مجرد مقارنة المرأة بالحيوان، بل في الأساس الذي أقيمت عليه المقارنة: قابلية المرأة للامتلاك والركوب والإخضاع.
ولا يخفى على القارئ أن كلمة مركوب في الثقافة المصرية، الريفية منها خاصة تحيل إلى الحذاء (الجزمة باللهجة المصرية)، ولذا يهدد المصرين بعضهم عند الغضب قائلين “أديك بالمركوب” أي أضربك بالحذاء. كما أن ابن القيم الجوزية يقرن بين المرأة والحيوان على اعتبار النقصان في كليهما: “جَاءَت الشَّرِيعَة بِالْمَنْعِ من التَّشَبُّه بالكفار والحيوانات وَالشَّيَاطِين وَالنِّسَاء والأعراب وكل نَاقص”[15] وهذا التشبيه المحط من قدر المرأة انتقده الإمام محمد عبده (ت 1905) واستغله في سياق محاولة تقييد تعدد الزواجات الذي كان من العادات المألوفة والمنتشرة عند ظهور الإسلام “يوم أن كانت المرأة نوعا خاصا معتبرة بين الإنسان والحيوان”.[16] وهنا تقول نوال السعداوي بحس المرأة: “فالمرأة تصبح ضمن ممتلكات الرجل، مثل سيارته أو دراجته أو حماره.”[17]
وربما يساعدنا العرض السابق للصورة الذهنية السيئة للمرأة وتمثلاتها اللغوية في فهم موقف الثقافة العربية من المثلية الجنسية، أو الشذوذ الجنسي بحسب السياق وخلفية المتحدث، التي ترتبط في تصوري بطبيعة النظرة الاجتماعية لطرفي العلاقة المثلية وانعكاس ذلك في الذهنية على تصور الفاعل والمفعول به، لذلك فالنظرة سيئة جدا للمفعول به ومقبولة نسبيًا للفاعل، برغم أن كليهما يمارسان نفس العلاقة المرفوضة عند الغالبية دينيا وأخلاقيا، وهذا مرتبط بنظرة الثقافة العربية لعلاقات القوة والقهر والتحكم التي تربطها بشخص الفاعل/المولج/الذكر[18]، وبالتبعية نظرتها للخضوع والاستسلام والطاعة في شخص المفعول به/الأنثى، وبالتالي تتقبل الثقافة مثلية المرأة إلى حد ما، كما أن الدين يسكت عنها ولا يذكر لها عقوبة مما يدل على تماهي أحكام الدين مع الثقافة، هذه الثقافة التي تتقبل مثلية المرأة لأنها في جميع الأحوال مفعول به، ولا تمثل الفاعل، أي أن المشكلة في وضع الرجل في دور المرأة،[19] ولعل ذلك يوضح لماذا يعد مجرد ذكر العضو التناسلي للأم (في بعض البلدان الأخت) دون إلحاق أي صفة أخرى به، مسبة كبيرة وإهانة قاسية، بينما لا يذكر عضو الأب التناسلي في سياق السب والإهانة.
في الختام نشير إلى أن أمثلة ربط المرأة بالحيوان وغيره مما ينتقص منها كثيرة مثل ربطها بالدابة أو بالشؤم إلخ، وما يعنينا بالدرجة الأولى هو أثر هذه الثقافة والذهنية اللغوية في الحكم على مكانة المرأة وصياغة التشريعات الخاصة بها وهو ما سنتناوله في المقالات القادمة شيئا فشيا بحسب ما ورد في بداية هذا المقال.
_________________________________________________
المصادر والمراجع:
[1] أبو الحسين أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، بيروت، 1979، ج2، ص492–493.
[2] جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت 1414 هـ، ج11، ص265–269، مادة “رجل”.
[3] ابن عربي، الفتوحات المكية، دار صادر، بيروت، ج 2، ص 588.
[4] للمزيد حول البعد اللغوي والصوفي وراء ربط الرجل بالرجل أنظر: نزهة براضة، الأنوثة في فكر ابن عربي، دار الساقي، بيروت 2008، ص 131-132.
[5] Madani, Zoubida, Nimer Abusalim, and Mohammad Rayyan. 2023. “Gender Representation in Animal-Related Proverbs: Algerian vs. Jordanian Arabic.” Frontiers in Sociology 8: 1145200. https://doi.org/10.3389/fsoc.2023.1145200.
[6] أنظر (زبيدة مدني) Madani، مرجع سابق، ص 5 ـ 8.
[7] لم يجد السخاوي لهذه العبارة سندا. شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تحقيق محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي، بيروت، 1985، ص400–401، الحديث رقم 585.
[8] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، ج2، ص44، كتاب آداب النكاح، الباب الثالث، “آداب المعاشرة وما يجري في دوام النكاح”.
[9] أنظر: Madani، مرجع سابق، ص 10، والجدول ص 11.
[10] أبو عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط2، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1384هـ/1964م، ج15، ص172.
[11] انظر: ابن منظور، مرجع سابق، مادة “عجز”، ج5، ص 369.
[12] انظر: أبو بكر ابن العربي، أحكام القرآن، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط3، 2003، ج4، في تفسير سورة ص، الآية الرابعة: ﴿إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة﴾.
[13] انظر: أبو منصور الثعالبي، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ص421–422، باب “الكناية عن المرأة”.
[14] انظر: كيشيا علي، الزواج والرق في الإسلام المبكر: قراءة فقهية نقدية من منظور نسوي، ترجمة عمرو بسيوني ونهى دياب، دار الروافد الثقافية وابن النديم، 2021، ص276–277. كما توضح المؤلفة في هذا السياق أن كلمة “الوطء” ذات دلالة قوية وتدل على الهيمنة والامتلاك، وأن “الواطئ” صاحب السلطة الجنسية هو أيضًا الرجل أو الزوج أو السيد صاحب السلطة الاجتماعية. المرجع نفسه، ص362. وسنتعرض لمفهوم الوطء القيمي في مقال آخر عن عقد الزواج ودلالته الثقافية.
[15] أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، الفروسية المحمدية، تحقيق زائد بن أحمد النشيري، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، ط1، مكة 1428 هـ، ص 45.
[16] محمد عبده، الأعمال الكاملة، جـ 2، تحقيق وتقديم، محمد عمارة، ط 2، دار الشروق، القاهرة 2006، ص 82.
[17] نوال السعداوي، المرأة والجنس، ط 5، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1982، ص 151.
[18] تستخدم العامية المصرية كلمة “دكر” بالدال التي توقظ مباشرة جميع دلالات الفوقية الذكورية. وللمزيد حول علاقة اللغة بالجنس أنظر: روبن كوين، اللغة والهويات الجنسية، ترجمة مسعود عمر، مجلة فصول، الدراسات النسوية، المجلد 26/3، العدد 103، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2018، ص 15-34.
[19] لعل هذا يوضح خلفية وسيلة الإكراه على الاعتراف أو التعذيب غير القانونية التي يشاع أن رجال الأمن يمارسونها في السجون المصرية وهي الاغتصاب الجنسي للمحتجزين وأحيانا للمسجونين الذكور ليلحق العار بالمفعول به داخل السجن وخارجه، بينما لا يصيب العار الفاعل وإن كان فعله غير محمود أخلاقيا بطبيعة الحال. أشار الأديب الطبيب المصري علاء الأسواني إلى هذه الوقائع في روايته الشهيرة “عمارة يعقوبيان” التي صدرت في القاهرة عام 2002 عن دار الشروق وغيرها، ثم تحولت عام 2006 إلى فيلم سينمائي شهير عرض واقعة اغتصاب أحد المحتجزين جنسيا.