(جُرح/ جَرح) الكتابة

في البحث عن اللايقين

في مواضعات الفعل الكتابي بصفته إنجازًا هائلًا على مستوى الوعي الإنساني، استطاع الإنسان –وفقًا لاعتباراته- أن يُموقع العالَم الخارجي ذهنيًا ابتداءً ويحوّله إلى أنساق لغوية ثانيًا، لغاية إجراء تعديلات على ذلك العالَم بما يخدم مشروعه الحضاري. فتذهين العالَم وتنصيصه في متونٍ بعينها وإجراء تعديلات عليه في النصّ أولًا وفي العالَم ثانيًا؛ إنجاز إنساني كبير. لكن كُبره سيتصاغر في حال تحوّلت النصوص من نصوص مُتحركة تُواكب الشرط المعرفي للإنسان إلى نصوص ثابتة تراعي شرط كاتبها فحسب، ولا تراعي شرط مُتلقيّها. فالنصّ الإنجازي هو نصّ قابل للهدم المعرفي دائًما حتى وهو يبني: 1- معماره الذاتي أو 2- يُعيد بناء معمار العالَم. أيّ أنه يتحقّق في سياقي الهدم والبناء معًا، غير مُنحاز لأحدهما على الآخر، فالجدل القائم بين النصّ والذات، شرط إنساني بامتياز، سيتجلّى بشكلٍ أعمق –هَهُنا- ساعة تموقعه في جرحين:

  • جُرح [بضم الجيم] الكتابة.
  • جَرح [بفتح الجيم] الكتابة.

وأنا إذ أطرح الجُرح [بضمِّ الجيم] فللتدليل على الثغرة المبدئية في نصٍّ بعينهٍ بحيث تمنع عنه الكمال، أي أنه ناقصٌ إطلاقًا من اللحظة الأولى، بطريقة تجعله أكثر انسجامًا مع شرط المعرفة الإنسانية بصفتها معرفة مُتنامية وغير قارّة وثابتة. أكثر من خضوعه لشرطِ الكمال الداخلي الذي يمكن أن يفتك بالكاتب لحظة الكتابة ويجعله يكتب بلغةٍ واثقة وبيقينٍ عالٍ. فثمة خيط من الدماء يسيل ابتداءً في نصٍّ بعينه على اعتبار عدم كماليته والنقص الحادث في بنيته التأسيسية. لكن لا يعني هذا النقص في بنية النصّ الأصلية خدشًا له أو إنزالًا من قيمته العالية إنْ كان يحمل قيمة عليا أساسًا، بقدر ما ينزع عنه كماله المُتعالي، بصفته نصًا واثقًا ولا يمكن أن تطاله يد النقد بتاتًا. فهو غير نزّاع أصلًا إلى الخروج على الشرط الإنساني والتعالي عليه، بل هو خاضع لنواميسه وقوانينه الناظمة، لناحية اعتماد صيغة الجدل الدائم مع النص وعدم ثباته في متنٍ جامد، تتعالى على شرط الوجود الإنساني. فالنص العبقري هو النصّ المُؤسِّس لحالة حراك معرفي بين الذات الكاتبة والعالَم المُدْرَك من خلاله، فهو إدراك غير قطعي أو نهائي، فالنصّ مجروح ابتداءً وبحاجةٍ من ثمَّ إلى طبابة دائمة.

أما الجَرح [بفتح الجيم]، فهي انسجام النص مبدئيًا مع حركة النقد القادمة، فالنص إذ يعتبر نفسه مُحصّنًا ضد النقد ابتداءً – لسببٍ أو آخر – فهو نصّ في طور الموت الوجودي، إلا إذا أُلزم الناس –عبر حُرّاسه- به إلزامًا وتحت وطأة التهديد والتعذيب والقتل. فبنيته بنية مُضادة لشرط الوجود الإنساني، شرط الجدل الدائم.

إن النصّ سَلْبٌ، عَدَمٌ مُؤقّت، حتى يأتي (قارئ/ ناقد) ويحوّله إلى سياق إيجابي في الاجتماع الإنساني. لذا من عبقريات مواضعات النص ابتداءً، أن يترك كاتبه ثغرةً في متنه، تُمكّن القارئ – بما في ذلك الكاتب نفسه، بعد أن ينفصل عن نصّه، ويتصّل بسياقات القراءة أكثر من سياقات التأليف، كمرحلةٍ لاحقة – من نقده والدخول معه في حركةِ جدلٍ معرفي، لا في حركة تسليمٍ إيماني.

إذًا:

  • الجُرح ثغرة داخلية في بنية النص، يعيها الكاتب لحظة الكتابة، إنصافًا لقانون الصيروة الإنساني الذي ينطبع به النص لحظة الكتابة. فهو بمثابة خيط الدم الدافق من جسد النص، بانتظار أن يُطبّب من قبل الكاتب لاحقًا. فالميزة الأساسية لأيّ فعل معرفي هي ميزة النقص حتى لو شُعِر باكتمال ما لحظة الكتابة، ولا يمكن لهذا النقص أن يكتمل بالتقادم إلا بنقوصات دائمة، تُبقي الكاتب على قيد الحياة المعرفية. وإذا كان الجُرح بمثابة بنية داخلية، بما يجعل منه إمكانًا جوّانيًا بالأساس، إلا أنّ تمظهراته ستتجلّى برَّانيًا؛ ساعة يتحوّل الكاتب إلى (قارئ/ ناقد) لنصّه، وينفصل عنه في لحظة الوعي القادمة. وعليه، فالجُرح استنهاض للإمكان الأخلاقي لدى الذات الكاتبة، ودفع باتجاه إعادة إنتاج النص المرة تلو الأخرى –مع ما يحتمله هذا الإنتاج من عمليات هدم وبناء متواصلة للذات الكاتبة- دونما توّترات وتشجّنات سيكولوجية، يمكن أن تحطّ من قيمة الكاتب ونصوصه، فكتابته لنصٍّ ما واعتباره هذا النصّ نصًا كاملًا، سيجعله يأبى أي مراجعة لنصّه، تأخذه حماسة مميتة، فأي نقد له حتى لو كان منه شخصيًا، تهديد وتعريض بصفته الاعتبارية في هذا العالَم. لكن المواضعة التي يفترضها السياق الجُرحي للنصّ، ستحوّل الكاتب إلى كائن أخلاقي بالدرجة فترك ثغرة في بنية النصّ، تؤصّل أول ما تؤصّل لفكرة عدم الكمال الإنساني، وأفضل مكان لإحقاق هذا الحق هو النصّ، بصفته نتاجًا عقليًا أو عمليات وعي متطوّرة. فوجود الذات الفردية هو وجود تكاملي أساسًا، فما نقص لديها هذه اللحظة كَمُلَ في لحظات قادمات، إكمالًا استنهاضيًا، ترميميًا غير تدميري. ففعل النقد إذ يطال النص، فإنه يطاله لكي يُتمّم النقص الحادث فيه، بعد أن يدخل في جدال فكري معه، ولا يُبقي على فكرة النص الخالص المُنبثق عن ذاتٍ كاملة. فالذات إذ تتجلّى في نصٍّ تكتبه، تعبيرًا عن هاجس وجودي ما، فإنها تعي أول ما تعي شرط الوجود الإنساني بصيغته الناقصة، وتفهّم هذا النقص كفضيلةٍ أمكنها تفجير الإمكان الأخلاقي عند الإنسان، والسعي الدؤوب إلى ضرورة النظر بعين الرضا إلى التطوّرات المعرفية اللاحقة لدى الذات الكاتبة، بصفته جزءًا أصليًا في إكمال معمار الذات الكاتبة، وتمظهراته في هذا العالم. وعليه، فترك ثغرة في بنية النص ووعي الذات الكاتبة بهذه الثغرة حتى مع عدم القدرة على تحديدها في البداية، وترك ذلك للتطوّر المعرفي القادم؛ هو علامة بارزة من علامات الوجود المعرفي الإنساني، في سياقه الأخلاقي تحديدًا.
  • والجَرح ثغرة خارجية بالنسبة للنص، يعيها (القارئ/ الناقد) لحظة القراءة الناقدة. فالذات إذ تقرأ قراءة ناقدة فإنها تعي ضرورة إعمال الشرط المعرفي في نصٍّ بعينه. لذا هي عملية عكسية للجُرح [بفتح الجيم]. فعملية الجُرح إذ تنطلق – لحظة الكتابة – من الداخل وتتجّه ناحية الخارج؛ من الجوّاني إلى البرّاني، فإنَّ الجَرح [بفتح الجيم]، عملية تنطلق – لحظة القراءة الناقدة – من الخارج وتتجّه ناحية الداخل؛ من البرَّاني إلى الجوّاني. فالقارئ إذ ينقد فإنه يُساهم في إكمال النقص الحادث في بنية النصّ الأصلي، شريطة أن لا يكون هذا الإسهام إسهامًا نفسيًا، يعتمد على ردّات الفعل المؤذية وغير النافعة، بل أن يعتمد على ما هو معرفي أساسًا، على اعتبار دخول القارئ/ الناقد، في عمليات ثأر معرفية من شأنها الإضرار أكثر مما تنفع، في حال اعتمد على ما هو سيكولوجي، لا سيما ساعة يقرأ نصاً مُخالفًا له في المُعتقَد أو الأيديولوجيا أو يتعارض مع رؤاه القومية أو الوطنية أو الطائفية أو الحزبية…الخ، بما يدخله – بالتالي – في حالة من عدم السواء الأخلاقي. فمثلما أن الذات الكاتبة تتمثّل الآخر لحظة الكتابة، والدور المُناط بهذا الآخر لإكمال نقص مُفترض في بنية النص المكتوب، بما يفضي – كما أسلفت – إلى تعزيز قيمة الإنسان الأخلاقية؛ فإنّ الدور المطلوب من القارئ/ الناقد، هو تمثّل الآخر أخلاقيًا لحظة القراءة الناقدة أيضًا، والدور الذي ينطوي عليه نصّه في تفجير الإمكان المعرفي لدى القارئ/ الناقد، فهو شريك إبيستمولوجي حقيقي، وليس بخصيمٍ سيكولوجي، ينبغي الثأر منه. وعليه، فالجَرح يعي قيمة الآخر أخلاقيًا، والدور الذي يلعبه هذا الآخر، في تفجير الإمكان الجدلي عند الإنسان على إطلاقه، والدور المحوري لهذا الجدل في عمارة هذا الكون، وإبداع أنساق حضارية جديدة ومفيدة. فتلك العلاقة بين (الذات الكاتبة) و(القارئ/ الناقد) يتم تبديل مواقعها، فالقارئ الناقد يصير هو الآخر لحظة الكتابة، والذات الكاتبة تصير هي الآخر لحظة القراءة الناقدة، بما يدمجهما في نسق واحد مشطور إلى شطرين، لا يفتأن يتوالدان، ويؤكّدان قيمة كبرى من قيم الوجود الإنساني في هذا العالَم؛ أعني قيمة تموضعه في نسق (الصيرورة)، والحيلولة دون بلوغه أيّ يقين نهائي، نظرًا للخطر الأنطولوجي الذي يحتمله هكذا يقين، لا سيما ما تعلّق منه بتفسّخ فاعليته الوجودية، وطالما هو في وضع صيروري طالما هو على قيد الحياة، وطالما هو قارّ في يقين نهائي طالما هو ميّت على المستوى الحضاري ضرورةً.

وإذا كان لفعل الكتابة أن يتأكد في جرحين [مرةً بضمِّ الجيم ومرةً بفتحها]، فلتعزيز فكرة القلق الإنساني إذ يتجّلى في نصٍّ ما، وعدم ركونه إلى أيّ ثبات من شأنه موضعته في نسق (كينوني) ليس من اختصاص الإنسان ضمن شرطيته الزمكانية، فكل ما هو (كينوني) بالنسبة للإنسان يُفضي مباشرة إلى الموت والعَدَم. وتلك النصوص اليقينية، الثابتة، هي نصوص (ضد – إنسانية)، لافتراضها أن القارئ مجرد مُتلقٍّ سلبي للنصّ، لا مُكمّل للنقص الحادث به، عبر عمليات نقدية مُتنامية ومستدامة، تُبرز قيمة وجوده الفاعل هُنا والآن. وعليه، ففعل الكتابة إذ يتموقع في نصٍّ ما –إذا أخذنا بمقامي الجُرح والجَرح- هو فعل غير يقيني، أي أنه نصّ ينحاز للحياة وليس للموت.

الهوامش:

(1): يتفهّم البعض، الكتابة، كحالةٍ يقينية غير قابلة لزحزحات معرفية جديدة، بما يجعل منظوماتهم منظومات تسليمية أكثر منها منظومات نقدية. ولربما طالت هذه الحالة أكثر ما طالت الكتب المقدّسة والنصوص الحافّة بها، لذا كان ثمة اندفاعات غير عقلانية في الدفاع عن هكذا منظومات من قبل الأتباع والمُريدين.، على اعتبار أنها، حافظة للمعنى الأنطولوجي لأتباعها في هذا العالَم، إذ ليس ثمة معنى للمؤمن خارج الكتاب الذي يؤمن به إيمانًا قطعيًا.

(2): جاء في لسان العرب: “الجَرْح: الفعلُ: جَرَحه يَجْرَحُه جَرْحاً: أثَّرَ فيه بالسلاح؛ وجَرَّحَه: أكثر ذلك فيه؛ قال الحطيئة: مَلُّوا قِراه، وهَرَّته كلابُهُمُ، وجَرَّحُوه بأنيابٍ وأضراس والاسم الجُرح بالضم، والجمع أجراح وجُروح وجِراح… وجَرَحه بلسانه: شتمه؛ ومنه قوله: لا تَمْضَخَنْ عِرْضي، فإني ماضخُ عِرْضَك، إن شاتمتني، وقادحُ في ساق من شاتمني، وجارحُ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: العَجْماء جَرْحُها جُبار؛ فهو بفتح الجيم لا غير على المصدر؛ ويقال: جَرَح الحاكمُ الشاهدَ إذا عثر منه على ما تَسْقُطُ به عدالته من كذب وغيره.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete