تكوين
يُثير عُنوان هذه الندوةُ اشتباهًا مردُّه إلى ضمير الجماعة في «حاجتنا إلى الفلسفة»، فيه تَوْرية يثوي وراءها الخوف من عبءِ الإفصاح وثقلِ الإعلان، اشتباهًا موصولًا بذيل الحاجة، لأنّ الضميرَ قد يفيد باعتبار ظاهر المعنى «نحن البشر» وهو بُعْدٌ كُلي يتفق مع مطلب الفلسفة بما هي العلمُ بالكُلي، وقد يَعني، باعتبار معنى المعنى «نحن العرب والمسلمون»، وهو المسكوتُ عنه في العنوان، وهو الراجح، لأنّ العقلَ الفلسفيَ بفهمه ملكةً قادرةً على إبداع المفاهيم ونقدها، قد هجرَ الفكرَ العربي الإسلامي السائد، منذ واقعة «تهافت الفلاسفة»، ولم يزلْ مُهاجرًا إلى اليوم، نشتاق إليه في أوقات المِحن، نستذكره، نستنجد به كُلما اشتدت علينا وطأة العصبانية واستعرَّ الإحساس بالغلبة، عند الذين ناصبوا الفلسفة وقيمها وشروط وجودها العداء، وتوجسوا منها شرًا، أفتوا به على أهلها تكفيرًا وتبديعًا.
إنّ المتابعَ للنصوص التأسيسية في الفكر العربي الإسلامي، يدركُ تواضع الحضور الفلسفي فيها، وضيق الحيز الذي شغله هذا الحضور، لجهة كون الفلسفة نظامَ تفكيرٍ عقلاني بامتياز، ينهمُّ بالمعنى الذي يراهُ الكائن البشري لوجوده، للعالم الذي يعيش فيه، يتوسَّلُ المناهج العقلية النقدية من أجل بِناء المفاهيم الكُلية والمبادئ العامة، والمقدمات الكبرى ومحاولة الإجابة عن الأسئلة العميقة المتصلة بالحياة والموت، بمعنى الوجود والقيم الفردية، والاجتماعية بالأسئلة المُنشغلة بطبيعة اللغة والمعرفة عمومًا، وبالعلاقة التي يقيمها الإنسان مع ذاته ومع الأشياء نفسها الفلسفة تسأل وتسأل… ما يعنى أنها تُساعدنا على التعقل والتروي في إطلاق الأحكام والإقدام على الأفعال قبل الوقوف على قيمة ما ننوي قوله أو فعله العقل الفلسفي يسأل ويسأل… بعيدًا عن الاعتبارات التي تتعالى عليه وتشكك في صلاحيته، لأنْ يكونَ مُنتجًا للمعرفة وخلاقًا للمعاني.
-
أبْلَسَةُ الفلسفة
من بدهيات الأمور، عند البحث في الحاجة إلى الفلسفة في مجتمعاتنا، أن نشير إلى الفكر الجذري الرافض لمثل هذه العقلانية «المؤَبْلِسِ» للفلسفة، الذي عبَّر عنه أبو حامد الغزالي، في مصنَّفه «تهافت الفلاسفة». قال حُجة الإسلام، وهو صاحبُ نصٍّ مؤسس في الثقافة العربية والإسلامية، في الفلسفة والفلاسفة الذين سعوا في الاستنارة بالعقل وآليات اشتغاله، ومسالك تعليله للأحكام، قولًا يرسم فيه موقع الفلسفة في ديارنا (فإني رأيت طائفة (الفلاسفة) يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات واستحقروا شعائر الدين من وظائف الصلوات والتوقي عن المحظورات… بل خلعوا بالكُلية رَبْقَةَ الدين بفنون من الظنون، يتبعون فيها رَهَطًا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا. وهم بالآخرة كافرون… ولا مُستند لكفرهم غير تقليد سماعي… كتقليد اليهود والنصارى… وإنما مصدرُ كفرهم سماعهم أسامي هائلة كسقراط وبقرط وأفلاطون وأرسطاطليس وأمثالهم… فلما رأيت هذا العرق من الحماقة نابضًا على هؤلاء الأغبياء، انتدبت لتحرير هذا الكتاب («تهافت الفلاسفة») ردًّا عليهم… ثم يُكْمل بكثيرٍ من الحدة المُستحقرة للفلاسفة ولفكرهم المختلف، بالقول: إنهم ذوو العقول المنكوسة، والآراء المعكوسة، الذين لا يؤبَهُ لهم ولا يُعبَأُ بهم فيما بين النُظَّار، ولا يُعدون إلا في زُمْرَةِ الشياطين الأشرار… (المقدمة).
على نقيض هذا الموقف المُغالي في تشدده ضد الفلسفة والفلاسفة، يُصدِّرُ ابن رشد مقدمة (تهافت التهافت) بالقول :… (إن الغرض في هذا القولِ أن نُبيِّنَ مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب (التهافت) لأبي حامد الغزالي، في التصديق والإقناع، وقصور أكثرها عن رتبة اليقين والبرهان) غني عن البيان أن القصد من إيراد هذين النصين، فقط الإشارةُ إلى نمطين مختلفين من التفكير، يَنْزَعُ الأول مَنْزَعًا أيديولوجيًا حادًا، يستهدفُ إلغاء الآخر وأبْلَسَةَ فكرِهِ، في حين يكشفُ القول الثاني عن عقلانية تنويرية تتوسَّل بالبرهان منهجًا للمحاجَجَةِ وأداةً للحوار.
ينسجم تكفير الفلسفة وأهلها مع الموقف من العقل ومع الرأي السائد بشأنه، فالعقل لا يُحَسِّنُ ولا يُقَبِّحُ … ولا حكم للأفعال قبل ورود الشرع (المُسْتصفى في علم الأصول). يقف دوره عند حدود الاستصحاب، يثبت ما أثبته النصُّ وينفي ما نفاه، يعقل (يقيس) ما يستجدُّ من الوقائع بما يشبهها في النص، ويجري عليها الحكم الجاري على الأصل انطلاقًا من عِلة (صفة) في الأصل قابلة للتعدي إلى الفرع.
قد يسأل سائل لماذا الغزالي؟
أقول الغزالي، لأنه فاتحة الخطاب المُناهض للفلسفة وحجر الزاوية في صرح الفكر المعادي لمبادئها ومناهجها، والمعركة التي خاضها ضد الفلسفة وانتصر فيها، نظرًا لما آلت إليه بعدها، ما تزال أصداؤها تتردد إلى اليوم، وما يزال طَيْفُهُ ماثلًا في القراءة السائدة للنص الديني والتي يبني عليها الكثيرون في نظرتهم إلى مكانة العقل الفلسفي، المُخْتلف كل الاختلاف عن العقل الذي بلورت خصوصيته العلوم الإسلامية، والثقافة التي انبنت عليها، وتشبَّعت من حقولها الدلالية، ومسالك اكتشافها.
-
في شروط التفلسف
- الحوار
وعليه، فإن القول بالحاجة إلى الفلسفة إذن، يقع موقعَ الدعوة إلى تجاوز لحظة التهافت، واستئناف المعركة في سبيل إعادة المكانة إلى الفكر الفلسفي من باب النظر في أوائل الشروط التي يجب أن تتوافر، كي يُصبح التفلسفُ أمرًا ممكنًا، بل إن من المفاهيم والآليات ما هو ملازمٌ للتفكير الفلسفي، يتجلى ويتطور، بقدر حضورها وشيوعها، يتقدمها الحوار الذي وُجِدَ منذ بداية الفلسفة مع اليونانيين (ق . 7 ق.م) واستمرَّ معها إلى اليوم، فضلًا عن أن التفكير الفلسفي ينشطُ ويزدهر كلما وُجِدَ في بيئات اجتماعية يسودها حوار فكري عام، والمجتمعات التي لا يكون التفكير فيها منفتحًا بصورة جريئة وواضحة على القضايا المطرُوحة فيها، لا تكون مؤهلة لاحتضان الفكر الفلسفي ونموه، هذا الفكر الذي لا يرتاح إلى الوثوقية والقطعية في صيغ التعبير عن الأفكار، وإلى المناخ المُشَبَّعِ بالعقائد الجماعية والأيديولوجيات على تنوعها واختلافها التي تَقْتات من ثقافة الإفحام والمساجلة. ومن المفيد في هذا السياق التمييز بين الحوار برؤيته وليدَ ثقافة يعترف فيها كل طَرْف من الأطراف المتحاورة، بأنه لا يمتلك كُل الحقيقة، وأن الحقيقة خُلاصة مشتركة ينتهي إليها الجميع، وبين السجال الفكري القائم على إفحام الآخر مُقدمة لإقصائه وشطبه من معادلة الشراكة في تكوين هذه الخلاصة. عبر الحوار تنكشف علامات التواصل والتأنس بين معقوليات العقل المختلفة، قل بين الثقافات المتنوعة، ويمتنع انزلاق الاختلاف إلى خلاف يذهب أطرافه إلى حد القطيعة المسكونة إن لم يكن بالعنف المباشر. فيما يوازيه ظلمًا وظلامية.
إن سيادةَ الفكر الوثوقي لا تنظر إلى الفلسفة، بالمعنى الذي تقدَّم، حاجة يجب الاجتهاد من أجل توفيرها، ذلك أن المُدجج بهذا الفكر يتوهم أنه يسلك طريق الإسهام في البحث عن حقيقة ما، لكنَّهُ يذهب مذهبًا معاكسًا، يسكن الحقيقة ذات واحدة هي أناهُ وأفكارٌ محددة ينتجها فكره، دون أن يقيم أي اعتبار للوجه الآخر من الحقيقة الذي قد يوجد عند غيره. الفلسفة لا تُلغي الفكر الآخرَ، بل تجتهد من أجل العبور إلى داخله، وسبر أغواره، تنقيبًا عن مساحة مُحايدة يتلاقى عندها المختلفان، يتأنسان في ظل هُوية العقل الكلية.
ب – حرية التفكير والتعبير
إذا كان الحوار شرطًا لقيام الفلسفة، فإن تحققهما مرهون بوجود قيمة جوهرية عُليا هي حرية التفكير والتعبير، ذلك أن الفلسفة بما هي فكرٌ حواري، لا يستقيم وجودها، ويَنْفلشُ إشعاعها، إذا ما اعتلى زمنها الاستبداد وأتى على دواعي انبثاق هذه الحرية. إنّ المقاربةَ النقدية الكاشفةُ عن المسكوت عنه في المسائل والمشكلات التي يطرحها المجتمع، تبقى من دون جدوى، وقاصرة عن بلوغ مقاصدها، مع غياب حرية التفكير التي يستطيع معها صاحب الرأي الجَهْر برأيه والإفصاح عن هواجسه وأفكاره، انطلاقًا من وعيه بأنه قيمة في ذاته، وبأن قيمته لا ترجع أو تُستمد من أي شيء آخر سوى ذاته.
عندما يصل الإنسان بعقله إلى معرفة ذاته ووعيه بأنه قيمة في ذاته، ويعترف بغيره في كونه آخر، يتمتع مثله بحق التفكير والتعبير والاختيار والفعل، يكون قد انسلك في مسار الفلسفة القائلة بوَحْدة العقل، النابذةِ لمنطق الاستبعاد، والضامنة لمبدأ الاعتراف بالآخرِ، اعتراف الإرادة الحُرة التي لها حقُ الاختلاف. إن النظرةَ المتقدمة للتحديث تقوم حقًا على الحرية بفهمها أصلًا من أصول هذه النظرة ورُكنًا من أركانها، وافتقادها يجعل التعايش مَمْسوكًا بالغلبة، مسكونًا بأسباب الحرب والاقتتال.
إن المجتمعات التي تفتقرُ إلى الحرية وإلى القيم التي تستبطنها، مجتمعات حرب، قد تتجلى في أن تكون حربًا أهلية أو صراعاتٍ بين المجتمع المدني والدولة، أو قد تُعَبِّرُ عن نفسها أيضًا في حالة خوف كامن تَسْكن المجتمع، لا تلبثُ أن تنفجر عند وقوع اللحظة المؤاتية. لذلك يذهب البعض إلى الاعتقاد أن فكر ما بعد الحداثة، ابتغى، فى تأكيده التنوع والاختلاف، الرهانَ على الحرية فى مداها الأقصى، فتكون هي المشترك الجامع بين جميع الناس مهما عَظُمَتْ عوامل تنوعهم وأسباب اختلافهم. والإعلاء من شأن الفردية يأتي فى سياق اعتبارها حرية معاندة للأنماط الحياتية المعقدة وللأنساق التكنولوجية المتمكنة من رقاب الناس، أفرادًا وجماعات، تتحكم بشروط حياتهم المادية والمعنوية، لكنّ الحريةَ بما هي قيمةٌ كليةٌ، تستقرُ في المحصلة النهائية عند مبدأ الحرص على كرامة الفرد كما على كرامة الإنسان في آن معًا. وتُلْزِمُ المتمتع بها بقدر عالٍ من الأمانة الفكرية والشجاعة الأدبية، وتُملي عليه حُسْنَ التدبُّرِ وتمحيص الرأي قبل إعلانه، درءًا لتبعات قد تشوِّهُ الحرية، وتحطُّ من كونها حقًا يُعَبِّرُ المرء بواسطته، عما هداه إليه تفكيره، برُوح جادة ومسؤولة.
-
الفلسفة والعيش معًا
قد يكون الإحساسُ بالحاجة إلى الفلسفة وليد الشعور بتراكم المعوقات التي تُهدد صيغة «العيش معًا» وهو مطلب الفلسفة وغايتها، يعزز هذا الشعور هَوْلُ الانهيارات التي تجتاح الواقع العربي عمومًا وما تلقاه هذه المجتمعات من تفكُّكِ وانحلال، من تباعد وفرقة، من تحول الاختلاف في الدين والمذهب والإيديولوجيا إلى خلاف عبَّر عن نفسه بهذا الكمِّ الهائل من العنف والدمار والموت. يبدو هذا الواقع في آلامه وجراحه، تعبيرًا قاسيًا عن تَشَيُّعِ شعوب هذه المجتمعات وقادتها بثقافة التعايش بالاعتصاب والمغالبة.
إن استذكار ابن خلدون في هذا الباب يبدو في محله، يَرِدُ في المقدمة ما معناه: العنف هو أمرٌ طبيعيٌّ بين البشر، بل هو المحددُ للعيش معًا، إذا لم يتدخل العامل السياسي المعبر عنه بالوازع، فأصل الحرب عصبية بعض البشر في مقابل عصبية أخرى، ما يعني أن الحرب تحمل مع ما تحمل، بُعْدًا اجتماعيًا كونها تعبيرًا عن الاجتماع البشري وأنماط العيش فيه المُصاغة بين حَدَّي التعاضد أو التغالب، بل التواصلُ أو التفاصلُ، لكنها تبقى أقرب إلى اجتماعية البدو، لأنّ البدوَ كما يرى ابن خلدون: (قائمون بالمدافعة عن أنفسهم، لا يكلونها إلى سواهم… فهم دائما يحملون السلاح… وقد صار لهم البأس خلقًا والشجاعة سجية، يرجعون إليها متى دعاهم داعٍ…).
غير أنّ الحربَ لا تعني دائمًا وفي أصلها العنفَ المُقنن والهادف إلى غايات ومقاصدَ سياسية، بل تعني الفوضى بكل ما تنطوي عليه من همجية ووحشية، تتجليان في طبائع البشر عندما يتبادلون الظلم والعداوة والتقاتل الحافل بالحقد والكراهية.
العيشُ معًا، تحت سلطة الفوضى، يلازمه عنفٌ ظاهر، وفي ظل «الوازع» و«حكمة القهر» يرافقه عنفٌ مكبوت، لذلك دأبت الفلسفة الأخلاقية على التفكير في مبدأ العدالة la justice بفهمها فضيلةً متقدمة على غيرها من الفضائل (الاعتدال/في الأهواء والشهوات temperance la // الشجاعة le courage / / الحكمة la Sagesse ) يتحققُ مع حلولها نوعٌ من التوازن équilibre بين البشر قُل بين أضداد الحياة، كأنه إيقاعٌ موسيقي سليمُ النظمِ، يُخرج الأنغام على أحسن ما يكون من التناغم harmonie والانسجام والتآلف.
هذا التصور لـ «العيش معًا»، يجدُ معناه في مفهوم التآنس، أو في «التعقل الإنسي» بتعبير الفارابي، والإنس في «لسان العرب» جماعة الناس، والجمع أناس وهم الأَنَس، والأَنس خلاف الوحشة، وهو مصدرُ قولكَ أَنست به أَنَسًا وأَنسَةً، كذلك الأُنسُ والاستئناس هو التأنُّسُ، كذلك أنسْتُ بفلان، فرِحتُ به، وأنسَ الشيء: عَلِمَه وأَبْصَرَه وسَمِعَهُ أي أحسَّهُ، واستأنَسَ: استعلَم واستأذَن. واضحٌ أنّ دلالة المادة تفيدُ الجمع والتآلف والفرح والإحساس والعلم والتعقل، وهي بمجملها تخصُّ الاجتماع البشري، وخلاصتها لذة العلاقة بين الناس، المبنية على التحابب والفرح.
-
الإِنْسُ المحبة الصداقة
يربط مسكويه بين الإنس والمحبة ( بمعناها الإغريقي/Philia). محبةُ الآخرِ لذاته وليس لما يُمكن أنْ نستفيدَهُ من هذه المحبة، ذلك أنّ العيشَ معًا ضرورةٌ إنسانية لأنّ (الحاجةَ صادقةٌ والضرورةَ داعيةٌ إلى حالة تجمع أشتات الأشخاص، ليصيروا بالاتفاق والائتلاف كالشخص الواحد الذي تجتمع أعضاؤه كُلها على الفعل الواحد النافع له). وعليه، لا يكون العيش معًا مُمكنًا إلا بالاتفاق والائتلاف أي بالمحبة. وهي عندهُ على أنواع، وأسبابها بعددِ أنواعها. منها ما يَنْعَقِدُ سريعًا وينحلُّ سريعًا وسببه اللذة، والثاني ما ينعقد سريعًا وينحلُّ بطيئًا وسببه الخير، والثالث ما ينعقد بطيئًا وينحلُّ سريعا وسببه النفع، والرابع ما ينعقد بطيئا وينحلُّ بطيئًا وسببه الجمع بين الأسباب المذكورة.
تبدو الصداقة أنموذجًا للمحبة، يُمكن التوقف عنده، إنها محبة دون إفراطٍ، (فالسعيد من اكتسب الأصدقاء واجتهد في بذل الخيرات لهم، ليكتسب بهم ما لا يقدر أن يكتسبه بذاته. فيلتذُّ بهم أيام حياته، ويلتذُّون به أيضًا). إنها صيغة متفردة من صيغ التأنس، تجمع بين التآلف واللذة والتوق إلى المعرفة، تبتغي خيرَ الإنسان وسعادته، وهنا من المفيد الإشارة إلى رسالة (الصداقة والصديق) لأبي حيان التوحيدي: يرى فيها معنًى لطيفًا من معاني الأُنس، يقول: إن لم يكنْ جمعنا -أسعدك الله- تلاق يأنس فيه بعضنا ببعض، وتتصل به أسباب البرِّ بيننا في القُرْب والبعد، فكفى بالمشاكلة (الموافقة) مؤانسة وبالمشاكَهَةِ (المشابهة) مواصلة تثبت علائق الثقة وتدفع عوارض الحشمة وتُزين استعمال الدالة.
لكنْ، كيف تتموضع الفئات الاجتماعية أمام هذا المفهوم للصداقة؟
يحرص أبو حيان على التمييز في هذا المقام، بين أهل المُلْك والسلطان، وأهل التجارة، وأهل الدين، وأهل العلم: (فأما الملوك فقد خلوا عن الصداقة، لذلك لا تصحُّ لهم أحكامها… وإنما أمورهم جارية على القُدرة والقهر والهوى المُحبب للنفس… وأما التجار فكسبُ الدوانق سَدَّ بينهم وبين كل مروءة… وأما أصحاب الدين والورع، فعلى قلتهم فربما خلصت لهم الصداقة، لبنائهم إياها على التقوى… وأما الكتاب وأهل العلم، فإنهم إذا خلوا عن التنافس والتحاسد والتماري والتماحك، فربما صحَّت لهم الصداقة وظهر منهم الوفاء».
حاجتنا إلى الفلسفة هي حاجةٌ دائمة للتفكير في الشروط العقلية والرُوحية الضرورية للعيش معًا في كَنَفِ سعادة أساسها الأنس والمحبة، قل التآنس، وهو مفهوم يَلقى صداه في مفاهيم مثل الاتفاق أو التواصل أو التآزر أو التحافز أو الضيافة… جميعها تصوراتٌ تتقاطع عند الانهمام بمعالجة واقع التردي الذي تعيشه شعوب كثيرة في العالم، لعلَّ أقربها إلينا، شعوب هذه المنطقة المُبتلية بكل أصناف القهر والاستبداد وفوضى الإلغاء والتهميش والقتل.
أختم بالقول
لا تدَّعي الفلسفة ببعدها التآنسي تنقية الحياة وتنظيفها من الأشواك، ودفع كل أسباب المشاق السياسية والاقتصادية والاجتماعية عن كاهل الناس، مرة واحدة بوصفة عجيبة، لكنّها، في ضوء ما تختزنه من ثراء معرفي ومقاصد إنسانية جامعة، تستطيع الحث على إمعان النظر و التفكير في إمكاني تخليق الحياة المشتركة، عن طريق إحياء الشعور الإنساني الكوني الجامع، وتعزيزه تحت نظر العقل بوصفه أداة تواصل محايدة وناجعة، وذلك ابتغاء التخفيف من حِدَّةِ العنف، والتقليل من مكامن المكر والخبث والآفات القبيحة على اختلاف مذاهبها ومجاري سريانها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لائحة المصادر والمراجع
أبي حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003
المستصفى في علم الأصول، دار الكتب العلمية، بيروت، 2002
ابن رشد، تهافت التهافت دار الكتب العلمية، بيروت، 2003
ابن خلدون المقدمة، دار العلم للجميع، بيروت، د.ت.
محمد وقيدي جرأة الموقف الفلسفي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1999
مسکویه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، دار مكتبة الحياة، بيروت، ط2، د.ت.
محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية، دار الساقي، بيروت، 2001
– محمد عابد الجابري بِنية العقل العربي…. مركز دراسات الوَحْدة العربية، بيروت، 1986
Aristote, éthique à nicomaque, flammarion, 1965-
عبد الوهاب المسيري، فتحي التريكي الحداثة وما بعد الحداثة، دار الفكر المعاصر، بيروت، 2003