حرية الاعتقاد بين آيات الحرية وآيات القتال في القرآن الكريم.. الجزء الرابع

 تكوين

قراءة في مشروع الشيخ عبد المتعال الصعيدي الفكري

الإشكالية الأكبر التي ناقشتها مدرسة الإصلاح والتجديد الأزهرية متمثلة في الشيخ الصعيدي، وتختلف فيها مع الشيخ عيسى منون سنة 1956، تمسكُ الشيخ الصعيدي ومدرسته بأنّ حكم آيات حرية الاعتقاد والرأي لم يُلغ (يُنسخ) بينما يتمسّك الشيخ منون ومدرسته بأنّ آيات حرية الاعتقاد ألغى حكمَها آياتُ القرآن الكريم التي تأمر بالقتال، “فعندهم حكم المرتد في الإسلام القتل بالإجماع”، وهذا ما يرى الصعيدي أنه مغالطة، فليس هناك حكما شرعيا واحدا في القضية، وإنما هناك آراء/ اجتهادات متعددة متباينة في هذه القضية، فإنكار تعدد الآراء في القضية مغالطة متكررة قديما وحديثا ممن يتصدرون الخطاب الديني.

وهذا ما يُعقب عليه الصعيدي بقوله:

“الشيخ منون لم يذكر غير هذا الحكم في المرتد؛ لأنه هو الحكم المشهور فيه عنده وعند أمثاله من علماء الأزهر؛ ولأنه هو الحكم الذي يقرؤونه في الكتب الأزهرية، وهو الحكم الذي ذهب إليه الأئمة الأربعة الذين لا يقرؤون غير مذاهبهم، فلا قيمة لمذهب غيرهم عندهم، وإن كان مذهب غير الأئمة هو المناسب لروح الشريعة الإسلامية؛ فهم لا يُراعون رُوح الشريعة (جوهرها) عند اختيار الحكم، ولا يرون إلا أن يجمدوا على المعروف لهم”.

فرُوح الشريعة حماية الفطرة الإنسانية من تغول السلطة أو المجتمع، وحريّة الاختيار هي جزء من الحالة الفطرية للإنسان، فآيات الحرية تُمثّل طبيعة الإسلام الدائمة، جوهره وإحدى مبادئها القرآنية العليا، وفي مقدمتها آية حرية الاعتقاد “لا إكراه في الدين” مؤكداً أنها باقية لم يزل حكمها بآيات القتال، والإسلام من القوة بحيث لا يُهدده قولُ الداعين إلى حرية الاعتقاد.

نفى الشيخ الصعيدي وقوع إجماع من المسلمين على قتل المرتد، مستدلا ابن حزم: “كل من صح عنه أنه كان مسلمًا متبرئًا من كل دين حاشا دين الإسلام، ثم ثبت عنه أنه ارتد عن دين الإسلام وخرج إلى دين كتابي أو غير كتابي أو إلى غير دين؛ فإن الناس اختلفوا في حكمه، فقالت طائفة: لا يستتاب، وقالت طائفة: يستتاب، وفرّقت طائفة بين من أسَرّ ردته وبين من أعلنها. وافترقت طائفة بين من وُلِد في الإسلام ثم ارتد وبين من أسلم بعد كفره ثم ارتد.. فأما من قال: لا يستتاب فانقسموا قسمين؛ فقالت طائفة: يقتل المرتد تاب أو لم يتب، راجع الإسلام أو لم يراجع. وقالت طائفة: إن بادرتنا توبته قُبلت منه توبته وسقط عنه القتل، وإن لم تظهر توبته أُنفذ عليه القتل. وأما من قال: يستتاب فإنهم انقسموا أقسامًا؛ طائفة قالت: نستتيبه مرة، فإن تاب وإلا قتلناه، وطائفة قالت: نستتيبه ثلاث مرات، فإن تاب وإلا قتلناه، وطائفة قالت: نستتيبه شهرًا، فإن تاب وإلا قتلناه. وطائفة قالت: نستتيبه ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتلناه. وطائفة قالت: نستتيبه مائة مرة، فإن تاب وإلا قتلناه. وطائفة قالت: يستتاب أبدًا، ولا يقتل..“ ([1])

في ضوء ما تقدم ينتهي الشيخ الصعيدي إلى أنّ “مرجع الحكم الشرعي إلى النّص أولا وآخرا؛ لأنه هو المعوّل عليه في الحكم وحده، ومع وجوده لا يُعوّل على إجماع وغيره، وإذا كانوا قد قالوا إنه لا قياس مع وجود النص، فإنه يجب أيضا أن يقال إنه لا إجماع مع وجود النص سواء بسواء؛ لأنه إذا لم يكن هناك معنى للاحتجاج بالقياس كدليل شرعي مع وجود النص على الحكم الشرعي الذي يُراد إثباته بالقياس، فإنه لا معنى أيضا للاحتجاج بالإجماع مع وجود النص على الحكم الذي يُراد إثباته بالإجماع، وحينئذ يجب ألا يعتد بالإجماع مع وجود النص كما لا يعتد بالقياس مع وجود النص، لنكون أمام النص وحده لا أمامه ومعه الإجماع”.

والنصوص الدينية لطبيعتها اللغوية يختلف المجتهدون في تحديد مدلولها، وسياقها، وكونها حقيقة أو مجاز غالبا، فلا يملك أحدٌ أن يقطع بمراد الله في كثير من النصوص اللغوية، فكيف يُمكن اشتراط الإجماع (الاتفاق بين المسلمين)؟!

فكما يقول شيخ الأزهر محمود شلتوت: “أن ثمّة اختلافات لابد أن تقع بين العلماء في أحاديث الأحكام، فما من آية حصل من دلالتها اختلاف بين العلماء، وفي موضوعها حديث أو أحاديث، إلا كانت هذه الأحاديث أيضا محل خلاف بينهم، وقلما نجد حديثا رفعت دلالته ما بين العلماء من خلاف في دلالة آية من القرآن. ولعل ذلك يرجع إلى اشتراك القرآن والسنة في الأسلوبية العربية، وهي واحدة فيهما، كما يرجع إلى أسباب أخرى تتعلق بثبوت الحديث، وعدم ثبوته، وقوته“. ([2])

اختار الصعيدي الرأي القائل بأنّ المرتد يُستتاب أبداً ولا يُقتل، وساق أدلة على ذلك منها: ما رُوي عن أنس بن مالك أن أبا موسى الأشعري قتل حُجَيْنة الكذاب وأصحابه، قال أنس: “فقدمت على عمر بن الخطاب فقال: ما فعلت بحُجَيْنة وأصحابه؟ قال: فتغافلت عنه ثلاث مرات.. ثمّ قلت: يا أمير المؤمنين، وهل كان سبيل إلا القتل؟ فقال عمر: لو أتيت بهم إليّ لعرضت عليهم الإسلام، فإن تابوا وإلا استودعتهم السجن”.

واستدل أيضاً بما رواه ابن مسعود في الرجل القائل: إن رسول الله لم يعدل، ولا أراد وجه الله فيما عمل، فإن هذا كفر وردة، ومع هذا لم يُمكّن مَن أراد قتله مِن أصحابه مِن قتله، وقد رُويت أخبار عدة مثل هذا الخبر في كفر بعض الناس وردتهم، ولم يرد في شيء منها أن من ارتد تاب من ردته، ولا أنه قتل، ولا أنه سجن، ولا أنه استتيب، ولنا أن نأخذ من هذا أنه لا يُكره على التوبة أيضاً، وإنما ندعوه إليها بالحكمة والموعظة الحسنة، كما ندعو غير المسلم الذي لم يسبق له الإسلام بهذا أيضاً”.

واستدل بما ذهب إليه الحنفية من أن المرتدة لا تُقتل، واستدلوا على هذا بما ورد عن النبي ﷺ من النّهي عن قتل النساء، لما رأى امرأة مقتولة، وقال: “ما كانت هذه لتقاتل”، ويمكننا أن نأخذ من هذا الحديث أن من ورد قتله من المرتدين في الأحاديث كان من المقاتلين، فيكون قتله لأنهم مقاتلون، لا لأنهم مرتدون، ويمكن أيضاً حمل ما ورد من قتل المرتدين على مرتدي العرب؛ لأن العرب خُصوا دون غيرهم بأنهم لا يُقبل منهم إلا الإسلام، لما ورد من أنه لا يُقبل في بلاد العرب دينان، وكان هذا لسبب سياسي لا لسبب ديني؛ لأنه أراد جعل جزيرة العرب وطناً خالصاً للمسلمين، حتى يقضي على أسباب الفتن فيها، ولا يعود الخلاف بين قبائلها إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، بل تصير أمة واحدة لا يفرق بينها دين ولا غيره، وتكون ملجأً للمسلمين إذا لم يطب المقام لهم في غيرها.

ويختم الصعيدي مقاله الأول بقوله: “لا شكّ أن القول بأن المرتد يُستتاب أبداً، ولا يُقتل أنسب من غيره بما جاء به الإسلام من الحرية الدينية، وأنسب منه ما ذهبنا إليه من أن المرتد لا يُكره على الإسلام بقتال ولا سجن ولا نحوهما من وسائل الإكراه، وإنما يُدعى إلى العودة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، كما يُدعى غير من لم يسبق له إسلام بهذه الوسيلة أيضاً، فإن أجاب فيها، وإلا لم يكن جزاؤه إلا العقاب على ردته في الآخرة، وقد نفى الدين الإكراه على الدين نفياً عاماً صريحاً في قوله تعالى في الآية 256 من سورة البقرة: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، وفي قوله تعالى في الآية 29 من سورة الكهف: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وهذا نفي للإكراه مطلقاً، فيجب أن يدخل فيه من أسلم ثم ارتد، كما يدخل فيه من لم يُسلم أصلاً”.

بهذا انتهى ردّ الشيخ الصعيدي على ما جاء في المقال الأول للشيخ منون، غير أنّ الشيخ عيسى منون ردّ بمقال ثانٍ نُشر في مجلة الأزهر 1956 يؤكّد فيه للمرة الثانية أنّ إجماع المسلمين أنّه يُوجد إكراه في الدين، وأن آيات الأمر بالقتال في القرآن محتْ (نسخت) حكم آيات حرية الاعتقاد: “لا إكراه في الدين”، “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة”.

وهذا ما عرَضه الصعيدي في كتابه “الحرية الدينية في الإسلام” وردّ عليه، فيقول: “علماء الأزهر إلا النادر لا يزالون يصرون على أن الآيتين زال حكمهما بآيات القتال، وبقوله ﷺ: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله”، ونحوه من الأحاديث الواردة في القتال.. فادّعت مجلة الأزهر على لسان الشيخ عيسى أن كوْن الدعوة في الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة غير صحيح؛ لأنه إذا لم تفد الحكمة والموعظة الحسنة وعاند الكافر ولم يسلم ولم يدفع الجزية يُقاتل..”

وهذا ما رفضه من قبل الشيخ محمد عبده، فآيات الأمر بالقتال عنده لا تنسخ (تمحو) ولا تخصص حكم آيات حماية حرية الاعتقاد العامة؛ لأن آيات القتال جاءت فيمن يُقاتل المسلمين لا في غيرهم، ويُعقّب الشيخ الصعيدي بقوله: “وبهذا يكون القتال في الإسلام لحماية المسلمين ممن يُقاتلهم، لا لإكراه الناس على الإسلام. وعلى هذا يكون غيرَ المسلمين أحرارٌ في دينهم.. وهذه هي الحرية الدينية بأوسع معانيها لهم، ولا يصح إنكارها إلا من الشيخ عيسى منون وأمثاله من الجامدين على القديم، ولا يمكنهم أن يحملونا على الجمود عليه مثلهم”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

([1]) السابق، ص115،114

([2]) يُنظر: الإسلام عقيدة وشريعة، ص٥٠٥:٤٩٢

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete