حي بن يقظان: رحلة من المادة إلى المُجرد وإشكالية الهُوية

 تكوين

كثُرت الدراساتُ، وبأكثر من لغة، حول قصة “حي بن يقظان” لابن طفيل، ليعاود “حي” الغرق في غابته وكأنه ما خرج منها، ولتغرق قصته مجددًا في رفوف مكتبات تراكمت عليها، وحولها، طبقات من الغبرة حتى حجبت كثيرًا من عناوين الكتب الموجودة فيها، وليس فقط “حي بن يقظان”.

لا يعود سببُ الغرق في تحول، والأصح تحويل، لأن الهمل ما يزال جاريًا، هذا الكمُّ الهائل من الكتب إلى نسخ الكترونية متوفرة مجانًا على المواقع الالكترونية، لمن يريد الاحتفاظ بنسخة إلكترونية من أي كتاب يريد أو على أي جهاز الكتروني يحمله، من الهاتف الخلوي (الجوال أو…) وصولًا إلى اللابتوب الشخصي، بل هناك أسباب أخرى مُضافة إلى الغرق!

حاليًا يُمكن تنزيل آلاف الكتب الالكترونية، بتكلفة مادية ضئيلة، وهي ليست مجانيةً تمامًا كما يظن كثيرٌ منا، لتعود مجددًا هذه الكتب الإلكترونية لتغرق في غبرة الكترونية! لكن صيغتها تختلف عن الغبرة المعتادين عليها، فهي غبرة على شاكلة ملفات محفوظة على شاشاتنا الالكترونية، يندرُ فتحها! نتذكرها من وقت إلى أخر للاطلاع على ما فيها، وقد نقرأ صفحة أو صفحتين مما حُفظ فيها، لنعود إليها لاحقًا. طبعًا دون تحديدٍ زماني لكلمة “لاحقًا”.

على سبيل المثال، لا الحصر، أذكر الحوار التالي:

جلس شخصان، في مقهى، على طاولة بالقرب من طاولتي. لم تمنعني حشريتي، أو قرب المسافة بين الطاولتين، من استراق السمع إلى جزء من الحديث الذي جرى بينهما. هاكم هذا الجزء من الحديث:

  • الأول: أبحثُ عن كتاب اسمه “س” ولم أجده.
  • الثاني: قد يكون موجودًا في مكتبتي.
  • الأول: لم أكن أعلم أنه لديك مكتبة في بيتك.
  • الثاني: طبعًا عندي مكتبةٌ ضخمة، لكنها على اللابتوب ولا حاجة لها في البيت لأنها تأخذ حيزًا كبيرًا منه. فمكتبتي تحوي على ما يقرب 5 آلاف كتاب.
  • الأول: معك حق لا حاجة لها. إن وجدته أرسل نسخة لي.

تُرى كم يجب أن نعيش لقراءة 5 آلاف كتاب؟ قراءة فقط لا فهمًا وتحليلًا ونقدًا و…!

هذا ما قصدته بالغبرة الالكترونية. ونفضها سهلٌ جدًا، أسهل بكثيرٍ من نفض الغبار عن مكتبة ورقية.

إرشادات نفضِ الغُبار الإلكتروني: حدِّد الملف. اضغط على زر مسح (أو إلغاء) (delete). طار الملف! تمت المُهمة. وحاليًا ما من حاجة إلى كل هذا. ادخل إلى أي موقع ذكاء اصطناعي (أو صناعي) فتحصل منه على كل ما تريد، حتى لو كان غير صحيح، لأن ثقتنا به أكبر من ثقتنا بأنفسنا!

فهل من حاجة إلى توضيح أكثر، لماذا غرق “حي بن يقظان”، وكثر من أمثاله في هذا العالم الإلكتروني، ليطفو على السطح سؤال: من هو صاحب أجمل أنف في العالم…؟

من هنا أتت الجملة الابتدائية “كثرت…” لا “تكثُر”. وها نحن نحاول نفض الغبرة، المادية لا الإلكترونية، عن “حي بن يقظان”.

السببُ الآخرُ لغرقه: يبدو أن “حيًّا بن يقظان” التقى بـ “طرزان”، و”سوبرمان”، و”رجل العنكبوت”، و”روبين كروز” و…  وتصارعوا جميعًا فغلبوه، لتحالفهم ضده! بفوزهم أضافوا إليهم بعض مما كان ما لديه، لكنهم أنكروا هذه الإضافة. فور منحهم فرصة احتلال الشاشات لعرض الأفلام عنهم، وتسيد أغلفة الكتب، وبخاصة كتب قصص الأطفال. أفلام وقصص يتابعها الكبار أكثر من الصغار وإن كانت للصغار، ومسكين “حي بن يقظان” عاد إلى غابته، لتكسيه الغبرة، المادية والإلكترونية، وأصبح غيرَ مرئيٍّ أو مسموعٍ من كثافة ضجيج الفائزين بالمعركة، بجولتها الأولى!

نعود إلى “حيٍّ”، فبعض ممن عملوا على “حيٍّ بن يقظان”، في الزمن الراهن: جميل صليبا، وكامل عيد، وعمر فروخ، والأب يوحنا قمير، وأحمد أمين، ومحمود عبد الحليم، وتيسير شيخ الأرض…، بالإضافة إلى بعض المستشرقين.

نُبذة عن مؤلِف “حي بن يقظان”:

هي روايةٌ فلسفيةٌ بأسلوب أدبي، من تأليف أبي بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي، واختصارًا، كوننا في عالم المختصرات الرَقْمية المتوافقة مع “عالم السرعة”، يُقال من تأليف ابن طفيل (1106 – 1185).

وُلِدَ ابن طفيل في وادي آش، وهي مدينةٌ صغيرة في غرناطة. لا يوجد كثيرٌ من المعلومات عن مراحل حياته كافة. لكنْ من خلال كتاباته التي وصلت إلينا يُمكن أن نستنتج أنه كان واسع الاطلاع على معظم حقول العلم، من الطب إلى الفلسفة وما بينهما، في زمانه.

شغل أكثر من منصب حكومي، ومنها منصب أمين الأسرار لحاكم ولاية غرناطة، والطبيب الخاص ليعقوب يوسف، حاكم المغرب، ووزيره أيضًا.

من الظروف الموافقة لسعة معرفته، هي أن يوسف كان مُحبًا للعلم، فقرب منه ابن طفيل. ويبدو أن أرسطو في حينها لم يكن قد شُرح شرحًا وافيًا، وما تزال أعماله الفلسفية في نوع من الإبهام، فطلب يوسف من ابن طفيل أن يُرشده إلى شخص ليكتب عن أرسطو ويشرحه، فاقترح ابن طفيل ابن رشد، ليقوم بهذه المُهمة العلمية (الفكرية).

لم يأتِ طرحُ ابن طفيل لابن رشد من عبثية فكرية، ولا من زلفى للحاكم، ولا من قربى عصبية، بل طرحه لأنه يرى فيه الأهلية العلمية – الفلسفية للقيام بهذه المُهمة. لذا عندما عرض ابن طفيل العمل على ابن رشد، قال له:

“إنك أقوى مني عزمًا، فعليك بكتب أرسطو، وأعتقد أنك ستأتي عليها لأني أعرف سمو عقلك، ووضوح فكرك وتجلدك…”[1].

قبِل ابن رشد بالمهمة واجتمع الثلاثة، ابن طفيل وابن رشد والحاكم، عام 1169 وكان عُمْرُ ابن طفيل 63 أو 68 سنة لأن تاريخَ مولده غيرُ دقيقٍ.

بعض من الأبعاد العلمية لـ “حي”:

لم تُغفل القصةُ تأكيدَ بعض المعطيات العلمية، وإن كانت الحضارة اليونانية قد أكدتها قبلهم، لكنها بقت خلافية ليحسم جزءًا من أمرها ابن طفيل. والأمر المضحك، حاليًا، في مسألة المعطيات العلمية، والتي أصبحت من بدهيات العصر الحالي، هو أنه ما نزال نسمع بعض أصوات نشاز من رجال دين يدعون عدم صحتها معتمدين في نشازهم هذا على نص من كتاب “مقدس”! ومن هذه الأصوات النشاز على سبيل المثال، ما يزال هناك كثيرٌ منهم يقول بأن الأرض مسطحة لا كروية، وما أكثر أصواتهم على وسائل التواصل الاجتماعي وعرض “أفلامهم” على يوتيوب، وما أكثر متابعيهم! مثلًا يقول أحدُ رجال الدين ”

لن يُحاسبك الله إن قلت الأرض كروية أو مسطحة… وما من دليل قاطع على كرويتها أو تسطيحها” وعدد متابعيه بالآلاف!

حسم ابنُ طفيلٍ مسألة كروية الأرض، اعتمادًا على علوم عصره مع عدم نسيان مدى سعة اطلاعه عليها، وقصته “حي بن يقظان” أبرزُ دليلٍ على هذا. فقد أكَّد ابن طفيل وجودَ علاقةٍ بين النور والحرارة لأن “الحرارةَ تتبعُ الضوءَ أبدًا”. وما له علاقة بكروية الأرض، فكان جازمًا بقوله لأنه “قد ثبت في علوم التعاليم بالبراهين القطعية، أن الشمسَ كُروية وأن الأرضَ كذلك، وأن الشمسَ أعظم من الأرض كثيرًا…”. ورأيه بالأمور غيرِ المحسومةِ علميًا، وبخاصة ما يتعلق بولادة “حي” من دون أم ولا أب، لإمكان هذه الولادة لتوافقها مع الموقع الجغرافي والظروف الطبيعية لجزيرة الواقواق، فيقول:

“وهذا القولُ يحتاج إلى بيانٍ أكثر من هذا لا يليق بما نحن بسبيله، وإنما نبهناك عليه…”.

ونقول كما قال “هذا القول يحتاج إلى بيان أكثر” لأننا لسنا في قولنا هذا اقتصار على مقاربة الوجه العلمي في “حي”.

بعضٌ من الأبعاد الفلسفية لـ “حي”:

تحمل قصة “حي بن يقظان”، أبعادًا فلسفية تأخذنا إلى طَرْق أبواب لم تُطرق من قبل، كما تصيغ الخطوط العريضة لبعض المواقف من التيارات الفلسفية التي كانت سائدة في حينها، وبعمقها تُفسر فلسفة ابن سينا، بأسلوب روائي، ما يجعل منها رواية فلسفية، كما هو حال “رسالة الغفران” للمعري، وقد تكون من أولى الروايات الفلسفية، التي أسَّست لهذا الحقل العلائقي بين الأدب والفلسفة.

لكن للأسف على الرغم من جمالية قصة “حي بن يقظان“، وما تحمله من أبعاد فكرية، مُصاغة بلغة سهلة لم يعمل أحد عليها، كما أعلم، لتحويلها في زمننا إلى قصة منتشرة ومعممة بين الأطفال لتنمية أفكارهم وتعرفهم على تراثهم الأدبي والفلسفي. فمن منا لا يعرف “سوبرمان”، أو “رجل العنكبوت” أو “طرزان“… ومن منا يعرفُ “حيًّا بن يقظان“؟

يستهلُّ ابنُ طفيلٍ قصته بالحمد والبسملة، وهذا نمطُ كل افتتاحية، أو بداية الكتابة، في ذاك العصر، ومن ثم الانتقال إلى صلب الموضوع.

لا يتوقف الأمر على نمطية الافتتاحية، بل هناك أمرٌ لافت للانتباه يتعلق بفلسفة السؤال عند البدء بمقاربة الموضوع المطروح!

يستهلُ ابنُ طفيلٍ قصته، بـ “سألت، أيها الأخ الكريم… أن أبث إليك… أسرار الحكمة المشرقية التي ذكرها الشيخ الإمام الرئيس أبو علي بن سينا…”

ليس بالأمر المُستغرب في ذاك العهد، أن يُكتب في موضوع ما وكأنه إجابة عن سؤال. وهو أسلوب توضيحي تفسيري للموضوع، وفي الوقت عينه، تحديدٌ لحدود النص، لأن السؤالَ الذي طُرِحَ قد حدَّد تحديدًا مسبقًا حُدود الإجابة، والتي هي بدورها حدود النص.

يبدو أن فلاسفة العرب أجادوا في هذا المنهج في فلسفتهم المُتمثل بتحديد الموضوع بسؤال مطروح عنه مبتعدين في اسلوبهم هذا عن المنهج الأفلاطوني، بمعنى الجدل الأفلاطوني.

الأمرُ الواضح في “حيٍّ بن يقظان”، منذ الأسطر الأولى لها، هو أنها سوف تتناول يتعلق بـ “الحكمة المشرقية”، والحكمة هنا تعني الفلسفة. وبتحديد أكثر يكشف أسرارها، والكشف يتضمن توضيح ما هو غامض، وهنا مُهمة الكاتب في الكشف عن غموض متخفٍ أو ظاهرٍ فيها. غموضٌ قد يؤدي إلى التباس في الفهم عند البعض عند قراءتها. انطلاقًا من بداهة، في ذهن الكاتب، تنصُّ على عدم وجوب وجود “أسرار” في الفلسفة، وإن احتوت بعض منها يجب توضيحها.

إلا أن الفلسفةَ المشرقية، أو “الحكمة المشرقية”، بحرٌ فلسفي يصعب للفرد سَبْرُ كل أغواره بمفرده. وهنا أتت صيغةُ السؤالِ الذي طرحه ابن طفيل، ليكون أكثرَ تحديدًا بُغية وضع حدود الموضوع بدقة أكبر، والإجابة سوف تقتصر عليها وبتحديد يكشف “أسرار الحكمة المشرقية التي ذكرها… ابن سينا”.

إذًا الإجابةُ بصيغة “حيٍّ بن يقظان” تفسيرٌ لفلسفة ابن سينا، وتحديدًا تلك الجوانب الغامضة فيها. سوف يبثُّ إلينا ابنُ طفيل ما أمكن بثه من أسرارها.

الأسلوب القصصي الذي اختاره ابنُ طفيل، في شرح غوامض فلسفةِ ابنِ سينا، يأخذنا إلى بُعد آخر في مقاربة “حي بن يقظان”. بُعْدٌ يتعلق بطبيعة العلاقة بين الأسلوب الأدبي القصصي والفلسفة. يبدو أن ابن طفيل أراد تبسيط شرح فلسفة ابنِ سينا بأسلوب سهلٍ يفهمه الجميع، وبخاصة العامة، لنشرها بينهم من دون “تعقيدات” فلسفية تُنفرهم منها أو يفهمونها بغير المراد منها. وهنا يُمكن القول إن “حيًّا بن يقظان” يُمكن تصنيفها ضمن خانة شرحٍ فلسفي بأسلوب قصصي، وتُمثل بوادر نشوء، أو تأسيس، لهكذا حقل في الأدب سبق غيره، وبخاصة من يقول بانعدام الأسلوب القصصي في التراث العربي، أو عدم وجود القصة الفلسفية فيه، معتبرين أن هذا الحقلَ حكرٌ على الحضارة الغربية!

نعود إلى السؤال ودوره في البحث، وتحديدًا حثه على البحث في موضوع ما ضمن حدود السؤال. يقول ابن طفيل”… لقد حرَّكَ مني سؤالك خاطرًا شريفًا أفضى بي… إلى مشاهدة حال لم أشهدها قبل…” فالسؤال يَطرقُ أبوابًا لم تُطرق من قبل، وإن ظن العاملُ في حقل ما أنه امتلك، أو فتح، كافة الأبواب فيه. لقد فتح السؤالُ أبوابًا مخفية، أو منسيةً، لم تَرِد في ذهن المفكر أو حتى شارح أو قارئ لهذا المؤلف أو ذاك. فالسؤال بِطرقه هذه الأبواب يحثُّ من طُرح عليه السؤال أن يبحث في غير المبحوث فيه، أو عنه، وبخاصة إن كان مُصاغًا بطريقة صحيحة مُحددة تستلزم إجابة، أو إجابات، صحيحة ومحددة ضمن الحقل المبحوث فيه.

السؤال في “حي بن يقظان” محدود بحدود أسرار الفلسفة المشرقية عند ابن سينا، لا الفلسفة المشرقية بعامة، وقد بُني النص القصصي على هيكلية السؤال المطروح.

الإجابةُ عن السؤالِ المطروح لا تتوقف عند عتبة كشف أسرارها، وما لهذا الكشف من شروط معرفية يجب توفرها من الكاشف، بل هناك بُعْدٌ مُضاف لهذه الشروط، بُعْدٌ ربما يُهمله كثرٌ في عالمنا اليوم. وإهماله تتعدَّدُ أسبابه، ومنها ما يتعلق بطبيعة نمطِ الإنتاج الذي نعيشه. نمط تسليع كل شيء، مُخضعًا كلَّ السلعِ لآليات السوق، و”كل شيء” يتضمن تسليعَ الفكر! البُعد المضاف، والمُهمل حاليًا، هو مُتعة البحث عن الإجابة. لن نخوض في سؤال: أين متعة البحث حاليًا في ظل وجود الذكاء الاصطناعي؟ متعة أُهملت لسببين رئيسين، وهما: التسليع والذكاء الاصطناعي.

لقد مزج ابن طفيل عواملَ أساسيةً لكشف الأسرار، التي حثَّ عليها السؤال، من وجوب المعرفة بالموضوع المطروح، وصولًا إلى متعة البحث، وإن فُقدت، فَقَدَ البحثُ أحدَ أبرزِ أُسُسِهِ لا المعرفية فقط، ولكنْ مُتعة الباحث في بحثه أيضًا. وإذا استخدمنا لغة اليوم نقول: اغتراب المُنتج عن إنتاجه!

متعة يصفها ابن طفيل على أنها “تلك الحال، لما لها من البهجة والسرور، واللذَّة والحبور…” بهجة تولد عند الباحث رغبةً في بثِّ ما وصلَ إليه لأنه “لا يستطيع من وصل إليها، وانتهى إلى حد من حدودها، أن يكتم أمرها أو يخفي سرها… ما يحمله على البوح بها مجملة دون تفصيل”. كان ذاك في حينها، أي في زمنه، واليوم باختفاء، أو تدني المتعة إلى حدها الأقصى، أصبح للبث ثمن مادي. ثمن يحدد في سوق السلع الفكرية، لذا ما من حاجة لبث البحث ما لم يُدفع، ثمنه!

من هذه الخلفية عَمِلَ ابنُ طفيلٍ على كشف أسرار الفلسفة المشرقية التي قالها ابن سينا، عملٌ مُفعم بالبهجة المُنعكسة في الأسلوب اللُّغوي فيما بَثَّهُ.

ينتقل ابنُ طفيلٍ بعد مقدمته القصيرة هذه، التي وضع فيها الخطوطَ العريضةَ لموضوعهِ المُحدد لطرح رأيه، وأيضًا باختصار، في فلسفة بعض فلاسفة العرب، ليكون طرحه بمنزلة مدخلٍ لتعريف القارئ ببعض التوجهات الفلسفية في عصره بالإضافة إلى رأيه فيها. وما هذا إلا تأكيدٌ على أن قصته قصة فلسفية، وتوكيد معنى “الحكمة المشرقية”، المقصود بها الفلسفة المشرقية.

إشكالية ولادة حي بن يقظان:

يروي ابنُ طفيلٍ قصتين لولادة حي بن يقظان: الأولى “ولادةٌ ذاتية”، أي وُلِدَ من دون أب وأم، بمعنى ناتج العلاقة الجنسية بين ذكر وأنثى بشريان، فهو “من غير أب ولا أم”. قد يكون بهذا قصدُ تذكيرنا بقصة خلق آدم الإعجازية، لكنْ بأسلوبٍ آخرَ ليؤكد إمكان الخلق بطريقة إعجازية، لأنَّ الخالقَ يقولُ “كن فيكون”، وإن أورد بعضًا من تفاصيل الانتقال من “كن” إلى “فيكون” تبقى غيرَ واضحةٍ! و”حي” وُلِدَ في جزيرة من جزر الهند، تُسمى جزيرة الواقواق، من شجرة!

أكيد جزيرة “الواقواق”، وإن تشابهت بالاسم مع جزيرة المسلسل السوري “الواق واق”. “الواق واق” السورية كوميديا لاذعةٌ تُقارب واقع العربي، و”الواقواق” في قصة “حي”، جزيرة “العجائب”، فهناك “شجر يُثمر النساء”، ليلد “حيًّا” بطريقة عجائبية من عجائب جزيرة “الواق الواق”. فالواقواق التي رسا “تابوت” “حي” على شواطئها هي “موضعٌ لا يصل إليه بعد علم”.

الثانية: وُلِدَ حيٌّ من علاقة جنسية طبيعية “شرعية” بين ذكر وأنثى بشريين، وهي الأقربُ إلى المنطق الذي يتقبله العقل، أو كما يودُّ البعض أن يقول: الحسُّ السليمُ. ويبدو أنها مُقتبسه في جزءٍ منها من قصة يوسف عندما أُلقي به في نهر النيل ونجا، لأن خالقَهُ رعاه. فأتت القصة الثانية عن ولادة “حي” على النحو التالي:

بازاء تلك الجزيرة… يملكها رجل… شديد الأنفة والغيرة… وكانت له أختٌ ذات جمال… فعضلها (منعها الزواج ظُلمًا وعُدوانًا) وكان له قريبٌ يُسمى يقظان. فتزوجها سرًا… ثم حملت منه، فوضعت طفلًا…

واضحٌ في الولادة الثانية لـ “حيٍّ” أنه بشريٌّ ابن بشرٍ ولا علاقة لإعجاز الولادة بهذا المولود كما في الأولى. فهو وإن وُلِدَ بالسرِّ، لأن الزواجَ تم بالسرِّ، إلا أنه بشريٌّ ابن بشرٍ.

خافت أم “حيٍّ” على طفلها، وهنا يُظهر ابن طفيل مدى علاقة الأم بمولودها، لأنه لا ذِكر للأب في عملية محاولة إنقاذ المولود. خوفها على مولودها نابعٌ من معرفتها ببطشِ أخيها فـ “وضعته في تابوت بعد أن أروته من الرضاع” وألقت به في البحر، أما في قصة يوسف ألقت به في النهر. وهنا يُمكن أن نَلحظ دور التضاريس الطبيعية للمكان ومدى تأثيرها في الصياغة. “حيٌّ” مولود على جزيرة، والجزيرة مُحاطة بالبحر، فألقي فيه، ويوسف مولود على ضفة نهر، فألقي فيه.

الإلقاء في البحر لم يكن بهدف القتل، بل فعلٌ إيماني بقدرة الخالق على حماية “حيٍّ” من بطش أخيها، وتسليم بقدره الذي قدره الخالق له، لعجزها عن حمايته منه. فودعته بدعاء يجمع بين آلام وداع الأم لمولودها، وإيمانها بقدرة الخالق على حمايته. ومن دعائها الوداعيُّ لمولودها “اللهم إنك قد خلقت هذا الطفل… وأنا قد سلمته إلى لطفك… فكن له، ولا تسلمه، يا أرحم الراحمين”. وداع حمل تسليم كامل لمشيئة الخالق ومن صفاته عالم الأسرار، فإذًا يعلم أن “حيًّا” وُلِدَ وفقًا لأصول شريعته، لكنَّ “بطشَ” أخيها لا يُفرق بين الشرعي وغيرِ الشرعي عند عصيان أوامره، وإن كانت مُخالفة للشريعة.

هنا وكأنَّ ابنَ طفيلٍ يُريد تنبهينا إلى مسألة علاقة الرعية بالراعي! فالراعي الظالمُ “لا يجوز” عصيانه لوجود خالق سوف يُجازيه على أفعاله، وليترك الأمر للخالق باتخاذ القرار، وما على الرعية إلا القبول به حتى لو خالف الشريعة. فاختفاء الأب، بمعنى المذكر، بهذا الشكل المفاجئ، إذ اقتصر دوره على الزواج منها وتخصيبها فقط، ومن ثم اختفى حتى من محاولة إنقاذ مولوده! اختفاء، أو إخفاء، للأب يُشير إلى اختفاء دور “المعارضة” للراعي وإن كان ظالمًا.

اسلمته لمشيئة الخالق، فاحتضن البحرُ التابوتَ، وإن كان التابوتُ رمزًا للموتِ، لكنه تحولَ إلى رمز حماية الطفل الحي الموجود فيه، ليُلقي به على شواطئ إحدى الجزر غير المأهولة، “الواقواق”. ولم يُلْقَ بالتابوت متينًا كما صُنع، بل ألقاه بعد أن قام البحر بحل لمساميره “وألواحه اضطربت”. بمقولة أخرى، سَهَّلَ البحرُ تَخَلُّعَ التابوتِ، تحضيرًا لما هو قادم. وهذه أولى اشارات تقبل الخالق لدعاء الأم برعاية “حي”.

الإشارة الثانية، الموقع الذي أُلقي به في البحر التابوت. فهو لم يُلقهِ على شاطئ خالٍ لا حياة فيه ومعرض لتلاطم الأمواج، ودرجات حرارة مرتفعة، بل “أدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر عذبة التربة مستورة عن الرياح والمطر محجوبة عن الشمس تَزَاور عنها إذا طلعت وتميل إذا غربت”.

في هذه البُقعة “المحمية” من الواقواق حطَّ تابوتُ “حيٍّ”. بعد أن حطَّ بكي “حيٌّ”، بالتابوت المُخلخل والمُلقى على شاطئ البحر، وبكائَهُ سببه الجوع “فوقع صوته في أذن ظَبية فقدت طلاها (أي ولدها)… فلما سمعت الصوت ظنته ولدها… فحنت الظبية وحنت عليه ورئمت به وألقمته حلمتها… وما تزال تتعهده وتربيه وتدفع عنه الأذى…”، فقد سُخرت له الظبيةُ لتنقذه من الموت المحتوم. البحرُ احتضنه والظبيةُ رعته، واتمت رعايته حتى قوي عوده، فالطفل البشري لا يقوى على البقاء ما لم يُرع لفترة زمنية ليست بقصيرة، من هنا أتت “وما تزال تتعهده وتربيه…”.

لم يكتفِ ابنُ طفيلٍ بإظهار الرعاية “الحيوانية” للإنسان بمشيئة الخالق، بل أضافَ بُعدًا آخرَ يستحيلُ إن فُقد لن يبقى مخلوق حيواني أو بشري على وجه الأرض. أكيد هناك الحاجات البيولوجية، لكنها وحدها لا تكفي للنجاة والبقاء. ما يجعل البقاء واقعًا مُمكنًا هو البُعدُ العاطفي. وإن أشار إليها ابنُ طفيلٍ بكلمة “… فحنت الظبية وحنت عليه…” فالظبية التي سُخرت له ما لم تحمل هذا الشعور “الحنين ما كانت أرضعته ورعته، وما كان لـ “حيٍّ” أن تُكتب له الحياة، حتى لو اجتمعت كل حيوانات الغابة حوله. ويبدو أنه شعورٌ مشترك بين الحيوان والإنسان، ويلعب دورًا أساسيًا في البقاء.

لقد أخرجنا ابن طفيل بعد أن عرفنا على الحاجات البيولوجية، من البكاء إلى الرضاعة والدفاع والرعاية و… إلى بدايات التجريد. حاجات بيولوجية لا تكفي وحدها لحفظ وجودنا ما لم يوجد شيءٌ ما مُجرد. وأولى درجات التجرد هو “الحنينُ”.

بعد تسخير الظبية لإنقاذه يأخذنا ابنُ طفيلٍ إلى إشكالية العلاقة بين الرُوح والجسد، وماهيتها، والفارق بين الرُوح البشرية وبقية الأرواح، بعيدًا عن التكوينات الجسدية التي لا يُهملها تمامًا. وإن كان شأنه في مسألة “الرُوح” شأن أصحاب الفكر القُدسي، وهو أنها سرٌّ من أسرار الخالق، إلا أنه عمل على مقاربتها بقدر ما يسمح له الفكر القدسي بهذا. فأعاد الفارق بين الرُوح الإنسانية وبقية الأرواح في جوهره إلى مدى “استعداد” الجسد تلقيها. وهو متأثرٌ بفكرة أرسطو وتقسيمه للرُوح إلى ثلاثة: النباتية والحيوانية والإنسانية، بالإضافة إلى أفلوطين ومسألة “الفيض” الإلهي!

الرُوح فيضٌ إلهيٌّ أبديٌّ، وفيضهُ “على جميع الموجودات”، فلماذا لا توجد الرُوح في كل شيء؟ يُعلل ابنُ طفيلٍ غيابها عن بعض الموجودات اعتمادًا على “استعداداتِ” هذا المخلوق لاستقبالها. فهناك أجسام لا يظهر فيها أثرُ للرُوح “لعدم الاستعداد، وهي الجماداتُ التي لا حياة فيها… ومنها ما يظهر أثره فيه، وهي النباتُ… ومنها ما يظهر أثره ظهورًا كثيرًا وهي أنواع الحيوانات…”.

مقاربة وضعت الإنسان ضمن “جنس” الحيوان في الاستعداد لظهور أثرِ الرُوح فيه، ولا يعني هذا أنه “حيوان”، بل الفارق بينهما، أيضًا يُعيده ابنُ طفيلٍ إلى درجة “الاستعداد” لقبول الرُوح فيه. وفقًا له “… وكذلك أيضًا من الحيوان ما يزيد على شدة قبوله للرُوح، إنه يحكي الرُوح ويتصور بصورته، وهو الإنسان خاصة”.

هنا يكمنُ جوهر الافتراق بين الإنسان والحيوان، وفقًا لابنِ طفيل. افتراقٌ يعتمد على قاعدتين فلسفيتين وهما: الاستعداد والصورة. مُضيفًا بعدًا آخرَ، هو “المحاكاةُ”، بمعنى فعل الحوار، أي الفكر بأبعاده كافة. فتميز الإنسانُ عن الحيوان بدرجة “الاستعداد”، والفكر، مُضافًا إليه “الصورة”. فـ “صورته” لا تُشبه “صورة” الحيوان، بل هي أقربُ إلى صورة الخالق. فلو اقتربت صورةُ الحيوانِ من صورةِ الخالقِ لاختلفت صورته!

أمر يُذكرنا بالفيلسوف اليوناني زينوفانيس ومسألة رسم صورة للإله الذي خلقه هذا الكائن سواء كان حيوانًا أو إنسانًا. فكل منهم يوجد الإله أقرب إلى صورته، “”لو كان للأسود والخيول أيدٍ، وقدرة على الرسم والنحت مثل البشر، لرسمت الخيولُ آلهةً تُشبه الخيولَ، ولنحتت الأسودُ آلهةً على شكلِ أسودٍ”، فكان الإله الذي خلقه الإنسان أقرب إلى صورته.

لتأكيد الرعاية الإلهية له، بعد المكان الذي حط فيه التابوت، وتسخير الظبية لرعايته، الممزوجة بالحنين، هناك مسألة “الافتراس” من حيوانات مفترِسه. لا حيوانات مفترسة في الواقواق فـ “لم يكن بتلك الجزيرة شيء من السباع العادية…”.

رعته الظبيةُ، وعلمته بحنين كيف يبقى على قيد الحياة، فتشابه معها بأسلوب العيش البهيمي، من اللغة وصولًا إلى التعامل مع تأمين الحاجات البيولوجية للبقاء، من الغذاء والشراب والحياة و… فـ “حيٌّ” في صِغره “يحكي نغمتها بصوته… وكذلك كان يحكي جميع ما يسمعه من أصوات الطير وأنواع سائر الحيوان… فألفته الوحوش وألفها ولم تنكره ولا أنكرها”. وهنا أكثر مما تتجلي بدايات حياة الإنسان، قبل التفكير، مع الحيوان. والأمر اللافتُ للانتباه، هو أن اللغةَ، وفقًا لابن طفيل، مُكتسبة لا هبة. فهو عاش مع الحيوانات فتعلم لغتهم، والطفل في الحياة الاعتيادية يعيش مع بني جنسه من البشر فيتعلم لغتهم، ولا يتعلم لغة الحيوان! إذًا اللغةُ تُعلم، بمعنى تُكتسب، وفقًا للمحيط الموجود فيه الجنس البشري. وقد يكون ما يُميزه قدرته على اكتساب أكثر من لغة، حتى لو كانت الأخرى لغة حيوان ما أو مجموعة حيوانات.

لكنْ، كي لا نشطحَ كثيرًا في إشكالية: هل اللغةُ مكتسبة أم هبة إلهية؟ فنخرج عن حدود النص، نُشير فقط إلى أن ابنَ طفيلٍ وإن أشار بطريقة غامضة إليها، لكنه لا يخرج عن قاعدة “الاستعداد” لتقبل الرُوح في الاجسام، وعند الإنسان استعدادٌ كبيرٌ لاستقبالها، وهذا ما مَيزه عن الحيوان، ومن هذا التمايز عنه مسألة “… يحكي الرُوح ويتصور بصورته” أي اللغةُ وهي قدرةٌ تخص البشر، وخصَّه بها الخالقُ عن سائر الحيوانات الأخرى.

ما يأخذنا إلى بُعْدٍ أساسي في فلسفة أرسطو تتعلق بالقوة والفعل (actuality and potentiality). ويبدو أن ابن طفيل رأى أن اللغةَ هبةٌ إلهيةٌ، كامنةٌ في الإنسان، أي موجودة بالقوة، وتخرج منه إلى الفعل عند توفر الظروف. فقد خرجت من القوة إلى الفعل عندما كان “حيٌّ” مع الحيوانات، وخرجت لغةٌ محكية بشرية في المجتمع البشري.

تَكَوُّنُ الهُوية عند “حيٍّ”

في الصِغر، لم يكن عند “حيٍّ” أي هُوية عمن هو، لارتباط الهُوية بالإدراك غير المتوفر في مرحلة الطفولة. كانت هُويته متماهية، بطريقةٍ غير واعية، مع أمه الظَبية التي رعته حتى “… تدرَّجَ في المشي وأثْغَرَ (ظهرت أسنانه)” وكان يرافقهما “ربرب يسرح ويبيت معهما” وما هذا إلا تأكيدُ تماهي هُوية “حيٍّ” بهُوية أمه.

بقي مُتماهٍ في هُويته معهم إلى أن أثْغَرَ، ومن بعدها أدرك بواسطة الملاحظة (النظر) اختلافاته الظاهرية، أي الجسدية المادية، عنهم. فكان في “ذلك كله يَنظر إلى جميع الحيوانات فيراها كاسية بالأوبار… ثم يعود إلى نفسه، فيرى ما به من العُري…” فأخذنا ابنُ طفيلٍ إلى الربط بين “الإدراك” و”النظر” (الملاحظة) و”المقارنة” لتكوين عناصر هُوية عند “حيٍّ” وجمعهم ليصلَ إلى تحديد نقاط الاتفاق والافتراق (الاختلاف).

فالاختلاف، وهو ما أدركه العقل، الإدراك، بواسطة النظر هو ما دفع بـ “حيٍّ” إلى التساؤل، والأصح صياغة السؤال المُبهم الإجابة في البدء. وهذا ما يُعيدنا إلى أهمية فلسفة السؤال في التحفيز على البحث لإيجاد إجابة له، أو أكثر من إجابة.

إدراك، نظر، مقارنة، اختلاف، مثَّلوا بدايةَ صياغة سؤال الهُوية عند “حيٍّ”. فهو لم يُحدد هُويته بعد؛ لأنه “لم يرَ لنفسه شيئًا من ذلك كله. فكان يُفكر في ذلك ولا يَدري ما سببه”. سؤالُ السببيةِ حَفز العقلَ على التفكير، والتفكيرُ دفع إلى البحث، وغاية البحث الإجابة عن السؤال المطروح. سؤال “حيٍّ” فرضه الواقع الموجود فيه، ولم يُطرح عليه من خارجه.

أتت إجاباتُه الأولية عن السؤال، لأن السؤالَ المطروح منه وعليه لو تجاهله “حيٌّ” لما كان لـ “حيٍّ” أن يكون “حيًّا”، كما أن عدم الإجابة تُسبب الكرب، فالسؤال بقي “يكربه ويسوؤه”، على سؤال الاختلاف بمحاولة إزالة الاختلاف ولو بالحدود الدنيا. أي محاولة التشبه بالمحيط لمحو الاختلاف فـ “اتخذ من أوراق الشجر… شيئًا جعل بعضه خلفه، وبعضه قدامه… واتخذ من أغصان الشجر عصيًّا… يهش بها على الوحوش المنازعة له…”.

كل هذه المحاولاتُ للتشابه بمحيطه من استخدام أوراق الشجر إلى العصي، عناصر متوافرة الوجود في الطبيعة فاستخدمها ليقرب التشابه بينه وبين “أمه” وأقرانها. فـ “حيٌّ” شاهد أن للحيوانات سترًا طبيعيًا لهذه المناطق فهو “كان… ينظر إلى مخارج الفضول من سائر الحيوانات، فيراها مستورة”.

وكذلك الأمر فيما يتعلق بمسألة استخدامه “أدوات” الدفاع والحماية، فهو “كان يرى أترابه من أولاد الظباء قد نبتت لها قرون…”. وكلمة “أتراب” في نص ابن طفيل لم تكن عبثيةً وهي تأكيدٌ لعدم وجود بشر على الجزيرة، وأترابه هم الحيوانات. أي أنَّ “حيًّا” لم يلتقِ ببشري ليعلمه ما يقوم به. فمن البدهي أن يكون أترابه هم الحيوانات يتعلم منهم ويعمل على التمثل بهم بعد أن بدأت تتكشف له بوادر اختلافه عنهم. وهنا أيضًا يأخذنا ابنُ طفيلٍ، بطريقة مباشرة، إلى عدم إغفال مسألة تطور الإدراك.

تطورات إدراكية يذكرها ابن طفيل تدريجيًا، والأمر اللافت بتدرجاته هذه ربطه بالتطورات الجسدية أيضًا. ربط يهمله، أو يقفز فوقه، كثيرون. فابنُ طفيلٍ يُشير، ولو بطريقة عابرة، وهنا لا يجوز لنا تحميله ما لا يحق لنا أن نحمله إياه بإسقاط ما وصلت إليه علوم اليوم ونحاكمه على أساسها، فهو ربط مباشرة بين التطورات الإدراكية وتطور اليد تحديدًا، بعيدًا عن بقية أعضاء الجسد، رابطًا تطورات الادراك باليد بالعمل. فـ “حيٌّ” قد “رأى أن ليدهِ فضلًا كثيرًا… إذ أمكن له بها ستر عورته، واتخاذ العصي التي يدافع بها…”. إنتاج “الأداة” في حاجة إلى “يدٍ” لصناعتها، سواء كانت أوراق شجر لستر عورته، أو عصي للدفاع، أو مكوك فضائي لسبر أغوار الفضاء. هذه “الإنتاجيةُ” بواسطة “اليِد” لا بُدَّ من أن تكون متوازية مع مستوى الانتاج ومستوى العقل. وإن تخلَّفت واحدةٌ منهم في تطورها عن البقية، لاختل التوازن بينهم، وما استطاع “حيٌّ” أن يصنع أوراق الشجر أو بقية ما قام به لستر عورته أو للدفاع أو…[2]

الإدراك في حالة تطورية مع تراكم المعارف التجريبية بمرور الوقت، أي الكبرُ في السن عند الإنسان والحيوان أيضًا. فـ “حيٌّ” لم يُدرك الاختلاف قبل أن يبلغ عمر السنتين تقريبًا، وعندما وصل إلى عمر السنوات السبع “طال به العناء في تجديد الأوراق التي كان يستتر بها… إلى أن صادف… نسرًا ميتًا… فأقدم عليه، وقطع جانحيه وذنبه صحاحًا كما هي… وسواها… فأكسبه ذلك سترًا ودفئًا…” وهذه تلميحات بخصوص تطور المعرفة الإنسانية مع مرور الوقت، ومدى ارتباط هذا التطور بتراكمية التجربة.

من جهة أخرى، فإن كلَّ هذه العواملُ يُمكن أن تدخل في مسألة تحديد الهُوية، التي لا تتكون دفعة واحدة، بل على مراحل مترافقة مع كل ما سبق. وقد بقي “حيٌّ” يَكسبها من أرض الواقع، أي بحت مادية، إلا في بعض من التلميحات الطفيفة مثل “الحنين” لينقلنا تدريجيًا إلى التجريد واكتشاف عالم لا مادي، وبخاصة بعد تكوُّنِ هُوية “أنا” عند الإنسان.

“حيٌّ” يتعرَّفُ على الموت:

يعتني “حيٌّ” بأمه “الظَبية” كما اعتنت به في الصغر إلى أن بلغ سن السابعة تقريبًا. حق رعاية الوالدين علمته إياه الطبيعة من دون أي تدخلات بشرية. فقد تعرف على هذا الحق وعمل به “فطريًا” لوجوده في نفسه المشتركة مع النفس الحيوانية. “فطرة” مُستكملة لشعور الحنين. لكنَّ “حيٌّ” بشري واستعدادات قبوله المرتفعة للرُوح حملته “فطريًا” إلى الاهتمام بوالدته. وهذه مَيزة إنسانية أخرى تُضاف إلى الرُوح الإنسانية، وفقًا لنص ابن طفيل، لأن الحيواناتِ لا تهتم بمُسنيها مهما بلغت صلة القربي بينهم. لكنْ، كونُه بشريًا فوالدته عندما “أسنَّت وضعفت، فكان… يجتبي لها الثمرات الحلو ويطعمها”. فكان هذا مدخلًا ليتعرف “حيٌّ” على الكبر بالسن وما يُرافقه، بالإضافة إلى حقِّ رعاية الوالدين، لكنه لم يتعرف بعد على الموت.

على الرغم من كل محاولاته الدؤوبة، وتقديم أفضل رعاية مُمكنه لأمه فهو “يجتبي الثمرات الحلوة ويطعمها” إلا أن هذا لم يمنع موتها. بموتها تعرَّف على الموت خُطوة تلو الأخرى، كما تعرَّف على الأمور السابقة خُطوة تلو الأخرى.

أدركها الموتُ “فسكنت حركتها بالجملة، وتعطلت جميع أفعالها”. ها هو الموتُ: سكونٌ تام للحركة، وبسكونها ينعدم الفعل. فالفعل ضرورة في حاجة إلى حركة والحركة ضدَّ السكون. هنا يأخذنا ابنُ طفيلٍ إلى لزوم العلاقة بين الحركة والفعل، لنصل إلى استنتاج أولي مفاده أن الحركةَ هي الحياةُ، والسكونُ هو الموتُ.

ذُهِلَ “حيٌّ” عندما رأى أمه في حالة السكون التام فـ “جزع جزعًا شديدًا… ويصيحُ بأشد ما يقدر عليه، فلا يرى لها عند ذلك حركة ولا تغييرًا”.

حالةٌ لم يشهدها أو يُدركها من قبل. امتزج “حنينه” بخوف من حال مجهولة له. فعل ما في وُسعه، وفقًا لمستويات معرفته في حينها، لإخراجها من السكون–الموت إلى الحركة-الحياة. وهو أمرٌ دفعه إلى مرحلة إدراكية أعلى لتقوده لاحقًا إلى تجريد أعلى درجة، ألا وهي البحثُ عن الآفة المُسببة لهذا الانتقال من السكون إلى الموت.

ظن أن آفةَ ما أصابت والدته فصبَّ تركيزه على إيجاد مكانها لاعتقاده بأنها هي التي أدَّت إلى سكون “فيزيلها عنها، فترجع إلى ما كانت عليه”. بظنه هذا إضافة معرفية تراكمية على ما سبق وعرفه. لقد عاد إلى الذاكرة المجمعة من تجاربه الواقعية ليجد فيها حالًا مماثلةً لما أصابت أمه. فوجد العلاقةَ بين الآفة والسكون إلا أنه من تجربة فشله بإزالة الآفة أدرك بأن معرفتَهُ غيرُ كافيةٍ. فخبرته المعرفية السابقة المخزونة في ذاكرته تخبره أنه “إذا أغمض عينيه… لا يُبصر شيئًا حتى يزول ذلك العائق… فإذا أُزيلت تلك العوائق عادت إلى أفعالها”. حاول إزالة كل العوائق المادية، والمقصود هنا المادية المتعلقة بالحواس الخمس، ففشل في جميعها. فشل قادَهُ إلى البحث عن عوائق محجوبة، وبخاصة حاسة النظر.

وما هذه التدرجات إلا خُطوات يتبعها “حيٌّ” درجةً تلو الأخرى، ليصعد بنا على درج ينقلنا من عالم مادي إلى عالم لا مادي. فقد ألمح إلى الحنين وغيرها من درجات السُلم لنصل معه هنا إلى السكون، أي الموت.

بعد فشله في إيجاد الآفة التي يُمكن رؤيتها “وقع في خاطره أن الآفةَ التي نزلت بها، إنما هي في عضو غائب عن العيان، مستكن في باطن الجسد”. مُجددًا، ما يزال هنا معتمدًا على الحواس لكشف الآفة، استخدمها للكشف عن سكون أمه فبحث عن موقعها في بطنها (أحشائها). فأدخلنا “حيٌّ” في علم التشريح في محاولة منه لكشف ما هو غيرُ مرئيٍّ من أعضاء مظهرًا لنا علمه فيها. لكنه في الوقت نفسه هو رحلةٌ في سُلم الصعود من المادي إلى غير المادي. ليصل بنا إلى أن الآفةَ التي يحاول استئصالها ليُعيد الحركة لأمه مكانها أبعد بكثير من هذه الأعضاء المادية المستترة، الأحشاء، وأكثر استتارًا مما نظن “فصار عنده الجسد كله خسيسًا”. لقد صعد بنا “حيٌّ” درجةً أخرى باتجاه التجريد بكشفه التدريجي عن سبب السكون التام، مُعيدنا إلى فلسفة السؤال. فطرح “حيٌّ” على نفسه أسئلة أخرى من نمطٍ آخرَ، بعد أن وصل إلى استنتاج مفاده أن “الجسدَ كله خسيس”. فهناك شيء يدخل الجسد فيعطيه الحركة، الحياة، لمدة و”يرحل عنه بعد ذلك”. فسأل: ما هو؟ وكيف هو؟ وما الذي ربطه بهذا الجسد؟ وإلى أين صار؟…

أسئلةٌ ألزمته البحث عن إجاباتٍ لها من خارج الجسد، أي العالم المادي، أسئلةٌ لم يطرحها إلا بعد أن فشل في بحثه عن الإجابة عنها فيه.

لكنْ قبل الانتقال إلى البحث عن “الآفة” في موضع خارج الجسد حدث تغيير في جسد أمه الساكن تمامًا، ليؤكد انفصال “حنين” و”عشق” “حي” عن هذا الجسد، مؤكدًا له أن “الجسدَ كُلهُ خسيس”، وتتجه هذه المشاعر باتجاه “صاحبة الجسد”. الحدث هو بدايةُ تحلل جسد أمه.

لم يكن عند “حيٍّ” أدنى فكرة، أو تجربة سابقة، عما يجب فعله بهذا الجسد الساكن المُتحلل. فـ “حيٌّ” ما يزال في الخُطوات الأولى بتعرفه على الموت. هنا أيضًا تدخلت “العنايةُ الإلهية” المُتكفلة به، لتعلمه من خلال البيئة التي يعيشها فيها وجوب ما يلزم بالجسد.

يرى “حيٌّ” غُرابين “يقتتلان حتى صرَعَ أحدهما الآخرَ ميتًا، ثم جعل الحيُّ يبحث في الأرض حتى حفر حفرة فوارى فيها ذلك الميت بالتراب”. قَلَّدَ “حيٌّ” المشهدَ ودفن جسدَ أمه، فانفصل بدفنه عنها “ماديًا” ليصعد درجة أخرى باتجاه التجريد و”انتقلت علاقته عن الجسد إلى صاحب الجسد ولم يبقَ له شوق إلا إليه”.

عند هذه المرحلةِ الانفصالية عن الجسد والانتقالية إلى “صاحب الجسد” بدافع “الحنين” و”الشوق” إليه، والشوق حالةٌ تفوق الحنين. فهذا انتقال من اتصال بالجسد إلى الانفصال عنه يذكرنا ابن طفيل، بطريقة غيرِ مباشرةٍ، بقصة هابيل وقابيل الأسطورية واقتتلاهما حتى قتل أحدهما الآخر، وحار بما يجب فعله فسُخِّرَ له غرابان واقتتلا… كما في قصة “حيٍّ”. الفارقُ الأساسي بين القصتين عند “حيٍّ” لا ضغينة، ولكنها موجودة في قصة قابيل وهابيل. وهكذا يقفزُ ابنُ طفيلٍ فوق هذا التفصيل الجوهري في قصة هابيل وقابيل واقتبس منها فقط الجزءَ المتعلق بدفن جسد الميت.

ومن ضمن الاستنتاجات المُضافة إلى معرفة “حي” المكتسبة من موت أمه، هو أن “الجسدَ بجملته إنما هو كالآلةِ وبمنزلة العصي التي اتخذها هو لقتال الوحوش”. بالموت اكتملت حلقة الاتصال بالمادي ليتجه ببحثه باتجاه “محرك” هذه الآلة. فتكشف له الطبيعة النار ليتعرف عليها، ويتعلم بناء المنزل و… أي بدأ “حيٌّ” بالاستقرار. والاستقرارُ مرحلة أخرى من مراحل تطور الوعي والانتقال من “الحيوان” إلى “الإنسان” المستقر بمكان ويُنتج وسائل عيشه، ومنها ينتقل إلى البحث عن “صاحب الجسد” في السماء و… ولا يجد الحل. من مرحلة انتقالية إلى أخرى، جميعها تُذكرنا بفلسفة أرسطو ومحاولته إثبات وجوب وجود “المحرك الأول”.

مراحلٌ أوصلت “حيًّا” إلى “التأمل”، وهنا مرحلة أخرى من مراحل اكتمال “الرُوح” البشرية عنده ليتبين له عن طريق تأمله “أن الرُوحَ الحيوانيَّ الذي لجميع جنس الحيوان واحدٌ بالحقيقة وإن كان فيه اختلاف يسير اختص به نوع دون نوع”. فتعرف بتأمله على “صاحب الجسد”، وبالتحديد “صاحب جسد” أمه. كما تعرَّف على الرُوح النباتية والفارق بينهما، وهنا مجددًا بصمات أرسطو جليةً تمامًا.

وإن تعرَّف على “صاحب جسد” أمه، لكنَّ هذا غيرُ كافٍ، لأنه أبعد من هذا. فاتَّجه إلى السماء ليرى أنه “لا بُدَّ للعالم من فاعل ليس بجسم، وإن لم يكن جسمًا فليس إلى إدراكه لشيء من الحواس سبيل… وإذا كان لا يُمكن أن يُحس، فلا يُمكن أن يتخيل… وإذا لم يكن جسمًا فصفات الأجسام كلها تستحيل عليه…” من تجريد إلى تجريد أعلى يُخرج “حيًّا” “صاحب الجسد” من الجسد المادي، ليكون صاحبَهُ هو الفاعلُ في العالم وهو ليس بجسدٍ، ولا تُدركه الحواس ولا يُمكن تخيله.

تجريدٌ أعلى من سابقه قادَهُ إلى وجوب “وجودٍ فاعلٍ غير الجسم ولا متصل بجسم ولا منفصل عنه ولا داخل فيه ولا خارج عنه؛ إذ الاتصال والانفصال والدخول، هي كلماتُ من صفات الأجسام وهو منزَّهُ عنها”. ليعود معه التجريد إلى إشكالية الصورة والمادة الأرسطية.

هذا “الفاعلُ” عند “حيٍّ” هو سببُ الوجود ولا من سببٍ لوجوده، فهو “الموجود الرفيع الثابت الوجود الذي لا سبَبَ لوجوده، وهو سببٌ لوجود جميع الأشياء”. وبهذا يكون الفاعلُ “العلة الأولى”! وإدراك “الفاعل” أو “العلة الأولى” لا يُمكن عبر الحواس لأنه ليس بجسدٍ، لذا لا يُمكن إدراكه إلا عن طريق ما هو خارجُ الحواس. ما يُدرك به هي “الرُوحُ” البشرية، المتأملة، حاملة “الحنين” و”العشق”، “للفعال” أو “للعلة الأولى”.

رحلةٌ قادنا فيها “حيٌّ” منذ لحظة ولادته حتى مماته كيف لنا أن ننتقل من عالم المحسوسات، المادية، إلى عالم لا محسوس، لا مادي، ليعرفنا على “العلة الأولى” بلغة أرسطو، و”الله” بلغة “حي”. وكيف لنا أن نشاهده، فيدخلنا إلى عالم الصوفية. وهذه إشكالية أخرى.

لكنْ ثمة إشكالياتٌ لم يُقاربها “حيٌّ”، ومنها على سبيل المثال إشكاليةُ “الرُوح”. الرُوح عنده مُماثلة لنظرية الرُوح عند أرسطو، وإن اختلفت في بعض من الجزئيات، فالرُوح عند “حيٍّ” واحدةٌ تتحدد طبيعتها بمدى “استعداد” الجسم لتقبلها، فتكون نباتيةٌ هنا وحيوانيةٌ هناك وفي مكانٍ آخرَ، عند تمام الاستعداد بشرية. الإشكاليةُ هي من يُحدد هذه “الاستعدادات”، وعلى أي قاعدة؟ هل الرُوح تذهب عشوائيًا تجاه هذا الجسم أو ذاك، إن رفضها، فهو جمادٌ، وإن قبلها فهو يُحدد طبيعتها وفقًا لاستعدادته؟ هل الرُوح مُركب أو جوهرٌ بسيط؟ بمعنى هي مُركبة من ثلاثة أنماط: نبات حيوان إنسان. من الأرواح مُتداخلة فيها والمُكونة لها، وعند دخولها جسم ما يحدد هذا الجسم، وفقًا لاستعداداته، أي نمط من الرُوح سوف يستقبل، لتغادر البقية؟ أم أن هي جميعًا موجودة فيها بالقوة، ووفقًا للاستعداد يخرج منها ما مقبول؟ حتى لو وُجدت جميعًا فيها بالقوة، تبقى مركب! بما أن كل الموجود “فيض” لما اختلفت كميات الفيض على الاجسام، ليكون هذا جماد، وذاك نبات، وغيره حيوان، وذاك إنسان؟

بعيدًا عن كل هذه الإشكالياتِ التي تَجنبها “حيٌّ”، تبقى قصته تحمل أبعادًا فلسفية ما تزال قيدَ البحث حتى الآن. وأفكارها التي نُوقش جزءٌ منها هنا، لا يمنع بتاتًا أن تؤخذ القصة في زمننا لتدخل ضمن المناهج التربوية، للصغار والكبار، وتحويلها إلى قصص أطفال، وأفلام كرتون (رسوم متحركة) أو أفلام لتعرض على شاشات السينما أو اليوتيوب أو… بدل أن يُهيمن على عقولنا، وعقول الأطفال، طرزان، وسوبرمان وغيرهم. لا يعني هذا رفضُ البقية، لكنْ لنستخدم ولو جزءٌ من تراثنا الغني في السبل كافة، لنتعرف على من نحن إذا كنا فعلًا نُريد بناء هُوية لنا، لندخل بها إلى زمن العولمة الأحادية القطب، بدل أن ندخل بلا هُوية ونتكوَّنُ كما يُراد تكويننا! لندخلها ليس كما حدث في أول لقاء لـ “حيٍّ” مع بشري –أبسال- فـ “حيٌّ” “لم يدرِ ما هو، لأنه لم يره على صورة شيء من الحيوانات التي كان قد عاينها قبل ذلك. وكان عليه مدرعة سوداء من الشعر والصوف فظن أنها لباسٌ طبيعيٌّ. فوقف يتعجب منه مليًا”، أمَّا أبسال “لم يشك أنه من العباد المنقطعين وصل تلك الجزيرة لطلب العزلة عن الناس كما وصل هو إليها”! أي “حي” مثَّلَ له أبسال تجربةً جديدة لم يختبرها من قبل، أمَّا أبسال فله تجارب مع أمثال “حي” ويعرف كيفية التعامل معه!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1]  ملاحظة: يوجد أكثر من مرجع لهذه المقولة، ومنهم: ابن خلكان “وفيات الأعيان”، الجزء الثاني، ص. 492، و”حي بن يقظان لابن طفيل”، من تأليف جميل صليبا وكامل عيد، وغيرهم، كما هو حال القصة لذا لن يُذكر مرجع بعينه إلا عند اقتباس قول من خارج القصة.

[2]  للتوسع أكثر حول العلاقة ما بين العمل واليد والعقل يمكن الرجوع إلى كتاب “دياليكتيك الطبيعة” من تأليف فريدريك انجلز.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete