تكوين

قد يبدو العلمُ، في صورته الشّائعة، معقل العقل الخوارزميّ الحصين؛ فهو مملكةُ الحساب والمعادلات، حيث لا يُعترَف إلّا بما يُقاس ويُجرَّب ويُكرَّر، ولا قيمة لما لا يقبل الحساب. وقد ترسّخت هذه الصّورة حتّى أوشكت أن تصير بداهةً لا تُناقَش: العلوم الحقّة هي التي تَحسب، أمّا العلومُ التي لا تَحسب فلم تصر حقّةً بعد. غير أنّ من يُدقّق النّظر فيما يفعله العلمُ حين يُلامس حدوده الأبعد، يكتشف مفارقةً لا تكاد تخطر على بال: أنّ أضخم العلوم، أكثرها دقّة، وأبهظَها كلفةً، علوم الكونيّات، تنفق المليارات لمواجهة أسئلة تتخطّى كلّ الحسابات، ولا تُفضي الإجابة إلى نتيجةٍ يُنتفَع بها بالضرورة، كما لا تُترجَم إلى وصفةٍ بخطوات محدّدة. إنّها أسئلة تتعلّق بالمعنى، والغاية، والقيمة، وقصّة الكون والكينونة، رغم أنّها تتنكّر في لبوس البحث العلميّ.

سبق أن تخيّل لابلاس مطلع القرن التاسع عشر عقلًا يعرف، في لحظة واحدة، مواقع كلّ ذرّات الكون وحركاتها، ويملك من القوّة التحليليّة ما يردّ به كلّ شيء إلى معادلة؛ عند ذلك العقل لا ماضٍ مجهول ولا مستقبل مفاجئ. وهذا ما سمّاه الفلاسفة لاحقًا «شيطان لابلاس»، وهو الحلم الذي بلغت الخوارزميّة ذروته اليوم.

كونٌ بلا أسرار، مختزَل بأكمله في معادلة شاملة: هذا هو الحلم الخوارزميّ في أنصع صوره. غير أنّ القرن العشرين زعزعه من أساسه؛ إذ علّمتنا فيزياء الكمّ أنّ في صميم المادّة انعدام يقين لا يُمحى، وأنّ أبسط الحركات قد تفلت من كلّ تنبّؤ. بيد أنّ الدرس الأعمق لم يكن فيما عجز العلم عن حسابه، بل فيما أصرّ على سؤاله رغم أنّه يعلم أنّه لا يُحسب ولا يُنتج منفعة.

ولم يكن الحلمُ الخوارزميّ حكرًا على الفيزياء. فقد بشّر أوغست كونت، مؤسّس الفلسفة الوضعيّة، بأنّ الإنسانيّة تتجاوز «المرحلة الميتافيزيقيّة» إلى «المرحلة الوضعيّة»، حيث يَحلّ العلمُ القائم على الوقائع والقوانين محلَّ كلّ تأمّلٍ في الغايات والمعاني، فتُطوى أسئلةُ «لماذا» العظمى بوصفها مجرّد أسئلة صبيانيّة تجاوزها العقلُ النّاضج.

إلّا أنّ العلم، حين بلغ أوجَ نضجه، لم يُلغِ أسئلة المعنى، بل أعادها من النّافذة بعد أن كان قد طردها من الباب. فالكونيّاتُ المعاصرة تلامس اليوم أسئلة الوجود والعدم، والوحدة والمصير، والمادة والفراغ. وفيزياءُ الجُسيمات تلامس أسئلة الأصل، والأكوان الموازية، والبدء والفناء. وكأنّ الميتافيزيقا، التي ظنّ الوضعيّون أنّهم دفنوها، كانت تنتظرهم عند نهاية كل الحسابات.

خُذ ثلاثةً من أبعد أسئلة العلم المعاصر مدًى، وأشدّها جلبًا للجهد والمال:

  • ما مصيرُ الكون بعد ملايين السّنين؟
  • وما الذي كان قبل الانفجار العظيم؟
  • وهل نحن وحدنا في هذا الكون الفسيح؟

ثلاثةُ أسئلة لا يُرتجى من ورائها ربحٌ واضح، ولا تَعِد بمنفعةٍ عاجلة، ولا تدخل في حساب أيّ سوقٍ أو ميزان. ومع ذلك، تتسابق إليها أعرقُ المؤسّسات العلميّة، وتُرصَد لها أضخمُ الميزانيّات، ويُفني في خدمتها العلماءُ أعمارَهم. فما الذي يجري هنا؟ ولماذا يختار كائن، يُقال إنّه يحسب كلّ شيءٍ بمنطق الكلفة والعائد، أن يُنفق هذه الثروات على ما ليس مضمونًا في كلّ الحسابات؟

أوّلًا، مصيرُ الكون – علمٌ عن زمن لن نشهده:

حين يسأل علماءُ الكونيّات عن مصير الكون، فإنّهم لا يسألون عن غدٍ قريب، بل عن آمادٍ يَدوخ أمامها الخيال. تقول النّماذج إنّ شمسنا ستنطفئ بعد نحو خمس مليارات سنة، وإنّ النّجوم ستكفّ تدريجيًّا عن التّكوّن، وإنّ الكون قد يمضي إلى «موت حراريّ» تتساوى فيه الحرارة وتخمد كلّ حركة، أو إلى «تجمّدٍ أعظم» تتباعد فيه المجرّات حتّى تنطفئ في ظلام سرمديّ، أو إلى «انسحاقٍ أعظم» يرتدّ فيه التمدّد إلى انكماش، أو إلى «تمزّق أعظم» تتفكّك فيه الذّرّاتُ نفسها. وهي أحداثٌ مقدّرةٌ بعد ما يفوق الحصر من السّنين، زمن قد لا يبقى فيه للإنسان من أثر. ومع ذلك، يُرصد لهذه الأسئلة من العقول والأموال ما يُذهل: فتلسكوب «جيمس ويب» الفضائيّ، الذي ناهزت كلفتُه على وكالة «ناسا» عشرة مليارات دولار، صُمّم في جانب منه ليقرأ ماضي الكون السّحيق، ويُعين على فهم نشأته ومصيره. فما الذي يدفع كائنًا فانيًا إلى أن يُنفق عشرة مليارات ليعرف بداية الكون ونهايته؟ ليس الحسابُ، ولا المنفعة، بل هناك حاجةٌ أعمق، حاجة ضاربة بجذورها في غريزة الفهم، وفي أعماق الذكاء البشري: أن نفهم معنى هذا كلّه. أن نعرف القصّة التي نحن جزء منها، حتى وإن غبنا عن فصولها الأولى وسنغيب عن فصولها الأخيرة.

إقرأ أيضًا: الفلسفة في العالَم العربي: من الدَّرس الأكاديمي إلى أنماط العيش

ثمّة في هذا السّؤال مفارقةٌ تخصّ الإنسان وحده: فهو الكائنُ الوحيد الذي يعلم أنّه سيموت، ومع ذلك يجد في نفسه فسحةً ليقلق على موت الكون بأسره. إنّ هذا الكائن، الذي لا يتجاوز عمرُه بضعة عقود، يرفع بصره إلى آمادٍ تُقاس بالبلايين، فيتضامن، في خياله، مع مصير النّجوم والمجرّات. وليس هذا التّضامنُ مع الكون حسابًا، بل هو أرقى ما في الذكاء البشريّ من اتّساع. وهذا الاتّساع لا يحتاج إلى زرع شريحةٍ في الدماغ ولا إلى تعزيزٍ تقنيّ؛ فالشريحة قد تكون معجزةً حين تُستعمل للعلاج، أمّا التضامن مع مصير الكون فهبةٌ أصيلة في الذكاء الحيّ لا تُضاف إليه من الخارج.

ثانيًا، ما قبل البداية – سؤالٌ عند حافّة الممكن:

وأمّا سؤالُ «ما قبل الانفجار العظيم»، فيقف بنا عند حافّة الممكن نفسه. فالفيزياء تُخبرنا أنّ الزّمان والمكان أنفسهما قد يكونان وُلِدا مع الانفجار العظيم، فيصير السّؤال عمّا «قبله» أشبه بالسّؤال عمّا يقع شمال القطب الشّماليّ. ومع ذلك، لم يكفّ العلماء عن المحاولة. فمنهم من افترض «تضخّمًا» كونيًّا سبق الانفجار، ومنهم من تخيّل أكوانًا متعاقبةً تنبثق وتنطوي في دوراتٍ لا تنتهي، ومنهم من ذهب إلى أنّ للزّمن بدايةً «بلا حدود». وفي مصادم الهادرونات الكبير، التابع للمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية، الذي ناهزت كلفةُ برنامجه عدّة مليارات من الدّولارات، تُحطِّم الجُسيماتُ بعضَها ببعضٍ لتُحاكي الشّروط التي سادت بعد الانفجار العظيم بأجزاء من الثّانية.

غير أنّ السّؤال عمّا سبق البداية يظلّ معلّقًا عند تخوم الميتافيزيقا. إنّه، في جوهره، صياغةٌ فيزيائيّةٌ لسؤال لايبنتس القديم: «لماذا يُوجَد شيءٌ بدلاً من ألّا يكون هناك شيءٌ على الإطلاق؟». والعقلُ الحاسب بارعٌ في أن يستنتج ما يترتّب على شروطٍ أوّليّةٍ معطاة، لكنّه يقف عاجزًا أمام سؤال أصل الشّروط نفسها. فهو يحسب ما بعد البداية، ولا يملك أن يسأل عن البداية إلّا بوصفه إنسانًا يندهش، لا بوصفه آلةً تحسب.

ثالثًا، هل نحن وحدنا؟ الإنصاتُ إلى صمت الكون:

ويبقى السّؤالُ الأكثر إيلامًا للوجدان: هل نحن وحدنا؟ منذ أن صاغ الفلكيّ فرانك دريك معادلتَه الشّهيرة سنة 1961 لتقدير عدد الحضارات الممكنة في مجرّتنا، ومنذ أن طرح الفيزيائيّ إنريكو فيرمي مفارقتَه المحيّرة: «إن كان الكونُ مكتظًّا بالحضارات، فأين هم جميعًا؟»، والإنسانُ يُنصت إلى السّماء عساه يسمع جوابًا. وقد بلغ هذا الإنصاتُ ذروته حين أعلن الملياردير يوري ميلنر، بصحبة العالم ستيفن هوكينغ، سنة 2015، عن مبادرة «الإصغاء الخارق» (Breakthrough Listen)، ورُصد لها مئة مليون دولار على مدى عشر سنوات، لمسح المليون نجمٍ الأقربِ إلينا، والمئةِ مجرّةٍ الأقربِ، بحثًا عن إشارةٍ واحدة تقول: لستم وحدكم. عشرُ سنواتٍ من الإنصات إلى صمتٍ قد لا يُجيب أبدًا، ومئةُ مليون دولارٍ تُنفق على احتمال لا يضمنه أحد. وليس هذا حسابًا تُرتجى منه نتيجة محدّدة، بل سؤالٌ وجوديّ مفتوح يمسّ قلق المعنى. فجوابُه يُعيد رسم معنى وجودنا، لا حجم منفعتنا. إن قيل «نعم»، صِرنا فجأةً جيرانًا في كونٍ مأهول، فنسائل قيمتنا وكل سردياتنا. وإن قيل «لا»، صار صمتُنا في هذا الاتّساع الرّهيب أثقل وأشدّ مدعاةً للتّأمّل. ولعلّ باسكال قد لخّص رهبة هذا الإصغاء قبل قرون حين كتب: «صمتُ هذه الفضاءات اللامتناهية يُرعبني».

إقرأ أيضًا: مشكلات الفلسفة: مفهوم العقل

كلّ جواب محتمل يفتح هاويةً جديدة. فإمّا أنّ الحياة الذّكيّة نادرةٌ إلى حدّ المعجزة، فنكون نحن استثناءً ثمينًا تقع على عاتقه مسؤوليّةُ حفظ الوعي في الكون، وإمّا أنّ الحضارات تنشأ كثيرًا ثمّ تُدمّر نفسها قبل أن تَعبُر النّجوم، فيكون في صمت السّماء إنذارٌ لنا نحن بدورنا، وإمّا أنّها هناك ولكنّنا أعجزُ أو أبعدُ من أن نسمعها. وأيًّا يكن الجواب، فإنّه لا يزيدنا ثروةً ولا سلطانًا، لكنّه يَهُزّ من الأعماق صورتَنا عن أنفسنا وعن مكاننا في الوجود. وهذه هي علامةُ سؤال المعنى: عائده الحسابي غير مضمون، لكنّ أثره في وعي الإنسان لا يُقدَّر بأي ثمن.

من «كيف» إلى «لماذا»:

تشترك هذه الأسئلة الثّلاثة في سمة واحدة حاسمة: إنّها لا تُفضي إلى نتيجة يُمكن تخزينها، أو يمكن تحسينها، أو يمكن نقلها أو بيعها. كما أنها تقع على هامش العقل الخوارزميّ الذي لا يعرف إلّا أن يسأل: «كيف أبلُغ النّتيجة المطلوبة سلفًا؟». فهنا لا توجد نتيجةٌ مطلوبةٌ سلفًا، ولا غايةٌ محسوبةٌ يُمكن بلوغها. إنّها أسئلةُ تدور حول «لماذا» و«ما المعنى»، لا أسئلةُ تدور حول «كيف» و«بكم». وهي بذلك النحو تنتمي إلى ما يُفلت من هندسة الخطوات. وقد أدرك فتغنشتاين هذا الحدّ بدقّة حين كتب في «الرّسالة المنطقيّة الفلسفيّة»: «نشعر أنّه حتّى لو أُجيب عن جميع الأسئلة العلميّة الممكنة، فإنّ مشكلات حياتنا لا تكون قد عولجت بعدُ البتّة». فثمّة، فوق كلّ ما يُحسب، فائضٌ من المعنى لا تبلغه الحسابات، وهو الفائض الذي يجعل من الكائن البشريّ كائنًا يسأل ويتساءل بلا حدود، لا مجرّد آلةٍ تُجيب.

ولعلّ أصدق شاهدٍ على ذلك هو الميزانيّاتُ نفسها؛ فهي، إذا تأمّلناها، تُشبه الاعتراف. ذلك أنّ نوعًا بشريًّا يحسب كلّ شيءٍ بمنطق الكلفة والعائد، ولا يتحرّك إلّا حيث يلوح الرّبح، ما كان ليرصد عشرة مليارات لتلسكوب يكشف مصير كونٍ لن يسكنه، ولا أن يُنصت عشر سنين إلى صمتٍ قد لا يُجيب. فإنفاقُنا على هذه الأسئلة، رغم انعدام مردودها المحسوب، هو البرهان الصّامت على أنّ الإنسان ليس في عمقه آلةَ تحسينٍ للمكاسب، بل كائنُ معنًى يبحث عن مكانه في الوجود. إنّه الدّليلُ على أنّ الدّهشة، تلك التي جعلها أفلاطون وأرسطو منبع الفلسفة الأوّل حين قالا إنّ النّاس «بالدّهشة بدأوا، ولا يزالون، يتفلسفون»، هي نفسُها منبعُ أعظم العلوم. فالعلمُ في قمّته ليس إلّا دهشةً تسلّحت بالأدوات. ولعلّ هذا ما أراد كارل ساغان أن يوقظه فينا حين نظر إلى صورة الأرض من أقاصي المجموعة الشّمسيّة، فرآها «نقطةً زرقاء باهتة»، حبّةَ غبارٍ معلّقةً في شعاع شمس. فكان ذلك المشهدُ العلميّ، في حقيقته، درسًا في المعنى والتّواضع، لا في الحساب.

إقرأ أيضًا: لعنة وجدْتُّها عندما تفقد المعرفة معنى الفلسفة

وفي هذا ما يُعيد إلينا قيمةً كادت تندثر في زمن المردوديّة: قيمة الفضول الخالص. ففي سنة 1939 كتب أبراهام فلكسنر مقالةً لافتةً بعنوان «منفعةُ المعرفة عديمة المنفعة»، بيّن فيها أنّ أعظم الثّورات التّطبيقيّة وُلدت من أبحاثٍ لم يكن أصحابُها يبتغون منها نفعًا، بل يُحرّكهم فضولٌ خالص. ويُروى أنّ هاينريش هرتز، حين اكتشف الموجات الكهرومغناطيسيّة، لم يرَ لها أيّ فائدة على الإطلاق، ثمّ صارت تلك الموجاتُ أساس الرّاديو والاتّصالات كلّها. ويُنسب إلى فاراداي، حين سُئل عن جدوى اكتشافه، أنّه ردّ بسؤال: «وما جدوى وليدٍ حديث الولادة؟». والمغزى أنّ الفضول قد لا يؤتي ثمارًا نافعةً على الفور، بل المغزى أنّ في الإنسان نزوعًا إلى المعرفة لذاتها، لا لعائدها، وأنّ هذا النّزوع هو بعينه ما يميّز الذّكاء الذي يعيش عن ذكاء الآلة. فالآلةَ بطبعها لا تعيش الأسئلة التي تقترح الإجابة عنها، لا تعيش المشكلات التي تقترح حلها، لا تعيش ما تنجزه من قراءة وشرح وتلخيص؛ وذلك لأنها لا تعيش.

بل في الفضول مقاومة صامتة لمنطق العصر. فبينما يدفع اقتصادُ الانتباه كلَّ شيءٍ نحو السّرعة والرّبح الفوريّ والنّتيجة القابلة للتّسويق، تقف العلومُ اليوم على النّقيض تمامًا: إنّها بطيئةٌ، صبورةٌ، لا تَعِد بعائدٍ ربحيّ، وقد يستغرق سؤالٌ واحدٌ منها أجيالًا قبل أن يلوح له جواب. وهي بهذا المعنى تربيةٌ على ما يحتاجه الذّكاءُ البشريّ: الصّبر على السّؤال، وتحمُّل انعدام اليقين، وقبول العيش مع جوابٍ مؤجّل. ولعلّ أنبل ما في العلوم أنّها تذكّرنا، في زمن العجلة، بأنّ بعض الأسئلة تستحقّ أن نحملها طوال العمر، لا أن نطلب لها جوابًا جاهزًا بنقرة إصبع.

حين يقول العالِمُ إنّ الكون بلا معنى:

وقد يعنّ الاحتجاج بكلمة الفيزيائيّ الشّهير ستيفن واينبرغ: «كلّما بدا الكونُ أكثر قابليّةً للفهم، بدا خاليًا من المعنى». ولكنّ في هذه العبارة نفسها ما يهدمها: فالحكم بأنّ الكون «بلا معنى» ليس حكمًا فيزيائيًّا تُصدره معادلة، بل حكمُ قيمةٍ يُصدره إنسانٌ كان ينتظر من الكون معنًى فلم يجده. لا تقول لنا المعادلات إنّ الحياة عبثٌ أو إنّها ذاتُ معنًى. إنها صامتةٌ تمامًا في هذا الباب. ومن ثمّ، فإنّ الإحساس بالعبث، كالإحساس بالمعنى، ينبع من ذاتٍ تسأل، لا من آلة تُجيب. وهذا، في حدّ ذاته، أبلغُ دليلٍ على أنّ سؤال المعنى يقع خارج العلم بوصفه حسابًا، حتّى حين ينطق به العلماء. فالعالِمُ حين يحزن لخلوّ الكون من المعنى، إنّما يفعل ذلك بوصفه إنسانًا، لا بوصفه جهاز قياس.

العقلُ الحاسب خادمٌ لا سيّد:

لا يعني هذا أنّ الخوارزميّات غريبةٌ عن هذه العلوم، بل العكس، فهي اليوم لا غنى عنها. إذ تُعالج الخوارزميّاتُ كمًّا هائلًا من بيانات «جيمس ويب» يتعذّر على البشر وحدهم استيعابُه، وتُنقّي ضجيج الإشارات الرّاديويّة بحثًا عن نظامٍ خفيّ، وتُحاكي تطوّر الكون من لحظته الأولى. لكنّ النّقطة الجوهريّة هي أنّ الخوارزميّة، في كلّ ذلك، تخدم سؤالًا لم تكن لتطرحه قطّ. فما من خوارزميّة تستيقظ ذات صباح وهي تتساءل إن كنّا وحدنا في الكون، ولا من آلةٍ يحزنها الموتُ الحراريّ لكونٍ هائل. الآلةُ تُتيح البحث، لكنّها لا تقلق لأجل الجواب. إنّها تمسح السّماء طولًا وعرضًا، لكنّها لا تندهش لاتّساعها. الأداةُ تحسب، والإنسانُ يندهش. فالخوارزميّة تُوسّع مدى أبصارنا، لكنّ سؤال المعنى يظلّ النّواةَ التي لا يمكن نقلها من الذّكاء الحي الذي هو ذكاء الحياة.

لماذا يحتاج العلمُ إلى الفلسفة؟

هنا يتبيّن وجود وظيفة أصيلة للفلسفة لا يُغني عنها أيُّ تقدّمٍ تقنيّ: حراسةُ الأسئلةِ التي يطرحها العلمُ من وراء معادلاته، وتذكيره بأنّ محركه الأعمق ليس الحساب بل الدّهشة، وليس المنفعة بل المعنى. فالعلمُ حين ينسى أفقه، ويظنّ نفسه مجرّد خوارزميّة كبرى لفرز النّتائج، يفقد روحه ويتحوّل إلى تقنيّة عمياء بلا بوصلة. وحين تُذكّره الفلسفة بأصله، فهي لا تنتقص منه، بل العكس تمامًا، إنها تردّه إلى نُبله الأوّل: أن يكون مغامرةَ كائنٍ يريد أن يفهم موقعه في هذا الكون الفسيح. لذلك، ليست مصادفةً أنّ كبار العلماء، من أينشتاين إلى هايزنبرغ، كانوا في الوقت نفسه من كبار المتأمّلين في معنى ما يفعلون. فالعلمُ والفلسفة يلتقيان عند أسئلة المعنى: ما حكاية هذا الكون التي نحن جزء منها؟ ما البداية؟ ما النهاية؟ وما معنى هذا كله؟

إقرأ أيضًا: حاجتنا اليوم إلى الفلسفة: ضمير الجماعة وما بعده

رُبّ سائل يسأل: أليس العلمُ النظري نفسه نافعًا للناس؟ ألم تولد الشّبكة العنكبوتيّة (الويب) في أروقة المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية؟ ألم تُثمر أبحاثُ الفضاء تقنيّاتٍ غيّرت حياتنا اليوميّة؟ والجواب: بلى، وهذا مما لا يمكن إنكاره. غير أنّ هذه الثّمار التّقنيّة وليدةٌ عَرضيّة، لا غايةٌ مقصودة. فما بَنى أحدٌ تلسكوبًا بعشرة مليارات لبلوغ نتيجة محددة، بل ستكون أي نتيجة نافعة مجرّد هديّةٍ جانبيّةٍ لرحلةٍ محرّكُها الحقيقيّ هو سؤال المعنى. لكن، أن نختزل هذه العلوم في عوائدها التّقنيّة فهذا هو الوهمُ الخوارزميّ بعينه، الذي يُمجد الأثر القابل للحساب ويهمل المعنى الذي هو المحرك الأول.

بهذا النحو، ليس متوقعًا أن يزهد العلم في أسئلته الكبرى حتى أمام إغراء الخوارزميات، بل المتوقّع أن يصونها أكثر لئلا يبتلعها منطق السّوق. فحين يُطلب من كلّ بحثٍ أن يُبرّر نفسه بعائدٍ سريع، تُخنق تلك الأسئلةُ التي لا عائد لها سوى المعنى. مع أنها المحرك الأول للحضارة البشرية. ومجتمعٌ يكفّ عن تمويل دهشته، ويقيس كلّ معرفة بمردودها السريع، المضمون، والمباشر، هو مجتمعٌ يتخلى عن أرقى ما يميّز ذكاء الإنسان.

مجمل القول، إنّ العلم نفسه، حين يبلغ ذروته، يكفّ عن أن يكون خوارزميّة، ويعود إلى أصله الأوّل، من حيث هو دهشةُ كائنٍ صغيرٍ في كونٍ هائل، يسأل لا ليربح أكثر بل ليفهم أكثر، ولا ليُنجز أفضل بل ليعيش أفضل، وهو يريد أن يعرف أين هو من هذه الحكاية كلها. إنّ الخوارزميّة قد تحسب عمر الكون، لكنّها لا تندهش له، وقد تمسح ملايين النّجوم، لكنّها لا تشعر بوحشة السّؤال: هل من أحدٍ هناك؟ هذه هي الآفاق التي تتجاوز العقلُ الحاسب مهما اتّسعت جداوله.

حيث ينتهي ما يُحسب، يبدأ ما يُعاش. وهذا هو الميدانُ الذي يبقى فيه الذّكاءُ البشريّ سيّدًا لا يمكن استبداله. ولعلّ كانط قد أوجز ذلك كلّه حين قال إنّ شيئين يملآن نفسي إعجابًا وإجلالًا، كلّما أطلتُ التّأمّل فيهما: «السّماءُ المرصّعة بالنّجوم فوقي، والقانونُ الأخلاقيّ في داخلي».

أمّا النّجوم فقد نحصيها ونقيس مسافاتها. لكن المعنى الذي تُثيره فينا، لا يُحسب، ولا يُقاس، ولا يُختزل في أي نوع من المعادلات.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete