حسن حنفي (1935-2021): إطلالة على السيرة والمشروع

 تكوين

86 عاما من التحصيل والدرس والإنتاج الوفير والعمل الدؤوب والحوارات الفلسفية والمراوغات الفكرية، أثرى خلالها المكتبة العربية بعشرات الكتب والمؤلفات والترجمات الفلسفية والفكرية والثقافية.. عشرات المؤلفات في مجلدات عدة عالجت تجديد الفكر ونقد التراث وتأصيل المناهج والرؤى الحديثة.. وأسس لمدرسة متميزة في الدرس الفلسفي والمنهجي المعاصر…

رغم مرور أربع سنوات على رحيل الدكتور حسن حنفي (1935-2021) أستاذ الفلسفة الإسلامية والفكر العربي الحديث بكلية الآداب جامعة القاهرة، ما زال الرجل في بؤرة الاهتمام والفحص والدراسة والقراءة خصوصا أنه كان من الأصوات الفلسفية والفكرية المثيرة دائما للجدل الذي يصل في أحيان كثيرة للاشتباك الفكري والاحتداد الثقافي، كما كانت دائرة نشاط حسن حنفي من الاتساع والامتداد ما جعله حاضرا وبقوة في أي حديث عن مناهج الدرس الفلسفي وعن أي مشروعات نقدية جذرية للتراث وقراءة التراث وإعادة موضعة الإنتاج الفكري والثقافي العربي منذ القرن الأول للهجرة وحتى رحيله، فضلا على محاولاته الدؤوبة لرسم خرائط معرفية وفكرية جديدة للراهن الثقافي.

وقد أثار الدكتور حسن طوال حياته من الزوابع الكثير ومن العواصف ومن المعارك، وظل حتى آخر أنفاسه قادرا على إثارة الاختلاف (مذكراته الذاتية التي نشرها قبل رحيله بسنوات قليلة جدا، على سبيل المثال).

لكن الثابت -فيما أظن- هو الالتفاف حول قيمة وتقدير حسن حنفي ومشروعه الفكري النقدي (بل مشروعاته الفكرية الضخمة) وإسهاماته الفلسفية التي شهد له بها خصومه، قبل تلاميذه ومريديه؛ فقد أفنى الرجل عمره المديد في الدرس والتحصيل والبحث والكتابة؛ وكان غزير الإنتاج مسهبًا، يكاد لا يغادر صغيرة ولا كبيرة في موضوعات وقضايا الدرس الفلسفي، قديما ووسيطا وحديثا، لم يكتب عنها ولم يوفها حقها في كتاب أو دراسة أو بحث متوسط أو مقال موجه للقارئ العام، كما انشغل انشغالًا يكاد يكون تاما بطرح إشكاليات الفكر العربي القديم والحديث للقراءة والبحث، وانخرط في محاولة جريئة لإعادة بناء علوم الأوائل (علوم النقل)، وإعادة ترتيب بيت التراث القديم من داخله في إطار طرح منهجي عصري.

– 2 –

ثمة اتفاق غالب بين أساتذة الفلسفة والفكر المعاصر بأنه برحيل الدكتور حسن حنفي (1935-2021) قبل أربع سنوات، قد أسدل الستار على آخر صوت فلسفي منتسب إلى دوحة أساتذة الفكر الفلسفي الكبار في ثقافتنا العربية الحديثة؛ تلك الدوحة التي كانت تضم أسماء بقيمة ومكانة الشيخ مصطفى عبد الرازق، ومحمد عبد الهادي أبو ريدة، وعبد الرحمن بدوي، وتوفيق الطويل، وزكي نجيب محمود، وأحمد فؤاد الأهواني، وعلي سامي النشار، وفؤاد زكريا من مصر.. وطيب تيزيني (سوريا)، وعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري (المغرب)، ومحمد أركون (الجزائر)، وغيرهم من كبار الأسماء والأعلام في الدرس الفلسفي والفكري العربي المعاصر.

من هو الدكتور حسن حنفي؟

كان واحداً من ألمع وأشهر وأهم أساتذة الفلسفة والفكر المعاصر في الجامعات المصرية والعربية، مارس التدريس في مصر وخارجها، وتتلمذ على يديه المئات بل عشرات المئات في كليات الآداب بأقسام الفلسفة، وغيرها بأقسام العلوم الإنسانية عموماً؛ وحقق شهرة كبيرة في أوساط الطلاب والباحثين والأساتذة في دول جنوب شرق آسيا، كما حظي بشهرة واسعة أيضاً في المشرق والمغرب العربي. وفي أوروبا وأمريكا واليابان أيضاً.

حسن حنفي من مواليد العام 1935، وتخرج في كلية الآداب جامعة القاهرة (قسم الفلسفة) عام 1956، وتتلمذ على يد أشهر أساتذتها وأعلام الفكر الفلسفي في ذلك الوقت؛ ثم سافر إلى فرنسا ليكمل بها دراساته العليا، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون عام 1965، ثم عاد من بعثته ليمارس التدريس وحاز شهرة فائقة في مصر والعالم العربي، وكان معروفًا في جل الدوائر العلمية والفكرية والفلسفية خارج العالم العربي أيضا، وترأس قسم الفلسفة بكلية الآداب، ودرس وحاضر في العديد من الجامعات المصرية والعربية، وعمل أستاذا زائرا لسنوات في جامعات عدة في المغرب وتونس والجزائر وألمانيا واليابان والولايات المتحدة.

كما عمل مستشارًا علميًا في جامعة الأمم المتحدة بطوكيو (1985-1987)، كما عمل نائبا لرئيس الجمعية الفلسفية العربية، وأسس الجمعية الفلسفية المصرية وتدرج من السكرتير العام لها حتى ترأسها وظل رئيسا لها حتى وفاته.

– 3 –

امتدت رحلة حسن حنفي الفكرية والثقافية منذ نشر أول كتابٍ له في ستينيات القرن الماضي وحتى السنوات الأخيرة من حياته التي أقعده فيها المرض. وعلى مدار هذه الرحلة، رَفَد حسن حنفي المكتبة العربية بعشرات الكتب والمؤلفات والتحقيقات والترجمات التي تشكل في مجموعها مكتبة فلسفية وفكرية ضخمة مترامية الأطراف.

كان غزيرَ الإنتاج مسهبًا في شرح أفكاره وتصوراته؛ ترك عشرات المؤلفات الفلسفية، في عرض المذاهب والتيارات والأفكار الحديثة، وبالأخص في مناهج التأويل الحديثة، ومذهب “الظاهراتية” وتأويلها، وتنوعت الاتجاهات الفكرية والنظرية التي عالجها، لتشمل إلى جانب قراءته المسهبة للتراث العربي ونقده، قراءة التراث الأوروبي، وبعض هذه الكتب لعب أدواراً تنويرية عظيمة بالتعريف وإلقاء الأضواء الكاشفة على أبرز أعلام الفكر الفلسفي الغربي، والشرقي، وفي مصر والعالم العربي، فضلًا عن إسهاماته البحثية التي غطَّت أغلب إن لم يكن كل تيارات ومذاهب وموضوعات الفلسفة؛ قديمًا وحديثًا، وفي الفكر الوسيط والحديث والمعاصر.

وانشغل حسن حنفي لعقودٍ طويلة متصلة، وبدأب محموم، في تركيب وتصنيف وبناء مشروع فكري وفلسفي ضخم؛ مركب ومتعدد المستويات، وفي دوائر ومسارات متعددة ومتداخلة.

ومنذ النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، وحتى منتصف الثمانينيات، راد اتجاهًا فكرياً “توفيقيا” غازل فيه التيارات الدينية الإسلاموية، عُرف باليسار الإسلامي؛ اتكأ فيه على محاولة الجمع بين أدبيات الفكر اليساري العام، وعلوم التراث الديني والفكر الإسلامي، لكنها لم تنل قبولاً لا بين الإسلاميين ولا غيرهم! وإن التف حوله بعض المثقفين المصريين والعرب.

وفكرة “اليسار الإسلامي“، كما يمكن استخلاصها من كتابات حسن حنفي هي محاولة البحث عن الجوانب العقلية والراديكالية في الفكر الإسلامي، إنها تنويعة أخرى من الاجتهادات التي وصفت بأنها “توفيقية”، تتصور أنه يمكن الجمع أو التركيب بين مفاهيم “الحداثة” و”التراث“.

– 4 –

وفي مشواره البحثي الطويل عالج حنفي العديد من القضايا والإشكاليات التي لا يمكن لأي مثقف مهموم بواقعه وواقع أمته أن يتغافل عنها أو يتناساها؛ وهي ببساطة تلك الأسئلة الملحة التي بدأ المثقف العربي المسلم في طرحها مع بدايات عصر النهضة الحديثة، ولا تزال مطروحة حتى الآن.

وهكذا، ومنذ مطالع الثمانينيات تقريباً وحتى وفاته؛ أي ما يقرب من أربعة عقود كاملة، عكف على إنجاز مشروعه الكبير الضخم «التراث والتجديد» (القاهرة 1980) بحلقاته المتعددة و«من العقيدة إلى الثورة» في خمسة أجزاء (القاهرة 1988)، و«الدين والثورة في مصر» في ثمانية أجزاء (1989)، و«من النقل إلى الإبداع» في ثلاثة أجزاء (1999) الذي أعيد نشره منذ سنوات قليلة بعنوان آخر هو «من النقل إلى العقل».

حيث قرر حنفي الاشتباك المباشر؛ علمياً وفكرياً وفلسفياً، مع التراث ونقده وتجديده في آن؛ وإعادة بناء وطرح المفاهيم في سياق رؤيةٍ عصرية مغايرة تعيد النظر في منظومات الفكر والتفكير القديمة وتؤسس لغيرها، واتجه، كما يقول غير باحث لمشروعه “اتجه إلى العموميات الفكرية في مشروعه الضخم (التراث والتجديد)، ودور القيم في الثقافة العربية، وعلاقة الدين بالتراث، وما قيل عن قراءته لتاريخ وعلوم القرآن في الثقافة العربية”.

فضلاً على مشروعاته الفلسفية الكبرى والنقدية العملاقة المعروفة التي طغَت شهرتها على ما عداها من كتبه الأخرى، فإن كثيراً من هذه الكتب “الأخرى” يستحق التنويه والوقوف عندها ملياً لما قدمته من مادة غزيرة وفي إطار منهجي نقدي أصيل عن قضايا وموضوعات وشخصيات، أو بعبارة أخرى هي متون معاصرة لإشكاليات قديمة وحديثة معا؛ تستغرقها التفاصيل والجزئيات

وكذلك معالجاته العميقة والقيمة لتقاطعات الفكر السياسي والفلسفي، ومتابعاته الثقافية والفكرية لهموم الفكر والوطن والسياسة، والواقع العربي والإسلامي الراهن، التي لم تتوقف منذ بدأ الكتابة والإنتاج العلمي في ستينيات القرن الماضي وحتى وفاته. من أهم ما قدَّم حسن حنفي في هذا الإطار كتبه المهمة:

«دراسات إسلامية» (القاهرة 1982)، «دراسات فلسفية ـ جزءان» (القاهرة 1987)، «حوار المشرق والمغرب» (القاهرة 1990)، «هموم الفكر والوطن ـ جزءان» (الإسكندرية 1997)، «الدين والثقافة والسياسة في الوطن العربي» (القاهرة 1998)، و«حوار الأجيال» (القاهرة 1998)، و«الواقع العربي الراهن» (القاهرة 2012)، وغيرها.

هذا وقد نوقشت في جامعات مصر والعالم، أكثر من خمس عشرة رسالة ماجستير ودكتوراه، دارت موضوعاتها حول فكر الدكتور حسن حنفي وإسهاماته العلمية، وكانت أولى هذه الرسائل ما قدمه “مارين فن دن بوم” الذي حصل على الدكتوراة من الجامعة الحرة (أمستردام) برسالة عنوانها: «تحرير الإنسان عند حسن حنفي» (1984).

حصل الدكتور حسن حنفي على العديد من الجوائز في مصر وخارجها؛ منها: جائزة الدولةِ التقديرية في العلوم الاجتماعية (2009)، وجائزة النيل في العلوم الاجتماعية (2015)، وجائزة المفكر الحرِّ من بولندا، وتسلَّمها من رئيس البلاد رسميًّا.

– 5 –

ويمكن الوقوف هنا أمام نموذج من فكر وتصورات حسن حنفي في العلاقة مع الغرب فكرياً وثقافياً؛ وذلك من خلال كتابه المثير للجدل «مقدمة في علم الاستغراب» الذي صدر للمرة الأولى عام 1991، وظلّ لسنوات محل نقاش وجدل وانشغل به المفكرون والمثقفون في عموم عالمنا العربي والإسلامي ربما حتى اللحظة الراهنة!

كان مفهوم «الاستغراب» الذي صاغه حسن حنفي، هو الموازي الفكري لتصورات «اليسار الإسلامي» الذي دشنه حنفي، عن العلاقة بالآخر الأجنبي، وهي علاقة انطوت على معنى الرفض الذي كان نوعًا من الثأر للهزيمة المتكررة في مواجهة الآخر الأجنبي، وآلية دفاعية في مواجهة حضارته الغازية أو المغوية.

يقدم حسن حنفي محاولة دؤوب لوضع الفكر الأوروبي في سياقه الخاص، ونفي الوهم القائل بأن تراث أوروبا هو التراث الإنساني، وأن أوروبا هي “المتن” وبقية الثقافات هي “الهامش” حيث يسعى الكتاب “لبيان الارتباط الموضوعي بين الفكر الأوروبي وموقعه الجغرافي، في مقابل كل فكر إنساني آخر هو ارتباط بنواح أخري من العالم”، وقد أكد حنفي في صرخته الفكرية هذه على ضرورة أن نخضع الغرب للدراسة من منظور “الذات”، مثلما أخضعنا الغربُ للدراسة من منظوره هو، باعتباره يمثل “الآخر”؛ كما يقول بعض دارسيه.

بإيجاز يمكن القول في النهاية إن الدعوة إلى الاستغراب قد تحورت من المواجهة والعداء والرفض إلى تكامل هادئ مع الاستشراق، بحيث يتلاقى ويتحقق تراثهما عن طريق المثاقفة الملهمة بين الذات والآخر.

بالتأكيد كان د. حسن حنفي مثقفًا وأستاذًا كبيرًا وصاحب مؤلفات وترجمات كثيرة مهمة، وله سلاسل فكرية ضخمة من الأعمال العميقة التي تمثل مشروعاً متكاملاً، في تجديد الفكر ونقد التراث، مهما كان الرأي فيها والاختلاف حولها والجدل الذي أثارته، ستظل شاهدًا على المجهود الضخم الذي بُذل فيها، وفي تأليفها وجمعها.

وقد كان من المعدودين الموهوبين في الحديث والارتجال وشرح الأفكار الصعبة وتجلية المفاهيم والمصطلحات الفلسفية الغامضة والمعقدة؛ وذلك كله بلغة عربية بليغة ورائقة ولطالما أثنى عليه المتخصصون في الآداب واللغة العربية وتمرسه بالأساليب اللغوية العربية القديمة والحديثة على السواء.

في النهاية، يبقى من تراث حسن حنفي الكثير من الطروحات والمشروعات التي ستمثل انشغالاً فكرياً أصيلاً، واهتماماً نقدياً للأجيال الحالية، وفي المستقبل، ولعقودٍ كثيرة قادمة.

 

 

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete