حِكَم دلفي الخالدة: الجزء الأول “اعرف نفسك”

 تكوين

“كُنْ كَما أَنْتَ، وَاعْلَمْ أَنَّ في طَبِيعَتِكَ حِكْمَةً، وَفي طَيْشِكَ مَعْرِفَةً، وَفي تَهَوُّرِكَ شَجَاعَةً”

تمهيد

في معبد دلفي، نُقِشَت مجموعة من الحِكَم التي اشتُهِرَت لاحقًا باسم “الحِكَم الدلفية” أو “النصائح الدلفية”، ويُرجَّحُ أن تاريخها يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد تقريبًا. وتُنسب غالبًا إلى الإله أبولو، الذي يُقال إنه أوحى بها إلى كاهنة معبد دلفي. وكان ينقل هذه الحِكَم ويؤولها إلى البشر الحِكَماء السبعة في اليونان القديمة.

وقد كان المعبد مركزًا رئيسًا للنبوءة والاستشارة، يتوجه إليه كلُّ من يسعى في معرفة المستقبل أو استشارة الإله “أبولو” قبل الإقدام على قرارات مصيرية. حتى إن الحكومة اليونانية نفسها كانت تبعثُ رسلًا إلى كاهنة المعبد لاستشارتها في قضايا كبرى، مثل: الدخول في الحروب أو إبرام التحالفات مع الدول الأخرى. وتُدرَّس هذه الحِكَم حتى اليوم في الجامعات الغربية بوصفها رموزًا لـلحِكَمة الإلهية الخالدة.

ولكن ما يعنينا هنا على وجه الخصوص، هو الحِكَم الثلاثة الشهيرة المنقوشة على معبد دلفي، وهي:
  • “اعرف نفسك”
  • و”لا تُفْرِط في شيء”
  • و”قدِّم تعهّدًا وسيأتيك البلاء”.

ويُقال إن هذه الحِكَم مترابطة، بطريقة تؤدي كل واحدة منها إلى الأخرى وتكملها أو تترتب عليها، وهو ما يعكس تصورًا متكاملًا للحِكَمة السلوكية والأخلاقية في الفكر اليوناني القديم.

كما تُشير بعض النظريات الحديثة إلى أن هذه الحِكَم لم تكن ثلاثة فقط كما هو شائع، بل كانت في الأصل سبع حِكَمٍ، “إذ تبنَّى هذا الرأي اثنان من العلماء المحدثين، هما “جوتلينج” (Goettling) و”روشَر” (Roscher) فقد استند “جوتلينج” في رأيه إلى الارتباط التقليدي بين الحِكَم الثلاث المعروفة والحكماء السبعة، وأشار “روشَر” إلى رمزية الرقم سبعة في طقوس عبادة الإله أبولو”([1])، إذ يحظى هذا الرقم بمكانة قُدُسِيَّةٍ خاصة. فالرقم سبعة يُمَثِّلُ رمزًا مقدسًا في الميثولوجيا الإغريقية، ويتكرر ظهوره في رموز متعددة مثل: الكواكب السبعة، والأوتار السبعة في قيثارة أبولو، والحِكَماء السبعة، مما يعزز من احتمال وجود بُعْدٍ رمزي وراء عدد الحِكَم المنقوشة في المعبد.

لقد أثَّرت حِكَم دلفي تأثيرًا عميقًا في تاريخ الفلسفة الغربية، فقد اتخذ “سقراط” من المقولة الأولى “اعرف نفسك” أساسًا لفلسفته، لأنه رأى أن المعرفة الحقيقية تبدأ من معرفة الإنسان لذاته وحدوده وقدراته. أما “أرسطو” فقد جعل من الحِكَمة الثانية، “لا تُفْرِط في شيء” قاعدة مركزية في فلسفته الأخلاقية، مؤكدًا على التوازن والاعتدال بوصفهما فضيلتين، فيما أطلق عليه “الوسط الذهبي”، وتعريفه للفضيلة بأنها وسط بين طرفين مرذولين. في حين توسَّع “أفلاطون” في مفهوم معرفة النفس، وعمَّقَهُ في محاورات فلسفية مهمة مثل “فيدون”—التي تناول فيها خلود النفس— و”الجمهورية”، التي طرح فيها نظرية العدالة وتقسيم النفس إلى طبقات، وفي محاورة “فايدروس” يصفُ النفس فيقول: “النفس كائنٌ مُجنَّح، إذا رفرفت بأجنحتها ارتفعت نحو الحق، وإذا سقطت تاهت في العالم المادي”.

إقرأ أيضًا: مفهوم ما وراء الأخلاق بوصفه ساحةً لاختبار إشكالات الدلالة والقيمة ومعرفة الذات

لذا فقد اعتمد ثلاثة من أعظم فلاسفة اليونان على الحِكَم الدلفية الشهيرة، لبناء تصوراتهم عن: الحِكَمة، ومعرفة الذات، والأخلاق. إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد تعددت تأويلات هذه الحِكَم في الأدبين اليوناني واللاتيني تعددًا كبيرًا وموسعًا، فقد فسَّرها الكُتَّاب والمفكرون بأساليب متعددة ومتباينة عبر العصور المختلفة.

وفي هذا السياق، سوف نناقش في ثلاث مقالات قادمة الحِكَم الدلفية الثلاث، من زوايا متعددة: الفلسفة، والأدب، والتصوف، والدين، والوجود الإنساني. في محاولة لاستنطاق هذه الحِكَم القديمة، ومعرفة كيف يمكننا أن نروي بها أرض الحاضر العَطْشَى، مُسترشدين بما قاله “سقراط”: لنتعلم، لنمحو الجهل، ونرى الحقيقة.

اعرف نفسك

(باليونانية: γνῶθι σεαυτόν )

من أشهر الحِكَم الدلفية التي ظل “سقراط” يُرددها طوال حياته “اعرف نفسك” “Know you self”، وهي دعوة لفهم الذات: حدودها، وإمكاناتها، ووعيها بمكانتها في سلسلة الأحداث والتجارب التي تكوِّنُ مسيرة الإنسان. لقد شغلت هذه الفكرة صميم الفلسفة عبر التاريخ، إذ عُدَّت معرفة الذات شرطًا ضروريًا للحياة السعيدة والمُحققة للمعنى.

ولكن هناك ملاحظة تستحق التوقف، سواء فيما عُرِضَ وحُلِّلَ في التاريخ الفلسفي الطويل أو حتى في التأويلات الأدبية. أننا لم نصل بعد إلى تأكيد يقيني لما تعنيه “الذات”. فقد تناولها التاريخ الفلسفي برؤى متعددة وأفكار متشعبة من الرُوح الأفلاطونية، إلى الأنا الكوجيتية الديكارتية، إلى اللا وعي الفرويدي، والكينونة الهيدجرية. ومع ذلك، لم نبلغ بعد تعريفًا يقينيًا لها، لا يقبل الشك، ولا ينهار أمام مساءلات أخرى. وهذا يعني أن
  • الأساس المعرفي الأول عندنا ما يزال مُهتزًا، غير مستقر، فكيف لنا أن نبني عليه جدار المعرفة الصلب؟ وهذه هي الإشكالية الأولى.
  • أما الإشكالية الثانية: لو أننا تجاوزنا مرحلة تحديد الذات، فماذا بعد أن “أعرف نفسي”؟ لقد طالبت الفلسفة عبر تاريخها الطويل بضرورة معرفة الذات وتحديدها، معتبرة أن لا سبيل للحكمة أو الحياة الكريمة من دون وعي الذات بحدودها وممكناتها. غير أن هذا النداء ظلَّ مُعَلقًا دون إشارة واضحة إلى ما بعده. ماذا لو أن ما عرفته عن نفسي كان مَدْعاة للقلق أو الخجل؟ ماذا لو أدركت أن ذاتي فاسدة؟

تدور التحليلات الفلسفية والتأويلات الأدبية بشأن وعي الإنسان بذاته بوصفها اللبنة الأولى لإقامة وعيه بالعالم، ويتأتَّى له ذلك من إدراكه أنه كائن فانٍ، سوف يموت، فلا يتجبَّرُ، وكذلك من وعيه بحدود معرفته وقدراته، ليستعملها بتوازن وتناغم مع العالم حوله. لكن لم يُقدم لنا أحدٌ “وصفة”، أو يطرح بوضوح الإشكالية التالية: ماذا لو أدركتُ أن طبيعتي فاسدة؟ ماذا أفعل؟ هل أقاوم هذه الطبيعة وأجاهدها؟ أم أتركها على حالها وأعيش طبيعتي كما وجدت، لعلَّ التجاوز يحدث من تلقاء نفسه؟ يقول الفلاحون دومًا: إذا نما العُودُ معوجًا، فلا أمل في إصلاحه، لأن أي محاولة لتقويمه سوف تنتهي بكسره.

وهكذا فإن التحليل الفلسفي قد بَيَّنَ لنا ضرورة معرفة الذات، لكنه لم يُرشدنا إلى: ما بعد ذلك؟

ربما إنْ نحن سرنا في الطريق، واستوعبنا السياق الديني والاجتماعي لحكمة “اعرف نفسك”، كما فسرتها الفلسفة وعَبَّرَ عنها الأدب، نستطيع نحن أن نضع الأساس، ونقيم البرهان، ونستخلص الأدلة.

الجذور الدينية وتجلياتها في الأدب اليوناني

كانت بدايةُ حكمة (اعرف نفسك) تعبيرًا عن ضرورة إدراك الإنسان لحدوده أمام الآلهة، وتذكيرًا له بأنه كائن فانٍ. ولذلك، حينما كان يطلب أحدهم استشارةً إلهية، كان عليه أن يخضع أولًا، لطقوس التطهير الذاتي ثم يليها طقوس التأمل لمعرفة حدود وقدرات هذه الذات، وذلك قبل التوجُّهِ إلى أوراكل دلفي. وقد جاء هذا في سياق اعتداد الذات اليونانية بنفسها سياسيًّا وفكريًّا وفلسفيًّا، الأمر الذي كان يؤدي أحيانًا إلى التفاخر والتهوُّر في إصدار الأحكام؛ فقد كانت النخب اليونانية حُكَّامًا ومحاربين وأثرياءً، مُعرضة لخطر الغطرسة، بسبب صعود المدن وتوسعها، الأمر الذي قد يدفعهم إلى تحدِّي إرادة الآلهة أو تجاوز الحدود البشرية.

كما نجد في مسرحية “بروميثيوس” لـ “إسخيلوس” تجليًا للموقف في تمرد “بروميثيوس” على “زيوس”، عندما سَرق النار من الأولمب ومنحها للبشر، مخالفًا بذلك أمر “زيوس”. وقد أدَّى به هذا لمعاقبته بالسلاسل على صخرة القوقاز. ورغم العذاب الذي تعرض له “بروميثيوس” إلا إنه رفض الاعتراف بخطيئته واعتدَّ بقوته المحدودة أمام قوة “زيوس” الهائلة، وواصل التحدي والتفاخر بتمرده. عندئذٍ أرسل “زيوس” إلهَ المحيط “أوقيانوس” وسيطًا لإقناعه بالخضوع، محذِّرًا إياه: “على “بروميثيوس” أن يعرف قدره أمام “زيوس”، وأن يخضع لسلطانه الإلهي…”([2]) وهنا، تأخذ الحكمة بُعدًا وجوديًّا وسياسيًّا معًا وهما: أن تعرف حدود قوتك، وحدود مركزك في النظام الكوني.

إقرأ أيضًا: بين بناء الذات والوعي الذاتي

لذا فالسياق الديني للمقولة يؤكد ضرورة أن يعرف الإنسان حدوده أمام الآلهة. فقد كان الإنسان مُطالبًا بالتواضع وعدم تجاوز مكانته المحددة في نظام الكون الذي ترعاه قوى عليا. لذا جاءت حكمة (اعرف نفسك) على معبد دلفي بمنزلة تحذير من التَّطاول أو تجاوز الحدود في رحاب الألوهية، مهما عظُمت مكانة السائل.

استمر توظيف هذه الحكمة طويلًا في الأدب اليوناني، بوصفها دعوة لمعرفة حدود المرء وقدره، فعندما سأل الإسكندر الأكبرُ الفيلسوفَ “ديوجين”: “ممن أتعلم أن أكون أعظم ملك؟” أجابه “ديوجين” بأنه يعرف الإجابة من “هوميروس”، الذي أظْهَر أن الملوك تعلَّموا الحكم من “زيوس”. وحين أعلن “الإسكندر” رغبته في غزو العالم، قال له “ديوجين”:

“حتى لو فعلت، فلن تكون ملكًا بحق، لأن عدوك الأكبر ما يزال مجهولًا لك وهو نفسك. ومعرفة النفس، كما أوصى “أبولو”، هي أصعب الأشياء.”([3])

أكَّدَ السياق الأدبي أيضًا على أهمية معرفة الذات بوصفها الأساس لكل معرفة أخرى، بل شرطًا لازمًا لحياة يسودها التوازن والهناء. فلا سبيل للعيش بسلام دون أن يعرف الإنسان حدوده، وقدراته، وما يَبْرَعُ فيه، وما يَعْزُفُ عنه. ومن هنا، تغدو الذات أَوْلَى بالمعرفة والفهم من كل شيء آخرَ. وقد عبَّر الشاعر اللاتيني “جوفينال” عن هذا المعنى حين رأى أن حكمة “اعرف نفسك” وحيٌ إلهي، نزل من السماء، ويجب أن يُغرس في القلب ويُطبَّق في كل شؤون الحياة —سواء في الأمور البسيطة، مثل: الزواج أو حتى عند الترشح لعضوية مجلس الشيوخ.”([4])

تجليات الحكمة في الفلسفة

نقل “سقراط” حكمة “اعرف نفسك” من إطارها الديني إلى بُعْدٍ فلسفي عميق، وجعل منه مبدًا مركزيًا في مشروعه الفكري؛ إذ أصبحت “اعرف نفسك” تعني في فلسفته: أن تدرك جهلك، وتتقبل أنك لا تعلم شيئًا، ومن ثم تحتاج إلى التعلم والسعي المستمر نحو الحِكَمة.

ووفق “سقراط”، إذا كان لديك معتقدات أو أفكار، فإن الواجب الفلسفي يقتضي منك أن تُخْضِعها للفحص والنقد، لأن “الحياة غير المُختبرة لا تستحق أن تُعاش”. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى السعي نحو الفضيلة، لإدراك المبادئ القويمة وفهم طبيعة الخير والشر، كونها خطوة ضرورية في طريق الوصول إلى النفس الحكيمة.

رأى “سقراط” أن أهم ما يمكن أن يعرفه الإنسان هو نفسه، لأن الجهل بالذات يقود إلى الجهل بكل شيء آخر. وبدوره، وسَّع “أفلاطون” هذا التصور في أسطورة الكهف، حين دعانا إلى ترك الأوهام والسعي نحو الحقيقة الساطعة كالشمس، القريبة منا، ولكننا لا نراها لأننا نُدير لها ظهورنا. وحدها الذات الأصيلة هي التي تستشعر أزمة الحقيقة وتبحث عنها، أما الذات المزيفة فلا تبالي ولا تهتم.

حاول “فرنسيس بيكون” عن طريق “أوهامه الأربعة” أن يُظْهِرَ لنا كيف تتكوَّن معرفتنا داخل شبكة من الأوهام المرتبطة باللغة والمجتمع والتقاليد والحواس، داعيًا إلى تحرير الذات من هذه القيود حتى تتمكن من رؤية الواقع كما هو.

أما “جان بول سارتر”، فكان يرى أن “الوجود يسبق الماهية”، بمعنى أن الفرد يوجد أولًا ثم يُعرِّف نفسه عن طريق أفعاله وخياراته. لذلك لا بُدَّ من وعي الإنسان بوجوده خطوةً أولى لتكوين ما يريده لنفسه. كما مَيَّزَ “هيدجر” بين الوجود الأصيل الذي يواجه القلق والعدم بشجاعة، والوجود غير الأصيل الذي يذوب في “الهَمِّ اليومي” ويتنكر لحقيقته.

وهكذا نرى أن تاريخ الفلسفة بأكمله يبدأ من الذات، بوصفها اللبنة الأولى التي لا يمكن بناء المعرفة دونها. ففهم العالم وتحقيق الحِكَمة يبدأ من الداخل: من وعي الإنسان بذاته، ومعنى وجوده، وموقفه من الحياة.

الجهل طريقًا للمعرفة

والآن، لنعد إلى معبد دلفي، حيث تتجلَّى تعاليم الإله “أبولو” على لسان كاهنة المعبد الحكيمة، التي تتلقَّى الوحيَ وتترجمه للبشر. وفقًا للأسطورة، تُنسب مقولة “اعرف نفسك” إلى الإله “أبولو” وهي عبارة رمزية مكثَّفة، تفتح بابًا واسعًا للتأويل يتغير بتغير الزمان والمكان.

فـ “أن تعرف نفسك” في زمن “سقراط”، لا يُشْبِهُ “أن تعرف نفسك” في مطلع الألفية الثالثة، في عصر الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والتقدم التقني المذهل، ومع ذلك، هناك ثابت مركزي يصل الماضي بالحاضر، ألا وهو مقولة “سقراط” الشهيرة: “أنني أعرف أنني لا أعرف شيئًا”.

ونعرف جميعًا قصة هذه المقولة، حين ذهب “شريفون”، تلميذ “سقراط”، إلى كاهنة معبد دلفي ليسألها إن كان “سقراط” هو أحِكَمُ الناس. كان “شريفون” يؤمن بحِكَمة أستاذه، لكنه لم يكن قادرًا على إقناع أهل أثينا بذلك، فقرر أن يلجأ إلى مصدر لا يُشك في صدقه، لأن أقوال الكاهنة تُعَدُّ نُطقًا باسم الإله، والإله لا يكذب.

أجابت الكاهنة بأن “(سقراط) هو أحِكَم البشر”([5]). وعندما نقل “شريفون” الخبر إلى “سقراط”، لم يَغمرْهُ الفرحُ أو تَملأْهُ السعادةُ كما كان متوقع، بل شَعُرَ بأنه أمامَ لغزٍ يحتاجُ إلى تفسير، فقد كان دائمًا يُعْلِنُ عن جهله، ويرى أن الطريق إلى المعرفة يبدأ بالاعتراف بالجهل. إذن، كيف يمكن أن يكون “أحِكَمَ الناس” وهو لا يدَّعي الحِكَمة أصلًا؟

وجد “سقراط” في النهاية تفسيرًا واحدًا مقبولًا: أن الإله عَدَّهُ أحْكَمَ الناس لأنه وحده من يعترف بجهله. فالحِكَمة الحقيقية ليست في ادعاء المعرفة، بل في إدراك محدوديتها. وهكذا، تحوَّلت حكمة “اعرف نفسك” إلى الخطوة الأولى نحو الحِكَمة، لأنها تُرغمنا على الاعتراف بأننا لا نعرف، ومن ثم تدفعنا للبحث، والتأمل، والتعلم.

العتبة الفلسفية الخلفية

ماذا بعد أن يعترف الإنسان بجهله؟

يبدأ بالبحث عن المعرفة، محاولًا أن يَتَلَمَّسَ سُبلها، ليبني معرفة مُخْتَبَرَةً يؤمن بصدقها، بعد أن يُخرج “التفَّاح الفاسد من السلَّة”، كما اقترح “ديكارت” حين دعا إلى التخلص من المعتقدات الزائفة في سلَّة أفكارنا. وإن كانت معرفة الذات هي الأوْلى بالفهم، فكيف نبدأ؟ وأول الطريق يبدو كحجر عثرة! فمعرفة الذات، رغم بساطتها الظاهرة، تظل عصيَّة، بل لعلها من أكثر المفاهيم التباسًا وغموضًا في الفكر البشري.

لعل الإشكالية تكمن في طريقة طرحنا للسؤال: ما المقصود منه؟ وماذا ننتظر من ورائه؟

يتضح ذلك إذا تأملنا التحليلات الفلسفية المتنوعة التي حاولت عبر العصور الإمساك بحقيقة الذات، فطرقها قد تعددت وتشعَّبت وتوسَّعت، حتى استعصت على الحصر والتحديد؛ فلماذا لا نترك الطريق الأمامي الذي سلكه الجميع، ونتجه نحو ما يرفضه المنطق الإنساني عادة؟

نحو “العتبة الفلسفية الخلفية”، كما كان يرددُ “عبد الغفار مكاوي” في “نداء الحقيقة”([6])، حين أشار إلى أن من أراد أن يعرف حقيقة فيلسوف ما، فليبحث هناك في العتبة الفلسفية الخلفية لأفكاره، لا في مقدمات القول البادية للجميع، بل في تلك الزاوية الخلفية التي تكشف الأصل الخفي للفكر والموقف.

إن ما نطرحه بـ “العتبة الفلسفية الخلفية” لا يُشير إلى مَهْرَبٍ أو تراجع، بل إلى زاوية تأمل يتجنبها الفكر التقليدي لأنها لا تخضع للمنطق العقلاني غالبًا. فبدلًا من طرح الأسئلة الصارمة عن “الأنا”، قد يكون من الأجدى أن نتأمل جذور تلك الأسئلة، وشروط إمكانها، وسياقاتها الثقافية والنفسية، فالذات ليست جوهرًا ثابتًا وصامتًا يمكن تحديده تحديدًا قطعيًّا ويقينيًّا، بل هي شبكة من العلاقات والخبرات والتجارب المتغيرة، إنها في حالة “صيرورة” دائمة، كما طرح “برجسون” و”نيتشه”، وهي وجود ينفتح على الإمكان، في مسار نحو التحقق، لا يتمُّ إلا بالانفتاح على الذات والعالم، كما طرح “هيدجر”.

إقرأ أيضًا: النقص العظيم أو في مديح الجهل المعرفي

وقد وضَّحَ لنا “كانط” إننا لا نعرف “الشيء في ذاته” (noumenon)، بل نعرف فقط ظواهره (phenomena). نحن نرى الأشياء كما تظهر لنا، لا كما هي في حقيقتها — بما في ذلك أنفسنا.

أما “هيدجر”، فقد قلب الفلسفة رأسًا على عقب عندما أعاد طرح السؤال المنسي: “ما معنى أن نكون؟” وقد فرق بين “الوجود الأصيل” و”الوجود الزائف”، مؤكدًا أن الإنسان غالبًا ما يعيش في ضياعٍ ضمن الآخرين (das Man)، ولا يستعيد ذاته الحقيقية إلا حين يواجه الموت — الحدَّ الوحيد الذي يكشف هشاشة وجوده، ويدفعه نحو اكتشاف حقيقته.

وفي التصوف الإسلامي، خاصة عند “ابن عربي”، نجد تصورًا شبيهًا، إذ تُرى الذات بوصفها تجلٍّ دائمٍ، متغيرٍ، وغير ثابت — لأنها صورة من صور “الحق”، وما دامت كذلك، فهي لا تُعرَّف ولا تُحَدُّ.

لذا قد يكون من الخطأ أننا نطلب للذات تعريفًا نهائيًا، في حين طبيعتها تقتضي فهمًا ديناميكيًا، يتغير مع كل تجربة وكل وعي جديد. في هذا السياق، لا تكون المعرفة تجميعًا للمعلومات فحسب، وإنما اختبارًا دائمًا للذات أمام العالم، وللعالم في مرآة الذات. ومن هنا، سنسلك طريق النفي، أي أننا سوف نتخلى عن الرغبة في تعريف الذات. سنضع أساسًا بديلًا، يقينيًا من نوع آخرَ، لكنه معكوسٌ لا يستسيغه المنطق، ولكن تألفه الروح.

السلبُ طريقًا للمطلق

حين يدلُّ النفي على الحقيقة

والآن، ماذا لو أنني غير مُعرَّف؟ ماذا لو أنني لا أُدْرَكُ إلا بالسلب؟ نحن نقول عن الله: “ليس كمثله شيء”، أي أنه غير مُحدد، ولا يمكن وصفه بصفات إيجابية تُحيط بحقيقته، بل نستطيع فقط نفي الصفات عنه دون أن نحدده تحديدًا قاطعًا. هذا نفي لا يدل على الجهل، بل على السمو المطلق؛ فالله لا يُقاس بمقاييس البشر، وكل ما نصفه به من صفات هو تقريب، لا إحاطة.

وهذا النمط من المعرفة السلبية، يُمكن أن نمدَّهُ إلى الإنسان نفسه، استنادًا إلى قوله تعالى: “ونفخنا فيه من رُوحنا” — أي أن في الإنسان بُعدًا إلهيًا، يجعل من ذاته شيئًا غير قابل للتحدد أو الحصر.

انطلاقًا من هذا، يُمكن القول إن الذات تُعرَّفُ بالنفي أكثر من الإثبات، لا لأننا عاجزون عن الفهم، بل لأن طبيعة الذات أعقد من أن تُختصر في تعريف. هذه الفكرة ليست غريبة، بل نجدها تتجلى بوضوح عند “ابن عربي” في قوله: “وتحسب أنك جِرْمٌ صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر” لذا يمكننا أن نفهم حكمة “أعرف نفسك” بوصفها مطالبة لمعرفة نفس الإنسان “أي الإنسان الكامل الذي هو صورة مصغَّرة عن الكون (الميكروكوزم). ويشير “بورفيريوس” إلى أن بعض الناس رأوا حكمة “اعرف نفسك” دعوة إلى الفلسفة، ما دامت معرفة الإنسان تعني معرفة الكون”.([7])

وفي التصوف، تصبح الذات “كونًا ميتافيزيقيًا”، لا محض جسد أو وعي. ليست هي “أنا أفكر” لـ “ديكارت”، ولا حتى “اللا وعي” لـ “فرويد”. بل هي كينونة شاسعة، غير قابلة للإحاطة الكاملة. ولهذا ظل سؤال “ما النفس؟” حاضرًا في كل تاريخ الفلسفة، ولم يُغْلَق النقاش فيه أبدًا.

نحن نعيش اليوم في حالة من الغفلة أو الحجاب. كما تقول الحِكَمة المنسوبة إلى علي بن أبي طالب: “الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا”، وفي القرآن الكريم نجد: “فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد”. الموت، إذًا، ليس نهاية، بل “انكشافًا للحقيقة”. والذات الحقيقية — كما يفهمها المتصوف — محجوبة ما دمنا في هذا القالب الجسدي، في هذا العالم المادي. بل إن الحضارة المصرية القديمة، كانت تطلق على الموت اسم “الخروج إلى النهار”، وكأننا نحيا في العتمة، وبالموت نبلغ النور.

قَدَّمَ “أفلاطون” في أسطورة الكهف وميتافيزيقا المُثُل، فلسفته عن أننا نحيا في عالم الظلال، وأننا صور للمثال، في حين أن الحقيقة الكاملة لا تكون إلا في عالم المُثُل، وليست هنا. فنحن هنا ظلال للحقيقة، ولسنا الحقيقة ذاتها، ومطالبون فقط بالتأمل لندرك حقيقتنا الفانية.

أليس كل هذا ممكنًا؟ وإن لم يكن كذلك، فما الذي ينفيه؟

نحن لسنا “ذاتًا” ولا “وعيًا” ولا “فكرًا” ولا “جسدًا” فحسب، وإنما ربما كان هذا العالم كله، الذي نُحاط به ونعيش فيه، ليس عالمنا الحقيقي. نحن غير مُحددين، لا ننتمي تمامًا إلى هنا، فالموت إذن، ليس نهاية، بل لحظة انكشاف، لحظةً يتبدد فيها الحجاب، وتظهر الحقيقة ساطعة. ما دمنا أحياء، محجوبين بهذه الصورة البشرية، لا نستطيع أن نرى ذاتنا الحقيقية.

في عيشي لحقيقتي يتحقق التجاوز

ومما سبق، نجد أن مسوغات القبول بفكرة عدم التحدد للذات؛ تقودنا إلى السلب بوصفه طريقًا نحو المطلق، وفي التقاء الحكمة الدينية والحكمة الفلسفية يظهر مَعْبرًا أكثر أمنا وأكثر قربًا للحقيقة، والآن وبعد أن سكن السؤال ماذا بعد معرفة الذات/النفس؟

ننتقل إلى طبيعة النفس التي نحياها والصفات التي يمكن أن نتصف بها، فعلى سبيل المثال، لله تعالى الأسماء الحسنى التي تصف صفاته، مثل: الكريم، الجبار، الغفور. فماذا عن صفاتنا نحن؟ ما الذي يجعلني إنسانًا؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا، وهذه هي منطقة البحث المتاحة لنا.

ولكن السؤال الأهم هنا هو: ماذا عن طبيعتي وصفاتي؟ ماذا لو كانت طبيعتي فاسدة وصفاتي شريرة؟ هل يجب عليَّ الهروب من هذه الحقيقة؟ أو أن أعيشها؟ أو أتظاهر بعكسها؟ أو ربما أغيرها؟ هنا، يبرز السؤال المُلِحُّ: ماذا أفعل حيال طبيعتي؟ وكيف أتصرف؟

السائد هو أن نكون فضلاء، وأن نتحلى بمكارم الأخلاق، وأن نعمل على تهذيب أنفسنا لما فيه الخير لنا وللجميع. وهذا أمر رائع، لكن في حالة طبيعتنا الفاسدة وغير الفاضلة، فإن هذا يصبح محض رياء وادعاء، يصبح مظهرًا لباطن معاكس تمامًا، وهذا هو الشائع بين الناس، ولكن هل يكون هذا هو طريق المعرفة؟ الذي يبدأ بالرياء والهروب من الحقيقة لأنها ليست كما ينبغي أن تكون؟ بالطبع لا.

يجب علينا أن نعيش طبيعتنا كما هي. إذا كانت طبيعتنا شريرة، فعلينا أن نكون كذلك بصدق ولا نتظاهر بالطيبة والعدل. قد يبدو هذا جنونيًّا، أن نطالب الأشرار بإظهار شرهم وعيشهم على حقيقته، ولكن دعونا لا نتسرع في الحكم، دعونا نُحلل الأمر بهدوء.

الآن، إذا فهمت طبيعتك الشريرة، فإن تجاوز هذا الشر لا يُمكن أن يأتي أبدًا من الهروب منه أو إنكاره، بل العكس هو الصحيح: الاعتراف والتسليم هما ما يمكننا من التجاوز. فإن كانت بداية نموك قد انطلقت من طبيعة فاسدة، فلا بأس في ذلك، لأنها مرحلة من مراحل النمو، وسيكون عليك تخطيها.

ولنضرب مثالًا على ذلك بمرحلة الطفولة التي تَتَّسِمُ بالاندفاع والتهور. هل نعيشها لننمو وننتقل إلى مرحلة أخرى، أم نرفضها لأنها مرحلة متهورة يغلب عليها الغباء؟ وأيضًا، ماذا عن المراهقة وإشكالياتها التي لا تنتهي؟ إنها حقًا مرحلة عصيبة نمر بها، ونظل نتذكرها ونلوم أنفسنا: كيف كنا بهذه الحماقة؟ ولكن، رغم ذلك كله، هل يمكنك تجاهلها أو عدم المرور بها؟ بالطبع لا. فلولا أنك خضتها، لما أصبحت ما أنت عليه الآن.

لذا، فإن المصيبة الكبرى تتمثَّلُ في الإنكار، ذلك الذي يوقف النمو ويُثبت الحالة الفاسدة. وهذه هي المأساة التي نتجاهلها.

لذا، علينا فقط عن طريق فهمنا لطبيعتنا، أن نحاول ألا نُسَبِّبَ الضرر للآخرين. إذ يجب علينا أن نفهم طبيعتنا جيدًا، وأن نقتصر على شرورنا دون أن نسمح لها بالامتداد إلى الآخرين. لا تدَّعِ الأخلاق إن لم تكن تملكها، ففي ذلك مفسدة لك وللآخرين. ولا تدَّعِ الخير إن كنت لا تقدر عليه، فهذا خذلان لآمالنا جميعًا. الفضيلة الحقيقية تبدأ بأن تكون نفسك كما هي، تفهم طبيعتها، مهما كانت. فالفهم الصادق، حين يقترن بوعي حكيم، هو وحده ما يمكُّنكَ من النمو وتجاوز الحالة السيئة.

يقول الشاعر الروماني “أوفيد” بأن معرفة النفس هي الطريق لتحصيل الحكمة بأن تكون أنت نفسك بطبيعتها كما هي، وهنا سوف تصبح معرفة الذات مفتاحًا للنجاح الاجتماعي والعاطفي فيقول:

” من رُزِقَ جمال الوجه فليُظهره،

ومن رُزِقَ حُسن الحديث؛ فليتجنب الصمت،

ومن أُوتي صوتًا جميلًا؛ فليُغنِّ،

ومن يُحْسِنُ الشراب، فليشرب ببراعة”([8])

ويقول “سارتر”: “الآخرون هم الجحيم”، ليس لأنهم شرٌ في ذواتهم، بل لأنهم عقبة أمام رؤيتنا لذاتنا الحقيقية. فنحن نُخالف طبيعتنا، ونُظْهِرُ غير ما نُبْطِنُ، من أجل قبول الآخرين، فنضيع في حياة ليست حياتنا، كما وضح “هيدجر” في مفهومه عن “الوجود غير الأصيل” — ذلك النمط من الحياة الذي نُقدم فيه ما يتوقعه منا المجتمع، لا ما نحن عليه فعلًا.

الصدق مع الذات إذن هو مفتاح النمو، وهو باب النجاة؛ فلا تضِع مع من ضاعوا، ولم يُدركوا الحقيقة إلا وهم يغادرون الحياة، الحقيقة تتمثَّلُ أمامك كل يوم، وتمنحك الفرص فلا تُشِحْ بوجهك عنها، واتبع النور، ولو كان الطريق إليه موحلًا.

ولتكن القاعدة العامة التي نسير عليها هي أن نُدرك جيدًا أن للموجود الإنساني في العالم حالاتٍ من الغفلة تُعَدُّ لازمة للنمو، وحالاتٍ من الشر والحقد تملأ دواخلنا. وعندما نُدرك ذلك، يمكننا أن نُنشئ مساحة من الاحتمال تُجنِّبُ الآخر شرورنا في تلك الأطوار، فينحصر السوء فينا، ولا نسمح له بأن يتجاوزنا ليطال غيرنا ويعكِّر صفوه.

فالدنيا دوائر، وللكون في دورانه حكمة بالغة، فكل ما تزرعه تحصده، فما أسعد الإنسان حين يتحلَّى بقدر من الحكمة يجنِّبه حصاد الأشواك والأغصان البالية التي قد تودي به إلى خسارة كل شيء. فلربما يكون ذاك الآخر، الذي يكتوي بشرورك، هو يد العون لك، فلا تقطعها بجهالتك؛ فيلفظك الوجود بأسره، وتؤول إلى العدم.

ولنتذكر: اعرف نفسك. لا تُفْرِط في شيء. لا تُعطِ عهودًا أكبر من قدرتك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش والمراجع:

  1. إيمانويل كانط ، (2017)، نقد العقل المحض، ترجمة: موسى وهبة، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع.
  2. جان بول سارتر،(1953)، الوجود والعدم: بحث في الأنطولوجيا الظاهراتية، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الآداب، بيروت.
  3. الخروج إلى النهار، كتاب الموتى،(2009)، ترجمة: شريف الصيفي، المركز القومي للترجمة، الطبعة الثانية، العدد 494، مصر.
  4. ريجيس جوليڤيه،(1988)، المذاهب الوجودية من كيركيجور إلى سارتر، ترجمة: فؤاد كامل، دار الآداب، بيروت.
  5. Heidegger, M. (1962). Being and Time (J. Macquarrie & E. Robinson, Trans.). Harper & Row. (Original work published 1927).
  6. Martin, R. P. (1993). The seven sages as performers of wisdom. In C. Dougherty & L. Kurke (Eds.), Cultural poetics in archaic Greece: Cult, performance, politics(pp. 108–128). Cambridge University Press.
  7. Wilkins, E. G. (1929). The Delphic Maxims in literature. University of Chicago Press.

[1] Wilkins, E. G. (1929). The Delphic Maxims in literature. University of Chicago Press, p2.

[2] See, The Delphic Maxims in literature, Ibid, P50.

[3] Ibid, P51.

[4] Ibid, P52.

[5] انظر: أفلاطون، (2021)، مائدة أفلاطون، ترجمة: محمد لطفي جمعة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة.

[6] عبد الغفار مكاوي، (2010)، نداء الحقيقة، مكتبة الأسرة، القاهرة، صـ10.

[7] The Delphic Maxims in literature, Ibid, P63.

[8] Ibid, P54.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete