تكوين
مقدمة
يَهْدِفُ هذا البحث (في جزئه الثاني) إلى تتبع الجينيالوجيا التي يقترحها جاك لاكان لمسار تَكوُّنِ الذات الإنسانية، بالانتقال من تعدد ذوات الكوجيتو إلى بروز “الآخر” بوصفه الذات الحقيقية للا وعي. فالتحليل النفسي، في صيغته اللاكانية، لا ينطلق من “الأنا” بوصفه مركزًا للوعي أو أصلًا للوجود، بل من بِنيةٍ لُغوية‑رمزية تتقدم على الذات وتؤسسها، وتُعيد تحديد موقعها داخل شبكة من العلاقات التي تتجاوز حدود الوعي. ومن هنا، يتخذ هذا البحث منحًى بِنيويًا‑جينيالوجيًا، يدرس كيف تَتَكَوَّنُ الذات عبر سجلات المتخيَل والرمزي والواقعي، وكيف تُنتزع من مركزيتها الأنطولوجية عبر عملية نزعٍ للأنسنة الأنطولوجية désontologisation تفتح الطريق أمام إعادة أنسنة أنطولوجية réontologisation تحدثُ عبر الآخر وفيه. كما يسعى المقال في إبراز كيف يشتغل اللا وعي بوصفه بِنيةً لُغوية، وكيف تتقدم الدوال على المدلولات، وكيف يَتكوَّنُ “الأنا” تكوُّنَ الأثرِ المتأخر لعمليات لا واعية تعمل في الظل، قبل أن تَظْهَرُ في الوعي على هيئة خطاب. ومن داخل هذا المسار، نُبين كيف يلتقي التحليل النفسي مع الأسئلة الفلسفية الكبرى بشأن الواحد والمتعدد، وبخصوص العلاقة بين الذات والآخر، وعن البِنية التي تؤسس الوجود الإنساني وتُعيد خلقهُ باستمرار.
الجينيالوجيا الإنسانية عبر مراحل المتخيَّل والرمزي والواقعي
- التحليل النفسي وحقيقة “الأنا” في الكوجيتو عند لاكان
يطرح جاك لاكان، في سيميناره أخلاق التحليل النفسي L’éthique de la psychanalyse (1959-1960)، سؤالًا جوهريًا عن غاية التحليل النفسي. فـ “البحث عن طريقٍ وعن حقيقةٍ ما، ليس غائبًا عن التجرِبة التحليلية. إذ ماذا نطلب في التحليل إن لم تكن حقيقة محرِّرة؟[1]“. غير أن لاكان يوضح أن الحقيقة التي ننشدها ليست حقيقة قانونٍ أعلى أو مبدأ متعالٍ. فإذا كانت الحقيقة التي نبحث عنها حقيقةً مُحرِّرة، فهي حقيقة نذهب لالتقاطها في نقطةٍ خفية من ذاتنا، في موضعٍ مستور من بِنية الذات(le sujet). إنها حقيقة خاصة، غير كونية، مرتبطة بالذات في فرادتها[2]:
ومع أن النمط الذي تتخذه هذه البِنية عند كل فرد يُمكن أن نجده – عند آخرين – هو نفسه في جوهره، وإنْ بدا دائمًا جديدًا ومتجددًا، فإن ذلك لا يُلغي أنها تتجلى لكل واحدٍ في خصوصيته الحميمة، محمولةً بطابع Wunsch ذي قوة إلحاح لا يُمكن تجاوزها. فهذا الـ Wunsch نلقاه في فرادته التي لا تُختزل، بوصفه تحولًا لا يفترض أي معيار خارجي سوى ما ينشأ عن تجرِبة لذة أو ألم؛ تجرِبة أخيرة، أصلية، ينبثق منها، ويظل محفوظًا في أعماق الذات تحت نمطٍ لا يقبل الاختزال أو التعديل. فالـ Wunsch لا يحمل طابع قانون كوني، بل على العكس، هو أشد القوانين خصوصية، حتى وإن كان من “الكوني” أن هذه الخصوصية نفسها تتكرر عند كل كائن بشري. إننا نلتقي به في صورة ما نسميه مرحلة ارتجاعية، طفولية، غير واقعية، التي تعمل الذهنية فيها تحت سطوة الرغبة، وتتحرك وفق منطق رغبةٍ تُؤخذ على أنها واقع. [3]
وهكذا فإن التحليل النفسي، كما يوضح لاكان، يقف على الضد من كل فلسفة تنحدر مباشرةً من الكوجيتو. ويعني ذلك في السياق اللاكاني، ليس فقط معارضة كل نزعة مثالية تجعل الوعي أو “الأنا” قطبًا مُنشئًا لمعاني العالم، ولكنْ نقد كل مقاربة علاجية تُصاغ مبادئها على أساس “تقوية الأنا”[4] أو دعمه. فعند لاكان، “قبل أن نبني الأنا أو نقويه أو نُعيد تكوينه عبر التحليل، ينبغي أولًا تفكيكه[5]“. كما يرفض لاكان الانتقال من الخاص إلى العام على الطريقة التجريبية التي ترى في تكرار الحالات الفردية أساسًا لاستخلاص القوانين. فنهجه، سواء في التأويل أو في بناء النظرية، يقوم دائمًا على المرور من خصوصية إلى خصوصية، لأن الحقيقة التحليلية لا تُختزل في تعميمات، بل تُستخرج من تفاصيل البِنية الذاتية لكل حالة على حِدَةٍ[6].
يظهر منذ البداية الطابع البِنيوي الصارم في فكر لاكان، إذ يتصور الذات بوصفها أثرًا منبثقًا لا علةً مُنشِئة لوجود الإنسان. وبعبارة أخرى، فإن “الأنا” في الكوجيتو اللاكاني ينبثق من البِنية الإنسانية ويولد داخل اللا وعي، بدل أن يكون هو المؤسِس للوجود الإنساني أو المانح له أصله. وهكذا يتبدَّى “الأنا” تبدِّيَ العنصر المُنْزاح عن مركز الأنطولوجيا، خاضعًا لعملية نزعٍ للأنسنة الأنطولوجية (désontologisation)، تمهيدًا لإعادة تحديد موقعه داخل بِنية أوسع. وسنرى في سياق هذه الدراسة كيف أن الآخر – أي الذات اللا واعية – يتقدم ليحتل الموقع المركزي في علاقة الفرد ببِنيته الوجودية، احتلالًا يُعاد به توجيه “الأنا” نحو إعادة أنسنة أنطولوجية (ré‑ontologisation) تتم عبر الآخر وفيه، بوصفه الذات الحقيقية للوجود. ومن هنا تنشأ ثنائية في بِنية الذات تُذكِّرُ بما نجده عند إكهارت(Eckhart) من مفهوم الوجود المزدوج، أو حضور وعيين متداخلين على خلفية وجودية واحدة. إن نزع الأنسنة الأنطولوجية désontologisation عن الذات عند لاكان، والذي يفتح الطريق نحو إعادة أنسنة يسمح بفهمٍ أعمق للعلاقة بين الواحد والمتعدد، بين الإلهي والإنساني، بين الآخر والأنا، وكل ذلك ضمن أرضية وجودية واحدة تتخذ هيئة تكوينٍ بِنيوي تتفاعل فيه المستويات دون أن تنفصل.
يُمكن الدخول إلى الفكر اللاكاني، لا عبر مسارٍ تاريخي متدرج، بل من خلال مقاربة مفاهيمية‑تركيبية تُبرز البِنية العامة التي تتحرك فيها نظريته. فعند لاكان، الذات التي نشتغل عليها في التحليل النفسي ليست هي الذات التي تتعامل معها العلوم. [7] قبل الوصول إلى مفهوم البارلتر (parlêtre)، أي الكائن‑المتكلم الذي يُكَوِّنُ موضوع التحليل النفسي اللاكاني والمدعوم بثلاثة سجلات (الواقعي، المتخيَّل، الرمزي)، يبدأ لاكان من ذات إنسانية أولية تعيش توترًا بين مبدأ الواقع ومبدأ اللذة. يرى لاكان أن جهاز الإدراك الإنساني مرتبط بالواقع من جهة، ومحكوم بمبدأ اللذة من جهة أخرى[8]. وداخل هذا الجهاز تعمل آليتان متعارضتان تُحدثان توترًا بِنيويًا في الكائن البشري:
- العملية الأولية (processus primaire) وهي تميل إلى الاشتغال في اتجاه هُوية الإدراك، أي أنها تبحث عن التطابق المباشر بين الصورة الذهنية والشيء المرغوب. إنها آلية تعمل وفق منطق اللذَّة الفورية، إذ يسعى الذهن في إلغاء المسافة بين الرغبة وموضوعها، وكأن مجرد استحضار الصورة يكفي لتحقيق الإشباع. إنها آلية طفولية، حلمية، لا واعية، تعمل وفق منطق التكثيف والإزاحة، وتُعيد خلق الواقع بما يتوافق مع رغبة الذات[9].
- العملية الثانوية (processus secondaire) وهي مرتبطة بـهُوية التفكير، أي بالقدرة على تنظيم التمثلات وفق منطق الواقع، وإدخال المسافة بين الصورة والشيء، وبين الرغبة وإمكان تحقيقها. هنا يبدأ الذهن في العمل وَفْق قواعد اللُغة، والمنطق، والزمن، والسببية. إنها آلية واقعية، ناضجة، واعية نسبيًا، تُخضع الرغبة لشروط العالم الخارجي[10].
ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني أن الإنسان، في بِنيته الأولى، يعيش انقسامًا بين قوتين:
- قوة تدفعه نحو الإشباع الفوري عبر الصورة (العملية الأولية)،
- وقوة تُعيده إلى قوانين الواقع عبر التفكير (العملية الثانوية).
إن هذا التوتر الداخلي هو ما يجعل الذات غير منسجمة تمامًا مع نفسها، ويهيئُ المجال لظهور ما يسميه لاكان البارلتر parlêtre، أي الكائن الذي لا يقتصر وجوده على الواقع المادي، وإنما يعيش داخل اللُغة نفسها؛ اللُغة التي تنظم رغبته وتعيد صناعة علاقته بالعالم. فالإنسان، وَفْق هذا المنظور، لا يتحرك فقط داخل الوقائع، بل داخل البِنية اللُغوية التي تمنحه معنًى وتوجه رغباته. ويعني ذلك أن عمل الجهاز النفسي في باطنه لا يتم دفعة واحدة، بل عبر حركة تدريجية من التجريب، تشبه ما وصفه فرويد بعملية التلمس أو المحاولة التصحيحية. فالذات، مدفوعةً بسلسلة من التفريغات العصبية التي تتبع المسارات العصبية (Bahnungen) التي انفتحت سابقًا في التجارِب الماضية، تقوم بمحاولات متكررة، وتنعطف في مسارات مختلفة، إلى أن تصل تدريجيًا إلى نوع من الالتحام أو الأنستوموز l’anastomose مع الواقع المحيط. وهذا الالتحام لا يعني التطابق مع الواقع، بل القدرة على تجاوزه وفهمه وتخطي محض اختبار الأشياء الحاضرة في لحظة التجرِبة. وفي خلفية هذا كله يعمل، إذا صح التعبير، جهاز من الرغبة‑التوقع، أي ما يسميه فرويد Wunsch أو Erwartung der Lust، أي توقع اللذة. وهذا التوقع هو نوع من اللذة المنتظَرة التي تسعى الذات في تحقيقها داخل مجالها الداخلي، بطريقة شبه مستقلة، من دون الاعتماد المُسبق على أي إمداد خارجي. إنها آلية ذاتية تعمل وَفْق منطقها الخاص، وتتجه مباشرة نحو تحقيق ما قد يكون أبعد ما يكون عن شروط الواقع، بل وربما مناقضًا تمامًا لما يسمح به الوضع الفعلي. فالـ Wunsch، بوصفه رغبةً قائمة على التوقع، لا يتوجه نحو الواقع كما هو، بل نحو الصورة الداخلية التي تحملها الذات عن الإشباع. وهذه الصورة قد تكون في أقصى درجات التعارض مع ما يمكن أن يحدث فعليًا في العالم الخارجي. إنه اندفاع نحو الإشباع داخل المجال النفسي الخاص، قبل أي احتكاك بالواقع، بل وأحيانًا في مواجهة الواقع نفسه[11].
يرتبط مبدأ الواقع، في القراءة اللاكانية، بما يُسميه فرويد العملية الأولية، ويُعرَّف بوصفه نمطًا من أنماط الفكر “الراشد”. غير أن “الرشد” هنا لا يعني نضجًا معرفيًا يفوق فكر الطفل، بل يعني أن هذا الفكر محكوم بـإلزام أخلاقي: فـ “القانون الأخلاقي، والأمر الأخلاقي، وحضور الهيئة الأخلاقية، هي ما يجعل الواقع حاضرًا – الواقع بما هو واقع، بثقله وضغطه[12]“. إن مبدأ الواقع، بهذا المعنى، ليس محض إدراك موضوعي للعالم، ولكنْ هو تجسُّدٌ للواجب، للحد، ولما يفرض نفسه على الرغبة. في المقابل، يرتبط مبدأ اللذة بما يسميه لاكان فكر الطفل، وهو ليس فكرًا “أقل نضجًا”، بل هو الفكرُ الذي نتعامل معه في اللا وعي”. إنه الفكر الذي يعمل وَفْق منطق الصورة، والخيال، والبحث عن الإشباع الفوري، دون المرور عبر اختبار الواقع[13]. وعلى المستوى الظاهر، قد يبدو أن الفكر يجب أن يُدرج ضمن خانة مبدأ الواقع، وأن يُنسب إلى “الراشد” وإلى “الواقعي”. لكنّ لاكان يكشف أن هذا التصنيف خادع. فكل عملية تدعم الفكر وتجعله ممكنًا هي في جوهرها لا واعية. نحن نعيش تحت وهم أن الفكر واعٍ، وأننا نتحكم في عملياته، لكنّ الحقيقة البِنيوية هي أنّ الفكر، في جذوره، نتاجُ عمليات لا واعية تعمل قبل الوعي، وتحت الوعي، وبمعزل عن سيطرته[14]. فهذه العملية، كما يصفها فرويد، هي في ذاتها وبطبيعتها لا واعية. والمقصود هنا أنه – بخلاف ما يصل إلى الذات عبر النظام الإدراكي القادم من العالم الخارجي – لا شيء مما يحدث على مستوى تلك المحاولات الداخلية، التي يحصلُ عبرها فتح المسارات النفسية (frayages) تدريجيًا وبطريقة تقريبية، كي يتمكن الفرد من ملاءمة فعله مع الواقع، لا شيء من ذلك قابل للإدراك مباشرة. فكل فكر، في جوهره، يعمل عبر مسالك لا واعية. صحيح أن مبدأ اللذة لا يحكمه مباشرة، لكنَّهُ يحدث داخل مجال هو، بصفته مجالًا لا واعيًا، خاضعٌ في النهاية لمفعول مبدأ اللذة. فالفكر لا ينبثق من الوعي، بل من بِنيةٍ لا واعية تُوجِّه عملياته قبل أن تظهر نتائجه في الوعي، في حين تبقى آلياته العميقة خارج نطاق الإدراك[15]. وهكذا يصبح الفكر نفسه – حتى في أساليبه الأكثر عقلانية – مؤسَسًا على اللا وعي، لا على الوعي، ويغدو مبدأ الواقع ليس نقيضًا لمبدأ اللذة، بل مستوًى آخرُ من اشتغال الرغبة داخل بِنية الذات.
من بين كل ما يجري داخل العمليات الباطنية لجهازنا النفسي، لا يصل إلى وعينا سوى علاماتِ اللذة أو الألم. [16]أما كيف تتكوَّن الأفكار، وكيف تتعاقب الواحدة منها على الأخرى لتشق طريقها نحو ما يصبح مُدرَكًا في حيز وعينا، فذلك يظل مجهولًا عندنا. ومع ذلك، كيف يُمكن أن نحصل على حدٍ أدنى من الفهم بخصوص سيرورة التفكير؟ يُجيب فرويد بأن “عمليات الفكر لا نعرفها إلا عبر الكلمات؛ فالمعروف من اللا وعي يصلنا بوصفه كلامًا[17]“. وهنا يلعب الصراخ (le cri) دورًا حاسمًا بحسب لاكان:
فهو يُجسدُ وظيفة تفريغ، ويعمل ـجسرًا يُمكن عنده التقاط شيء مما يحدث في الداخل، شيءٌ يُمكن أن يُعرَّف ويُمسَك في وعي الذات. ولولا هذا الصراخ، لبقي ذلك الشيء غامضًا ولا واعيًا، إذ يمنحه الصراخ، على مستوى الوعي، علامة تُكسبه ثقله وحضوره وبِنيته. ويتعزز هذا كله بواقع أن الأشياء الأساسية التي يتعامل معها الإنسان هي أشياء ناطقة؛ أي أنها كائنات بشرية تتكلم، ومن داخل خطابها يستطيع الفرد أن يرى تنكشف أمامه العمليات التي تسكن لا وعيه فعلًا. فاللا وعي لا يُمسَك في ذاته مباشرة، بل في شرحه، فيما يُصاغ منه عبر الكلام، فيما يُفصح عنه من داخل اللُغة. ومن هنا يحق لنا أن نستنتج أن اللا وعي لا يمتلك، في نهايته القصوى، بِنيةً أخرى غير بِنية اللُغة نفسها. فاللُغة ليست وسيلة فقط للتعبير عن اللا وعي، وإنما هي بِنيته الداخلية، النهجُ الذي يتخذه، والطريقة التي يعمل بها.[18]
وهكذا يتضح أكثر فأكثر الفارق الجوهري بين الذات في العلوم – أي ذات الكوجيتو التي “تفكر”– وبين الذات عند لاكان، وهي ذات يُفكَّرُ فيها من اللا وعي، وتختلف جذريًا عن “الأنا” الذي يُصرَّحُ به، أي “أنا” الكوجيتو. فعند لاكان، “نظرية اللا وعي هي أولًا نظرية في الرغبة”؛ وهي رغبة نجد جذورها عند الأخلاقيين الذين درسوا مجال: الغرائز، والانفعالات، والخيال، والعاطفة – أي كل ما يقف على النقيض من الكوجيتو الديكارتي الذي يجعل الفكر أصلًا للوجود. فاللا وعي، في المنظور اللاكاني، ليس امتدادًا للوعي ولا ظلًا له، بل هو حقلُ الرغبة، وما يَتَكَوَّنُ فيه من اندفاعات وصور وتمثلات لا تخضع لمنطق الكوجيتو، بل تعمل وَفْق قوانين أخرى، مُغايرة تمامًا للوضوح واليقين اللذين وعد بهما ديكارت[19].
تُمَثِّلُ “مرحلة المرآة”[20] Stade du Miroir ،وهي المحاضرةُ التي قدمها جاك لاكان سنة 1949، مدخلًا أساسيًا لفهم الفارق العميق بين “الأنا” المصرَّح به وبين الذات الحقيقية للا وعي. فهذه المرحلة لا تكشف فقط عن انفصال “الأنا” عن جذره البِنيوي، بل تضعنا أيضًا على الطريق المؤدي إلى اللُغة بوصفها البِنية التي يتأسس عليها اللا وعي. وسنقوم بتفصيل الإسهام اللاكاني الذي أدخله إلى التحليل النفسي عبر هذا الارتباط باللسانيات، مع إبراز نزع الأنسنة الأنطولوجية désontologisation عن “الأنا” لصالح بروز الذات اللا واعية في مقدمة الوجود الإنساني. فهذه الذات ليست “ذاتًا لا واعية”، بل هي “ذات اللا وعي”، أي الذات التي يتحدد وجودها من داخل بِنية اللا وعي نفسها، لا من داخل الوعي الذي يصرح بـ “أنا”.
- الانتقال من المتخيَّل إلى الرمزي: مرحلة المرآة واسم‑الأب Stade miroir et le Nom-du-Père
أحدث جاك لاكان “دخولًا مفاجئًا” إلى الحركة التحليلية حين ألقى محاضرته الشهيرة “مرحلة المرآة Stade du Miroir “. [21]وقد مَثَّلت هذه الفكرة محورَ مداخلة ثانية قدمها في زيورخ في 17 تموز/يوليو 1949 في المؤتمر الدولي السادس عشر للتحليل النفسي[22]. وباستخدام مفهوم مرحلة المرآة، يسعى لاكان في وصف العملية التي ينتقل عبرها الكائن البشري من سجل المتخيَّل (التي تقوم فيه الهُوية على الارتباط بالأم) إلى سجل الرمزي (الذي يتدخل فيه اسم‑الأب)، وذلك عبر انفصال “الأنا” عن استمراريته الأصلية وتعلقه الأولي بالأم. ويجري هذا الانتقال عبر ثلاث مراحل أساسية[23]:
- في البداية، يتفاعل الطفل مع الصورة المنعكسة في المرآة كما لو كانت واقعًا فعليًا، أو على الأقل كما لو كانت صورة لآخر يقف أمامه.
- لاحقًا، يتوقف الطفل عن التعامل مع الصورة بوصفها شيئًا واقعيًا، فلا يعود يبحث عن “الآخر” المختبئ خلف المرآة أو يحاول الإمساك به.
- وأخيرًا، يعترف الطفل بأن هذا “الآخر” الذي يراه هو صورة نفسه. وهنا يتحقق فعل الاستدماج (identification)، أي الفتح التدريجي لهُوية الذات وتَكوُّنِ “الأنا” بوصفها صورة متخيَّلة موَحَّدة[24].
بهذا المعنى، تُجسدُ مرحلة المرآة لحظة تأسيسية في بناء “الأنا”، ولحظة عبور من علاقة اندماجية مع الأم إلى بداية تَكوُّنِ الذات داخل بِنية رمزية ستكتَمِلُ لاحقًا مع دخول اسم‑الأب. المأساة الأولى للطفل في مرحلة المرآة تكمن في تجرِبته البدئية لـتموضع الجسد وتحديد حدوده. ومن جهة ثانية، هذه التجرِبة تُحدث اغترابًا، أي خضوعًا لصورةٍ خارجية، وللآخرين، ولرغبة الأم. فالمتخيَل، في هذه المرحلة، ليس بعدُ هو الرمزي؛ إنه مجال الصورة، لا مجال القانون. [25] وما يُعاد إلى الطفل عبر المرآة هو صورة زائفة. لماذا؟ لأن هذه الصورة، مهما بدت واضحة، تحمل في بِنيتها ثلاثة مستويات من الزيف:
- أولًا: زيف ناتج عن قوانين البصريات فالمرآة تعكس اليمين يسارًا واليسار يمينًا، ما يجعل الصورة دائمًا مقلوبة. إن جهاز المرآة هو في ذاته آلية مُضلِّلة. ومن هنا يستنتج لاكان أن “الأنا”، بوصفه نتاجًا لهذا الجهاز، هو محكوم بِنيويًا باللا‑معرفة (méconnaissance).
- ثانيًا: زيف ناتج عن التثبيت الوهمي لوضعية الطفل فالمرآة تُظهر الطفل واقفًا، متماسكًا، في حين أنه في الواقع لا يستطيع الوقوف إلا بمساعدة خارجية. إنها تُجمد لحظة مثالية وتُخفي هشاشة الطفل الفعلية. وهكذا تَتَكَوَّنُ صورة استباقية عن الذات، صورة مثالية لن يبلغها الطفل إلا اقترابًا لا نهائيًا (asymptotiquement)، دون أن يتطابق معها تمامًا.
- ثالثًا: زيف ناتج عن الأثر “اللا‑واقعي” للصورة فالصورة، بما تمنحه من “بروز” و”ثبات”، تُحدث أثرًا مُزيلًا للواقع (déréalisant). فهي، من جهة، تُوحد ما هو مبعثر في الدوافع وتمنح الطفل مظهره الإنساني الأول؛ ومن جهة أخرى، بوصفها مثالية مُفرِّغَة للحياة، فإنها تنزع عنه إنسانيته.
في هذا المسار يُمكن التمييز بين مرحلتين أساسيتين:
المرحلة الأولى:
يقوم الفرد، بوصفه النموذج الأصلي، بإسقاط نفسه في صورةٍ تُمثل نسخة عنه. هذه الصورة ليست محايدة، بل تَتَكَوَّنُ تحت تأثير مشاعر معينة ترتبط بها، إذ لا يمكن لعملية التمثيل أن تحدث بمعزل عن الانفعالات. وبفعل هذا الشحن العاطفي، تكتسب الصورة نوعًا من الكثافة أو الواقعية، حتى تبدو كما لو أنها تحتفظ، من وراء ذاتها، بحضور الشخص الذي نُسخت عنه. أي أن الصورة، رغم كونها محض تمثيلٍ، تُعامَل وكأنها تحمل شيئًا من حقيقة الأصل.
المرحلة الثانية:
تَحدث حركة عكسية من الصورة نحو النموذج. فالصورة التي كونها الفرد تعود لتؤكد له وجوده، وتُثبت له واقعيته بوصفه نموذجًا. وهكذا يصبح التمثيل الذي أنتجه الفرد دليلًا على ذاته، فيستمد من صورته ما يشبه شهادة على كِيانه.
وبذلك، في هذا المسار المزدوج، يكون الفرد—الذي يُمكن وصفه بالذات المتخيِلة أو الفانتازمية—في آنٍ واحد فاعلًا ومنفعلًا: فاعل لأنه، مدفوعًا برغبة داخلية، يبتكر الصور التي يُسقط ذاته فيها. منفعل لأنه، حين يُمسَك بالصورة التي صنعها، يخضع لتمثيلٍ لذاته تفرضه عليه تلك الصورة، فيتلقى منها هُوية أو هيئةً تُعيد تكوينه[26].
وبهذا المعنى، فإن ما يقوم بموضوعته—أي الصورة بوصفها عمليةً ونتاجًا للموضوعية—هو نفسه ما يُعيد تكوينه وَفْق مظهرها. فالصورة التي يصنعها الفرد لتكون نسخة عنه، تتحول إلى قوة تُعيد صياغته على مثالها. ومن هنا تنشأ الالتباسات بين النسخة والنموذج: أي بين الأصل والصورة، بين الذات وتمثيلها، إلى درجة يصعب معها التمييز بين ما هو مُنتِج وما هو مُنتَج. وهنا تكمن المفارقة المركزية – وهي المفارقة نفسها التي نجدها عند فيورباخ: إن التجرِبة المتخيَّلة هي في آنٍ واحد مكان خلق الإنسان ومكان نزع إنسانيته. فهي تمنحه صورة الإنسان، لكنها في الوقت نفسه تُبعده عن ذاته الحقيقية، وتُدخله في علاقة اغتراب مع صورته، ومع الآخر، ومع رغبة الأم. [27]
لكنْ ينبغي أن نلاحظ أنه عند فيورباخ، نحن أنفسنا نختفي خلف التمثل الذي ننتجه، والذي يُعامَل بوصفه موضوعًا(sujet) قائمًا بذاته – بل حتى ذاتًا قائمة بذاتها، أي الذات الإلهية. غير أن هذا “الموضوع‑الذات” ليس في الحقيقة سوى نتاجِ موضوعاتنا المتخيَلة، إسقاطٌ خارجي لما نُسقطه نحن من قدرات وصفات. أما عند لاكان، فالأمر ينعكس: الآخر – بوصفه ذاتًا منفصلة ومختلفة عن “الأنا” – هو الذي يتوارى خلف الصورة التي ينعكس فيها “أنا-الذات”. ففي كلا الحالتين، هناك صورة مُسقَطة هي في جوهرها انعكاس لذاتنا، لكنها تُخفي الذات التي أنتجتها، دون أن تكون هذه الأخيرة واعيةً بذلك. وفي الحالتين، تكون الذات المتلقية للصورة ضحيةَ وهمٍ. عند فيورباخ، تُعامَل الصورة المُسقَطة بوصفها ذاتًا مستقلة، وتتوارى الذات الحقيقية (الأنا) التي أنتجت هذه الصورة خلفها، مانحةً إياها استقلالًا وجوديًا بوصفها شخصًا آخر غيري (الله). أما عند لاكان، فالذي يتوارى هو الآخرُ نفسه، لأن (الأنا) يُسقِط على هذا الآخر صورته الخاصة، فلا يرى فيه إلا نسخةً من ذاته. إنها عملية تشبه بالآخر، مع الإبقاء على وهم أن هذا الآخر يُدرَك كما هو، مستقلًا عن إسقاطات الذات عليه. وهكذا، فيورباخ ولاكان يلتقيان في نقطة أساسية: الصورة التي نراها – سواء كانت صورة “الإله” عند فيورباخ أو صورة “الآخر” عند لاكان – هي صورةُ الذات نفسها، لكنها تعمل بطريقة تجعل الذات تغيب خلف ما أنتجته، وتعيش في وهمٍ بأن ما تراه هو “آخر” مستقل عنها.
في كلا الحالتين، عند فيورباخ كما عند لاكان، هناك تشيُّء(objectivation) لتمثلاتنا الذاتية. غير أن المجال الذي تُسقَط عليه هذه الصورة يختلف جذريًا: فعند فيورباخ، يحدث الإسقاط على حيز مجرد، رُوحي، تُنسب فيه الصفات الإنسانية إلى كِيان متعالٍ يُعامَل بوصفه موضوعًا(sujet) قائمًا بذاته، بل ذاتٌ إلهية. أما عند لاكان، فالإسقاط يحصلُ على آخر ملموس، شخص واقعي يقف أمامنا. ومع ذلك، في الحالتين، ما يُعاد إلينا هو صورتنا نحن، وما يفعل عملية الانعكاس ويجذبها هو “الأنا”. وما يتوارى خلف الصورة، في الحالتين أيضًا، هو الأنا الذي أنتجها دون أن يعي ذلك. عند لاكان، تُضاف طبقتان إضافيتان من التخفي:
- تُخفي الآخر نفسه بوصفه ذاتًا مستقلة، إذ يُمحى وجوده الحقيقي خلف الصورة التي تُسقِطها الذات عليه.
- تُخفي فعل التخفي: أي الوهم بأننا نرى الآخر كما هو، في حين لا نرى فيه إلا صورة الذات منعكسة فيه. إنه صورة من صور التماهي مع الآخر، مع الاعتقاد الخاطئ بأن الصورة التي نراها تخصه هو، لا نحن.
وعند فيورباخ، نجد البِنية نفسها: نعتقد أننا نتوجه نحو إلهٍ قائم بذاته، ونحن في الحقيقة أمام صورة ذاتنا وقد أُسقطت خارجنا، ثم أُعيدت إلينا بوصفها كِيانًا مستقلًا. وهكذا، فيورباخ ولاكان يشتركان في بِنية واحدة: الصورة التي نواجهها – سواء كانت صورة “الإله” أو صورة “الآخر” – هي صورة الذات نفسها وقد اكتسبت استقلالًا وهميًا، فيما تظل الذات المُنتِجة للصورة مختفية خلف ما أنتجته.
وهكذا تتجلى، في التحليل النفسي اللاكاني، عملية التفكيك ونزع الأنسنة الأنطولوجية للوجود désontologisation ، وهي عملية تنشأ من وهمٍ بِنيوي يجعلنا نخلط بين “الآخر” الذي يقف أمامنا وبين صورتنا نحن المنعكسة عليه. غير أن هذا “الآخر” يبقى، رغم كل شيء، ضروريًا ولا غنى عنه في عملية تأكيد الذات لذاتها. لكنْ بما أن هذا التأكيد يقوم على لعبة من الوهم والإسقاط، التي يُسقِط فيها “الأنا” صورته على الآخر، فإن “الأنا” نفسه يبدأ بالتآكل تحت تأثير أوهامه الخاصة. إنه أسلوبٌ من التدمير الذاتي، أو نزع الأنسنة الذاتية[28]، يرتبط بنزع الأنسنة عن الآخر بوصفه ذاتًا قائمة بذاتها. فنتيجة هذا الوهم، يصبح الآخر إما مجردًا ومتعاليًا (كما في حالة الإله عند فيورباخ)، أو مُفتَتًا تحت فعل الانعكاس والمرايا النفسية التي تُعيد الذات إسقاطها عليه (كما في الحالة اللاكانية). وهذا بالضبط ما يُطابق عند لاكان، سِجل المتخيَّل ومرحلة الاستدماج بالأم: التي تَتَكَوَّنُ فيها الهُوية عبر صورةٍ زائفة، ويُبنى “الأنا” على أساس علاقة انعكاسية تُخفي الذات الحقيقية كما تُخفي الآخر الحقيقي، في حركة مزدوجة من الاغتراب واللا‑معرفة.
لا يتحقق الانتقال إلى الأب والدخول في الرمزي إلا في مرحلة ثانية، بعد اكتمال تجرِبة المتخيَل. ففي هذا المستوى، “يجري الدخول في النظام الرمزي، في نظام اللُغة[29]“. ووفقًا للاكان، “إنه في اسم‑الأب يجب أن نعترف بالدعامة الأساسية للوظيفة الرمزية التي، منذ بدايات الأزمنة الرمزية، تُطابق شخصه مع صورة القانون[30]“. ويحدث هذا الدخول عبر اعتراف الأم بالأب بوصفه صاحب القانون. فإذا أنكرت الأم الوظيفة الأبوية، أو إذا رفض الطفل القانون، فإن المتخيَّل يستمر، أي يستمر خضوع الطفل لعلاقة الاندماج بالأم[31]. ويتحقق الخصاء الرمزي castration symbolique عندما يُعيد الأب وضع الفالوس phallus في مكانه ليكون موضوعَ رغبة الأم. وهذا يعني أن “الأب يُخصي الطفل عبر تمييزه عن الفالوس phallus وفصله عن الأم[32]“. وبقبول هذا الخصاء، يستعيد الطفل موقعه داخل الثالوث العائلي، ويتحرر من ذوبانه في العلاقة الثنائية مع الأم، ليصبح ذاتًا متميزة. فالأب، عبر منع الطفل من الاستحواذ على الفالوس phallus بوصفه موضوع رغبة الأم، يمنع اندماجه الكُلي فيها. وعندما يَقْبَلُ الطفل قانون الأب، يصبح قادرًا على تسمية الأب. وبـ “تسمية الأب”، يُعَيِّنُ الطفل موضوع رغبته، أي الفالوس phallus ، لكنَّهُ يُعَيِّنُهُ تعيينًا مجازيًا، لأن هذا الموضوع يبقى محجوبًا في اللا وعي. فـ اسم‑الأب هو بديل مجازي، رمزٌ للفالوس(Phallus). وهكذا، فإن انبثاق الذات الإنسانية، الذي يتحقق عبر الانتقال من النظام المتخيَل إلى النظام الرمزي، يقوم على لُغة مجازية: لُغة يرتبط فيها اسم‑الأب بـ الفالوس phallus ، موضوع رغبة الأم، الذي كان الطفل يتماهى معه قبل أن يُمنع عنه بظهور الأب. وهذا يعني أن الأب هو مجازُ الفالوس: [33] فالفالوس هو أول ما يتماهى معه الطفل بوصفه موضوعَ رغبة الأم، لكنّ تدخل الأب بوصفه فاعلَ الخصاء، يجعله هو نفسه يحتل موقع الفالوس، أي موقع موضوع رغبة الأم. وهكذا يصبح الأب مجازًا للفالوس. وهذا هو بالضبط العبور من المتخيَّل إلى الرمزي.
- الانتقال من الرمزي إلى اللُغة
يحاول لاكان أن يضع التحليل النفسي كله داخل حقل الكلام واللُغة. [34] وهذه خُطوة تُعَدُّ تعديلًا جوهريًا مقارنة بالتصور الفرويدي، إذ تؤكد أن كينونة الإنسان مرتبطة باللُغة. ومن “الرمز إلى اللُغة[35]” هناك خُطوة واحدة؛ فالرمز في تواصلٍ مع اللُغة، يتحول إلى كلمة عندما يتحرر من ثِقل ماديته المفرطة، ويقترن به ثباتُ معنى أو مفهوم. [36] وبحسب لاكان، “الرمزي هو الذي يخلق الإنسان[37]“. وبعبارة أخرى، “الرمز هو ما يخلق الواقع الإنساني[38]“، و”الإنسان يتكلم… لأن الرمز جعله إنسانًا[39]“. ويشدد لاكان على أن الإنسان هو الذي يُولد إلى اللُغة، وليس اللُغة هي التي تولد منه. وفي هذا السياق يقول: “اللحظة التي تتأنسن فيها الرغبة هي نفسها اللحظة التي يولد فيها الطفل إلى اللُغة[40]“. وهكذا، فإن الخِصاء الرمزي الذي يجرد الطفل من موضوع رغبته، يدفع الكائن البشري خارج عالم المتخيَل نحو مملكة الرمزي واللُغة، مُلقيًا به في مسار طويل للبحث عن موضوع رغبته المفقود. إن موت موضوع الرغبة، موت الشيء، هو ما يتيح للإنسان الدخول إلى عالم الرمز واللُغة: “فالرمز يَظْهَرُ أولًا بوصفه قتلًا للشيء، وهذا الموت هو ما يؤبِّدُ الرغبة داخل الذات[41]“.
“أنا” الكوجيتو و”ذات” اللا وعي
إن هذه الحركات المتعددة لانفصال “الأنا” عن نفسه، في سبيل تحديده عبر مسار تشتته، تتيح لنا جمع ثلاث لحظات تأسيسية للإنساني: الموت، والأبدية، والولادة. فأولًا، هناك موت موضوع الرغبة؛ ثم تأبيد هذه الرغبة التي تحمل الإنسان في رحلته الوجودية الطويلة بحثًا عن موضوعه المفقود؛ وأخيرًا، ولادته إلى اللُغة، لأنّ هذا النقص المُمزِّق يدفعه إلى النطق برغبته وتسميتها. وهذه اللحظات الثلاث، وإن بدت متعاقبة، هي في الحقيقة متزامنة ومتداخلة، وحاضرةً على الدوام في حياة كل إنسان. ولا يُمكن للإنسان أن يولد في ذاتيته، فيُعلن نفسه بصفته “أنا”، إلا عبر موت موضوع الرغبة الذي يُخَلِّدُ في داخله نقصًا يثقب وجوده. وهكذا، فإن لحظة ولادة “الأنا” لا تأتي إلا مسبوقةً ومدعومةً بـ موت، ونقص، وثَقْب، وفتحة، وهاوية، وأبدية. ومن ثم، يكون “الأنا” لاحقًا للموت، لا سابقًا له. إن نزع الأنسنة الأنطولوجية désontologisation هو ما يدعم أنطولوجيا الوجود الإنساني. فليس “أنا” يولد ليموت، بل “أنا” مولود من الموت. إن “الأنا” ليس سوى رأسِ جبل الجليد الذي يطفو على سطح الماء. “الأنا” ليس الذات الحقيقية للإنسان، بل هو مؤشرٌ على ذاتيته. أما الذات الحقيقية للوجود، فهي في مكان آخر.
لفهم هذا التباعد بين “الأنا” والذات الحقيقية للوجود الإنساني، يقوم لاكان بمسار طويل من التحليل يعود باستمرار إلى أطرُوحته الكبرى التالية: “إن مذهبنا يقوم على حقيقة (…) أن اللا وعي يمتلكُ البِنية الجذرية للُغة، وأن مادةً ما تعمل فيه وَفْق القوانين نفسها التي تكشفها دراسة اللغات الوضعية، أي اللغات التي تُتكلَّمُ أو التي كانت مُتكلَّمَةً فعليًا[42]“. وعند ولوج اللُغة، يصبح “الأنا” “خاضعًا بالكامل للنظام الرمزي. بل ليس خاضعًا فحسب، ولكنْ مُنشَئًا بهذا النظام. […] إنه، إذا جاز التعبير، منسوج بخيوط اللُغة”. ويغدو اللا وعي عندئذٍ: [43]
ذلك النظام/الوظيفة الرمزية التي تحدَّثَ عنها ليفي‑ستروس. فالذات، عبر الكلام، تأتي لتنتظم داخله، غير أن هذا النظام موجود خارج الذات، وهو عابر للأفراد، بِنيةٌ خارجية عن الفرد وهي التي تحدده […] فالرمزي هو نظام العلامات الذي يُلقَى فيه الإنسان، وهو ما يصنعُ اللا وعي أو ما يسميه لاكان الآخر. إنه تشبيهٌ للا وعي بالرمزي […] ومن هنا تأتي تعابيرُ مثل “خزانة الدوال trésor des signifiants ” التي نجد فيها فكرة مجموعة مكونة، واسعة، ولكنْ محدودة، تسبق وجود الفرد وتبقى مستقلة عن وعيه بها […] وبمعنى ما، يؤكد لاكان أن الرمزي، بطابعه الجماعي، هو العامل الحاسم مقارنة بالتجرِبة الفردية وبالتكون النفسي[44].
نبدأ الآن السير في هذا المسار اللاكاني للُغة، المسار الذي يفتح الخاص على العام، ويكشف عن ذلك النظام/الوظيفة الرمزية الذي يُمَثِّلُ اللا وعي عند لاكان، والذي تَتَكَوَّنُ من داخله علاقة “الأنا” بـ الذات الحقيقية للإنسان. وبصيغة أدق، إنه مسار يربط بين الخاص في الإنسان (أي “الأنا”) وبين ما هو كوني فيه (الذات الحقيقية للوجود الإنساني، أو الآخر، أي ذات اللا وعي).
الآخر بوصفه ذات اللا وعي
وَفْقًا للمنطق اللاكاني وكما كنا قد شرحنا في الجزء الأول لهذه الدراسة، لا يكتسب الدال الأسبقية على المدلول فحسب – إلى حدٍّ قد يُفضي إلى ضياع المدلول تمامًا بفعل لعبة التكثيف الاستعاري والانزياح المجازي في سلسلة الدوال – وإنما يَكتسب استقلالية عن “الأنا” الفردي. يُشير لاكان مرارًا إلى ذاتٍ للا وعي، ذاتٌ تُدير كل عمليات اللا وعي، ويُسميها الآخرُ، مع حرف “أ” كبير l’Autre, avec un grand « A » ، لتمييزه عن الآخر الصغير pour le différencier de l’autre avec un petit « a » [45]. فالآخر الصغير ليس هو الآخرُ الحقيقي، بل هو انعكاسٌ وإسقاط للأنا، وينتمي إلى سجل المتخيَّل. أما الآخر الكبير فيمثل الغيرية الجذرية التي تتجاوز الغيرية الوهمية للمتخيَّل، لأنّ الذات لا تستطيع استيعابها عبر التماهي. ومن هنا، ينتمي الآخر الكبير إلى سجل الرمزي. إنه في آنٍ واحد الآخر بوصفه فردًا، وما هو أعمق في داخلي من نفسي[46] ضمن نوع من المجهولية. وهذه إحدى النقاط التي تتقاطع فيها التحليلية اللاكانية مع التصوف، خصوصًا مع ما يُشير إليه إيكهارت من حضورين حميمين يقومان على خلفية وجودية واحدة. وعند لاكان، فإن الخطاب لا يصدر عن الأنا، ولا عن الذات بوصفها “أنا”، بل عن الآخرِ، ذات اللا وعي. ويشدد على أن الكلام واللُغة يتجاوزان السيطرة الواعية. [47]وفي هذا السياق، “يُصرح لاكان بوضوح: الإنسان مأخوذ في اللُغة. فقبل أن يكون موضعًا لظهور اللُغة – أي قبل أن يكون “ذاتًا” – يكون الإنسان خاضعًا للكلام“assujetti” à la parole [48]“.
منذ عام 1945، يُميز لاكان “ثلاثة معانٍ لكلمة الذات” ويجعلها تتفاعل فيما بينها. فالمعنى الأول، الذي يَظْهَرُ في صيغة “الـ نحن” في قولنا: «نحن نعلم أن…»، لا يُقَدِّمُ سوى الصيغةِ العامة للذات المعرفية[49] (النويتية noétique ). أما المعنى الثاني، فيُدخل هيئة الآخر بوصفه آخر، أي علاقة تقوم على التبادلية، إذ لا نتعرَّف إلى أنفسنا إلا عبر آخرٍ. وهذه الذات هي “الأنا”، ذات الحكم الختامي، أو كما يقول لاكان: “الصيغة المنطقية الجوهرية لـ “الأنا” النفسية[50]““je” psychologique أما المعنى الثالث للذات، فهو ما سيعمل لاكان لاحقًا على تعميقه، “ليقدم له تمييزًا جوهريًا أول، يَظْهَرُ منطقيًا عندما يركز المؤلف على انقسام الذات: بين الأنا وذات اللا وعي […] فالذات الحقيقية ليست الأنا الوهمية التي تتخيل نفسها مُنشِئة، وهي في الواقع نتاج الصور المتعاقبة لهذه الاغترابات؛ إنها ذات اللا وعي[51]“.
في محاضرته في بروكسل، يؤكد لاكان أن “هذه البِنية الدالة موجودة سلفًا قبل أن يتكلم الموضوع [52]sujet “. وهذا يعني أن هذا الموضوع(sujet) لا يُخاطَب؛ بل إن الكلام يتكلم عنه. [53]وهنا يقف لاكان على الضد من الكوجيتو الفلسفي، موجِّهًا ضربة جديدة إلى “الأنا” ليضعه تحت الخط، فيكون الآخر هو الذات الحقيقية للوجود الإنساني. وفي Écrits، يقول لاكان في هذا السياق: “أنا أفكر حيث لا أكون، إذن أنا أكون حيث لا أفكر”. ومنذ عام 1957، “يضع لاكان خطًّا على رمز S ليُنتج Ꞩ، أي الذات المخْطوطة، المخصصة لتمثيل كون الذات منقسمة في جوهرها[54]“.
في عبارة “أنا أفكر حيث لا أكون”، يُشير “الأنا” إلى (ego)، أي وظيفة السيطرة الجذرية. فالإنسان هنا مختزَلٌ في أناه، في حين يتحقق وجوده الحقيقي في مكان آخر، خارج نطاق الأنا والعقل والوعي، في الموضع الذي لا يكون فيه “الأنا”. أما في عبارة “أنا أكون حيث لا أفكر”، فـ “الأنا” المقصود هو أنا مفتوح، غيرُ مختزَلٍ في الأنا أو الوعي؛ إنه “أنا” لا يُفكر، بل هو “أنا” يُفكَّر فيه. إنه موضع “الفكر الذي يُحَدَّث فيه”. وهنا تكون الذات sujet الحقيقية. إنها ذات sujet اللا وعي، ذلك الآخر الذي يفكر في، والذي يدعو “الأنا” إلى الانفتاح خارج حدوده، لأن هذا “الأنا” يوجد حيث لا يفكِّر، يوجد حيث يُفكَّر فيه، حيث موضوع sujet اللا وعي، الآخر، يفكِّرُ فيه l’Autre, se pense en lui.
مع ما تقدم، تُفضي التحليلية النفسية عند لاكان إلى موضوع رغبةٍ مفقودٍ يفتح الحقل التحليلي على البعد الصوفي، وعلى انتصار انفتاح علاقة الفرد على ما يتجاوز العالم، ما يُسميه لاكان الواقعي le Réel ، وهو شيء آخر تمامًا غير “الواقع[55]” la réalité. إنه انفتاح لا يحمل معنى بالأسلوب الرعوي‑الديني، بل هو انفتاحٌ على المجهول، أقرب إلى الصوفية منه إلى الأديان. وعلى هذا المستوى تحديدًا، يتحدث لاكان في السيمينار Encore (1972‑1973) عن لذَّةٍ إضافية[56] jouissance supplémentaire ، تتجاوز التمثلات، ويستدعي في هذا السياق مايستر إيكهارت وتيريزا الأفيلية ويوحنا الصليبي. ويكتب في Encore: “من الواضح أن الشهادة الجوهرية للصوفية هي قولهم هذا بالضبط: إنهم يختبرون [اللذَّةَ]، لكنهم لا يعرفون عنها شيئًا[57]“. وكونهم “لا يعرفون عنها شيئًا” يعني تحديدًا أنه لا يوجد savoir حول هذا الانفتاح، لأنه يقوم على فقدان التمثلات. ومن هنا تأتي نزع الأنسنة الأنطولوجية للوجود désontologisation ، وهذا التفتُّتَ للمعنى وللمعرفة في قلب مسار المعرفة نفسه. وعليه، يُمكن القولُ إنه عند لاكان – بخلاف فرويد الذي تتقدم فيه العقلانية – يوجد شيء من جهة الانفتاح: ففي اللذة الصوفية، هناك ما يفلت، لكنَّهُ في الوقت نفسه أساسي. إنه انفتاح يدفع الإنسان نحو ما يتجاوز العالم، لكنَّهُ في الآن ذاته يثقب أساسه الداخلي، بطريقة يُصبح الفرد بها كائنًا مشدودًا بين ثقب وانفتاح.
انبثاق الواقعي بوصفه وَحْدةً عصيَّةً على القول L’émergence du Réel comme unité ineffable
عند لاكان، يُفضي هذا المسار إلى نزعٍ للأنسنة الأنطولوجية désontologisation عن الكائن البشري، فيجد الإنسان نفسه مثقوبًا أنطولوجيًا ومفتوحًا على غيابٍ ما. إن هذا الانفتاح يقود إلى استدعاءٍ لمعنى، معنًى لا يأتي من الامتلاء، بل من الفراغ. إنه صمت، غيابٌ، نقصٌ، وموضوعُ رغبةٍ مفقودٍ، عناصر تُحدِثُ ثقوبًا في أنطولوجيا الكائن الإنساني عند لاكان (على خلاف الانفتاح عند يونغ الذي يكتمل في ” الذات الإلهية “). وكي يصف لاكان هذا الانفتاح على “المفقود”، على الغياب، يُعيد توظيف رمز قديم: العُقَد البورومِية les nœuds borroméens.
أُعيد توظيف الرمز البورومي لأول مرة عند لاكان “في سيميناره … Ou pire، بتاريخ 9 فبراير 1972، في أثناء تعليقه على العبارة التالية: “أطلب منك أن ترفض ما أقدمه لك، لأن هذا ليس هو[58] Je te demande de me refuser ce que je t’offre, parce que ce n’est pas ça “. وفي جِلسة 3 مارس 1972 من سيميناره Le savoir du psychanalyste ، يستعملُ لاكان الحلقات البورومية لوصف طوبولوجيا اللُغة بوصفها شرطًا لوجود اللا وعي[59]. ويطوِّر فكرته لاحقًا في الجِلسة الأولى من سيمينار Les non-dupes errent بتاريخ 13 نوفمبر 1973، حيث “يُجرى الوصل والربط بين الثلاثية البورومية والثلاث dit‑mansions لحيز الكائن‑المتكلم: الرمزي، المتخيَّل، والواقعي[60] “:
هناك ثلاث أبعاد للفضاء الذي يسكنه المتكلم، وهذه الـ dit‑mansions، كما أكتبها، تُسمَّى: الرمزي، المتخيَّل، الواقعي […] إنه فضاء، فضائيَ أنا، كما أعرفه انطلاقًا من هذه الـ dit‑mansions الثلاث، فضاء تتحدد نقاطه بطريقة مختلفة تمامًا […] إنها هندسة تتحدد نقاطها من خلال تداخل ما قد تتذكرونه مما سميته سابقًا “دوائري المصنوعة من الخيط[61]” mes ronds de ficelle
تكمن أهمية الرمز البورومي في كونه البِنيةَ التي تستند إليها كل حقيقة تَظْهَرُ لنا، حقيقة يمكن أن تكون في آنٍ واحد متماسكةٌ وهشة، ظاهرةٌ وخفية، صريحةٌ وضمنية، مرتبطةٌ ومنفلتة، راسخةٌ ومهتزة؛ غير أن جوهرها أنها لا تقوم خارج هذه البِنية، بل تَستمِدُّ وجودها منها. ومن هنا يستخدم لاكان مصطلح “الوجود‑الخارجي” (ex‑sistant) للدلالة على واقعٍ يوجد داخل البِنية، لكنَّهُ في الوقت نفسه يقف على حافتها ويتجاوزها. فالواقع من جهة، متأسسٌ بموجب هذه البِنية، لكنَّهُ لا يختزلْ في عناصرها الأساسية، إذ يُشير دائمًا إلى “آخر” يتسمُ بتماسكٍ يُعادل تماسك البِنية، وبفراغ يُعادل فراغاتها التي تفتح على “ثقوب” المعنى. ومن جهة أخرى، يتجاوز الواقع هذه البِنية لا بمعنى الانفصال عنها أو معارضتها، بل بمعنى الانفتاح على ما يتحرك ويتحول ويتغير. ولهذا تُشير العُقدة البورومية، في المنظور اللاكاني، إلى ما هو «ex‑sistant» عبر طوبولوجيتها، أي إلى ما يتجاوزها دون أن ينفصل عنها. وفي التحليل النفسي اللاكاني، ينطبق هذا تحديدًا على الذات الحقيقية (le sujet)، إذ ينطلق لاكان من أن الذات الحقيقية تتحدد لا بوصفها نسخة من البِنية، بل بوصفها نتاجَ نقاط الانحشار داخل العقدة، أي تلك المواضع الثلاثية التي يخلقها شد الحلقات بعضها ببعض، ومنها يتكون شرط وجود الذات نفسها c’est des coincements du nœud, de ce qui dans le nœud détermine des points triples du fait du serrage du nœud que le sujet se conditionne[62].
إن مجمل مفهوم الواقع/الريال(le Réel) عند لاكان يقوم على هذا الفارق الذي ينفتح عبر سلسلة من المفارقات اللفظية (الأوكسيموراتOxymores) التي يعتمدها. فخصوصية طرحه تكمن في أنه ينفتح على الواحد (L’UN) من خلال تلك الفتحة التي تجعلنا نخرج من الوجود الملتئم، أي نَخْرُج‑نوجَد (ex‑sister) خارج عقدة الربط البورومينية التي تمثل لنا الواقع كما يُعطى في التجرِبة. بهذا المعنى، يفتح لاكان الطريق نحو ما لا يُمكن قوله، نحو الواحد الذي يُسميه الريال. le Réel إنه يشقُّ ثغرةً داخل مجال المصادفة أو الطارئ (la contingence) لكي ينفتح على بُعدٍ من الأبدية عبر هذا الطارئ ذاته؛ ينفتح على الريال من قَلْب الواقع، وعلى الثقب عن طريق الربط والعقدة. فالريال عند لاكان، ليس ما يُمسَكُ أو يُمثَّلُ، بل ما يَظْهَرُ ظهورَ الفجوةِ داخل كُلِّ تمفصلٍ، وما يَطل من داخل كل محاولة للربط أو التثبيت. إنه ما يظل خارج القول، لكنَّهُ في الوقت نفسه ما يجعل القول ممكنًا.
يُشير النموذج البورومي أيضًا إلى ما يَبقى محجوبًا داخل تماسكه، أي “ال[63] objet a” عند لاكان، وهو موضوع الرغبة المفقود. فهذا التداخل بين الحلقات يُحيل إلى ثَقْب، إلى ما يُناقض التماسك تمامًا، إلى ما يوجد خارج الوجود ويُفلت منه، وهو ما يُسميه لاكان الواقعي بحرف “ر” كبير le Réel avec un grand « R ». والواقعي هو كل ما يفلت من القبض، ما لا يُمكن تمثله أو استيعابه، إنه الواحد الذي لا يُقال. وهذا يعني أن الوجود كله يتحرك وَفْق أزواج من التناقضات: الإثبات والنفي في آن واحد. ويأخذ الواقعي عند لاكان معنًى مختلفًا جذريًا عن المعنى الهيغلي الذي يُطابق بين الواقعي والعقلاني؛ فالواقعي عند لاكان مرتبطٌ بـ “الآخر”(le sujet de l’inconscient)، وينتمي معه إلى المستوى نفسه. ومنذ 1953، يضع لاكان الواقعي في مواجهة النظامين الآخرين: الرمزي والمتخيَّل، لكنَّهُ يمنحه معنًى أعمقَ، إذ لا يكتفي بمخالفته للمتخيَّل، وإنما يقعُ خارج الرمزي. [64]فالواقعي هو “ما يقاوم للتنمُّطِ الرمزي” qui résiste absolument à la symbolisation ، وحتى لو رآهُ لاكان “مطرُوحًا خارج الذات”، فلا ينبغي الخلط بينه وبين العالم الخارجي. فالواقعي عنده هو “ضجيجٌ يُمكن سماع كل شيء فيه، وهو مُستعد لأنْ يطغى بشظاياه على ما يبنيهِ مبدأ الواقع تحت اسم العالم الخارجي”. ومن هنا نفهم لماذا تتطور فكرة الواقعي نحو معنى المستحيل: فالواقعي هو المستحيلُ، كما يرد في الكتاب الحادي عشر من السيمينار، لأنه مستحيلُ التخيل، مستحيلُ الإدماج في الرمزي، مستحيلُ المنال بأي طريقة. ولذلك لا يجوز الخلط بين الواقعي وبين “الواقع” كما يحدده مبدأ الواقع؛ فهذا الأخير يقوم على استمرار اللعبة، أي تجدد اللذة، واستمرار الصراع ما دام هناك من يخوضه[65].
إن الواقعي عند لاكان هو ما لا يُمكن القبض عليه أو تمثله؛ إنه الموضوع المفقود والمدلول المستحيل العثور عليه. وباحتجابه يمنحُ الواقعيُ للنظام الرمزي وللدوال قوتهما وهيمنتهما. فبفضل هذا الاحتجاب، يصبح مُمكنًا كشف معاني الدوال عبر توقف مؤقت في انزلاقها المستمر داخل تدفق لا ينقطع. وهذا التحول نحو الرمزي (الدوال واللُغة) يحدث لأن الواقعيَّ مفقودٌ، ولأن كُلَّ موضوع للمعرفة يتفكك، فيزداد “الأنا” غموضًا، ويحدث ما يُسميه لاكان “محوًا لامتيازات الوعي وتصدُّعًا في الثقة به”. وهذا يلتقي مع مفهوم الحقيقة عند ميشيل دو سيرتو، الذي يرى أن الحقيقة لا تظهر إلا وهي مغتربةٌ عما تتيحه، لأنها في ذاتها تبقى “أخرى”، عصية على أن تُختزل في معرفة، فهي شرطُ إمكان الفعل المعرفي وليست موضوعه، ولذلك “تضيع فيما تسمح به[66]“. وفي هذا التبادل بين الاحتجاب والانكشاف، يُحدد دو سيرتو ما يسميه “القطيعة المُنشِئة[67]” la rupture instauratrice ، أي تلك اللحظة التي يختفي فيها الواقعي (منفلتًا، متبددًا، متوارِيًا) ليُتيح إمكان ظهور التأويلات (الرمزي والدوال بلُغة لاكان). ومن هنا تأتي الحركة التي يصفها دو سيرتو: من الكينونة إلى المجد، من الاختفاء إلى الظهور، من الشرط إلى التحقق De la kénose à la gloire, de la disparition à la manifestation؛ وهي حركة لا تقوم على تعاقب زمني فحسب، ولكنْ على ترابط ضروري بين الطرفين: “كان لا بُدَّ أن يموت”. فالحدث بهذا المعنى، “مُتداخِل‑مُحرَّمٌ: لا يُقال في موضع واحد، ولا يُعطى في مظهر واحد، بل يَظْهَرُ فقط في شبكة العلاقات التي لا يُمكن أن توجد من دونه”[68] L’événement est donc inter-dit, en ce sens qu’il n’est dit et donné nulle part en particulier, sinon sous la forme de ces inter-relations constituées par le réseau ouvert des expressions qui ne seraient pas sans lui.
نحن هنا أمام موضوع إبستمولوجي يتراجع إلى الخلف، ليتحول من موضوع للمعرفة إلى فاعلٍ لها، أي إلى الذات التي تنتج المعرفة بدل أن تكون محض شيء تُسلَّط عليه المعرفة. فهذا الموضوع ينزلق إلى الثَقْب الوجودي، الذي يتلاشى داخل متاهات حقيقةٍ لا يُمكن اختزالها في أي معرفة، ومع ذلك تبقى هذه الحقيقة، بغيابها تحديدًا، شرطًا لولادة المعرفة. إنها موت الحقيقة الذي يتيح ميلاد المعرفة، في توازٍ مع ما تُشير إليه اللاهوتية التنزيهية في علاقتها بـ “الواحد ” الذي لا يُقال. وبالمعنى نفسه، فإن موت الواقعي هو ما يسمح بظهور الرمزي، ومنه تستمدُّ الدوال أسبقيتها. وهنا نلتقي أيضًا مع مفهوم المناعة الذاتية le concept d’auto-immunité عند دريدا، الذي لا يتحدد فيه أي شيء بذاته، بل عن طريق نفي نقيضه الذي يبقى دائمًا مُمكنًا؛ فكل شيء هو ” إنتاج وإعادة إنتاج لما هو غير قابل للإنتاج، الغائب في موضعه [d’une] production et reproduction de l’improductible absent à sa place. Tout commence par la présence de cette absence-là [69] “، كما يقول دريدا، لأن كل شيء يبدأ من حضور هذا الغياب. وتقوم فكرته على سلسلة من الأزواج المزدوجة التي تعود دائمًا إلى مصدر منقسم. وهكذا يحدث غروب للوعي نتيجة تراجع “الذات” recul du sujet و”الأنا” اللذين كانا في السابق مفرطين في حضورهما، أمام هذا الفراغ الذي يتسع مع تآكل الواقعي وتبدده، ومن ثمَّ تلاشي موضوع المعرفة نفسه. ومن هنا تُدفَع الإنسانية إلى مواجهة عتمتها اللا واعية، وإلى الالتقاء في الموضع الذي لا يُفكر فيه “الأنا”، بل حيث “الهو” يُفكر، حيث الفكر يحدث فينا، وحيث الآخر(ذات اللا وعي) يوجه نداءه إلينا. فالواقعي يُشبه الواحد الذي لا يُنطق به، تلك الفتحة التي تتجاوز الحضور والغياب، الوجود واللاوجود؛ إنه ثَقْبُ الوجود، أو ما يوجد خارج الوجود، ما يتجاوز كل معرفة، ولا يمكن اختزاله لا في موضوع معرفي ولا في ذات عارفة، بل هو ما يجعل الذات “تكون” وتكون عارفة. هذا الواحد، أي الواقعي عند لاكان، ليس معرفة، ولا موضوع معرفة، ولا ذاتًا عارفة، بل هو الشرطُ الذي يجعل هذه الثلاثة ممكنة، تمامًا كما أنّ الشمس في تشبيه سقراط ليست القدرة على الرؤية ولا القدرة على أن تُرى، بل هي ما يجعل كلتا القدرتين ممكنتين.
طريق المتعدد نحو الواحد: علاقة تعدد “الأنا” بوَحْدةِ اللا وعي (الآخر بوصفه الذاتَ الحقيقية للوجود)
عن طريق هذه الجينيالوجيا اللاكانية ، وما تفتحه من أفق مفهومي، نسعى في مقاربة جدلية الواحد والمتعدد انطلاقًا من الإسهامات التي قدَّمها لاكان. سنبرز المفاهيم المحورية التي تكشفها هذه القراءة، والتي تتيح لنا بِناء فهم أعمق لهذه الجدلية بين الوَحْدةِ والتعدد. يُقَدِّمُ لاكان، عبر ما يُمكن تسميته مسارًا لتتبع الهُوية، تصورًا لمسار الكائن الإنساني ينتقل فيه من المرحلة المتخيلة (مرحلة المرآة) إلى المرحلة الرمزية، وصولًا إلى تأسيس اللا وعي بوصفه بِنية لُغوية. وهذا المسار ذو طبيعة تفكيكية قبل أن يستقرَّ في صورة بِنية؛ إذ يبدأ بتفكيك مفهوم “الذات” عبر ثلاث لحظات متعاقبة:
- الذات غير المعرَّفة، التي يُعَبِّرُ عنها لاكان بالضمير غير المحدد “on”، وهي ذات تُشير إلى حالة اندماج أولي بين “أنا” وبين الموضوع الحقيقي للوجود(le vrai sujet de l’être) الذي يؤسسها ويوجهها ويحددها.
- ذات الكوجيتو، وهي الذاتُ المحصورة داخل الأنا، والتي تنفصل تدريجيًا عن حالة الاندماج اللاواعي مع بُعد يتجاوزها، لتتوهم استقلالًا معرفيًا قائمًا على الوعي.
- الذات الحقيقية للوجود، التي يُسميها لاكان “الآخر”(L’Autre = le sujet de l’inconscient = le vrai sujet de l’être)، وهي الموضوعُ الأصلي(le vrai sujet) الذي يصدر عنه “أنا” الكوجيتو، والذي لا يَتَكَوَّنُ إلا عبر انفصالٍ تدريجيٍّ عن هذا الآخر، ليعود فيتعرف إلى نفسه داخل حدود الأنا.
وبذلك، يرسم لاكان مسارًا تتقدم فيه الذات من تعدد “الأنا” وتشظيها نحو وَحْدةٍ أعمق تتجسد في الآخر بوصفه البِنية التي تسبق الذات وتؤسسها، وفي الوقت نفسه تكشف أن “الأنا” ليست سوى أثرٍ متأخر لعملية انفصال عن هذا الواحد الأصلي.
إن نزعَ الطابع الأنطولوجي عن الكائن لا يُمكن أن يتجاوز مرحلته المتخيَّلة ليبلغ المستوى الرمزي ولُغة الدوال، إلا عبر تفكك الذات داخل لعبتها المتخيَّلة القائمة على الإسقاط والتمثيل، وعبر موت الذات(le sujet) الذي تتعلق به رغبتها. فالـ “أنا”، من خلال سلسلة الألعاب التي ينخرط فيها في أثناء مرحلة المرآة—وهي المرحلة التي تنقل الذات من نمط وجود متخيَّلٍ إلى نمط رمزي يولد فيه الكلام—يكشف صعوبة تحديد الكائن وتمييزه عن موضوعه الحقيقي(le vrai sujet de l’être). وكي يتحدد هذا الـ “أنا”، لا بُدَّ له من الانفصال عن مرحلته المتخيَّلة التي يرى فيها العالم امتدادًا لذاته، وأن ينتقل إلى مرحلة رمزية يبحث فيها عن صورةٍ تعوض موضوع رغبته المفقود داخل العالم الخارجي. وهكذا يظهر لنا “أنا” يتأرجح بين قطبين: من جهة، اختزال العالم كله إلى الذات في المرحلة المتخيَّلة؛ ومن جهة أخرى، اختزال موضوع الرغبة المفقود إلى عالم خارجي يبدو معاديًا أو غريبًا. ومع تقدم هذا المسار، تتضح أكثر فأكثر عملية نزع الأنطولوجيا عن الـ “أنا” في سياق سعيه إلى إثبات ذاته وتحديدها. ويغدو جليًا أن انفصال الـ “أنا” عن “اللعبة” المتخيلة، كي يتحدد في علاقته بغيره من “الأنوات”، يستلزم تشتتًا جديدًا للذات داخل “لعبة” أخرى: لعبة البحث عن موضوع الرغبة الضائع. فالـ “أنا” يخرج من ذاته ومن عالمه المتخيَّل الذي كان كل شيء فيه يعود إليه، ليندفع نحو عالم واسع يحاول فيه أن يعثر، في الآخرين، على أثر موضوع رغبته. إننا أمام انتقالٍ جذري: من عالمٍ يُختزل فيه الكل إلى الـ “أنا”، إلى عالمٍ يتفجَّرُ فيه الـ “أنا” ويتناثر داخل الوجود، مُنخرطًا في رحلة لا تنتهي نحو موضوع رغبة لا يُستعاد.
يبدأ نزع الأنطولوجيا عند لاكان عبر حركةٍ أشبه بما يمكن تسميته الاندثار الأنتروبي(dispersion entropique) للـ “أنا”؛ إذ لا يستطيع هذا الـ “أنا” أن يحدد ذاته أو يرسخ هُويته إلا من قَلْب تشتته وخروجه من تمركزه الضيق في نفسه. وعن طريق هذا التشتت بالذات، ينفتح الـ “أنا” على البِنية التي تؤسسه، فلا يعود إلى الذات الحقيقية للوجود(le vrai sujet de l’être) قابلةً للاختزال في هذا الـ “أنا”، بل تتجلى في الآخر، ذلك “الآخر” الكبير(l’Autre avec un gtand “A”) الذي يكتب لاكان اسمه بحرف كبير، بوصفه ما هو “في ذاته”، غير أنه في الوقت نفسه يؤسس الأنا، ويُحدِّدُهُ، ويُوجِّهُهُ. إن تشتت الـ “أنا” في بحثه عن موضوع رغبته يدفعه إلى الخروج من حدوده الضيقة، لتتمكن الذات الحقيقية للوجود من الظهور من داخل البِنية التي تُكوِّنُ أساس الكينونة، وتستعيد صلتها الواعية بالـ “أنا” عبر انتشال الـ “أنا” من تشتته وإعادته إلى مركزه الأصيل. وهذا المركز هو ما سماه إكهارت الله، وسماه يونغ الذات (Soi)، ونعته بردياييف لاحقًا بـ “الشخص”. وهكذا يتضح أن حركة الـ “أنا” من التشتت إلى إعادة التمركز ليست فقط مسارًا نفسيًا، وإنما هي عودةٌ إلى الأصل البِنيوي للوجود، حيث يلتقي الـ “أنا” بالآخر(le sujet de l’inconscient = le vrai sujet de l’être) الذي منه ينبثق، وفيه يجد معناه، وبه يستعيد وَحْدته بعد أن كان قد تفرق في مسالك الرغبة.
بهذا المعنى يتحدث لاكان عن انتصار الدين على التحليل النفسي؛ فالأخير قد يستمر أو يختفي، أما الدين فله قدرة دائمة على العودة والهيمنة[70]. وهذا “الانتصار” عند لاكان يلتقي مع ما يصفه يونغ بـ ظهور الظاهرة الدينية بوصفها حاجة نفسية‑رمزية لا يُمكن للإنسان أن يتجاوزها. فالدين، في المنظورين معًا، ليس محض منظومة معتقدات، ولكنْ هو أثرٌ مباشر لاحتجاب الكينونة؛ إذ إنّ حجاب الوجود هو ما يتيحُ انكشاف الموجودات، تمامًا كما أن اللا وعي لا يَظْهَرُ إلا فيما يحجبه. وهذا الحجاب نفسه هو ما يُسميه لاكان الكبت الأصلي، أي ذلك الانفصال الأولي الذي يجعل في داخل كل إنسان آخرَ هو الموضوعُ الحقيقي للا شعور. ومن هنا يبدأ الانتقال من ذاتٍ أصلية غير ناطقة إلى “أنا” متكلم يتوجه إلى العالم بحثًا عن موضوع رغبةٍ لا يُمكن استعادته. فالإنسان، في هذا المسار، لا يتكلم إلا لأن شيئًا أساسيًا قد فُقِدَ، ولا يخاطب العالم إلا لأن هذا الفَقْدَ هو ما يدفعه إلى الكلام، وإلى محاولة ترميم علاقة مستحيلة مع موضوع لا يعود.
ينتمي الإنسان، في جوهره، إلى نظام مُنفتح على البعد الماورائي، حتى وإن لم يختبر تجرِبة صوفية مباشرة؛ ذلك أن في داخله آخرَ يظلُّ دائمًا “آخرُ” بالمعنى اللاكاني، وفي الوقت نفسه لا يُمكن للإنسان أن يوجد دون هذا الانفتاح عليه، ودون أن يسمح لهذا الآخرَ بأن يغمره ويتجاوز حدوده الضيقة. وهذه الانفتاحية المُطلقة تتجلى بوضوح في لُغة الشعراء والمتصوفة. ولهذا يكتب هولدرلين في منيموزينه Mnémosyne: “نحن علامة محرومة من التأويل”“Nous sommes un signe privé d’interprétation”, ce qu’on peut paraphraser ainsi : en attente d’être interprété. Par qui ? Par l’autre ? »[71]، أي إن الإنسان كائنٌ ينتظر أن يُفسَّرَ. لكنْ: من الذي يُفسره؟ أهو الآخرُ؟ في القراءة اللاكانية، لا يكون الإنسان عند هولدرلين في حالة استقبال سلبي لهذا الآخرَ، بل في حالة لا‑معنى تدفعه إلى مناداة الآخرِ كي يمنحه تفسيرًا. إنها حالة فقدان جذري للهُوية، يتقدم فيها الإنسان نحو الآخر لا ليحتويه، بل ليُعاد تكوينه بواسطته. أما المتصوف الديني فليس في هذا الوضع؛ فهو قادرٌ على مواجهة هذا الانفتاح واستقباله، بل والاتحادُ به دون أن ينهار. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين المقاربة الصوفية عند لاكان والمقاربة الصوفية الدينية : الأنا في كلٍّ منهما ليست هي نفسها. فالاختلاف بين الموقفين يكشف أن الأنا، كما يراها لاكان، تنتمي إلى البعد المتخيَّل، بخلاف فرويد الذي رأى الأنا وظيفة تنظيمية مركزية قادرة على السيطرة والتوحيد. أما عند المتصوفة، فإن “تخليهم عن الأنا” لا يعني إلغاءه أو محوه، بل يعني تحوله: فالأنا يستمر في الوجود، لكنَّهُ يتراجع عن تمركزه، ويتحول إلى أداة لعبور نحو الآخر، لا إلى مركز مغلق على ذاته. وهكذا يصبح الإنسان كائنًا يتأرجح بين فقدان الهُوية أمام الآخر، وبين القدرة على استقبال هذا الآخر بوصفه مصدرًا للمعنى، لا تهديدًا للذات.
عند استدعاء كتابات المتصوفة، يتبدَّى لنا هذا الحقل بوصفه المجال الذي تُصالَح فيه ثنائية الواحد والمتعدد؛ فهو فضاءٌ “آخرَ” وفي الوقت نفسه “داخلي”، لا يُشير إلى ذلك الفعل الخارجي الذي يقوم على قذف جزء من الذات إلى الخارج ليغدو شيئًا منفصلًا عنها. بل إن هذا الفضاء، كما تصفه النصوص الصوفية، يقوم على حضور كُلي غيرِ مجزأ، تتجلى فيه “غربة داخلية” لا متناهية، غربة لا تنبع من الانفصال، بل من عمق الكينونة نفسها. إن لفظ “الآخرِ” الوارد في هذا السياق هو من المفاهيمِ المحورية في التحليل النفسي اللاكاني؛ فالآخرُ ليس ما يقع خارج الذات أو ما يُمكن تحويله إلى موضوع منظور، بل هو ذلك الذي يسكن ظلال وجودنا، ويعمل فينا عملَ القوة المستقلة عن إرادتنا الواعية، عملَ الحضور الداخلي الذي يتجاوز حدود الأنا ويُعيد خلقها. إنه الآخرُ الذي يتقدم على الذات ويؤسسها، لا الآخرُ الذي تقف الذات في مواجهته.
تتبدَّى المسألة الصوفية في قلب التحليل النفسي، بوصفها المدخلَ إلى ذلك الثَقْب الأنطولوجي الذي يُجرِّد الكائن من أي ثبات وجودي. فهذا الفراغ الذي لا يُوصَفُ، وهذه الغيبة الحاضرة على نحوٍ مُحيِّرٍ، هي ما يصفه شارلي سوبر Charley Supper —كما ينقله روبرت ألكسندر Robert Alexander —بأنه مكان لا يمكن لأي إنسان أن يبلغه، لا حاضرًا ولا ماضيًا ولا مستقبلًا:
إنه فضاءٌ خاوٍ بلا قاعٍ، تُستحضَر فيه، تحت علامة الأبدية، وَحْدةُ الوجود ولا متناهيته، كما لو كانت مكتوبة بحبرٍ سري على صفحة من الغياب. هناك، في هذا الفراغ، يُكْتَبُ اسم الله؛ وهناك أيضًا يتجلَّى هذا “الثَقْبُ” الذي كان دائمًا فارغًا منذ الأزل، والذي تنبع منه فاعلية خطاب كل إنسان، شرط أن يكون قد اجتاز عتبة الموت الرمزي أو الخصاء الرمزي. وفي هذا الموضع نفسه تُحفَظُ، بوفرة لا تنفدُ، الأدوات الضرورية لممارسة الفن؛ فهو مسكنُ الثلاثة الكبار: الفن، والآخر، والحب. وفيه تتكاثر الحروف بلا حدود، تكاثرًا تتوافرُ فيه جميع الحروف اللازمة لكتابة رواية كاملة، وكلما استُخدِمت حروف أكثر، ازداد عددها بدل أن ينقص. إنه المكان الذي يُمسَك فيه اللا متناهي عن طريق نفيه، بوصفه “لا متناهيًا لا وجود له”. غير أن مجرد ذكره—حتى في صيغة النفي—يُعيد إليه وجودًا لُغويا، تمامًا كما يحدثُ حين نقول “قنطور” centaure: فالجميع يعرف أن له ذراعين وأربع قوائم، ومع ذلك فهو غير موجود. [72]
نلمسُ في الفكر اللاكاني مسارًا يقود ذات الإنسان نحو بُعْدٍ يؤسسها ويحددها ويوجهها، من غير أن يُفضي هذا الارتباط إلى اندماج، التباس او انفصال. (fusion, confusion et séparation) إنه هيئة من المونيزم الوجودي الذي ينبثق من داخل البِنية، عبر التمييز بين وَحْدة عصية على الإدراك، لا ملموسة ولا قابلة للإحاطة، تنفتحُ على هُوَّةٍ لا نهائية، وبين تعددِ الذوات المحصورة داخلَ حدودِ الأنا. ويتجلى المونيزم اللاكاني في تلك التبعثرية الأنتروبية(dispersion entropique) للـ “أنا”، وهي حركةٌ لا بُدَّ منها، كي يستعيد الإنسان حقيقة وجوده على خلفية يتعايش فيها حضوران: حضورُ الذات وحضورُ الآخرِ الذي يسبقها ويؤسسها. هذا المونيزم يمرُّ عند لاكان، عبر نزع الأنطولوجيا عن الكائن، بهدف تحرير الذات من اختزالها الفيتيشي(fétichiste) في “الأنا” وفي البِنية الوهمية للـ ego. فالتشتت الذي يُصيب الـ “أنا” ليس انهيارًا، بل هو شرطٌ ضروري لظهور الموضوع الحقيقي للوجود(le vrai sujet de l’être)، ولانفصال الذات عن مركزيتها الوهمية، كي تنفتح على البِنية التي تخلقُ أصلها.
الخاتمة
يتضح من داخل هذا المسار الجينيالوجي أن لاكان يُعيد صياغة العلاقة بين الواحد والمتعدد داخل بِنية تتجاوز ثنائية الوعي واللا وعي، وتعيد ترتيب موقع “الأنا” داخل شبكة من الدوال التي تُكوِّنُ أساس الوجود الإنساني. فالذات، في المنظور اللاكاني، ليست كِيانا مكتملًا أو مركزًا ثابتًا، بل هي أثرٌ لبِنية لُغوية‑رمزية تعمل قبل الوعي، وتحدد رغباته وتمثلاته وحدود إدراكه. ومن هنا، يُصبح “الآخر”—بمعناه البِنيوي—هو الذات الحقيقية التي تسكن الإنسان، وتوجه مسار تَكونه، وتعيد صياغة علاقته بالعالم وبنفسه. إن نزع الأنسنة الأنطولوجية عن “الأنا” لا يقود إلى محو الذات، بل إلى تحريرها من وهم الاكتفاء الذاتي، وإلى فتحها على بُعدٍ أعمق يتجلى في البِنية التي تحتضنها. وهكذا، يُقَدِّمُ لاكان قراءة جديدة للإنسان، لا بوصفه كائنًا يملك وعيه، بل بوصفه كائنًا يُفكَّر فيه، وتصنعُ هُويته عبر لُغة تسبقه وتؤسسه. وفي قَلْبِ هذا الفهم، يغدو التحليل النفسي مجالًا لإعادة التفكير في العلاقة بين الذات والآخر، بين الرغبة والقانون، بين المتخيَّل والرمزي، وبين الواحد والمتعدد، ضمن أفقٍ بِنيويٍّ يُعيد رسم حدود الوجود الإنساني ومعناه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المصادر والمراجع
Alexander, Robert. « Lacan phénoménologue », Revista de filosofia, 2014, p. 219.
Arrivé, Michel. Langage et psychanalyse, linguistique et inconscient, Paris, PUF, 1994.
Cléro, Jean-Pierre. « Concepts lacaniens », Presses Universitaires de Frances, vol. 4, n. 16, 2003.
Coron, Olivier. « Petite introduction au nœud borroméen », Laboratorio Freudiano Milano, vol. 3, 2011.
Corvez, Maurice. « Le structuralisme de Jacques Lacan », Revue Philosophique de Louvain, vol. 66, n. 90, 1968.
Costes, Alain. Lacan : le fourvoiement linguistique. La métaphore introuvable, Paris, Presses Universitaires de France, 2003.
De Certeau, Michel. « Structures sociales et autorités chrétiennes », Études, Tome 331, 1969.
De Certeau, Michel. La fable mystique XVIᵉ – XVIIᵉ siècle, Paris, Gallimard, 1982.
De Saussure, Ferdinand. Cours de linguistique général, Paris, Payot, 1980.
Demangeat, Michel. « L’imaginaire selon Lacan : des “repères de la connaissance spéculaire” à la question de la “Reconnaissance” », L’Esprit du temps, vol. 1, n. 5, 2002, pp. 53-66.
Derrida, Jacques. « Foi et savoir. Les deux sources de la “religion” aux limites de la simple raison », in La religion, Paris, Seuil, 1996.
Dor, Joël. Introduction à la lecture de Lacan. 1. L’inconscient structuré comme un langage, Paris, Denoël, 1985.
Duportail, G.F. « La donne lacanienne », Intervention à l’Académie nationale des sciences d’Argentine, Buenos Aires, 2011, inédit. Cité dans Vincent Clavurier. « La consistance du nœud borroméen : un problème psychanalytique ? », loc. cit., p. 126.
Dürkheim, Emile. Les formes élémentaires de la vie religieuse, Paris, Presses Universitaire de France, 2003/1912.
Eccles, John Crew. Évolution du cerveau et création de la conscience, Paris, Champs Flammarion, 1994.
Fages, Jean-Baptiste. Comprendre Lacan, Toulouse, Privat, 1971.
Feuerbach, Ludwig. Essence du Christianisme, traduit par Joseph Roy, Paris, Librairie Internationale, 1864/1842, 390 p.
Feuerbach, Ludwig. Qu’est-ce que la religion d’après la nouvelle philosophie allemande, Traduit par Hermann Ewerbeek, Ladrange, Garnier Frères, Paris, 1850.
François, Jean. « L’invention du borroméen », dans Jean François, La psychanalyse : chercher, inventer, réinventer, Toulouse, Érès, 2004.
Jakobson, Roman. Essais de linguistique générale, traduit de l’anglais et préfacé par Nicolas Ruwet, vol. 1, Paris, Minuit, 1963.
Juignet, Patrick. « Lacan, le symbolique et le signifiant », Cliniques méditerranéennes, vol. 2, n. 68, 2003.
Juranville, Alain. Lacan et la philosophie, Paris, PUF, 1994.
Lacan, Jacques. Conférence de Bruxelles.
Lacan, Jacques. Écrits, Paris, Seuil, 1966.
Lacan, Jacques. Encore, 20 février 1973.
Lacan, Jacques. « … Il me faudra ajouter “ non” », Psychoanalyse, n. 4, 1986.
Lacan, Jacques. L’insu que sait de l’une-bévue s’aile à mourre, 15 mars 1977.
Lacan, Jacques. Le triomphe de la religion précédé de Discours aux catholiques, Paris, Seuil, 2005.
Lacan, Jacques. Les psychoses, 1956.
Lacan, Jacques. Livre VII, L’éthique de la psychanalyse 1959-1960, texte établi par Jacque-Alain Miller, Paris, Seuil, 1986.
Lacan, Jacques. Livre XVIII, D’un discours qui ne serait pas du semblant 1971, texte établi par Jacque-Alain Miller, Paris, Seuil, 2007.
Lacan, Jacques. « La science et la vérité », Sténographie de la leçon d’ouverture du séminaire tenu l’année 1965-66 : l’École Normale Supérieure.
Lacan, Jacques. « Le symbolique, l’imaginaire et le réel », Bulletin interne de l’Association française de psychanalyse, 1953.
Lacan, Jacques. « Le stade du miroir comme formateur de la fonction du “je” », Revue Française de psychanalyse, vol. 4, 1949.
Lacan, Jacques. « Les formations de l’inconscient », Séminaire de l’année 1956-57, Bulletin de Psychologie, 1956-57.
Lacan, Jacques. RSI, 10 décembre 1974.
Lacan, Jacques. RSI, 15 avril 1975.
Lacan, Jacques. Séminaire III, Paris, Le Seuil, 1981.
Lacan, Jacques. Séminaire XXIV, 19 avril 1977.
Lacan, Jacques. Séminaire inédit, Les non-dupes errent, séance du 13 novembre 1973.
Masotta, Oscar. « Jacques Lacan ou l’inconscient aux fondements de la philosophie », Psychanalyse, vol. 3, n. 31, 2014.
Milner, Jean-Claude. L’œuvre claire, Paris, Le Seuil, 1995.
Pellion, Frédéric. « Jacques Lacan vers le réel (1936-1962) », Rev. Latinoam. Psicopat. Fund., São Paulo, vol. 12, n. 1, 2009.
Pelletier, Étienne. Faire jardin à la française. L’instauration du discours analytique chez Jacques Lacan, [Département de philosophie, Faculté des Arts et des Sciences, Université de Montréal], 2017, 114 p.
Piaget, Jean. Le Structuralisme, Paris, PUF, 1970.
Scudéri, Christophe. « Inconscient et Idéologie : De Foucault à Lacan », Groupe d’études « La philosophie au sens large », animé par Pierre Macherey, 09/05/2007.
Sedat, Jacques. « Intervention pour présenter le numéro 27 de Che vuoi ? “L’expérience du transfert” à la librairie Lipsy, 25 septembre 2007 », Che vuoi, vol. 2, n. 28, 2007.
Weiser, Jutta. « Littérature moraliste et psychanalyse : la poétique du désir chez Lacan et La Rochefoucauld », Œuvres & Critiques, vol. 34, n. 2, 2009.
[1] Jacques Lacan. Livre VII, L’éthique de la psychanalyse 1959-1960, texte établi par Jacque-Alain Miller, Paris, Seuil, 1986, p. 32.
[2] Ibid.
[3] « Mais si la forme de l’articulation que nous lui trouvons chez chacun, nous pouvons la retrouver – toujours nouvelle – la même chez d’autres, c’est pour autant qu’elle se présente pour chacun dans sa spécificité intime, avec un caractère de Wunsch impérieux […]. Ce Wunsch, nous le rencontrons dans son caractère particulier irréductible, comme une modification qui ne suppose d’autre normativation que celle d’une expérience de plaisir ou de peine, mais d’une expérience dernière d’où il jaillit, et à partir de laquelle il se conserve dans la profondeur du sujet sous une forme irréductible. Le Wunsch n’a pas le caractère d’une loi universelle, mais au contraire de la loi la plus particulière – même s’il est universel que cette particularité se rencontre chez chacun des êtres humains. Nous le rencontrons sous une forme que nous avons qualifiée de phase régressive, infantile, irréaliste, avec le caractère d’une pensée livrée au désir, de désir pris pour la réalité. » Ibid., pp. 32-33.
[4] Oscar Masotta. « Jacques Lacan ou l’inconscient aux fondements de la philosophie », Psychanalyse, vol. 3, n. 31, 2014, pp. 109-110.
[5] Ibid.
[6] Ibid., p. 110.
[7] Jacques Lacan. « La science et la vérité », Sténographie de la leçon d’ouverture du séminaire tenu l’année 1965-66 : l. l’Ecole Normale Supérieure, p. 10.
[8] Jacques Lacan. Livre VII, L’éthique de la psychanalyse 1959-1960, op. cit., p. 40.
[9] Ibid., pp. 40-41.
[10] Ibid.
[11] « Cela veut dire que le fonctionnement intérieur de l’appareil psychique […] s’exerce dans le sens d’un tâtonnement, d’une mise à l’épreuve rectificative, grâce à quoi le sujet, conduit par les décharges qui se produisent d’après les Bahnungen déjà frayés, fera la série d’essais, de détours qui peu à peu l’amèneront à, au franchissement de la mise à l’épreuve du système environnant des divers objets présents à ce moment-là dans l’expérience. Ce qui forme la trame de fond de l’expérience, c’est, si l’on peut s’exprimer ainsi, la mise en érection d’un certain système de Wunsch, ou d’Erwartung de plaisir, défini comme le plaisir attendu, et qui tend de ce fait à se réaliser dans son propre champ d’une façon autonome, sans rien attendre en principe du dehors. Il va directement à la réalisation la plus contraire à ce qui tend à se déclencher. » Ibid., p. 41.
[12] Ibid., p. 28.
[13] Ibid., p. 34.
[14] Ibid., p. 41.
[15] Ibid.
[16] Ibid.
[17] Ibid., pp. 41-42.
[18] « Le cri remplit là une fonction de décharge, et joue le rôle d’un pont au niveau duquel quelque chose de ce qui se passe peut être attrapé et identifié dans la conscience du sujet. Ce quelque chose resterait obscur et inconscient si le cri ne venait lui donner, pour ce qui est de la conscience, le signe qui lui confère son poids, sa présence, sa structure – avec, du même coup, le développement que lui donne le fait que les objets majeurs dont il s’agit pour le sujet humain sont des objets parlants, qui lui permettront de voir se révéler dans le discours des autres les processus qui habitent effectivement son inconscient. L’inconscient, nous ne le saisissons en fin de compte que dans son explication, dans ce qui en est articulé de ce qui se passe en paroles. C’est de là que nous avons le droit […] de nous apercevoir que cet inconscient n’a lui-même pas d’autre structure au dernier terme qu’une structure de langage. » Ibid., p.42.
[19] Jutta Weiser. « Littérature moraliste et psychanalyse : la poétique du désir chez Lacan et La Rochefoucauld », loc. cit., p. 72.
[20] Jacques Lacan. « Le stade du miroir comme formateur de la fonction du “je” », Revue Française de psychanalyse, vol. 4, 1949.
[21] Jean-Baptiste Fages. Comprendre Lacan, op. cit., p. 13.
[22] Jacques Lacan. « Le stade du miroir comme formateur de la fonction du “je” », loc. cit, pp. 449-450. Voir aussi Michel Demangeat. « L’imaginaire selon Lacan : des “repères de la connaissance spéculaire” à la question de la “Reconnaissance” », L’Esprit du temps, vol. 1, n. 5, 2002, pp. 53-66.
[23] يمكن تمييز هذا المسار عند فويرباخ، ولا سيما عندما يصف العلاقة بين الإنسان والصورة الإلهية التي يصوغها لنفسه. فهذه الصورة تبدو في ظاهرها، مُغايرة للإنسان ومتعالية عليه، غير أنها في حقيقتها نتاج خياله وإسقاط لرغباته وتمثلاته الخاصة. ويحدث هذا كله، في أغلب الأحيان، من دون أن يمرَّ بوعي صريح عند الذات، بل يحدثُ عبر نوع من الالتفاف أو القفز فوق مستوى الوعي المباشر.
إنه مسار يتطلب، في مرحلة لاحقة، وقفة تأمُّل تسمح للذات بأن تستعيد هذا العمل التمثيلي الخيالي، وأن تكشف البِنية اللا واعية التي تقف خلفه. فالفهم الحقيقي لهذا الإنتاج الرمزي لا يتحقق إلا عندما يعود المرء إلى تحليل ما أنجزه خياله، ليكشف كيف تحول ما هو ذاتي إلى صورة متخيَلة تُدرَك كما لو كانت كِيانًا مستقلًا عنه.
Ludwig Feuerbach. Essence du Christianisme, traduit par Joseph Roy, Paris, Librairie Internationale,1864/1842, 390 p. ; Ludwig Feuerbach. Qu’est-ce que la religion d’après la nouvelle philosophie allemande, Traduit par Hermann Ewerbeek, Ladrange, Garnier Frères, Paris, 1850.
[24] Jean-Baptiste Fages. Comprendre Lacan, op. cit., p. 14.
[25] Ibid., p. 15.
« Plus généralement, s’institue ici le Moi par différenciation avec le non-Moi (dedans/dehors, intérieur/extérieur, le même/ l’autre…) c’est-à-dire à la fois le sentiment -au-delà de l’instabilité pulsionnelle – d’une permanence d’être dans le temps et l’espace et à la fois une idée de soi sous la forme d’un Moi objectivable et objectivée. Ce qui se constitue, c’est la conscience comme conscience de soi. […] Ainsi, l’enfant passe-t-il au cours de ce processus de la passivité du morcellement libidinal (celui qu’il subit) à l’activité de sa maîtrise imaginaire (celle qu’il expérimente). […] Devant en passer par un extérieur à soi pour se constituer et se connaitre comme soi, l’enfant, l’homme en général est condamné à l’aliénation » (Christophe Scudéri. « Inconscient et Idéologie : De Foucault à Lacan », Groupe d’études « La philosophie au sens large », Animé par Pierre Macherey, 09/05/2007).
[26] Christophe Scudéri. « Inconscient et Idéologie : De Foucault à Lacan », Groupe d’études « La philosophie au sens large », Animé par Pierre Macherey, 09/05/2007.
[27] Christophe Scudéri. « Inconscient et Idéologie : De Foucault à Lacan », Groupe d’études « La philosophie au sens large », Animé par Pierre Macherey, 09/05/2007.
[28] في محاولةٍ لرفض فكرة تفتُّتِ “الأنا” كما تتبدَّى في الفكر اللاكاني، سعى بعض المفكرين في الدفاع ضد ما رأوه نزعةً نحو نزع الطابع الأنطولوجي عن الكائن البشري. وقد فعلوا ذلك بالقول إن لاكان، “مع أنه لا ينكر الطابع السياقي للملاحظات التي يستند إليها — فالملاحظة هي نتاجُ عصرها وتِقْنياته وخطاباته وأهدافه — إلا أنه يبني نظريته على ردة فعل يراها ثابتة وخالدة، ويمنحها طابع القداسة حين يرفعها إلى مرتبة الكلي أو الكوني في الإنسان. فهو يستهدف، إذن، ما يتجاوز الخصوصيات التاريخية والاجتماعية، وما يتجاوز فرادة كل فرد، ليصل إلى ما هو أبديٌّ في الإنسان”.
وبهذا الاعتراض، حاول هؤلاء النقاد دفع لاكان نحو خانة الثوابت واللا متغيرات، متهمين إياه بأنه، في نظريته عن مرحلة المرآة، “يفترض كونيةَ مرحلةٍ نفسية اعتمادًا على ملاحظتين فقط: إحداهما إثولوجية (سلوكية حيوانية)، والأخرى جينية (تطورية)”.
(Christophe Scudéri. « Inconscient et Idéologie : De Foucault à Lacan », Groupe d’études « La philosophie au sens large », Animé par Pierre Macherey, 09/05/2007).
في الواقع، ليست هذه الاعتراضات قاطعة ولا نهائية، لأن القدرة على التعميم أو النزوع نحو الكونية ليست أمرًا مثاليًا أو مطلقًا، بل هي ثمرةُ التجربة. فالإنسان لا يُعمم إلا لأن خبرته تسمح له باستخلاص ما يتكرر، مع إبقاء حيز لاحتمالات الاختلاف والاستثناء. ثم إن رفض كل محاولة للتعميم يؤدي، بالضرورة، إلى تفكيك أي نظرية، وانهيار أي علم، وتحويل كل كائن إلى لا‑كائن. فالتعميم، بهذا المعنى، لا يعني بالضرورة الإيمان بوجود كونيات ثابتة أو جوهر إنساني غير متغير. وعليه، فإذا كان لاكان يميل إلى اعتماد التعميم في بعض أطروحاته، فهذا لا يعني أنه يناقض نفسه أو يتراجع عن نزوعه إلى تفكيك “الأنا” ونزع الطابع الأنطولوجي عن الإنسان. فمفارقة لاكان ليست هنا. المفارقة الحقيقية تكمن في أن كل نفيٍ هو، في ذاته، شكل من أشكال الإثبات. فعندما نعلن “نزع الأنطولوجيا”، فإن هذا الإعلان نفسه يُعيد إنتاج شكل من أشكال الأنطولوجيا، لأن النفي لا يستطيع أن يتحقق إلا عبر صيغة إثباتية. وهكذا تصبح “اللا‑أنطولوجيا” مؤسِسة، بطريقة غير مباشرة، لـ “أنطولوجيا” جديدة. بمعنى آخر، إن تأكيد نزع الأنطولوجيا ينقض نفسه من الداخل، لأن نفي الأنطولوجيا يتحول، في لحظة ما، إلى إعادة تثبيتٍ لها. وكأن الأنطولوجيا، في هذا السياق، قوة متمردة تعود من “الباب الخلفي” عبر خطاب نزع الأنطولوجيا نفسه، فتستعيد حضورها من حيث يُفترض أنها أُقصيت.
[29] Jean-Baptiste Fages. Comprendre Lacan, op. cit., p. 16.
[30] Jacques Lacan. Écrits, Paris, Seuil, 1966, p. 70.
[31] Jean-Baptiste Fages. Comprendre Lacan, op. cit., p. 16.
[32] Ibid.
[33] Ibid., p. 18.
[34] Jacques Lacan. Livre XVIII, D’un discours qui ne serait pas du semblant 1971, texte établi par Jacque-Alain Miller, Paris, Seuil, 2007, p. 45.
[35] Patrick Juignet. « Lacan, le symbolique et le signifiant », loc. cit., p. 132.
[36] Ibid., pp. 132-133.
[37] Ibid., p. 133.
[38] Jacques Lacan. Écrits, op. cit., p. 276.
[39] Jacques Lacan. « Le symbolique, l’imaginaire et le réel », Bulletin interne de l’Association française de psychanalyse, 1953, p. 420.
[40] Ibid., p. 319.
[41] Ibid.
[42] Ibid., p. 594.
[43] Jean-Baptiste Fages. Comprendre Lacan, op. cit., p. 20.
[44] « [c]e (système/fonction) symbolique évoqué par Lévi-Strauss. Le sujet, par la parole, vient s’y coordonner, mais le système existe en dehors du sujet, il est trans-individuel, structure extérieure à l’individu et qui le détermine. […] le symbolique est le système de signe dans lequel l’homme se trouve plongé et il forme l’inconscient ou encore l’Autre. Il s’agit de l’assimilation de l’inconscient au symbolique […]. D’où les expressions de « trésor des signifiants » où l’on retrouve l’idée d’un ensemble constitué, vaste, mais fini, qui préexiste à l’individu et est indépendant de la conscience qu’il en a. […] D’une certaine manière il affirme que c’est le symbolique avec son caractère collectif qui est déterminant par rapport à l’expérience individuelle et la psychogenèse. » Patrick Juignet. « Lacan, le symbolique et le signifiant », loc. cit., p. 134.
[45] Jacques Lacan. « … Il me faudra ajouter “ non” », Psychoanalyse, n. 4, 1986, p. 180.
[46] Jean-Pierre Cléro. « Concepts lacaniens », Presses Universitaires de Frances, vol. 4, n. 16, 2003, pp. 145-146.
[47] Ibid., p. 146.
[48] Oscar Masotta. « Jacques Lacan ou l’inconscient aux fondements de la philosophie », loc. cit., p. 114.
[49] Jean-Pierre Cléro. « Concepts lacaniens », loc. cit., pp. 155.
[50] Jacques Lacan. Écrits, op. cit., pp. 207-208.
[51] Jean-Pierre Cléro. « Concepts lacaniens », loc. cit., pp. 155.
[52] Jacques Lacan. Conférence de Bruxelles, p. 19.
[53] Voir, Jacques Lacan. Écrits, op. cit., p. 142.
[54] Jean-Pierre Cléro. « Concepts lacaniens », loc. cit., p. 156.
[55] Voir Frédéric Pellion. « Jacques Lacan vers le réel (1936-1962) », Rev. Latinoam. Psicopat. Fund., São Paulo, vol. 12, n. 1, 2009, p. 99-115.
[56] Voir Étienne Pelletier. Faire jardin à la française L’instauration du discours analytique chez Jacques Lacan, [Département de philosophie, Faculté des Arts et des Sciences, Université de Montréal], 2017, 114 p.
[57] Jacques Lacan. Encore, 20 février 1973.
[58] Jean François. « L’invention du borroméen », dans Jean François, La psychanalyse : chercher, inventer, réinventer, Toulouse, Érès, 2004, p. 115.
[59] Ibid., p. 116.
[60] Ibid, p. 117. Voir aussi Olivier Coron. « Petite introduction au nœud borroméen », Laboratorio Freudiano Milano, vol. 3, 2011.
[61] Jacques Lacan. Séminaire inédit, Les non-dupes errent, séance du 13 novembre 1973.
[62] Jacques Lacan. RSI, 15 avril 1975.
[63] G.F. Duportail. « La donne lacanienne », Intervention à l’Académie nationale des sciences d’Argentine, Buenos Aires, 2011, inédit. Cité dans Vincent Clavurier. « La consistance du nœud borroméen : un problème psychanalytique ? », loc. cit., p. 126.
[64] Jean-Pierre Cléro. « Concepts lacaniens », loc. cit., pp. 150-151.
[65] Ibid., pp. 151-152.
[66] Ibid., p. 212.
[67] Ibid.
[68] Ibid., pp. 212-213.
[69] Jacques Derrida. « Foi et savoir. Les deux sources de la “religion” aux limites de la simple raison », in La religion, Paris, Seuil, 1996, p. 39.
[70] Jacques Lacan. Le triomphe de la religion précédé de Discours aux catholiques, Paris, Seuil, 2005, 101 p.
[71] Jacques Sedat. « Intervention pour présenter le numéro 27 de Che vuoi ? “L’expérience du transfert” à la librairie Lipsy, 25 septembre 2007 », Che vuoi, vol. 2, n. 28, 2007, p. 183.
[72] « [o]ù jamais aucun humain n’a, n’a eu, ni n’aura accès. C’est un endroit vide et sans fond où, sous le signe de l’éternité, se trouvent représentés en creux l’Unité et l’Infini, comme à l’encre sympathique sur un support d’absence. C’est là qu’est écrit le nom de Dieu. C’est un trou toujours déjà vide de tout temps dont découle l’efficacité du discours de chacun à condition qu’il ait bien voulu franchir le seuil de la mort (ou castration) symbolique. C’est l’endroit où se trouvent archivés à foison tous les outils nécessaires à l’exercice de l’art. C’est la demeure des trois grands ‘A’ : l’Art, l’Autre, l’Amour. On y trouve, en nombre infini, toutes les lettres nécessaires à l’écriture d’un roman. Plus vous en utilisez, plus il y en a ! C’est l’endroit où l’infini (comme le hasard) est saisi dans sa négation, comme infini qu’il n’y a pas. Mais le fait de le citer même dans sa négation le fait exister comme lorsqu’on dit le centaure. Chacun sait qu’il a deux bras et quatre pattes et pourtant cela n’existe pas ! » Robert Alexander. « Lacan phénoménologue », Revista de filosofia, 2014, p. 219.