حُجَّةٌ مُهمَلَة، حول حقيقيَّةِ الإله

 تكوين

– تشارلز س. “بيرس”.

  • جميع الهوامش من وضع المُترجم.

 

مُقدمةٌ تمهيديَّة: عَرضٌ للمفاهيم الجوهريَّة في فلسفة “بيرس” وشرحٌ للحُجّة المُهملة على ضوئها

يَشُقُّ على المرء، وخاصةً غير المُتخَصِّص، أن يُطالِع ما كتبه “بيرس” في فلسفة الدين من دون أنْ يتوفَّر لديه الإلمام الملائمُ بالفلسفة البيرسيَّة، أو بتعبير آخر، من دون أنْ يكون لديه خبرة سابقة بالعوالِم البيرسيَّة وأغوارها؛ فالحُجَّةُ الواردة في هذه المقالة، والموسومةُ بـ ’’الإهمال‘‘ كما يُسمّيها “بيرس”، لا يمكنُ فهمها بوصفها دفاعًا لاهوتيًّا كلاسيكيًّا، بل ينبغي تفسيرها بوصفها لُبْنَةً من البناء الفلسفي الفريد الذي صاغه “بيرس” عبر حياته، وهو بناءٌ يتشابك فيه المنطق مع الرياضيات مع الميتافيزيقا مع النزعة البراغماتية. لذا، آثرتُ أنْ أسْبِق ترجمة هذه المقالة بمُقَدِّمة تمهيديَّة تَهْدِفُ إلى عرض المفاهيم المفتاحيَّة في فلسفة “بيرس” وتوضيحها، والتي تنطوي عليها هذه المقالة صراحةً أو ضمنًا، ويتبع ذلك العرضُ المفاهيميُّ شرحٌ مُوجز للحُجَّة المُهملة الواردة في المقالة.

مفاهيم مفتاحيَّة:

1- الأنطولوجيا التراتبيَّة: يتألَّفُ العالَمُ لدى “بيرس” من ثلاث مقولات تُحيل إلى ثلاثة مَراتِب من الوجود هي على التوالي:

1-1- الأوَّلانيَّة Firstness: ومن اسمها فهي أولى مَراتب الوجود، وأقلَّها تحديدًا، إنها عالَم الإمكان الخالِص، والكيفيَّات الشعورية الخام، وكل ما يتألَّف في ماهيته من محض القابليَّة للتمثُّل أو التحَقُّق ينتمي إلى هذا العالَم، والصدفة هي أبرز ملامِح هذا العالَم.

1-2- الثانَويَّة Secondness: وهي المرتبة التالية من الوجود، والتي تتألَّف من الفاعليَّة والمقاومة، إنه عالَمُ التحَقُّق الغاشم والاصطراع بين الأشياء والوقائع الفِعليَّة في الزمان والمكان، فكل ما يقع لنا في الخبرة المباشرة ينتمي إلى هذا العالَم.

1-3- الثالِثيَّة Thirdness: وهي أعلى مَراتِب الوجود عِند “بيرس”، فإلى هذا العالَم تنتمي المعقوليَّة، والقوانين الكُليَّة، والعلاقات، والغايات والمقاصِد، وفيه تظهر طبيعة العقل بوصفه منشئًا للمعنى، وبانٍ للفرضيات، ومُفسرًا للظواهر. فهذا هو العالمُ الوسيط، حيث لا الإمكان الصرف، ولا الفعل الخالص، بل نظامٌ رمزي، تتكونُ فيه اللغة، وتنتظم فيه الدلالة، ويُصاغ فيه المنطق. فـاللغة، والمنطق، والقانون الطبيعي، والأخلاق، جميعها تنتمي إلى هذا المقام، بل إن فكرة الله نفسها، كما يفهمها “بيرس”، إنما هي التجلّي الأعلى لهذا العالم الثالث.

2- الاستدلالُ الارتداديّ التفسيريّ Abductive Reasoning/Retroduction: وهو من أجلِّ إسهامات “بيرس” في المنطق وفلسفة العلم، فهو ضربٌ ثالِثٌ من ضروب الاستدلال، يختلف عن الاستدلال الاستنباطي Deductive Reasoning والاستدلال الاستقرائي Inductive Reasoning. إنه -كما يرى “بيرس”- حجر الزاوية في التأمُّل العقلي وأساس جميع الكشوف العلمية. وهو مِفتاحٌ أساسيٌّ لا غِنى عنه، لفهم مسار الحُجَّة المُهملة لدى “بيرس”.

2-1- طبيعة الاستدلال الارتدادي ومكانته المنطقيَّة: هذا النمط من الاستدلال لا يتَّصِف باليقينية مثل الاستنباط، فهو لا يعتمد على مُقدّمات يقينيَّة تُفضي إلى نتائج قطعيَّة، ولا هو من جنس الاستقراء الذي يبتدئ من وقائع جُزئية ليَخْلُص إلى تعميمات احتماليَّة. بل هو طريقٌ ثالِث، تُومِض فيه بصيرة العقل بفرضيَّة مبدئية، ليستْ مؤكَّدةً بعد، ولكنها تُعين على تفسير ظاهرةٍ غريبةٍ تشذُّ عن التوقعات المعتادة، وبموجب القُدرة التفسيرية لهذه الفرضية، يقبلها العقل على نحو مؤقَّتْ لِما فيها من معقوليَّة، ثم يَشْرَعُ في اختبارها تجريبيًّا وعلى مراحِل متعددة حتى تُثبت جدارتها بالاعتقاد.

والصورة المنطقية لهذا النوع من الاستدلال هي كالتالي:

  • لتكن P ظاهرة غريبة تَشِذُّ عن التوقعات والتنبؤات المعتادة.
  • إذا كانت الفرضية H صحيحة، لكانت الظاهرة P مُفَسَّرة ومُتوقَّعة.
  • إذن: من المعقول أن نفترض H بوصفها تفسيرًا مُحتملًا للظاهرة P.

2-2- الاستدلالُ الارتداديُّ في العِلم: كان “بيرس” يرى أن هذا النمط من التفكير هو الأساسُ لكل كشفٍ علمي، فإن العالِم لا يقرن ملاحظته بقياس أو استقراء، بل بفرض ابتدائيٍّ، يهمس به حدسه، ثم يختبره بعد ذلك بالطرق التجريبية ليتحقَّق من صِدقه. فالتقدُّمُ العلمي -في جوهره- ليس تكرارًا لما عُلم، بل كشف لما يُظَن، وإضاءةً لما يُستَبصر، وتلك هي وظيفة الاستدلال الثالث، الذي يحرك العقل من حيرة المشاهدة إلى طمأنينة التفسير.

3- نقدُ الأنطولوجيا الماديَّة ولوازمها: لا يرفض “بيرس” الماديَّة بسبب أنها ضربٌ من ضروب توصيف الظواهر وتعليلها، بل يرفضها لأنها رؤيةٌ أُحاديَّة للعالَم Worldview تدَّعي لنفسها الشمول والإحاطة بالظواهر كافَّةً. فالماديَّة كما ظهرت في الفيزياء النيوتونية، وكما تُعَبّر عنها النزعة الداروينية الراديكالية، تُسَلِّم بأنَّ الكَوْن آلةٌ مُغلَقة، وأنَّ كل ما يقع فيه من أحداث إنما يخضع لقوانين فيزيائية صارِمة لا رادَّ لها. غير أن “بيرس” يرى في هذا الرأي اختزالًا مَعيبًا لطبيعة الوجود. فالماديَّة تغفل عمَّا في الطبيعة من جمال وتناغُم وانسجام. كما أنها تفشل في تفسير ما تفترضه لمشروعيَّتها: معقوليَّة الكَوْن، وقُدرتنا على التفكير والاستدلال، وإدراك الحقائق؛ إنَّ النظر إلى العالَم بوصفه سلسلة من التفاعلات الفيزيائية العمياء، يعجزُ عن تسويغ إيماننا بقُدرتنا على إدراك الحقائق والتفكير السليم… مِمَّا يجعل من الماديَّة نَسَقًا أنطولوجيًّا قاصِرًا.

3-1- الصدفة البيرسيَّة (أو التيخيَّة Tychism) بديلًا للحتمية، والعقل الكَوْنيّ المتطوِّر بديلًا عن الماديَّة: إنَّ “بيرس” لا يكتفي برفض الحتمية، وإنما يُقدِّم مُقابلها تصوُّرًا ميتافيزيقيًّا جذريًّا، يجعل من المصادفة Chance، أو ما يُسَمّيه Tychism (التيخيَّة)، مبدأً أنطولوجيًّا أصيلًا. فالصُّدفة عنده ليستْ مظهرًا للجهل ولا هي ثغرة في نظام الكَوْن، بل هي من طبيعة الوجود نفسه، فهي الشرط الأوَّل لكل تنوُّع وتجدُّد وتغايُر. يقول “بيرس”: “إنَّ الصدفة المُطلقة، أو التلقائية، هي المصدر الرئيس للتنوُّع والعشوائية التي في الكَوْن”. بِناءً عليه، وعلى ما تبيَّن من عوار في الماديَّة، يستعيض “بيرس” عن الماديَّة Materialism بمذهب التأليه Theism، غير أنَّه يرفض (جُزئيًّا) التصوُّر الفلسفي التقليدي عن الإله (Classical Theism) بوصفه عِلَّةً أولى تامَّة لا يَعرِض عليها التغيُّر، ويعتنق صورة مِمَّا يُعرف مؤخرًا بـ التأليه المُنفتح (Open-Theism). فالإله، كما يتصوَّره “بيرس”، إنما هو عقلٌ كَوْنيٌّ مُتجدِّد، فهو مُنفتح على التطوُّر دائمًا في تفاعله مع العوالم الثلاثة.

إقرأ أيضًا: تأملات في كلاسيكيات علم الاجتماع

3-2- الصُّدفة والغائيَّة بوصفهما مراحلَ في صيرورة التطوُّر التدريجيّ: ثمَّة اختلافٌ شاسع بين مفهوم الصُّدفة البيرسيَّة (أو التيخيَّة Tychism) والصُّدفة الماديَّة، ويتجلَّى هذا الفرق بوضوح في ردود “بيرس” على الاعتراضات الماديَّة. إنَّ ما تعنيه الصُّدفة للماديين (المُعاصرين لبيرس على الأقل) هو غياب العِلَّة الغائيَّة من الوجود، إذ ليس هنالك سِوى عِلَل فاعِلة تحكمها الضرورة العمياء الموصوفة بقوانين الفيزياء، ومن ثمَّ تُصبح الصُّدفة ظاهرةً مُصاحبة للماديَّة بهذا المعنى. أمَّا الصُّدفة عِند “بيرس” فهي الأصل الإمكاني المحض (العالَم الأوَّل) الذي عنه تنشأ المادة وتتعيَّن في الزمان والمكان (العالَم الثاني) قبل أن تُصَبْ في نظام مُتناغِم وفقًا لغاية العَقْل الكَوْني (العالَم الثالِث). وعليه، فالصُّدفة عِند “بيرس” (التيخيَّة) ليستْ نتيجة للماديَّة، بل سابقةً عليها وشرطًا أوَّليًّا لها. ولهذا، سنرى أنْ “بيرس” لا يتردَّدُ في الهجوم على الصُّدفة (بوصفها اعتراضًا على الحُجَّة المهملة) ولكن فقط بهذا المعنى المُلازِم للماديَّة.

شرحٌ موجزٌ للحُجَّة المُهملة في ضوء المفاهيم السابقة:

قَسَّمَ “بيرس” مقالته إلى ثلاثة محاور تترابط فيما بينها لتكوِّنَ “عُشًّا من الحُجَج” Nest of Arguments وفق تعبيره، وهذه المحاور الثلاث مُجتمعة معًا هي بمنزلة مُقَدِّمات لِما أسماه “بيرس” “الحُجَّة المُهملة”، ومن ثمَّ تُعَامل هذه الحُجَّة بصفتها حُجَّةً مُمتدة Extended Argument. ويمكننا أن نَسِمَ هذه المحاور الثلاثة بعناوين بارزة من داخل المقالة. تتحرَّك الحُجَّة المُهملة في محاورها الثلاثة داخل الإطار المفاهيمي الموضح أعلاه، فيُمكننا إعادة بناءها بطريقة مُوازية منطقيًّا لمراحل الاستدلال الارتدادي التفسيري:

  1. التأمُّل العفوي الحر Musement: يَطلب مِنَّا “بيرس”، نحنُ الباحثون المنهكون من السَّعي نحو الحقيقة، أن نبتدئ من الحالة التي لا يقترن فيها العقل بأي غاية جادة، ولا يَنْشد أهدافًا أو منافِع مُعيَّنة، تلك اللحظة التي يُطلَق العنان فيها للعقل، فيشرع في التأمُّل العفوي الحُر Musement. إذ يتأمَّل العقل في العوالِم الثلاثة وما فيها من جمال وتجانُس وتآلُف، وفي أثناء هذا التأمُّل الحر، ينبثق في النفس العَجَبْ والدهشة والحاجة إلى تعليل، ومن هذه كُلَّها يَنشأ تخمينٌ أو فَرَضٌ مبدئي، بأنَّ ما في هذه العوالم من ترابط عجيب، وانسجام دقيق، لا يُمكن تفسيره بالصدفة وحدها، بل يُشبه هذا النظام عقلًا مفكرًا، أو قل: يدل عليه، كأنما هو أثرٌ لعقل أعلى، أو لكائن ضروري Ens necessarium، يُوَائم بين تلك الظواهر وفق غاية مُعيَّنة.
  2. غريزيَّة الفرَضيَّة النابعة من التأمل الحُر: ولـمـا كان ذلك التأمل أمرًا شائعًا في البشر غير مقتصر على نخبة أو طائفة، بل تجده في الصبي والرجل، وفي المتصوف والفيلسوف، وفي القبائل البدائية كما في المجتمعات الصناعية، رأى “بيرس” أن هذه الاستجابة الكونية ليست محض عادةٍ ثقافية، ولا خرافة تناقلتها الأجيال، بل هي فطرة Instinct كامنة في جوهر النفس الإنسانية، تُنبئ عن طبيعتها، وتُعبر عن أشواقها إلى المُطلق. وهنا يَعْقِدُ “بيرس” مقارنةً دقيقة بين هذا الإيمان الفطري، وبين غريزة الوثوق في حدسنا العقلي وقُدراتنا على الاستدلال، إذ لا أحد يُثبت صلاحية المنطق بالمنطق نفسه إلا بالدور، بل النفس تطمئن إليه أولا بفطرتها، ثم تُؤيِّدُهُ التجربة والتطبيق. فكذلك الاعتقاد بوجود الله، هو استجابة أولى في النفس، يُصدقها العقل بعد أن يأنس بها.
  3. التسويغ البراغماتي للفرضيَّة: ثمَّةَ توازٍ منطقيٍّ ملحوظٍ بين: التأمُّل في جمال العوالِم وتناغمها وما يتبعه من عَجَب من ناحية، ومرحلة الاندهاش من مُلاحظة ظاهرة غريبة في الاستدلال الارتدادي من ناحية أُخرى، ولمَّا كان الاندهاش والعَجَب متبوعًا بنشوء الفَرَض، والتأمُّل متبوعًا بالتخمين المبدئي، فلا بُدَّ إذن من إخضاع هذه الفروض أو التخمينات إلى الاختبار في المرحلة اللاحقة من الاستدلال الارتدادي، وفي هذه المرحلة من الحُجَّة المُهملة يقول “بيرس”: إذا كان هذا الاعتقاد بالله يُنْتِجُ في النفس سلوكًا راقيًا، وأثرًا عمليًّا إيجابيًّا، ويُفضي إلى حياةٍ أخلاقيةٍ أسمى، فإنّه بذلك يُبرّر ذاته، لا بوصفه وسيلةً من خارج، بل بأثره الفعليّ في الحياة. فالاعتقاد الصادق، عند “بيرس”، هو الذي يُنتج نتائج عملية مؤثرة، وهذا هو معيار الصدق في نظر البراغماتية البيرسية.

النتيجة إذن أنه يُمكن للإيمان أنْ يُوْلَدَ من محض التأمّل العفوي الحُر، لا من برهان صارم، ذلك التأمُّل الذي يُنبِتُ في النفس ميلًا فطريًّا إلى الإيمان بالإلَه، وشوقًا إلى عبادة ذلك الكائن الأعلى. وإنَّ الاعتقاد بوجود الله، هو استجابة أولى في النفس، يُصدِّقُها العقل بعد أن يأنس بها، ويُبرَّرُ الاعتقاد بها تجريبيًّا بسبب أثرها في السلوك العملي للإنسان.

النَّصُ المُتَرْجَم

كلمة “إله” God وكذلك بالأحرف الكبيرة “GOD” (كما نقولُ، نحنُ الأمريكيين)، هي اسم العَلَم القابلُ للتعريفِ دلالةً على الكائن الضروريّEns necessarium؛ وفي اعتقادي، دلالةً على الخالِق الحقيقيّ لعوالم الخِبرَة الثلاثة.

بعضُ الكلماتِ هنا -متى اِستُخْدِمَتْ- علينا كتابتُها بأحرف كبيرة، ليس كما في العاميَّة الدارِجة، وإنما بوصفها مُصطلحات مُعرَّفة؛ فهكذا -على سبيل المثال- تكون “الفِكرة” Idea هي وَحْدَةُ التفكير وفحواهُ، سواءٌ كان واقعيًّا أم خياليًّا؛ وأمَّا “الفِكرة”  idea بالمعنى القريب لِما يقصده أفلاطون بـ المثال ἰδέα، فتدلُّ على أي شيء يتكوَّنُ في وجودهِ المَحض، من قابليَّته للتمثيل تمثيلًا كامِلًا، بصرف النظر عن مَلَكَة أي شخص، وعن قُدرته أو عجزه عن أن يتمثَّله.

أمَّا “الحقيقيُّ” Real فكلمةٌ اِبتُكِرتْ في القرن الثالِثَ عشر، دلالةً على حيازةِ الخصائص، أي الصفات، الكافية لتعيين هُويَّة موضوعها، إذ تحوزُ الموضوعاتُ هذه الخصائص سواءٌ أُسْنِدَت إليها من فرد أو جماعة، أم لا. وهكذا، فإن فحوى الحُلْم ليس حقيقيًّا، كونه على ما هو عليه لمُجرَّد أنَّ الحالِم يحلم به على هذا النحو فحسب؛ وأمَّا واقعةُ الحُلم نفسها فحقيقية، إن حَدَثتْ فِعلًا؛ وإذا كانت كذلك، فإن توقيت الحُلم، واسمُ الحالِم، إلخ، يكوِّنون معًا مجموعةً من المُلابساتِ الكافيةِ لتمييز واقعة الحُلْم عن غيرها من الأحداث؛ وتنتمي هذه المُلابساتُ إلى واقعةِ الحُلم (أي سيكون من الصدق إسنادها إليها) بغض النظر عمَّا إذا أكَّدَها أحدهم بالفعل أم لا. أمَّا “الفِعليُّ” Actual فهو ما يقع، سواء كان في الماضي، أو الحاضر، أو المستقبل.

أمَّا كلمة “خبرة” Experience فتعني: تأثُّرٌ واعٍ، يتولَّد قَسْرًا، ويُسهِمُ في تكوين عادةٍ ما قابلةٌ للتحكُّم الذاتيّ، إلا أنها مُرضية إلى الحدِّ الذي يجعلها -عند التأمُّل فيها- غير قابلة للتدمير بأي جُهْد إيجابي من القُدرة الداخلية. وأعني بكلمة “مُتحكَّمٌ به ذاتيًّا” Self-controlled: “التحكُّم بواسطة ذاتٍ مُفكِّرة”، ولا تعني “اللا-مُتحَكَّمُ فيه” uncontrolled، اللهمَّ إلا من ناحية التطور التلقائي للكلمة، كما يستخدمها البروفيسور جيمس م. بالدوين J. M. Baldwin. فإلَيْك مثلًا إحساس الطفل الذي يختبر وضع إصبعه في لهب، متبوعًا باكتسابه عادة إبعاد جميع أطرافه عن اللهب، هذا ما أعنيهِ بالخِبرة. وأعني بـ “الغاشم” أو “القَسْري” Brute، ما تكون فعاليَّته مباشرة، لا يحكمها أي عقل أو قاعِدة.

من بين عوالِم الخبرة الثلاثة المألوفة لدينا، ينطوي العالَمُ الأوَّلُ على جميع الأفكار المحضة، تلك اللا-أشياء الخاوية، والتي يمنحها عقلُ الشاعر، أو عالِم الرياضيات الخالِص، أو غيرهما، مَوضعًا واسمًا داخل ذلك العقل. هذه اللا-شيئيَّة الخاوية، هي تحديدًا، ما يحفظ للأفكار واقعيَّتها؛ أي أنَّها في كينونتها مُكوَّنة من قابليَّتها المَحضة لِأن يُفكَّر بها، لا أن يُفكِّرَ بها شخصٌ ما بالفعل. أما العالَم الثاني فهو عالَمُ التحقُّق الغاشِم للأشياء والوقائع. وأعتقد -بلا رَيبٍ- أنَّ وجود الأشياء في هذا العالَم يتكوَّن من التفاعلات المضادة للقُوى الغاشمة، ورغم وجود اعتراضات قوية تُشكّك بهذا الطرح، إلا أنَّها لا تعود كذلك بعد فحصها بتأنٍّ وإنصاف. أمَّا العالَمُ الثالث فيحتوي على أي شيء يتكوَّن من القُدرة الفعَّالة على إنشاء الصِلَات بين أي شيئين مُختلفين، ولا سيَّما بين أي شيئين من عوالِمَ مُختلفة. وكلُّ ما هو علامة Sign في جوهره، ينتمي إلى هذا العالَم،  لا على هيئة العلامة من دون أن يكون كذلك في الجوهر، وإنما كما يُقال، يُبرِزُ ’’رُوحَ العلامة‘‘، التي تكشفُ عن ذاتها بقُدرتها على العمل وسيطًا بين موضوعها وعقلٍ ما. والحال كذلك عند الوعي الحي أيضًا، والحياة نفسها، وقوَّة النموِّ في النبات، أو النظام الفعَّال، مثل: صحيفة أخبار، ثروة كبيرة، “حركة” اجتماعيَّة، جميعها تنتمي إلى ذلك العالَم.

كلمة “حُجَّة[1]” Argument تعني: كلُّ عمليةٍ فِكريَّةٍ تميلُ إلى إنتاج اعتقادٍ مُحدَّد. أمَّا “الحِجاج” Argumentation فهو تقديم حُجَّة بِناءً على مُقدِّمات مُصاغة على نحو مُحدَّد.

إذا كان هنالك إلهٌ حقًّا، وكان صالِحًا، فبموجب الحقيقة المتفق عليها من مُعظم النَّاس، والتي مفادها أنَّ الدين، إن ثَبُتَتْ صِحَّته، لكان ذلك خيرًا يفوق جميع الخيرات الأُخرى، فمن الطبيعيّ، إذن أن نتوقَّع وجود حُجَّة واضحة على وجوده، ويجب أن تكون –تلك الحُجَّة– واضحة عند جميع العقول، الراقية والبسيطة منها، مِمَّن يَسْعَون -بصِدق- في معرفة الحقيقة بشأن هذه المسألة؛ كما نتوقَّع -أيضًا- ألَّا تُقدَّم لنا نتيجة هذه الحُجَّة بوصفها قضية ميتافيزيقية لاهوتيّة فحسب، وإنما بوصفها قابلة للتطبيق بصورة مُباشرة على سَير الحياة، لإثراء أسمى جوانب التقدُّم الإنساني. وما سأدعوه “ح.م” N.A – أي: الحُجَّة المُهمَلة، يبدو عندي أفضلُ مُحَقِّقٍ لهذا الشرط السابق، ولن أتعجَّبَ من حقيقة أنَّ مُعظم المؤمنين بالإله، مِمَّن اكتسبوا إيمانهم عبر تأمّلاتهم الخاصة، يَدينون بما نالوه من ثراءٍ رُوحيٍّ إلى نور “الحُجَّة المُهمَلة”N.A . إنَّ قُدرتها على الإقناع غيرُ عاديَّة، وهي على الرغم من ذلك ليستْ مجهولةً مِن الجميع. غير أنَّهُ، من بين جميع اللاهوتيين (ضمن حدود قراءتي المتواضعة) الذين يجتهدون بجدارة في اكتشاف أو ابتكار الحُجج السليمة للبرهنة على أوَّل قضايا اللاهوت، قليلٌ منهم فقط مَنْ ذَكَرَ هذه الحُجَّة، وإنْ فعلَ، فبالكاد. ولعلَّ السبب في ذلك يرجع إلى أنهم يتشاركون الاعتقاد بالمفاهيم الحالية للمنطق، تلك المفاهيم التي لا تعترف بأي نوع من البرهنة إلا تلك القائمة على المُحاجَّات Argumentations.

ثمَّة عَمَلٌ مُعيَّن، مُحَبَّبٌ للعقل، وبسبب عدم حيازته على اسمٍ يُميّزه، قلَّما يُمارسه الناس كما يستحق؛ غير أنّنا لو سمحنا له -باعتدال- بمُتَّسَع من الوَقْت (لنَقُل مثلًا، نسبة 5 إلى 6% من وقت يقظتنا، ربما في أثناء نُزهة) لكان مُنعِشًا بما يكفي لتعويض كُلفَة وَقتُه. ولأنَّ هذا العَمَل لا يَهْدِفُ إلى غاية سِوى التخلِّي عن كل غاية جادَّة، فأنا أميلُ –أحيانًا– إلى تسميته بـ “الشرود” reverie مع بعض التحفُّظ، ولكن عند ذَوي المِزاج الذهنيِّ المُعارِض للفراغ والاستغراق الحالِم، فإن هذه التسمية غير ملائمة بطريقة مُوجِعة. في الواقع، يمكننا أن نُطلِقَ عليه اسم: اللَّعِب الخالِص Pure Play. والآن، فإنَّ اللَّعِبَ -كما نعرف- هو مُمارَسةٌ نَشطة لقُدرات المرء. أمَّا اللَّعِبُ الخالِص فليست له قواعِدَ، إلا مبدأ الحُرّية هذا. إنَّه يَهُبُّ حيثما شاء، لا غايةَ منه سِوى الترويح عن النَّفْس، أمَّا عن العَمَل العقليّ الذي أعنيه (قضمة صغيرة من التأمُّل في العوالِم الثلاثة) فقد يتَّخِذُ شكلَ التأمُّل الجماليّ، أو نَوعًا من تشييد القُصور البعيدة (سواء في إسبانيا أو في دخيلة النَّفْس، عبر التهذيب الخُلُقيّ)، أو التفكُّر في إحدى عجائب العوالِم، أو في العِلاقة القائمة بين عالَمين من الثلاثة، مع التأمُّل في عِلَّة هذه العِلاقة. وهذا الشكلُ الأخير-تحديدًا- هو ما أُوصيكم به على نحو خاص، وهو ما سأدعوه عمومًا “التأمُّل الحُر” Musement، لأنه بمرور الوقت، سيقود صاحبه إلى الحُجَّة المُهْمَلَة N.A. أمَّا بخصوص مَنْ عَكَفَ على إقناع نفسه بحقيقة الدين، فهذا -بوضوح- مَن لا يبحث برُوح عِلميَّة خالِصة، وسيبقى دائمًا في شكٍّ من نزاهة استدلاله. ومن ثمَّ، لن يستطيع أبدًا أن يبلُغَ حتى كَمالَ اعتقادَ فيزيائيٍّ بالإلكترونات، رغم أنَّه اعتقادٌ مؤقَّت.[2] أمَّا إذا سُمِحَ للتأمُّل الدينيّ بأن يَنمو تلقائيًّا، وبلا انقطاع، من قلب اللَّعِبِ الخالِص؛ فحينئذٍ يَجني المُتأمِّلُ الحُر الصَّفاءَ والصِّدقَ المثاليين، نتيجةً لهذا النوع من التأمُّل.

ولو قرَّرَ أحدهم أن يجعل التأمُّلَ الحُرَّ هوايته المُفضلة للترويح عن النَّفْس، وطلب منّي النّصيحة، لأخبرته: إنَّ الفَجْرَ والغَسَقَ هما أكثر الأوقات استدعاءً للتأمُّل الحُر. لكنني لم أجد وقتًا -لَيْلًا أو نهارًا- إلا وكانت له ميزته الخاصة في ممارسة هذا النوع من التأمُّل. يبدأ الأمر بانفعالٍ سلبيٍّ، إذ نتلَقَّى انطباعًا بخصوص سِمَة مُعيَّنة في أحد العوالِم الثلاثة، وسُرعان ما يتحوَّل ذلك الانطباع إلى مُلاحظَة مُنتبهة، ومن المُلاحظة إلى تأمُّلٍ عميق، ومن التأمُّل العميق إلى حوار حيّ بين المرء ونَفْسِه. وإذا تحدَّدت التأمُّلات والمُلاحظات عند المرء أكثر من اللازم، لَتَحَوَّلَ هذا اللَّعِبُ إلى دراسةٍ عِلميَّة؛ بَيْد أنَّ تلك الأخيرة لا يُمكننا ممارستُها في فترات قصيرة وعابرة.

أودُّ أن أُضيف ما يلي: الزم وصيَّةَ اللَّعِبِ الوحيدة، أعني مبدأ الحُريَّة. بوِسْعي أن أشهد بأنَّ النصف الأخير من هذا القرن -على الأقل- لم يَخلُ قَط من جماعات السادة العرَّافين (Sir Oracles)، الذين يجوبون بين النَّاس مُوَزِّعينَ أقوالًا مأثورةً، غايتُها أنْ تَسُدَّ منافِذ التفكير وتُعرقِل سُبُل البحث؛ إنهم في حاجةٍ ماسَّة إلى رابليه (Rabelais)[3] جديد، فهو وَحده القادِر على كشف ما عندهم من هَزل مُستتر، خلفَ قِناع العِصمة الذي يُظهرونه. لقد كان أوغست كونت (Auguste Comte)، على الرغم مِمَّا قدَّمه من أصالةٍ فِكريَّة لا يُنكرها أحد، زعيمًا لتلك الجماعة لزمنٍ طويل. غير أنَّ موضة كل مقولة كانوا يُردّدونها لم تلبث أن تذبل سريعًا بالضرورة، فأيُّ قيمةٍ يمكنُ أنْ تُكتسَبَ من ترديدِ أقوالٍ صارَتْ تُردَّدُ طوالَ الوقت؟ لم توجد حتى يومنا هذا موضة فكرية أكثر غرابةً من مظاهر التزيُّنpanache  تلك التي يُدَّعى بها “الحِكمة العتيقة”. أتذكَّرُ تلك الأيام التي شاع فيها القول، بصوت مِلؤه الغَضَب: “لا يجوزُ لِعِلمٍ أنْ يستعيرَ أساليبَ عِلْمٍ آخرَ؛ فلا ينبغي للجيولوجي أن يستخدمَ المِجهَر، ولا لعالِمِ الفَلَك أن يستخدمَ مِنظار التحليل الطَّيْفيّ، وليس لعِلْم البصريات أن يتداخل مع الكهرباء، ولا أن يتقاطع الجبر مع المنطق” وما أن مَرَّت عشرون عامًا، حتى صارتْ الموضة هي أن تُردِّد، بوجهٍ مُتجهّم، “ليس من شأن العِلْم أن يبحثَ في الأصول.” فهكذا تكونْ ذا عقليةٍ سياديَّة في نظر أولئك القوْم. وتلك المقولةُ الأخيرة، هي بحق، المثالُ النموذجيُّ للتملُّص؛ إذ ما من رُوح خجولة تخشى الاتِّهام بالسذاجة، كانت ستجرؤ أصلًا على السؤال عمَّا تعنيه “الأصول”، إلّا أنَّ الكاهِن الخفي القابِعُ في دخيلة النَّفْس، يُجبر المرءَ على الاعتراف إلى نفسه (ذلك الاعتراف المُفْزِعُ) بأنَّه لا يدري فيمَ يُمكن أن يبحث أساسًا، إن لم يكن البحثُ بحثًا في “أصول” الظواهر؟ (على الرغم من الغموض الذي يكتنف ذلك اللفظ). إنَّ قُدرة العقل البشريّ على إدراك بعض العِلَل، أمرٌ لا يمكنُ إنكاره الآن. وحين نُدرك بصورة لا-إراديّة عنصرًا مُعيَّنًا ممَّا يقع في الخِبرة، فمن المعقول أن ننتظر دليلًا إيجابيًّا، قبل أن نُثقِل معارفنا بتعقيدات لا داعي لها. وإلا فمَ الفائدة من تجاوز المُلاحظة المُباشرة أصلًا؟ إنَّ العلم الطبيعي يَزْخَرُ بالأمثلة الدالَّة على هذا المبدأ. لذا، فبما أنَّ الإنسان قادرٌ –بلا شك– على فَهْمِ قوانين بعض الظواهر وعِلَلها، فمن المعقول إذن أن نفترض قُدرته على حلِّ أيَّة مسألة تُواجهه بطريقة صحيحة، إذا خصَّصَ لها ما يكفي من الوقت والانتباه اللازمين. بل إنَّ المسائل التي تبدو للوهلة الأولى مُستعصية على الحل نهائيًّا، هي التي تمنحنا -من تلقاء نفسها- المفاتيح الملائمة لِحلَّها بسلاسة، مثلما لاحظ إدغار آلان بو Edgar A. Poe في قِصته القصيرة: جرائم شارع مورغ. وهذا بالأخصّ، ما يجعل تلك المُسائلَ ملائمةٌ لِلَعِب التأمُّل الحُر.

إقرأ أيضًا: الفلسفة الوضعية : تعريفها، مؤسّسها، وتأثيرها في الفكر العربي

أربعون أو خمسون دقيقة من التفكير التحليلي النَّشِط، والمتواصل، يكفون عادةً لاستخلاص كل ما يُمكن استخلاصه من إحدى هذه المسائل، أعني حلُّها العام. ولستُ راغِبًا في أن أُثنيكم عن نوعٍ مُعيَّن من الاستدلال في أثناء لَعِبِ التأمُّل الحُر؛ بل سأشعرُ بالأسى إذا وجدتُ أحدهم يحصره في أسلوب وحيد محدود الخصوبة، مثل التحليل المنطقي. إنَّ الشيء الوحيد الذي ينبغي للاعِب تذكُّره دومًا، أنَّ الأسلحة الأعلى شأنًا في ترسانة الفِكر ليستْ ألعابًا، بل أدواتٌ حادّة. ويمكن أن تُستخدمَ تلك الأدواتُ على سبيل التدريب فقط في أي لَعِبٍ؛ أما التحليل المنطقي -في المقابل- فيمكن أن يُستثمر بكامِل كفاءته في التأمُّل الحُر. لذا، استئنافًا للنصائح التي طُلِبَت مِنّي، عليَّ أن أقول:

“ادخُل بزَوْرَقك الصغير إلى بحرِ التأمُّل الحُر،

ادفع بهِ نحو بُحيْرة الفِكر،

واترك نفحات السماء تنفُخ في شراعك.

تنبَّه لِما حَولكَ أو فيكَ، وأبقِ عَيْنيكَ مَفتوحَتَيْن،

ثم ابدأ الحديثَ مع نَفْسَك؛ لأنَّ هذا هو عَيْنُ التأمُّل”

ولكنّها -على أي حال- ليستْ مُحادثةً بالكلمات فحسب، وإنما هي كالمُحاضرة، مصحوبة بالرسوم التوضيحية والتجارب.

تتنوَّع سُبُل التفكير تنوُّعًا مُدهشًا بتنوُّع الأشخاص، إلى الدرجة التي يستحيل معها أن أتحدث عن أي المسارات قد يتَّخذها التأمُّل الحُرُّ أو لا؛ لكنَّ دماغًا يتمتّع بموهبة التحكُّم التلقائي، كما هو الحال عند الإنسان، بطريقة غير مُباشرة، سيجدُ نفسَهُ (طبيعيًّا، وعلى نحو صحيح) مُنشغلًا بمَلَكاتِه الخاصّة، حتى إن بعض المسائل النفسية وشِبه-النفسيَّة -بلا رَيب- سوف تمَسُّه فتحُثّه على التأمُّل؛ ومن بين تلك المسائل شِبه-النفسيَّة مثلًا، أنَّ أتباع “داروين” اخترعوا (بل وسَلَّموا بمُنتهى الثِقة)، وببراعة مُدهشة، تفسيرًا لجمال الأزهار المُتنوّع والدقيق، وتفسيرًا آخرَ لجمال الفراشات، وهَلُمَّ جرًّا… ولكن لماذا ينتشر الجمال في جميع أرجاء الطبيعة –في صور الأشجار وفي مشاهِد الغروب– بهذا القدر؟ وليس في الطبيعة وحدها، وإنما في العالَمين الآخرَيْن؟ وأما بخصوص المسائل النفسيَّة البحتة، فمن المُرجح أنَّ طبيعة اللذة والألم مسألة ستجذب الانتباه. هل هما خصائص مُجرَّدة للشعور؟ أم أنهما غرائز مُحرِّكة، تدفعُنا نحو مشاعر مُعيَّنة وتصُدنا عن غيرها؟ هل يشتركان في البِنية ذاتها؟ أم أنَّهما مُتضادان في بِنيتهما، إذ تنشأ اللذة عند تكوين عادة أو تقوية ارتباطٍ مُتصوَّر قائم على التشابه، في حين يظهر الألم عند إضعاف تلك العادة أو الإخلال بذلك التصوُّر؟

من الطبيعي أن تؤدِّي التأمُّلاتُ النفسيَّةُ إلى تأمُّلاتٍ أُخرى في مسائلَ ميتافيزيقيَّة خاصة، وهي تمرينٌ جيّدٌ لعقلٍ يميلُ إلى التفكيرِ السليم. فهنا تنجلي تلك الأسئلة التي تبدو للمرء -من الوهلة الأولى- بلا مَقْبَضٍ ليتمكَّنَ العقلُ من الإمساك بها، غير أنَّها سُرعان ما تستسلم بسهولة تحت وطأة التحليل المنطقي. غير أنَّه لا مفرَّ من مُواجهة مسائل ميتافيزيقية، لا يكفي التحليل المنطقي وَحْده لحلَّها. وواحدة من أفضل هذه المسائل سوف تدفعُنا برغبةٍ جارِفة إلى فهم مجموع الظواهر الكَونيَّة، غير المُحدَّدة، والمُختبرة جُزئيًّا. وأودُّ أن أقترح على المُتأمِّل الحُر ألَّا يُسارع في تحليل تلك الظواهر، خَشْيَةَ أن يُضيّعَ أحد العناصر المهمة في عملية التحليل؛ بل أن يبدأ بإمعان النظر فيها من كل زاوية مُمكنة، إلى أن تتبادر له قراءةُ حقيقةٍ ما، كامنةٌ خلفَ هذه الظواهر.

وعند هذه المرحلة، سيُطالِبُ العقلُ المُدرَّبُ بإجراءِ فحصٍ للتحقُّقِ من صِحَّةِ ذلك التفسير؛ وأولى خُطواتُ ذلك الفحصِ هي التحليلُ المنطقيُّ للنظرية. لكنَّ الفحص الدقيق الصارِم يُعَدُّ أمرًا جادًّا أكثرَ من اللازم مقارنة بجلسات تأمُّل عابِرة تُمارَس في أقل من ساعة. ولا ضير في إرجاء ذلك الفحص، إذ إنه، مثل بقية المقترحات التي لا يتوفر لنا الوقتُ لفحصها، سيُجدي نفعه لاحقًا؛ خاصةً وأنَّ بعضًا من هذه المقترحات يبدو جذّابًا للعقل وكأنه يُقاربُ اليقين.

ويا لَيْتَ المُتأمِّلَ، بعد أنْ يُقدِّرَ تمام التقدير ذلك التنوُّع المُدهش (في السِّعَة والعُمق) في كل عالَم من العوالم، أقول، لَيْتهُ يتَّجهُ بنظرهِ بعدئذٍ إلى تلك الظواهر التي يتجلَّى فيها التجانسُ Homogeneities والترابطConnectedness  داخِلَ كلَّ عالَمٍ من الثلاثة، ويا للمشهد الذي سيَنجلي أمامه آنذاك! ولِلمحة بسيطة عن تلك العجائب، تكفي الإشارةُ إلى الفضاء Space مثالًا، حيثُ كلُّ جُزءٍ صغير منه –مهما بَعُد أو اقترب– مُحاطٌ بأجزاءٍ مُجاورةٍ من العيّنة نفسها، وهكذا لأيِّ جُزءٍ آخر مهما بَلَغَ حجمه بلا استثناء. وإليك مادَّة الطبيعة مثالًا آخرَ، إذ ما من نجمٍ إلا ويتألَّفُ من نفسِ أنواعِ العناصِر، وانظر كذلك إلى التشابه في النِّسَبْ بين العناصر الكيميائية المختلفة (باستثناء الظروف المُتفاوتة)، المنتشرة عبر الكَوْن المرئي بأكمله، فتَعْجَب أكثر! وعلى الرغم من أنَّ قائمة المُركَّبات الكربونيّة المعروفة وحدها تَسَع مُجلَّدًا ضخمًا (وربما –لو عُرِفَتْ الحقيقة– لَتبيَّن أنَّ عدد الأحماض الأمينية وحدها يفوق ذلك) إلا أنَّه من غير المُحتمل أن يزيدَ مجموعُ العناصرِ في الطبيعةِ عن 600 عُنصرٍ تقريبًا، وقرابة 500 عُنصر منها يَنطلقونَ في الفضاء بسرعاتٍ فائقة لا تحتملها جاذبيةُ الأرض، والكورونيوم[4] هو أبطأهم حركة. إنَّ هذا العددَ الضئيلَ يُفصِحُ عن بساطةٍ تقريبيةٍ في بُنيان الكَوْن. ومع ذلك، لا مفرَّ لأيِّ عالِمِ رياضيات من الاعتراف باليأس الراهن إزاء مُحاولة فَهم بِنْيَة ذرَّة الهيدروجين، أبسطُ العناصِر التي تستطيع الأرض حَمْلَها.

ومن التأمُّلات المتواصلة في التجانُس الداخلي لكل عالَمٍ من العوالِم، سينتقل المُتأمِّلُ الحُرُّ، على نحوٍ طبيعيّ، إلى التجانس والترابط الحاصل بين عالَمَيْن مُختلفين، أو بين العوالِم الثلاثة معًا، خاصةً وأنّنا لا نجدُ في هذه العوالِم الثلاثة إلا نمطًا واحدًا لِما يحدث: إنه التطوُّر الذي يتكوَّن في ذاته من تجانُس الأجزاء البسيطة معًا. ويتَّضح ذلك في تطوُّر الحركة Motion إلى تَمَوْضُع Displacement، وفي تطوُّر القُوَّة Force إلى حركة. ونكتشف في التطوُّر -أيضًا- أنَّ العوالِم الثلاثة تتعاونُ فيما بينها؛ فالسِّمةُ العامة للتطوُّر هي: التهيئة المُسبقة للمراحل اللاحقة، من داخل المراحل السابقة. كانت هذه بضعة أمثلة من الخطوط العامة للتأمُّل، والتي ستُفضي بصاحبها -حتمًا- إلى فرَضيَّة وجود الإلَه. ليس لِأنَّ هذه الظواهر لا يمكن تفسيرها –بمعنىً ما– بفِعل الصُّدفة المحضة التي لا تقترنُ بعُنصرٍ أعلى (إلَّا بأقل قَدْرٍ يُمكنُ تصوُّره)؛ بل بالأحرى، لِأنّه إذا كان المقصود بالإلَه هو “الكائنُ الضروريّ” Ens necessarium فإن فرَضيَّة الإلَه تحديدًا تستلزمُ هذه الحالة من الظواهر تحديدًا.[5] كما أنَّه جديرٌ بالمُلاحظة أنَّ ذلك النوع من التفسير بالقائم على الصُّدفة لن يُلغي الحاجَة المُلِحَّة إلى تفسيرٍ عقلَويٍّ أيضًا كما في السابق.[6] يُمكنك أن تُخبِرني (اعتمادًا على مرجعيَّةٍ موثوقة) أنَّ كل تفكيرنا العقليَّ يعتمدُ على حركاتٍ عصبونيَّةٍ، تحكُمها بدِقَّة، قوانينُ فيزيائيةٌ مُعيَّنة، وأنَّ مُجمَل تعابير فِكرنا الخارجية والداخلية حازت تفسيرًا فيزيائيًّا، وسأكون مُستعدًا لتصديقك إلى هذا الحدّ. ولكن عندما تُخبرني بأنَّ تفسيرًا كهذا ينسِفُ نظرية أنّي وجاري كائناتٌ مُفكِّرة تحتكمُ للعقل، فعليَّ أن أعترفَ بصراحة بأنَّ قَوْلًا كهذا لن يجعلك أكثر ذكاءً في نظري.[7] لكن على كُلٍّ، ستجدُ فكرةُ وجود الإلَه –عاجلًا أم آجلًا– خيالًا خَصبًا في اللَّعِب الخالِص للتأمُّل الحُر، وسيُطوّرها المُتأمّلُ بطرقٍ شتَّى. وكلَّما تعمَّقَ فيها[8]، حازَتْ جوابًا لها في أرجاء عقله، وذلك لجمالَها، ولِما تمنحه من سُمُوٍّ للحياة، ولِما تُقدّمه من تفسير مُرضٍ وشاملٍ لبيئتهِ الثُلاثيَّة.

إنَّ فَرَضيَّة الإلهِ فَرَضيَّةٌ مُميَّزةٌ من نوعها، إذ تفترضُ وجود كائنٍ غيرَ محدودٍ وغير قابلٍ للإدراك، مع أنَّ كلَّ فَرضيَّة مُشابِهة، تفترضُ ضمنيًّا إدراكَ موضوعِها على نحوٍ صحيح. وهذا لا يتركُ لنا إلَّا سبيلًا واحدًا فقط لفهم فرَضيَّة الإلَه: وهو أنَّها -على غموضها- صحيحةٌ بقدر ضآلة ما فيها من تحدُّد definite، وإنَّها تميلُ دومًا إلى تحديد ذاتها أكثر فأكثر، إلى غير حدٍّ. والجدير بالملاحظة هنا، أنَّ غموض هذه الفَرضيَّة (الخاضعة بذاتها لقانون التطوُّر) يجعلها تبدو كما لو أنها تعزو إلى الإلَه تطوُّرًا[9]، وهذا يتناقض مباشرةً مع أولى مراحِل هذه الفَرضيَّة. والحقُّ أنَّ ذلك العَزْو الظاهري لا يمكنُ حذفه من الفَرضيَّة ببساطة، مما يقتضي –وفقًا للفَرضيَّة نفسها– أنه لا يمكن أن يكون باطلًا تمامًا. لذا تثبَتُ مضامينُ الفَرَضيَّةِ على العوالِم، بينما تُنكَر (جُزئيًّا) على الإلَه[10]، أي تؤخذ في الاعتبار بوصفها أقل بُطلانًا من أن نُنكِرها تمامًا. إذن، تدفعنا الفَرضيَّةُ إلى التفكير في سِمات كل عالَمٍ من العوالِم بوصفها مَقصودة لغايةٍ ما؛ وهذه الفكرة ستصمُد أو تسقُط بالتوازي مع ما ستؤول له الفَرضيَّة. غير أنَّ الغَاية بطبيعتها تنطوي على التطوُّر[11]، ومن ثمَّ لا يصحُّ عَزْوُها إلى الإلَه. لكن –وبموجب الفَرضيَّة نفسها– أنْ نَصِفَ الإلَه بأنه يتصرَّف وفقًا لغَاية، لَهُوَ أمرٌ أقلُّ بُطلانًا أيضًا من أن نَصِفه بأنه يتصرَّف بِلا غَاية.

وأنا على اقتناع تام –بحسب تجربتي الشخصية– من أنَّ كلَّ إنسان قادرٌ على التحكُّم في انتباههِ بما يكفي لأداء بعض التفكير الدقيق، إذا ما فحصَ حُجَّة “زينون” Zeno بشأن “إخيل” والسُّلحفاة، فسوف يستنتج (كما فَعَلتُ) أنَّها لَيْست إلَّا فَخًّا حقيرًا؛ وبحسب معرفتي بتأثير التأمُّل الحُر، فيَّ وفي غيري، لا شكَّ لديَّ بأنَّ أيَّ إنسان طبيعيٍّ يتأمَّلُ العوالِم الثلاثة في ضوء فَرضيَّة وجود الإلَه، ساعيًا في ذلك التأمُّل برُوحٍ عِلميَّةٍ خالِصة، أقول، لا شكَّ لديَّ بأنَّه سيَنجذبُ في أعماق رُوحه بجمال تلك الفكرة، وبمهابتها على المُستوى العَمَليّ، حتى يصل إلى المَحبَّة الصادِقة والتبجيل الخالِص لإلَهه الافتراضيّ؛ وحتى يصل –فوق كل شيء– إلى رغبة عارِمة في تكوين سلوكه وسَيْر حياته بالكامل بما يتوافق مع هذه الفرَضيَّة. وأخيرًا، إنَّ الاستعدادَ التامَ -المُتعمَّد- لتكوين سَيْر حياة المَرْء بما يتوافق مع قضيةٍ ما a proposition ليس سِوى حالة الذهن المُسمَّاة ’’الإيمان‘‘ بتلك القضيَّة، مهما طالَ أجَلُ تصنيفه الواعي تحت ذلك العنوان.

إقرأ أيضًا: البحث عن الفلسفة بين ثنايا التاريخ

تلك هي مسودَّتي الأولى للحُجَّة المُهمَلة، بعد أن اقتطَعتُ كثيرًا منها، كي تتلاءم مع الحدود المُقرَّرة لهذه المقالة. وفيما يلي، يُفترضُ بي أن أُناقش مدى منطقيّتها؛ لكن -وللتنويه- ما من شيء مِمَّا يُمكِنُ قراءتُه بجِلْسةٍ واحدة[12] كافٍ لإيصال بُرهاني الكامل على النقاط الأساسيَّة في هذه المناقشة. وكل ما أرجوه فقط هو أن أجعل ما تبقَّى من هذه المقالة، بمنزلة جَدْوَل مُحتويات؛ عسى أن يُساعِد البعض في التكهُّن بما لديَّ لأقوله؛ أو أن أضعَ سلسلةً من النقاط المقبولة التي ستُساعد القارئ على أن يبني لنَفْسه خطًّا من الاستدلال المتصل انطلاقًا منها. إنَّ البُرهان في عقلي مُسَهَب شرحه، ولكني سأبذل قُصارى جُهدي، حتى أُقدِّمَهُ إلى الجمهور العام. والتلخيص الذي سأُقدّمه في الوقت الراهن سينقسم إلى ثلاثة أقسام غير مُتساوية: ففي القِسْم الأول سأعرض عناوينَ المراحِل المختلفة التي تمرُّ بها أي عملية بحث تام ومُصاغ بعناية، دون الوقوف عند أي انحرافات وارِدة. وسأضطر إلى ذِكر بعض الخُطوات التي لا شأن لها بـ “الحُجَّة المُهمَلة” بغرض أن أُبيِّن أنَّها لا تُضيف شيئًا –قَلَّ أو كَثُر– إلى الحقيقة الثابتة التي تُستخلَص دومًا بطريقة استخلاص الحُجَّة المُهمَلَة نفسها لها. وفي القِسْم الثاني سأحَدِّدُ موضع الصلاحيَّة المنطقية في كل خُطوة من خُطوات ذلك البحث، باختصار شديد، ودون الدخول في جدال (لضيق المجال)، أمَّا في القِسْم الثالِث فسأُشير إلى المكانة التي تحتلَّها “الحُجَّة المُهمَلة” في سياق البحث التام عن وجود الإله، وسأُبيّن مدى مُلاءمتها لهذه المكانة، وما القيمة المنطقيَّة التي تُمثّلها إذا ما اقتصرَ البحثُ عليها فقط؛ وسأقول بضع كلمات أخيرة لبيان كيفية تدعيمها.

كل بحث (أيًا كان نوعه) ينشأ من مُلاحظة لظاهرة مُفاجئة في أحد العوالِم الثلاثة؛ خِبرةٌ تتعارضُ مع تنبُّؤٍ ما، أو تَخْرِقُ عادةً رَسَّخَتْ بعض التوقُّعات لدى الباحِث inquisiturus؛ وكل استثناءٍ ظاهريٍّ لهذه القاعِدة إنما يؤكّدها. ثمَّة تمييزاتٌ واضحة بين الموضوعات المُفاجئة في الحالات المختلفة، لكن لن تستوقفنا تلك التفاصيل في هذا المُخطط الموجز للبحث، خاصةً وأنَّ كُتب المنطق تُسْهِب في شرحها. يبدأ البحثُ بإمعان النظر في هذه الظواهر من جميع زواياها، في محاولة للعثور على وجهة نظر تُفسِّر تلك الدهشة، وفي الأخير، ينشأُ لدي الباحِث تخمينٌ[13] ما a conjecture، تخمينٌ يُقدِّمُ تفسيرًا ممكنًا لتلك الظاهرة. وغايةُ القَوْل: إنَّه قياسٌ منطقيٌّ (Syllogism)، يُبيّنُ أنَّ تلك الواقعة المَعنيَّة هي بالضرورة نتيجة للظروف التي أحدثتها، جنبًا إلى جَنب مع صِدق ذلك التخمين المعقول، بوصفه مُقدّمةً في ذلك القياس. وبموجب ذلك التفسير يميلُ الباحِثُ إلى استحسان ذلك التخمين، أو الافتراض الذي لديه. أو كما أُعبِّرُ عن ذلك بطريقتي: باعتبار الفَرَض “مَعقولًا” سيقبله الباحِثُ بصِفَة مؤقَّتة؛ ودرجات قبول ذلك الفَرَض تتفاوت –تفاوتًا معقولًا– إلى حالات مختلفة؛ من التعبير عنه في حالة استفهام بوصفه سؤالًا يَسْتَرْعِي الانتباه والإجابة، صعودًا إلى أعلى درجة من المعقوليَّة، وصولًا إلى مَيْل لا يُقاوَم نحو التصديق. إنَّ مُجمَل سلسلة العمليات العقلية هذه، بدءًا بمُلاحظة الظاهرة المُفاجئة وانتهاءً بقبول الفَرَض، تلك الفترة التي يبدو الفهمُ فيها، الذي اعتاد الخنوع والانصياع، وكأنَّه يُكشِّرُ عن أنيابه فجأة لنتوسَّل رحمته؛ بما فيها من ذلك التقصِّي عن الظروف وثيقة الصِّلَة، والوقوع عليها، أحيانًا بلا وَعيٍ مِنَّا، وتمحيصها بدِقَّة، ذلك الجُهْد المُضني الأشبه بالتنقيب في الظلام، ومن ثمَّ الظهور المُباغِت للافتراض المُذهل، ومُلاحظة مدى حُسْن مُلاءمته للظاهرة الشاذة، كما لو كان مِفتاحًا يُدار في قُفْل، ووصولًا إلى التقدير النهائي لمعقوليَّته، كل هذه الخُطوات مُجتمعة تكوِّنُ معًا ما أعتبره “المرحلة الأولى من البحث”. تلك كانت صيغة توصيفية لنوع من الاستدلال الذي اصطلَحتُ على تسميته بـ الاستدلال الارتدادي Retroduction[14] – أي الاستدلال من النتيجة إلى المُقدَّم. قد تبدو التسميةُ غير ملائمة من ناحية؛ يرجع ذلك إلى أنَّ معظم الحالات التي يبلُغُ فيها الافتراض أعلى درجات المعقوليَّة –ومن ثمَّ يكون، بحق، جديرًا بالتصديق– يعجزُ فيها الباحِثُ عن أن يصوغ، على نحو مُحدَّد، ماهيَّة تلك الظاهرة المُدهشة التي فَسَّرها؛ أو لا يستطيع ذلك إلا في ضوء الفَرَض نفسه. وباختصار، إنه شكل من أشكال البرهنة Argument عِوَضًا عن الحِجاج Argumentation.

إنَّ الاستدلال الارتدادي وَحْدَهُ لا يمنح ضمانًا. يجب أن يخضع الفَرَض للاختبار.

هذا الاختبار، كيما يتم على نحو صحيح منطقيًّا، يجب أن يبدأ، لا بتمحيص الظواهر كما في الاستدلال الارتدادي، وإنما بفحص الفَرَض نفسه صراحةً، وذلك عن طريق أن يجَمْع الباحِثُ أشكال النتائج التجريبية المشروطة كافَّة بذلك الفرَض، أي التي سوف تنتُج إذا صَدَقَ الفَرَض.[15] وهذا يُمَثِّلُ “المرحلة الثانية من البحث”. ولتوصيف هذا الشكل من الاستدلال، قدَّمَتْ لنا لُغَتُنا، منذ قرنَيْن من الزمان، اسمًا لائقًا له: الاستدلال الاستنباطي Deduction.

والاستنباط ينقسِم إلى خُطوَتَيْن: في الخُطوة الأولى يجب أن يبدأ الباحِثُ بالتحليلِ المنطقيّ لتوضيح الفَرَض، أي أن يُصْقَلَ الفَرَضَ جيدًا ليتميَّز بقدر الإمكان. وهذه العملية (مثلها مثل الاستدلال الارتدادي) تنتمي إلى البرهنة Argument وليست من الحِجاج Argumentation. لكنَّها -وبعكس الاستدلال الارتداديّ- لا يمكنُ تخطيؤها إذا افتقرت للتجربة، بل ما دمت تسير سيرًا سليمًا فستصل حتمًا إلى نتيجة صادقة. ويلي التوضيح خُطوة الإثبات Demonstration، أو ما يُسمَّى الحجاج الاستنباطي Deductive Argumentation، وهذا يُتعلُّم إجراؤه بأفضل طريقة ممكنة من الباب الأوَّل بكتاب «العناصِر» لـ إقليدس؛ تُحفة فنيَّة تتفوَّق في بصيرتها بحق على «التحليلات» لـ أرسطو، وإنَّ كَثرة مُغالطاته لتَجْعله أكثر إرشادًا للدارِس المُدقِّقِ. إنه –أي الإثبات– يتطلَّب، وبصِفة مُستمرة، شيئًا بطبيعته أشبه بالرسم البياني؛ إذ تكون “الأيقونة” أو العلامة Sign المُمثِّلة لموضوعها مُشابِهةً له. وهو في حاجة كذلك لعلامات تُمَثِّلُ موضوعاتها عن طريق ارتباطها الفِعلي بتلك الموضوعات. غير أنَّه مُكوَّن في الأساس من “رموز” Symbols، أو علامات تُمَثِّلُ موضوعاتها بالأساس لتجعَلَها مُفسَّرة. وينبغي أن يكون الإثباتُ من النوع المُنْتِج Corollarial كلّما أمكن ذلك. إنَّ تقديم تعريف دقيق للإثبات المُنْتِج Corollarial Demonstration يتطلَّب شرحًا مُطوَّلًا؛ ولكن يكفي أن نقول بأنه ينحصر في الاعتبارات التي قُدِّمت بالفِعل[16]، أو تلك المُتضمَّنة في شرح النتيجة؛ أمَّا الإثبات البُرهاني Theorematic Demonstration فيعتمد على عمليات فِكريَّة أكثر تعقيدًا.

بعد أن يؤتيَ الاستنباط غَرَضه بالقَدْر الكافي –أي جَمْع ما يكفي من النتائج المُترتّبة على صِدْق الفَرَض– حينئذٍ ينتقل البحثُ إلى مرحلته الثالِثة. وهي التأكُّد من مدى مُوافَقة تلك النتائج مع التجربة، ومن ثمَّ الحُكم ما إذا كان الفَرَضُ صحيحًا من الناحية الحِسيَّة، أو يحتاج إلى تعديل غير جوهري، أو ينبغي رفضه بالكامل. والتوصيف المُميِّز لذلك النوع من الاستدلال هو الاستقراء Induction، وهو مرحلة مُكوَّنة من ثلاث خطوات: إذ يجب أن تبدأ بالتصنيف أوَّلًا، وهو بدوره استقراء من نوع البرهنة اللا-حِجاجيَّة Non-argumentational، وفيه تُلْحَق الأفكار العامَّة بموضوعات الخِبْرة، أو بالأحرى تُخضَع الموضوعات إلى هذه الأفكار.[17] يتبع ذلك ما يُعرَف باختبار المُحاجَّات Testing-argumentations، أي المراحِل التجريبيَّة Probations؛ ثم يُختَتمُ البحثُ بالقِسْم الحسَّاس Sentential من المرحلة الثالِثة؛ الذي يتم فيه –وبواسطة الاستدلالات الاستقرائية– تقييم كل مرحلة تجريبيَّة على حِدةٍ، ثم تقييم مجموع هذه المراحل، ثم القيام بتقييم ذاتي لهذه التقييمات نفسها، وأخيرًا، إصدار الحُكم النهائي على مُجمَل النتائج.

المراحِلُ التجريبيَّةُ Probations، أو المُحاجَّاتُ الاستقرائيةُ المُباشرة، لها نَوعان: الأوَّل، هو ما وصفه “بيكون” Bacon وصفًا رديئًا أنه ’’الاستقراء الذي يعتمد على التعداد البسيط‘‘ inductio illa quæ procedit per enumerationem simplicem. أو هكذا فُهِمَ على الأقل؛ إنَّ مُجرَّد عَدّ الحالات لا يُمَثِّلُ أمرًا جوهريًّا في الحُجَّة التي تُقرّر، على سبيل المثال، أنه لا وجود لكائنات مثل الجِنيَّات، ولا لأحداث خارقة للطبيعة مثل المُعجزات. بل النقطة الأساسية هنا: أنَّه لا توجد حالة مُثبتة جيدًا لشيء كهذا. هذا ما أُسمِّيه بالاستقراء الفجّ Crude induction، وهو الاستقراءُ الوحيد الذي يُنْتِج منطقيًّا قضيَّةً عامَّة. وإنه لَمِنْ أضعف البراهين، إذ يمكن دحضه في لحظة واحدة، مثلما حدث نحو نهاية القرن الثامن عشر للرأي العِلميّ السائد، بأنَّ الأحجار لا تسقُط من السماء. أمَّا النوع الثاني، فهو الاستقراءُ التدريجيّ Gradual Induction، الذي يقوم بإعادة تقدير نسبة الصواب في الفَرَضيَّة مع ظهور كل حالة جديدة؛ وعلى اعتبار وجود أي قَدْر من الخطأ، فسيكون هناك، في وقتٍ ما (أو سيكون بشرط استمرار المراحل التجريبيَّة) تقدير نهائي خالٍ تمامًا من ذلك القَدْر من الخطأ. والاستقراء التدريجي إمَّا كَمِّي أو كَيْفي، والنوع الكمِّي يعتمد إمَّا على القياسات أو الإحصائيات أو العَدِّ.

فيما يتعلَّق بمسألة طبيعة الصلاحيَّة المنطقية التي يتمتَّع بها كلٌّ من: الاستنباط، والاستقراء، والاستدلال الارتدادي، وهي مسألة لا تزال مُثيرةً للجدل، سأقتصر هنا على عَرض آرائي الخاصة، وأنا مُستعدٌ للدفاع عنها ببراهين إيجابيَّة. لقد حلَّلَ “كانط” Kant صحَّة الاستنباط على نحو صحيح (وإن لم يكن واضحًا بما فيه الكفاية). هذا النوع من الاستدلال يتعامل بصفة حصريَّة مع أفكار خالِصة Pure Ideas ترتبط بالرّموز على نحوٍ أساسي، وترتبط، على نحوٍ اشتقاقيٍّ، بغيرها من العلامات الأُخرى التي نبتكرها بأنفسنا. والواقع أنَّ امتلاك الإنسان للقُدرة على إيضاح معانيه الخاصة هو ما يجعل الاستنباط صحيحًا. أما الاستقراء فنوع من الاستدلال الذي ربما قد يُوقِعنا في الخطأ؛ ولكنه اتّباعٌ لمنهج من النوع الذي بمواصلته بما فيه الكفاية، سيؤول، بيقينٍ استقرائي (من نوع اليقين الذي يجعلنا نثق بأنَّ عُملة معدنية إذا أُلْقِيَت لأعلى لمرَّات كافية، حتمًا ستسقُط على وجهها ولو مَرَّة واحدة)، إلى تقليص نسبة الخطأ عن أي درجة مُحدَّدة سَلَفًا، وهذه الحقيقة تؤكّدها قُدرةُ الإنسان على إدراك اليقين الاستقرائيّ. وفي كل هذا أنا أدعو القارئ إلى أن يختلس النظر سريعًا إلى عدَسة التليسكوب؛ فهنالك ثروة من التفاصيل وثيقة الصِّلَة التي لا بُدَّ من تجاوزها هنا.

إقرأ أيضًِا: المنزلة البشريّة من منظور الوعي (بين الفلسفة والدّين)

وأخيرًا نصل إلى صميم سؤال النقد المنطقي؛ أيُّ نوعٍ من الصلاحيَّة المنطقية يُمكن إسناده للمرحلة الأولى من البحث؟ لاحظ أنّه، لا الاستنباط ولا الاستقراء يُضفيان أدنى عُنصرٍ إيجابيٍّ إلى النتيجة النهائية للبحث! إذ إنهما يعملان على تحويل ما هو غير مُحدَّد indefinite إلى مُحدَّد definite فقط لا أكثر؛ الاستنباط يقوم بالتوضيح، والاستقراء يقوم بالتقييم، وهذا كل ما في الأمر. فوق هذه الهُوَّة السحيقة التي تفصل بين الهدف النهائي للعِلْم وبين تلك التصوُّرات البدائية عن بيئة الإنسان، تلك التي كانت تطرأ عليه في أثناء تجواله في الغابات قديمًا –في حين كان مفهومه عن الخطأ شديد الغموض، مِما مَكَّنه من التواصل مع أقرانه– فوق هذه الهُوَّة السحيقة نحنُ نَبني جِسرًا كابوليًّا من الاستقراء، مُتماسِكًا في أجزائه بدُعامات وأربطة علمية. ومع ذلك، فإنَّ كل لَوْح على طول ذلك الجسر قد وُضِعَ أوَّلًا بواسطة الاستدلال الارتدادي وَحْدَهُ؛ أو قُل من خِلال الافتراضات المُولَّدة تلقائيًّا من العقل الغريزي؛ ولا يُسهِم الاستنباط أو الاستقراء بإضافة أي مفهوم جديد إلى البناء. وهذا لا يقلُّ صحَّةً أو أهميةً حتى مقارنة بتلك البحوث التي تقودها المصلحة الذاتية.

إذن، أول إجابة نُقدّمها بصورة طبيعية عن هذا السؤال هي: أنه ليس بوِسعنا سِوى قبول ذلك الافتراض بالدرجة التي نقبله بها؛ سواء قبلناه بوصفه سؤالًا يسترعي الانتباه، أو فَرَض يتمتَّع بدرجة (تزيد أو تقل) من المعقوليَّة، أو أحيانًا، اعتقادٌ لا يمكنُ مُقاومته. ولكن بعيدًا عن أن يُمَثِّلُ هذا -بمُفرده- مُسوِّغًا منطقيًّا يليقُ بكائن عاقِل مِثلنا أن يُقدّمه، فإن هذا التوسُّل –بأننا لا نستطيع سِوى الإذعان لهذا المقترح– لا يعدو أن يكون اعترافًا بالفشل في تدريب أنفُسنا على التحكُّم بأفكارنا. غير أنَّ الإصرار على أنَّ قوَّة هذا الباعِث تُمَثِّلُ عَرَضًا Symptom على كَونه غريزيًّا، أمرٌ له مغزى أكبر. ترتقي الحيواناتُ من جميعِ الأجناس فوق مُستوى ذكائها العام بتأدية تلك الأفعال التي تُعَدُّ وظيفتها الخاصة، مثل: الطيران وبناء الأعشاش في الطيور العاديّة؛ فما وظيفة الإنسان الخاصة إن لم تكن تجسيد الأفكار العامَّة في الإبداعات الفنيَّة، وفي المنافع، وقبل كل شيء، في المعرفة النظرية؟ إنَّ تكذيب الإنسان لقُدرته الواعية على الخوض في أعماق عِلَل الظواهر سيكون حماقة، تمامًا كما لو أنَّ طائرًا صغيرًا أبى أن يَثِق بجناحيه ويغادر العش، لأنَّ ذلك الصغير قد قرأ كتاب “جاك بابينيه” Jacques Babinet وحَكَمَ بأنَّ الطيران مُستحيل من منظور ديناميكا الموائع. نعم؛ لا بُدَّ من الاعتراف بأننا لو عَلِمْنا أنَّ المَيْل إلى تفضيل فَرَضيَّة على أُخرى مُشابه حقًّا لغريزة الطيور والدبابير، لكان من الحماقة بمكان ألَّا نمنح ذلك المَيْل دورًا ضمن حدود العقل؛ لا سيَّما وأنه لا بُدَّ لنا من تبنِّي فرضيةٍ ما، أو أن نُحْرَمَ كل معرفة لاحقة تتجاوز ما اكتسبناه بالفعل من تلك الطريقة بالذات. ولكن هل يمتلك الإنسان حقًّا هذه القُدرة السحرية؟[18] أُجيب بأنه: ليس إلى الحدِّ الذي يجعله مُصيبًا في تخمينه من المرَّة الأولى، ربما ولا حتى من الثانية؛ ولكن، العَقلَ (المُهيَّأ جيدًا) قد خمَّنَ -وبطريقةٍ عجيبةٍ- كل سِر في الطبيعة في ذلك الوقت القصير، هي حقيقة تاريخية بالفعل. لقد تمَّ الحصول على جميع النظريات العلمية بهذه الطريقة. ولكن، أليْسَ من المُمكن أن تكون جميع هذه النظريات جاءت عن طريق الحظ، أو عبر نوع مُعتدل من المُصادَفة كما يفترض الداروينيون؟ أجيب بأنَّ هناك ثلاث أو أربع طرق مُستقلّة من الحساب تُبيّن أنه لَمِن السَّخَف أن نفترض بأنَّ عِلْمَنا قد وَصَل إلينا بهذه الطريقة.[19] ومع ذلك، فلنفترض أنه يمكن “تفسيره” على هذا النحو، مثلما يفترضُ الماديُّون الجبريُّون أنَّ أيَّ فِعلٍ أقوم به عن قَصْد يَحدثُ على هذا النحو. حسنًا، وماذا في ذلك؟ هل يُثبِت ذلك التفسير المادي (على فَرَض أننا سلَّمنا به) أنَّ العَقلَ لا دخلَ له بأفعالي؟ حتى أنصار مذهب التوازي Parallelists سيُقرّون بأنَّ هذا التفسير لا يُلغي الاحتياج التفسيري الذي كان قبل تقديمه؛ وهذا المنطق سليم بلا شك. هنالك سبب، تفسير، منطق ما، في مسيرة التقدُّم العِلميّ. وهذا يُثبت إثباتًا لا يقبل الجدل لكل من لديه إدراك للعلاقات العقليَّة أو الدلالية، أنَّ عقلَ الإنسان لا بُدَّ وأنه كان مُنسجمًا مع حقيقة الأشياء حتى يكتشفَ كل ما اكتشفه. وهذا هو الأساس الصَّلْب الذي للحقيقة المنطقية.

لقد شُيِّد العِلمُ الحديثُ بأسرِه على نموذج “جاليليو” Galileo والذي أسَّسهُ على النور الطبيعيّ il lume naturale. ولقد قال هذا النبيُّ المُلْهِمُ بحقّ: عند وجود فَرَضيَّتين، ينبغي تفضيل الأبسط فيهما؛ ولكني كنتُ واحدًا من أولئك الذين، بغبائهم المغرور يتخيَّلون أنفُسَهم أكثر فِطنةً منه، إذ حرَّفوا هذا المبدأ ليَعني الأبسط منطقيًّا، أي الفرضيَّة التي تُضيف أقلَّ قدرٍ ممكن لِما تمَّت مُلاحظتُه، على الرغم من وجود ثلاثة اعتراضات واضحة على هذا الفهم: (1) إنه بِناءً على ذلك لم يكن هناك أيُّ سَنَد لأيِّ فَرَضيَّة، (2) وبالمنطق نفسه، ينبغي لنا أن نحصر أنفُسنا بصياغة المُلاحظات الخاصة التي حصلنا عليها بالفِعل، (3) إنَّ كل تقدُّم تُحرِزه العلوم، وكلَّما انكشفت لنا الحقيقة أكثر، اكتشفنا عالَمًا مليئًا بتعقيدات غير مُتوقَّعة. ولم يحصل أن انكشفت الحقيقةُ أمامي إلا بعد تجربة طويلة أرغمتني على أن أدرك أن الاكتشافات العلميَّة اللاحقة كانت -في كل مرة- تُبيِّنُ أنني كنت مخطئًا، وأولئك الذين فهموا القاعدة كما فهمها “جاليليو” قد أسرعوا إلى كشف السر؛ عندها فقط سقطت الغشاوةُ عن عيني، واستيقظ عقلي على ضياء النهار الساطع، حين أدركتُ أنَّ الفرضية الأبسط -بمعنى الفرضية الأسهل والأكثر طبيعيَّة، تلك التي يقترحها الحدس- هي التي يجبُ تفضيلها؛ وذلك للسبب البسيط: أنه لو لم يكن للإنسان ميلًا طبيعيًّا يوافق ميلَ الطبيعة، فلن تُتاح له أي فرصة لفهمها على الإطلاق. لقد أكَّدت لي عديدٌ من الاختبارات التي أجريتُها —سواء فيما يخص دراساتي الخاصة أو أبحاث الآخرين— صحة ذلك الرأي بخصوص هذه الحقيقة الأساسيَّة والإيجابيَّة؛ وعندما أعرض هذه الشواهد مُجتمعة في كتاب، فسوف يكون من شأنها أن تُقْنِعَ الجميع. آه كلا! لقد نسيتُ ذلك الدِّرْعَ الذي لا تَنْفَذُ إليه الأفكار الدقيقة، والذي يرتديه جمهور العقول! فقد يظنُّونَ، مثلاً، أن طرحي هذا ينطوي على إنكار لصرامة قوانين الترابط العقلي: وسيكون ذلك مُتماشيًا تمامًا مع كثيرٍ مِما يَشِيْعُ في وقتنا الحالي. وأنا لا أقصد أنَّ البساطة المنطقيَّة لا قيمةَ لها إطلاقًا، بل فقط أن قيمتها ثانوية جدًا مقارنة بقيمة البساطة بالمعنى الموضَّح آنفًا.

إذا كان المبدأ، على أي حال، صحيحًا بالمعنى الذي قصَده “جاليليو”، الأمر الذي يترتَّب عليه أنَّ لدى الإنسان قُدرة على الحَدْس divinitory power، أصيلة أو مُشتقَّة، بدرجةٍ ما، كالّتي لدى الطائر أو الدبّور؛ فإن الشواهدَ تجتمع لتُظْهِرَ أن نوعًا مُعيَّنًا من الثقة (الخاصَّة جدًا، والتي ليست اندفاعًا مُتهوّرًا) بفَرَضيَّةٍ ما، أمرٌ له قيمة ملموسة تمامًا بوصفه علامةً على صدق الفَرَضيَّة. ومن المؤسِف أنّني لا أستطيع أن اُعطي تقريرًا عن هذه الشواهِد المُثيرة للاهتمام، والمُقنِعَة فيما أعتقد. غير أنَّ “ح.م”[20] تُثير ذلك النوع الخاص من الثِقة إلى أقصى درجة.

علينا الآن أن نُطبِّقَ هذه المبادئ على تقييم “ح.م”. لو كانت لديَّ مِساحة كافية، لَوَضعتُ هذا التقييم في صورة تخيُّليّة عن كيف ستُقيَّم “ح.م” على الأرجح مِن ثلاثة أنماط من الرجال: الأول قليل التعليم، لكنه يتمتَّع بسَعَة أُفُق طبيعية، وعلى دراية حميمة بـ “ح.م”، ولكنَّ المنطق عِنده كاليونانيَّة لا يفقه منه شيئًا؛ الثاني مُنتفخ بالمفاهيم السائدة عن المنطق، ولديه اطلاعٌ مُذهِل على “ح.م”؛ الثالثُ رجُلُ عِلمٍ مُدرَّب، قد أضاف إلى تخصصه، برُوح عصريَّة، دراسةً دقيقة، نظريًّا وعمليًّا، عن الاستدلال وعناصر الفكر، حتى أنَّ علماء النَّفْس يعدُّونه عالِمَ نَفْسٍ من نوعٍ ما، وعلماء الرياضيات يعدُّونه عالِمَ رياضياتٍ من نوعٍ ما.

يُفترضُ بي إذن أن أُبَيِّنَ كيف أن الرجل الأول (صاحب التعليم القليل وسعة الأفق الطبيعية) سيتعلم ألَّا شيء يمتلك أي نوع من القيمة في ذاته —سواء كانت جمالية، أو أخلاقية، أو علمية— بل تكمن قيمته فقط في موضعه داخل الإنتاج الكلي الذي ينتمي إليه؛ وأن النفس الفردية، بمصائبها وهياجها المتهافت، لا تساوي شيئًا إلا ما تملأه من موضع ضئيل، وفي تقبُّلها لهذا العبث التافه كأنه كل كنزها. سيرى هذا الرجل أن إلهه، وإن كان حقًّا لا يُكيّف الوسائل إلى غاياتها (بمعنى مُعيَّن)، فإنّه من الصحيح مع ذلك أن هناك علاقات بين الظواهر لا بُدَّ للذكاء المحدود أن يفسرها —ويفسرها بحق— على أنها تلك التكيُّفات بعينها؛ وسيمتدح نفسه على أقسى أحزانه، ويبارك الله على قانون التطوُّر بما يفرضهُ عليه من صِراع؛ إذ إنَّ الشر –أي ما يجب على الإنسان مقاتلته– هو أحد الكمالات العُظمى في الكَوْن. في ذلك الصراع، سيهرع إلى أداء الواجب الملقى على عاتقه فقط، ولا أكثر. وحتى إن أسفرت معاركه اليائسة عن هزيمة مُروِّعَةٍ، وشهد الأبرياء والأحَبّاء يُقاسون العذابات، والجنون، واليأس، مقدرًا لهم أن يتلطخوا بالدنس، وأنَّ تتقزَّمَ مداركهم، فإنه مع ذلك قد يأمل أن يكون ذلك هو الأصلح لهم، وسيقول لنفسه بأنه، في جميع الأحوال، ثمَّة مقصدٌ سريٌّ للإلَه وسوف يتحقق على أكمل وجه من خلالهم؛ وحتى وهو لا يزال متَّقِدًا بحرارة المعركة، سيخضع بإجلال لإرادة الإله المقدسة. ولن يضطرب، لأن الأكوان لم تُخلَق، كي تتوافق مع مخطط بعض الثرثارين السخفاء.

سأدع القارئ يتخيَّل ما تبقَّى من سياق ذلك السيناريو، ولن أُضيفَ سِوى، أنَّ الرجلَ الثالِث (رجلُ العِلْم المُدرَّب)، في أثناء التأمُّل في عملية “التحكُّم الذاتي” وتعقيدها، سيرى أنَّ الفَرَضيَّة (على الرغم من جاذبيَّتها التي لا تُقاوم من الوهلة الأولى) ما تزال في حاجة إلى أنْ تخضع لمرحلة الاختبار Probation؛ وأنه، على الرغم من أنَّ الكائن اللا مُتناهي غير مُقيَّد أو مُلزم بتنسيق الظواهر، فإن الإنسان، شأنه شأن أي حيوان آخر، وُهِبَتْ له قُدرة على الفهم كافية لإدارة شؤون حياته. وستقوده تلك الاعتبارات –من أجل اختبار الفَرَضيَّة– إلى أن يُقرِّرَ موقفه استنادًا إلى البراغماتيكيَّة Pragmaticism، والتي تقتضي الإيمان وفقًا للفِطرة والحِسِّ السليم، فقط بعد صَهرهما وتنقيَّتهما بنيران النقد القياسي. وباختصار سيُقرّر أنَّ “ح.م” هي المرحلة الأولى من مراحِل البحث، والتي أسْفَرَتْ عن فَرَضيَّة تبلُغ أعلى درجة من المعقوليَّة، وأنَّ الاختبار النهائي لهذه الفَرَضيَّة يجب أن يتعلَّق بقيمتها في تطوير سلوك الإنسان في الحياة، على نحو يُمكن التحكُّم فيه.

وبما أنني استخدمتُ كلمة البراغماتيكيَّة Pragmaticism، وسيتعيَّن عليَّ استخدامها في مناسبة أُخرى، فقد يكون من اللائق أن أوضح معناها. منذ نحو أربعين عامًا، قادتني دراساتي لـ “باركلي”، و”كانط”، وغيرهما، بعد أن أقنعت نفسي بأن جميع أشكال التفكير تتم عبر العلامات Signs، وأن التأمل يأخذ شكل حوار، بطريقة يصح فيها أن نتحدث عن “معنى” المفهوم؛ أقول، قادتني دراستي إلى استنتاج مفاده، أنه كي نتمكَّن بصورة تامة من معنى أي مفهوم، يلزم، في المقام الأول، أن نتعلم التعرف على هذا المفهوم تحت كل قناع، عبر إلمام واسع بأمثلة عليه. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بالضرورة فهمًا حقيقيًا له؛ لذا يتعين، فوق ذلك، أن نقوم بتحليل منطقي تجريدي لهذا المفهوم إلى عناصره النهائية، أو أن نُجري تحليلًا تامًّا بقدر ما نستطيع. لكن، وحتى مع ذلك، فقد نظلُّ بلا استيعابٍ حيٍّ لهذا المفهوم؛ والسبيل الوحيد لإتمام معرفتنا بطبيعته، هي أن نكتشف ونتعرَّف على العادات السلوكيَّة العامة التي قد يُطوّرها الاعتقاد بصِدق هذا المفهوم على نحو معقول (بغض النظر عن أي موضوع أو ظروف يمكن تصوُّرها مما يتعلَّق بذلك المفهوم)؛ أي، ما السلوكيَّات النهائية التي سوف تَنْتُج في النهاية عن حقيقة ذلك المفهوم، بعد إمعان النظر فيه إمعانًا كافيًا. ومن الضروري هنا أن يُفْهَم مُصطلح “السلوك” Conduct بأوسع معانيه. على سبيل المثال، إذا كان ثمَّة محمول لمفهوم مُعيَّن، يدفعنا إلى القبول بصلاحيَّة نوع مُعيَّن من الاستدلال مُتعلِّق بإسناد ذلك المحمول إلى موضوعه (ولم نكن لنعتبر ذلك الاستدلال صالِحًا لولا ذلك المفهوم) فإنَّ إدراكنا للأثر الناتج في أسلوب استدلالنا يُعَدُّ في ذاته عادة من عادات السلوك.

في عام 1871، وفي أحد النوادي الميتافيزيقيَّة بكامبريدج، ماساتشوستس، اعتدتُ التبشيرَ بهذا المبدأ كأنّه إنجيلٌ منطقيٌّ، وفي تقديم المنهج الذي اتَّبعه “بيركلي” Berkeley، دَعَوْته في إحدى المحادثات بـ “البراغماتيَّة” Pragmatism. وفي ديسمبر عام 1877 ويناير 1878 قدَّمتُ هذا المُعتقَد في مجلَّة Popular Science Monthly، ثم تُرجِمَ جُزئيْ مقالي إلى الفرنسيَّة ونُشِرا في مجلة Revue Philosophique، في المُجلَّدين السادس والسابع، وبالطبع لم يلقَ المُعتقَدُ أيَّ اهتمامٍ خاص، لأنه، كما ألمَحْتُ في جُملَتي الافتتاحيَّة، قِلَّة قليلة من النَّاس فقط هي التي تهتم بالمنطق. ولكن عام 1897 أعاد البروفيسور “جيمس”[21] صياغة للموضوع، وحوَّلهُ إلى مَذهَب فلسفي، وقد وافقتُ بشِدَّة على بعض أجزائه، ورأيتُ الأجزاء الأُخرى منه، والأكثر شُهرة، مُنافية للمنطق السليم، ولا أزال أعتقد أنَّها كذلك.

وتقريبًا في الوقت نفسه الذي اكتشفَ فيه البروفيسور “بابيني” Papini أنَّ هذا المُعتقَدَ غيرُ قابلٍ للتعريف[22] (مما أثار بهجة مدرسة البراغماتي[23])، وهو ما مِنْ شأنه أن يُميّزه عن أي مذهب آخر بأي فرع من فروع العِلم، أقول، كنتُ في ذلك الوقتِ تقريبًا قد توصَّلتُ إلى قناعة بأنَّ مبدأي البسيط والمتواضع يلزمه تسميةٌ أُخرى؛ ولهذا، في إبريل 1905 أعدتُ تسميته إلى: البراغماتيكيَّة Pragmaticism، ولم يسبق لي أن مَنحته أيَّ لَقَبٍ في المطبوعات قبل ذلك، باستثناء أنّني، بناءً على طلب البروفيسور “بالدوين”، كتبتُ تعريفًا للكلمة في قاموس عِلم النَّفْس والفلسفة الذي أعدَّه، ولم أُدرج الكلمة في قاموس سينتشري Century Dictionary رغم كَوْني مسؤولًا عن التعريفات الفلسفيَّة فيه؛ والسبب ربما هو أنني أُكِنَّ نفورًا مُبالغًا فيه تجاه الدعاية الشخصية والترويج réclame.

إنَّ هذه المسيرة التأمُّليَّة في العوالِم الثلاثة، التي بواسطتها تُوْلَدُ الفَرَضيَّة، والاعتقاد، في النهاية، بأنَّ لهذه العوالِم الثلاثة –أو لاثنين منها على أقل تقدير– صانِعًا مُستقلًّا بذاتهِ؛ أقول، هذه هي ما أسْمَيْتُه طوال ذلك المقال بـ “الحُجَّة-المُهمَلة” N.A.، لأنني أظنُّ بأنه كان ينبغي لللاهوتيين الاعترافَ بها بوصفها اتّجاهًا من التفكير من شأنه أن يُنْتِج الإيمانَ على نحوٍ معقول. هذه هي الحُجَّة “المُتواضعة”، والأشدُّ غَوْرًا، في عش الحُجج. وفي عقلِ الميتافيزيقيِّ ستكتسبُ هذه الحُجَّةُ مِسحةً ميتافيزيقيَّة؛ لكن يبدو لي أنَّ هذه المِسحة تُنقِص من قُوَّتها أكثر مِما تزيدها؛ فهي كحُجَّة جيدة، إن لم تكن أفضل، بصورتها في عقل الفلاح البسيط.

لم يكن بمَقدور اللاهوتيين تقديم الحُجَّة المُهمَلة؛ ذلك أنَّها اتّجاهٌ حيويٌّ من التفكير، يتباينُ في صُوَرٍ شتَّى. ولكن كان بوِسْعهم –بل وكان ينبغي لهم– وَصفَها، والدفاع عنها قَدْرَ ما استطاعوا، دون الخَوْض في بحوث منطقية جذريَّة لا يُعقَل (إحقاقًا للحق) أن نتوقَّعها منهم. لقد اعتادوا على استخدام ذلك المبدأ الذي مفاده: إنَّ كل ما يُقنِع الإنسان العاديّ لا بُدَّ وأن يُعتبر استدلالًا سليمًا[24]، ومن ثمَّ كان ينبغي لهم أن يطرحوا كل ما أمكن تقديمه لإظهار أنَّ “ح.م”، إذا ما طُوِّرَت بما فيه الكفاية، ستكون قادرةً على إقناع أي إنسان عاديّ. وللأسف، إنَّ أبسط ما لدينا من حقائق يكفي لإثبات أنَّهم لم يقوموا بذلك. وأنا لم أدَّعي امتلاكَ أيَّ أساسٍ آخر لاعتقادي، غير الافتراض الذي يُسلِّم به كُلُّ واحدٍ منّا، بأنَّ لديه ذكاءً استعداديًّا طبيعيًّا. وأنا مُجبر على الاعتراف بأنه ما من مُتشائمٍ سيُوافقني على ذلك. وأنا كذلك لا أُقِرُّ بأنَّ المتشائمينَ أصِحَّاءٌ عقليًّا تمامًا، ولا بأنَّهم وُهِبوا القُدرةَ الفِكريَّة بمقدارها الطبيعي؛ ولديَّ سببان لِأنْ أُفكِّر بهذا النحو: أوَّلًا، إنَّ الفرق بين العقل المُتشائم والعقل المُتفائل في أهميَّة التحكُّم في كل وظيفة فِكريَّة، وخاصةً في سلوك الحياة، فرقٌ لا يُمكن إنكاره لدرجة يستحيل معها أن نعترف بأنَّ كليهما طبيعيّ. والغالبيَّة العُظمى من البشر بطبيعتهم مُتفائلون، وبما أنَّ الغالبية العُظمى من كل جِنس لا تحيد عن العُرْف إلا نادرًا جدًا، فهذا يعني أنَّ التفاؤل هو القاعِدة. أمَّا لتوضيح سببي الآخر فأنا مُلْزَم بتمييز ثلاثة أنواع من المُتشائمين: النوعُ الأوَّل يتمثَّلُ في الشخصيات الرقيقة، نبيلة الطبع، ذوي العقليَّة الفَذّة، الذين يُصابون بداءٍ بدنيّ فتغدوا حياتهم تاريخًا مُروّعًا من العذاب، “وليوباردي” Leopardi مثالٌ شهير. ورغم شكايتهم المُستمرة، إلا أننا لا يسعنا إلا أن نؤمن بأنَّهم، لو نالوا صِحَّةً طبيعية، لكانت رؤيتهم للحياة كالبقيَّة منّا، ولكنهم نادرون جدًا، فلا يؤثّرون في السؤال الراهن. أما النوعُ الثاني فهم مُبْغِضو-الإنسانيةMisanthropical ، ذلك الذي لا يكُفُّ عن الصُّراخ؛ يكفي استحضار سلوك ذلك النوع من المشاهير أمثال “ديوجينس الكلبي”، “شوبنهاور”، “كارلايل” و”تيمون أثينا” لشكسبير، للتعرُّف عليهم بوصفهم عقولًا مريضة. أمَّا النوعُ الثالِث فهم مُحِبو-الإنسانيَّة Philanthopical، أولئك المُتَّقِدون بالتعاطف، الذين يَجيشون بالمشاعر بسهولة، فتجدهم ينتفضون بغضب تجاه كل ما يَرَوْنه في الحياة من ظُلم أحمق، وبحُكم سهولة انتباههم لأي شيء، من دون أن يُثقِلوا أنفسهم بتفكيرٍ دقيقٍ من أيِّ نوع، يُمثّلون مادةً خامًا مُمتازة لأنْ يكونوا أُدباء، و”فولتير” خير مثال. ولا يُعْثَرُ بينهم على من يرقى حتى إلى الاقتراب من “لايبنيتز” Leibniz.

الحُجَّةُ الثالِثة، التي ستضُمُّ الحُجَّتين السابقتين وتدافع عنهما، تقوم على تطوير لتلك المبادئ من المنطق، والتي بموجبها ستُمثِّلُ تلك الحُجَّة المتواضعة (أي الحُجَّة المُهمَلَة) المرحلةَ الأولى من بحثٍ علميٍّ في أصلِ العوالِم الثلاثة، غير أنّه بحثٌ من النوع الذي يُنْتِج اعتقادًا – لا عِلميًّا فحسب، والذي هو مؤقَّتٌ بطبيعتهِ – وإنما، اعتقادًا عمليًّا حيًّا، مُبرَّرًا منطقيًّا لاجتياز نهر الروبيكون[25] Rubicon مُحمَّلًا بزاد الأبديَّة. إنَّ تقديم هذه الحُجَّة سيحتاج إلى إثبات عِدَّة مبادئ للمنطق بالكاد حَلُمَ بها المناطِقة، وعلى وجه الخصوص إلى بُرهان صارِم على صِحَّة مبدأ البراغماتيكية. مقالتي الأصلية، التي كُتِبَت لمَجَلَّة شعبية، تفترض، لا لسبب سِوى أنَّ البحث الحقيقيّ لا يُمكن أن يبدأ إلا عندما تنشأ حالة من الشكّ الحقيقيّ، والذي ينتهي بالوصول إلى اعتقاد، أنَّ “تثبيت الاعتقاد” أو بكلمات أُخرى “حالة الاقتناع” هي كل ما يَهْدِفُ له البحث، وما تتكوَّنُ منه الحقيقة. وقد كانت الحُجَّة التي قدَّمتُها لهذا الافتراض واهية للغاية، إلَّا أن الاستدلال الذي بُنِيَتْ عليه كان قريبًا جدًا من لُبِّ البراغماتيكية، حتى إنني على أتمِّ الاستعداد لِلاعتراف بأن الحُجّة التي قُدِّمَتْ في ذلك المقال يمكن أن تُتَّهم —بشيء من الإنصاف— بأنها تُصادر على المطلوب. أمَّا الجُزء الأول من المقال فهو مُكرَّس لإظهار أنه، إذا كانت الحقيقة مُكوَّنة من الاقتناع، فلا يُمكن أنْ يكونَ أيَّ اقتناعٍ فِعليٍّ فحسب، وإنما ذلك الاقتناع النهائي الذي سوف يُتوصَّل إليه في نهاية البحث بطريقةٍ لا رجعة فيه. وهذا الموقف (وهو ما أرجو مُلاحظته) يختلف جذريًّا عن موقف السيّد “شيلر” Schiller والبراغماتيين المُعاصرين. وأثِقْ بأنه سيتم تصديقي عندما أقول بأنَّها فقط رغبتي في تجَنُّب سوء الفِهْم الناجم عن علاقتي بالبراغماتيَّة، دون إساءة، وأنّني لا أدَّعي امتلاكَ عصمة فائقة من الخطأ –والتي أعلمُ يقينًا بأنَّني لا أتمتَّعُ بها– حينما أُعبِّرُ عن رؤيتي الشخصية في عقائدهم. يبدو لي أنَّ موقفهم المُصرَّح بأنه ’’غير قابل للتعريف‘‘، وإنْ كان لا يقبل توصيفًا منطقيًّا حقًا، إلا أنَّه يتَّسِم بغضبة كراهية للمنطق الصارِم، بل وعلى استعداد أن يُصنّف أي فِكْر دقيق مُتعارض مع عقائدهم بأنه ليس إلا هُراءً محضًا. لكن في الوقت نفسه، يبدو لي بوضوح أنَّ قبولهم التقريبي للمبدأ البراغماتي، بل وحتى تجاوزهم الصريح للتمييزات القويَّة (وهو ما لا أقبله) قد ساعَدهم بقوَّة على إجلاء بعض الحقائق الأساسيَّة التي لم يَرَها غيرهم من الفلاسفة كما لو كانت مطموسة، بل وأكثرهم لم يُدركها إطلاقًا. من بين هذه الحقائق -وجميعها قديمة بالطبع، لكن قليلون فقط من يعترفون بها– أذكر: إنكارهم للجبريَّة، ورفضهم لأي “وعي” يختلف عن الأحاسيس الكامنة في أعضاء الجسم أو أي أحاسيس خارجيَّة أُخرى؛ اعترافهم بوجود عادات حقيقيَّة (بالمعنى البراغماتيكي) والتي من شأنها أن تُنْتِج آثارًا تحت ظروف مُعيَّنة قد لا تتحقَّق بالفعل، وهكذا فهي كُليَّات حقيقيَّة، وإصرارهم على تفسير جميع التجريدات الأقنوميَّة Hypostatic abstractions من منظور ما سوف أو ربما يتحقَّق (من دون أن يكون كذلك بالفعل) إلى مُتعيّن Concrete. ويبدو أمرًا مؤسِفًا حقًّا أن يمتلكوا هذه الفلسفة الغزيرة بالحياة ويتركونها لِتُلوَّث ببذور الهلاك، بأفكار مثل: لا-واقعيَّة جميع الأفكار المُتعلِّقة باللا نهاية، وتقلُّب الحقيقة، وبذلك الخلط الفكري بين الإرادة الفعَّالة (الإرادة التي تتحكّم في الفِكر، وتُشكِّك، وتُوازِن بين الأسباب) وإرادة عدم بذل الإرادة (إرادة الاعتقاد).[26]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

تشارلز س. “بيرس” / ويستفول، بنسلفانيا.

[1]   يستخدم بيرس كلمة “حُجَّة” Argument بما يفيد عملية البرهنة بمعناها الواسع “يُبرهن” Prove والعكس، ويُبادل بينهما في مواضيع مختلفة من المتن، لذا وجبَ أن ينتبه القارئ إلى ذلك بدايةً، لأني سأعمد إلى استخدام كلمة “برهنة” أحيانًا بغرض خدمة السياق فقط، وليعلَم القارئ بأنَّ المعنى واحد بالنسبة للمؤلّف.

[2] بالنسبة إلى زمن كتابة هذه الورقة (1908) لم يكن الإلكترون سِوى فرضيَّة ضمن ثلاثة فرَضيَّات حديثة العهد اقترحها جوزيف طومَسون عقب تجاربه عام 1897 التي حاول فيها أن يُفسّر طبيعة أشعة الكاثود، قوبِلت اقتراحات جوزيف طومسون بشكوك وجيهة من قِبَل زُملائه الأكاديميين في ذلك الوقت، ثم تقبَّلها المجتمع العلمي تدريجيًّا نتيجة لجهود إرنست رذرفورد وباحثين آخرين، في ضوء هذه المعطيات يمكننا أن نفهم ما عَناه بيرس بأنَّ الاعتقاد بالإلكترونات مؤقَّت؛ أي لم يستقرّ عليه المجتمع العِلمي بعد – وهو ما لا يتوافق مع تصوُّر الصِدق العِلمي لدى بيرس، باعتباره: القناعة التي سينتهي إليها العلماء بعد سَعيهم البحثيّ الطويل.

[3]  فرانسوا رابليه (1483-1553)، كاتِب فِرنسي وهِجائي ساخِر.

[4]  كان الكورونيوم هو اسم عنصر كيميائي مُفترض، تم افتراضه في القرن الـ19، ثم أصبح يُعرف لاحقًا بـ الحديد المُتأيِّن-13x (Fe+13).

[5]  أي أنَّ فرَضيَّة وجود الإله تفرض نفسها بوصفها التفسير الأمثل في هذه الحالة، إذا ما قورِنت بالصُّدفة كتفسير مُنافِس؛ وذلك لأنَّ وجود مثل هذه الظواهر أمرٌ لازِمٌ ومُتوقَّع (حسبما يرى بيرس) في ضوء وجود الإله – أي الكائن الضروريّ.

[6]  اخترتُ أن أُترجمَ Mental explanation إلى تفسيرٍ عَقلَويٍّ نظرًا لِأنَّ ما يقصده بيرس في ذلك السياق، على ما يبدو، ليس هو التفسيرَ المعقول فحسب، وإنما التفسير الذي يُدخِلَ العقلَ في بنية العالَم بوصفه مُنسِّقًا ومُنظِّمًا للظواهر، كما أنَّ بيرس لا ينتقد الصُّدفة بوجه عام، فهي مبدأ ميتافيزيقي أساسي لديه، وإنما يُريد بالصُدفة هنا: ما يُلازِم المذهب المادي من غياب للعُنصر العقلي.

[7] مثلما أنَّ التفسيرَ الماديَّ للعقل لا يُمكنه أن يُلغي وجودَ العقل (فالتفسير، أيَّما كان، ما هو إلا مُمارسةٌ للعقلانيَّة، والعقلانيَّةُ تفترضُ وجودَ العقل الذي يُحتَكَمُ إليه في التفسير)، فكذلك لا يُمكنُ للصدفة أن تستبعدَ العقل من العالَم، وجديرٌ بالمُلاحظة هنا أنَّ بيرس يُفنِّد الاعتراض من الصُّدفة بطريقة غير مُباشرة، فهو يرد على اعتراض الصدفة عن طريق الهجوم على الجذور الماديَّة، فالصدفة فرع ينبت عن المادية، وإبطال الأصل يُبطِل الفرع أيضًا.

[8]  أي في فكرة وجود الإله.

[9] أي تُخضِع الإله إلى التطوُّر؛ فبما أنَّها – أي الفرضية – في عملية تطوُّرية من حيث أنها تتحدّد ذاتيًا باستمرار، فقد يبدو أن الإلَه (موضوع الفرَضيَّة) هو ذاته يمر بتلك العمَليَّة أيضًا.

[10] أي أنَّ دلالة التطوُّر يجوز إسنادها إلى العوالم بلا قَيْد أو شرط، أما في حالة الإله فلا يجوز إسنادها إلا بتقييد وعلى تحفُّظ.

[11] فالغَاية، كما نفهمها، تفترضُ الافتقار لشيء، مما يقتضي السَّعي نحوه لبلوغ الكمال، وعملية السَّعي في حدِّ ذاتها هي التطوُّر

[12]  مثل هذه المقالة

[13]  أو تكهُّن، والقصد هو الحدوس الافتراضية؛ وسأعمد إلى استخدام كلمة “افتراض” أو “فَرَض” فيما بعد لأنَّها نظرًا لمُلاءمتها، وهي لا تحيد عن قصد المؤلِّف، وهو نفسه يؤكّد على وِحدة المعنى في الفقرة نفسها من الأصل بقوله: Conjecture or Hypothesis

[14]  واصطُلِحَ على تسميته بـ Abduction كذلك فيما بعد، وعُرِفَ بـ “المنهج الفَرَضي الاستنباطي.” أمَّا اختياري للترجمة فكان بناءً على الاصطلاح كما هو مذكور في المتن الأصل، بغض النظر عن التطوُّرات اللاحقة التي طرَأتْ عليه. وقد وقع اختياري على هذه الترجمة من بين 4 ترجمات مُقترحة، هي على التوالي: (1) الاستدلال الاستنباطي الرجعي، (2) الاستدلال الاستعادي، (3) الاستدلال الارتدادي، (4) الاستدلال الحدسي. لم أقبل بالأولى بسبب الحمولة السلبية لكلمة “رجعي” فقد تُعطي انطباعًا يُقلّل من شأن هذا النوع من الاستدلال، أمَّا الرابعة فترجمة تفسيريَّة لا تُعنى بالتركيب المنطقي للمصطلح، أما الثانية والثالثة فهما الأدقّ من حيث الاشتقاق والمُلاءمة، ولا أرى فرقًا بينهما، لذا وقع تفضيلي على الثالثة.

[15]  وهي التنبؤات المُتوقَّعة من الفَرَض.

[16]  أي ما يُسلَّم بهِ في المُقدِّمات.

[17]  يعني إطلاق الأحكام العامَّة على عناصر التجربة.

[18] أي القُدرة على الحدس بحقيقة الظواهر وعِللها.

[19] قارن ذلك بـ ’’الحُجَّة من عدم وجود معجزات في العِلم‘‘ No Miracles Argument للفيلسوف البراغماتي هيلاري بوتنام.

[20]  أي الحُجَّة المُهملة (N.A)

[21]  ويليام جيمس William James، وهو أحد روَّاد البراغماتيَّة الكلاسيكيَّة

[22]  أي لا يمكن تمييزه عن براغماتيَّة جيمس، إذ بات من الصعب التفريق بين أفكار بيرس وأفكار جيمس على اختلافهما، بعد أنَّ قام الأخير باعتماد التسمية الأولى لبيرس (Pragmatism) لا للدلالة على أفكار بيرس، وإنما للدلالة على الصيغة المُعدَّلة التي قدَّمها، فاضطُّرَّ بيرس لاحقًا (عام 1905) إلى القيام باختراع مُصطلح آخر، هو على حد تعبيره “قبيح بما يكفي كي لا يَسرقه أحد!” حتى ينأى بنفسه بعيدًا عن أفكار جيمس، وهذا المصطلح هو Pragmaticism الذي قمتُ بنقله (لا بترجمته) إلى: البراغماتيكيَّة؛ تمييزًا له عن براغماتية جيمس وذرائعيَّة ديوي، ولم أقُم بترجمة أيًّا من “البراغماتية” و “البراغماتيكية” لأنَّ الترجمة لم تكن لتُناسِب السياق.

[23]  يقصد جيمس على ما يبدو..

[24] مبدأ الثقة في الحِس المُشترك Reliability of Common Sense.

[25]  تعبير مجازي يُراد بهِ ’’اتخاذ خُطوة لا رجعة فيها نحو مسار مُحدَّد يلتزمه المرء‘‘ مثلما فعلَ يوليوس قيصر عام 49ق.م عندما كان على وشك عبور نهر الروبيكون مع جَيْشه، إذ قال: Let the die be cast أي ’’دِعِ النَّردَ يُلقى!‘‘

[26]  وهو مذهب ويليام جيمس

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete