حِكَم دلفي الخالدة… الجزء الثالث: الكفالة تَجلب الندامة

 تكوين

“وفي كل أمانٍ فخ، ومع كل ركونٍ موت؛ فاسلك طريقك بشجاعة، ففي كل محنةٍ فوز”

مقدمة

على عكس الحكمتين السابقتين، اللَّتين تنوّعت تأويلاتهما وتشعّبت دلالاتهما — كما في “اعرف نفسك” — أو تحدّد معناهما بشكل مباشر وصريح، كما في “لا تُفرِط في شيء”، تأتي الحكمة الثالثة: “قدِّمْ تعهّدًا، وسوف تلاحقك المتاعب” أو “الكفالة تجلب الندامة” باليونانية: (Ἐγγύα, πάρα δ᾽ ἄτη) وبالإنجليزية(“Give a pledge, or give security, and trouble is at hand”)- ؛ لتفتح مجالًا واسعًا للحيرة والنقاش حول معناها الذي يبدو مفرطًا في العموم من ناحية، ومحدَّدًا للغاية من ناحية أخرى.

فقد ظهرت هذه الحكمة انطلاقًا من السياق الاجتماعي للمجتمع اليوناني، حيث كانت تشير إلى “الكفالة” أو “الضمانة المالية”، بمعنى أن يضمن أحدهم شخصًا آخر في إبرام العقود أو القروض، بحيث يلتزم الكفيل بتحمّل المسؤولية إذا أخلّ المكفول بوعده أو تعهده؛ فيقوم بسداد ما عليه نيابةً عنه. وهذه السياسة لا تزال قائمة في مجتمعاتنا حتى اليوم.

في الأدب اليوناني واللاتيني، تتعدّد تأويلات هذه الحكمة؛ فهي قد يشير معناها الحرفي إلى الكفالة المالية، وقد تُفهم أيضًا بمعناها الأوسع: إطلاق الوعود أو إبرام العهود، التي قد تفوق قدرات الإنسان؛ فحتى إن ظنّ أنه قادر على الوفاء بها، فعليه أن يتأمل مليًّا قبل الإقدام عليها، لأن الظروف قد تتغيّر، وقد لا يكون الغد كما هو اليوم.

كما نجد في الموروث الديني الإغريقي مفهوم “نذور الآلهة”، حيث ينذر الإنسان بعطية ما للإله في حال تحقق أمرٍ معين، وحين يُستجاب دعاؤه، يتردد في الوفاء بالنذر أو يستكثر العطية التي ألزم نفسه بها في لحظة تهور واندفاع، مما يؤدي إلى غضب الآلهة؛ فيهلك.

والمثير أن هذا التصور لا يزال حاضرًا في ثقافتنا الشعبية إلى اليوم، إذ عندما يصاب أحدهم بسلسلة من الابتلاءات المتكررة، يُطرح السؤال نفسه: “هل لديك نذر لم تفِ به؟”

بلغ الأمر في اليونان القديمة حدّ العزوف عن الزواج، لما يرتبط به من عهود ونذور يقطعها الإنسان على نفسه عند الإقدام عليه. فقد أشاعت هذه الحكمة الرهبة في نفوس الناس، حتى أصبح مجرّد التفكير في التورّط بأي التزام مدعاة للقلق والتردد. وما بين التأويلات الدينية، والقراءات الأدبية، والبحث الفلسفي العميق، تباينت الآراء حول هذه الحكمة:

  • هل تعني المعنى الحرفي “الضمانة المالية”، تلك التي قد تُفضي إلى الخراب، وخسارة الأموال والسمعة.
  • أم أنها تحذّر من “إطلاق العهود والوعود”، نظرًا لتقلّب الأحوال الإنسانية، وعجز المرء عن الالتزام المطلق تجاه شيء ما، في عالم متحوّل.

أم لعلّها تنبهنا إلى خطر الركون إلى أي شيء يمنح شعورًا زائفًا بالأمان، سواء كان عهدًا أو وضعًا أو علاقة، فيجمّد حركتنا ويمنعنا من استكشاف مسار الحياة، خوفًا من الفشل؟ وهذا ما سوف تطرحه الفلسفة، التي تتفق أيضا مع ما تقول الأمثال الشعبية عن فكرة الديون أو الضمانة بما أنها: “هَمٌ بالليل وذلٌ بالنهار” وهو نفس المعنى فى تحليلات كانط للضمير الأخلاقي.

ومن البعد التاريخي إلى البعد المعاصر، نجد أن رغم قِدَم هذه الحكمة، فإنها لا تزال تضرب بجذورها في واقعنا المعاصر، وتواصل إثارة الإشكاليات والأسئلة، مما يدلّ على أصالتها وخلودها. فهي لا تعبّر عن موقف عابر في حقبة زمنية غابرة، بل تمسّ جوهر النفس البشرية في كل العصور، وتُلامس توترها الدائم بين الأمان والمخاطرة، وبين المسؤولية والحرية.

لذا، نطرح على أنفسنا سؤالًا معاصرًا: ما الذي تعنيه لنا هذه الحكمة اليوم؟

ما الذي يمكن أن نستشفّه من تأملها في ضوء خبراتنا اليومية، وهمومنا الأخلاقية، وأوهامنا المعاصرة؟، وانطلاقًا من التفسيرات الدينية، مرورًا بالتأويلات الأدبية، وصولًا إلى التحليل الفلسفي العميق، سوف نسعى في هذا المقال إلى استكشاف ما يمكن أن يُقدّمه الحاضر، وما ترويه الأسطورة، وما قد يقبله العقل والمنطق، حين يجتمعان في ساحة الحكمة الخالدة.

 

السياق الديني للحكمة

كانت الطقوس الدينية تُهيمن على معظم الأنشطة في اليونان القديمة، فلكي يستشير الإنسان الآلهة في أمرٍ ما، عليه أن يُقدّم الطقوس والشعائر اللازمة لذلك. وإذا أراد أن يتمنى أمنية أو يطلب تحقيق رغبة، وجب عليه أن يُقدّم النذور للآلهة. وحتى في مراسم الزواج، كان العروسان يتقدّمان بالعطايا، ويُقيمان الشعائر، إيمانًا بأن ذلك يجلب البركة لزواجهما ويمنحهما بداية صالحة.

ومن هنا جاءت تفسيرات الحكمة الدلفية التي تقول: “قدِّم تعهدًا، وسوف تلاحقك المتاعب”، باعتبارها دعوة إلى التروّي، وتجنّب الإفراط في تقديم العطايا عند التمني أو طلب شيء من الآلهة؛ إذ إن الطبيعة البشرية في مثل هذه اللحظات تميل إلى المبالغة، ولا تُفكّر في العواقب. وحين يتحقق المراد، يشعر الإنسان بأنه ورّط نفسه، وأنه عاجز عن الوفاء بما نذر، مما يثير غضب الآلهة ويؤدي إلى هلاكه.

وهذا هو الجذر الديني الذي يجمع الحِكم الثلاث، ويُنظّمها في تسلسل مترابط” اعرف نفسك”: لتُدرك قدراتك وحدودك، ثم “لا تُفرط في شيء”: فلا تبالغ في الأفعال أو الأقوال، وأخيرًا “لا تُقدِّم تعهدًا يفوق طاقتك”، خاصة إذا كان بدافع الزهو أو الاستعراض البطولي، الذي كثيرًا ما يستولي على البشر في لحظات التمني أو التحدي.

ويذهب روشر (Roscher)إلى التفسير نفسه، لكنه يصوغه بوضوح أكبر، مؤكدا على استمرار التفسير الديني لحِكم دلفي، تمامًا كما هو الحال في الحكمتين الأخريين. فهو يرى أن حكمة “قدِّمْ تعهّدًا، وسوف تلاحقك المتاعب” كانت في أصلها، شأنها شأن “اعرف نفسك” و”لا تفرط في شيء”، مرتبطة بالشعائر الدينية لدى اليونانيين القدماء.

ويقترح روشر أن”:اعرف نفسك” كانت بمثابة دعوة للمُصلي أن يكون صادقًا وواضحًا بشأن ذاته وما يطلبه، و”لا تفرط في شيء” كانت تحثّه على أن يُقلّل من عدد طلباته، ولا يبالغ في مطالبه؛ أما “قدِّمْ تعهّدًا، وسوف تلاحقك المتاعب”، فقد كانت في أصلها تعني: “قَدِّم نذورك إلى الإله، لكن فكّر جيدًا أنك ستكون مُلزَمًا بالوفاء بها، وإلا حلّ عليك غضب الإله أو عقابه. وبهذا، يرى روشر أن هذه الحِكم لم تكن مجرد إرشادات أخلاقية أو فلسفية، بل كانت تعليمات دينية عملية، موجّهة إلى من يدخل المعبد، تحثّه على التأمل والاعتدال والصدق في علاقته بالآلهة.([1])

البُعد الأدبي للحكمة

في الأدب، برزت هذه الحكمة باعتبارها تحذيرًا صريحًا من تقديم الضمانة المالية للآخرين، لما في ذلك من تعرّض لمتاعب قد تبلغ حدّ الخراب. فالكفالة تُلقي على عاتق الضامن مسؤولية مالية وأخلاقية كاملة، وحين لا يكون المكفول جديرًا بالثقة، فإن الخسارة لا تقف عند حد المال، بل تتعداها إلى السمعة وربما المصير.

وفي الأدب اللاتيني، تُقتبَس هذه الحكمة نادرًا، لكنها تظهر غالبًا في سياق الكفالة المالية. ويُعد “أوسونيوس” – شاعر لاتيني من القرن الرابع الميلادي _(Ausonius) من أبرز من تناولها من الكتّاب اللاتينيين، إذ يذكر في قصيدته عن  “الحكماء السبعة” أن “المقرضين لا يحبون هذه الحكمة، لأن من يُقدِم على الكفالة أو الضمان غالبًا ما يندم”([2]) وكأنها تحرّض ضمنًا على التخلّي عن المجازفة باسم الحكمة؛ وبالطبع يخسرون أعمالهم.

ويبرز البعد التراجيدي الساخر الذي التقطه الأدب اليوناني،  وعبّر عنه الشاعر “كراتينوس الأصغر” (Cratinus)، أحد شعراء الكوميديا الوسطى في اليونان، حيث شبّه الكفالة بفخّ يقع فيه الإنسان في لحظة غفلة وغباء قد تدمّر حياته. فيقول ساخرًا: “لقد وقعتُ في الفخ! ففي لحظة نادرة لا تتكرر كثيرًا! ارتكبت حماقة، ووافقت على أن أكون أحد ثلاثة كفلاء. فإذا بحكمة دلفي تصيب هذه المرة: حقًا الكفالة فخ، لكن ماذا أفعل وأنا بطبيعتي أحب أن أكون شهيد الواجب دوما.”([3]) أو ربما يصح قول الآلهة بأن الكفالة مصيدة أُعدت للشجعان الحمقى.

وهكذا يتجلّى لنا كيف كان الوعي الإغريقي يُدرك الكفالة باعتبارها “فخًا خطيرًا”، وعملًا محفوفًا بالمخاطر، لا يُقدم عليه إلا الغافل الذي تجرّه العاطفة بدلًا من أن يقوده العقل. لذا، كان من يُقدِم على الكفالة يُوصَف بالسذاجة، بل وبالتهوّر أحيانًا، إذ يضع نفسه طوعًا في مهبّ الخسارة والمهانة.

ولتتبع تطور الحكمة في الأدب، حللت أستاذة الأدب الكلاسيكي إليزا جريجوري ويلكنزEliza Gregory Wilkins في كتابها “حكم دلفي في الأدب” (1929)، الارتباك الذي أحاط بحكمة “قدِّم تعهدًا، وسوف تلاحقك المتاعب”، وكيف ارتبطت بدايةً بالكفالة المالية، ثم أخذت أبعادًا أوسع في الوعي الأدبي والثقافي.

فقد تطوّر تمثل الحكمة من تحذير من الضمانات المالية، إلى نقد اجتماعي أعمق، تمثل في العزوف عن الزواج ذاته، بوصفه التزامًا يصعب الوفاء به، وعهدًا قد يتحول إلى عبء. ومن هناك، امتدّ التأويل ليصل إلى رفض مساعدة الآخرين، باعتبار ذلك نوعًا من التهور غير المدروس، قد يجرّ على الفرد الندم والخسارة.

البُعد الاجتماعي للحكمة

تطورت التأويلات حول الحكمة وقدمت منظورًا أوسع يتجاوز القراءة المالية نحو البعد الاجتماعي والأنثروبولوجي، لذلك تُشير إليزا في تحليلاتها إلى أن بعض المفكرين، بدءًا من القرن الأول قبل الميلاد، بدأوا يرفضون حصر معنى الحكمة في الكفالة المالية، وراحوا يبحثون عن تأويلات أوسع وأكثر تعقيدًا. وقد ظهر هذا التحوّل في كتابات “ديودور الصقلي” و”بلوتارخ”، لا سيما في “مأدبة الحكماء السبعة”، ويقول ديودور: “يفسّر البعض الحكمة على أنها نهي عن الزواج، لأن عقد الزواج عند معظم الإغريق يُسمى ἔγγυη- Engyē))، وهو نفس المصطلح المستخدم للكفالة. ويستند هذا الرأي إلى ما نراه في الحياة اليومية من أن كثيرًا من المصائب تنجم عن النساء.”([4])

ومع ذلك، يعارض آخرون هذا الرأي، ويرون أنه لا يليق بالحكيم خيلون (Chilon) –وهو أحد الحكماء السبعة-  لأن الحياة البشرية لا يمكن أن تستقيم وتستمر دون زواج، وهو ما يُفترض أنه يتعارض مع حكمة تهدف إلى تنظيم الحياة لا إلغاء مقوماتها.

ويمتد التأويل ليشمل العلاقة الزوجية نفسها، فحتى بعد الزواج، شاع في الثقافة الإغريقية أن النساء يُحكمن قبضتهن على الحياة اليومية للرجل، ويوجّهنه نحو قرارات لا يملك فيها حرية كاملة، بل يجد نفسه في كثير من الأحيان مضطرًا إلى إرضاء زوجته، ولو على حساب إرادته.

وقد عبّر أرستوفانيس عن هذا المعنى بوضوح ساخر في أعماله الكوميدية الأثينية، حيث يقول:

“النساء يتحكّمن في كل شيء، حتى قرارات الرجال بعد الزواج!”([5])

وهكذا، يفتح التأويل الأوسع للحكمة، الباب أمام نقد اجتماعي وثقافي لمؤسسة الزواج، بوصفها شكلًا من أشكال التورّط غير المدروس، والذي يُماثل الكفالة من حيث فقدان السيطرة الذاتية، والانجرار إلى التزامات تفوق الطاقة.

والآن ينتقل التأويل للحكمة من حصره في المجال المالي إلى نطاق أوسع يمس الأخلاق والمسؤولية الاجتماعية.  ولذلك، بدأت المناقشات تدور حول المعاني العامة للحكمة، بعيدًا عن الاقتصار على الكفالة المالية فقط، لتشمل كل أشكال إبرام العقود والاتفاقيات والتعهدات نيابةً عن الآخرين. فقد بات يُنظر إلى مثل هذه الالتزامات على أنها قد تجلب المتاعب ليس فقط للضامن، بل للمكفول أيضًا، لأن العلاقات البشرية بطبيعتها هشّة ومتقلّبة، ولا يمكن التنبؤ بمآلاتها.

ورغم أن البعد المالي ظل حاضرًا في الخلفية، فإن التأويل اتسع ليشمل كل أشكال الالتزام القاطع في الشؤون الإنسانية. وفي هذا السياق، نجد عبارة مهمّة تُبرز هذا الفهم الموسّع: “لأنه لا يصح، في ضوء واجبات المواطن الصالح، أن يرفض المرء مساعدة أصدقائه؛ بل إن الحكمة لا تنهى عن العون، بل عن التأكيد القاطع، والضمان الحاسم، والتصريحات الجازمة في شؤون البشر.”([6])

يعكس الفصل الأخير من مقالة بلوتارخ “مأدبة الحكماء السبعة” هذا التوجه أو مناقشة مشابهة، إذ يصف الحكمة بأنها جعلت كثيرين يعزفون عن الزواج، وكثيرين حذرين إلى حد المبالغة، وبعضهم حتى صامتين – في إشارة، على ما يبدو، إلى امتناعهم عن التصريحات الجازمة. “([7])

وحال الحِكم كحال النهر، نفهمه جيدًا من منبعه الأصلي، ولكننا نجد ثراءه الحقيقي في روافده، لذا فإن الانتقال من المعنى الديني الضيّق في الوفاء بالنذور، إلى الكفالة المالية وإبرام العقود في الأدب، وإن كان مرتبطًا بالوضع الاجتماعي للمجتمع اليوناني وله سياقه التاريخي المُبرِّر، إلا أن الانطلاق العام للحكمة، باعتبارها توجيهًا إلهيًا موجَّهًا للبشرية جمعاء، يتجلّى بوضوح في الفلسفة.

 

 التأويل الفلسفي للحكمة

تميل الفلسفة بطبيعتها إلى البحث عن المعاني العامة والرؤى الشاملة والأفكار المجرّدة؛ لذا فهي تسعى إلى فهم الأشياء من خلال أبعادها الكليّة ومن منظورها الأعلى. ومن هذا المنطلق، تنظر إلى “الحكمة” بوصفها مبدأً عاماً يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويصلح لأن يُعاد توظيفه في سياقات متعددة، وذلك لأن طبيعة الحِكَم خالدة، تجد لها صدىً دائماً، فتبقى حيةً بين الناس.

من هنا، ننتقل من دائرة المعاني التقليدية المرتبطة بالقروض والنذور والعهود – كما صورها الدين وتبناها المجتمع – إلى مستوى أعمق من التأمل في تجربة الإنسان الوجودية، ولا سيما إحساسه بالثقة المطلقة أو شعوره بالأمان التام بالركون إلى شيء ما. وهذا ما أشار إليه ديوجين اللايرتي (Diogenes Laertius) حين قال: “من الواضح أن المتاعب تلاحق من يؤكد أي شيء بثقة زائدة، ويُطلق الأحكام الجازمة بشكل مؤكد.” ([8])

تشير هذه العبارة إلى إشكالية فلسفية تتعلق بادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة؛ فالإنسان كثيراً ما يشعر باليقين تجاه آرائه دون أن يُخضعها للفحص الكافي، وحتى إن اختبرها، يبقى من الضروري أن يضع احتمال الخطأ في اعتباره. وهذا الموقف يتقاطع مع مفاهيم فلسفية متعددة، خاصة تلك التي تدعو إلى النسبية، وتشكك في إمكانية الوصول إلى يقين مطلق.

غير أن الإنسان يعيش ضمن إطار من المعنى يصنعه بنفسه، ويرى أن ما هو خارج هذا الإطار غير صحيح أو لا يستحق الالتفات. ولكي يُخترق هذا النظام من المعنى، لا بد من تغيير في بنية التفكير التي ساهمت في تشكيله. لذلك، من الطبيعي أن يشعر الإنسان بصحة أفكاره؛ إذ كيف له أن يعيش دون “حائط أمان” يحتمي به؟

وفي هذا الصدد، يمكن القول إن أحد التأويلات الفلسفية الممكنة للحكمة هو عدم الركون إلى أي جدار من الأساس، مما يفتح هامشاً واسعاً للحرية في أفق المعنى لدى كل فرد. ومن ثمّ، تحذرنا الحكمة من الوقوع أسرى أفكارنا الخاصة وقناعاتنا المحدودة، التي تضيق أفق الفكر وتخنق الحرية.

 

ثم نصل إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي علاقتنا بالآخر. إذ نجد أن المعاني التي قدّمها الأدب اليوناني للحكمة، كثيراً ما تقارب الآخر بشيء من الارتياب؛ فتضعه في موضع الشك المطلق، وتصوّره كشخص يجب الحذر منه باستمرار ومراقبته وعدم الوثوق في أقواله. وهذه الرؤية، في جوهرها قاصرة؛ لأنها لا تنطبق على الإنسان عمومًا، ولا يجوز تعميمها بطريقة تحوّل الآخر إلى “عفريت”. فصحيح أنه لا ينبغي منح ثقة مطلقة لأحد، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الآخر دوماً موضع شك؛ فكيف تستقيم حياة ينظر فيها أفرادها بريبة وتربص لبعضهم البعض؟

وفي سياق التفاعل بين التراث والفلسفة، تحلل إليزا كيف استقبل كل من هيجل وشوبنهاور هذه الحكمة القديمة. ففي “تاريخ الفلسفة”، يذكر هيجل الحكمة وينسبها إلى خيلون، ويترجمها إلى: “قَدِّم كفالةً وسوف يصيبك الشر”. لكنه يوضح أن المدرسة الشكية القديمة هي من منحت الحكمة دلالة كونية أوسع من معناها الحرفي أو العام. فالدلالة الكونية التي أضفاها الشكّاك هي: “لا تتعلّق بشيء تكرّس له ذاتك، ولا تثق في ثبات أي علاقة أو ارتباط.” وهو تأويل يتجاوز الظرف الاجتماعي أو القانوني الذي وُلدت فيه الحكمة، ليبلغ أفقاً وجودياً مفتوحاً.

أما شوبنهاور، فيستشهد بالحكمة في سياق نقده لاستخدام كانط للمصطلحات القانونية في التعبير عن آلية عمل الضمير الأخلاقي. حيث يطرح شوبنهاور أن العملية الذهنية ذاتها قد تحدث دون أن يكون لها سبب أخلاقي بالضرورة؛ مثل آلية عمل الضمير الأخلاقي وتشبيهه الإنسان بمن ينصب لنفسه محكمةً على غرار محاكم الدنيا، تضم قاضياً ودفاعاً وادعاءً. ويعود هذا إلى أن كانط يرى أن الإنسان يحاكم ذاته بناءً على شعور أخلاقي خالص بالواجب.

بيد أن شوبنهاور يرجّح أن هذا الشعور قد لا يكون أخلاقياً في جوهره، بل قد يكون أنانياً. ويضرب مثالاً على ذلك بحالة “تقديم الكفالة”، فيقول: في هذه الحالة، يحدث الصراع الداخلي الذي يشبه ما وصفه كانط — حيث يتهم الإنسان نفسه قائلاً: “لقد ورّطت نفسي في مسؤولية خطيرة!”، فيرد الدفاع مبرراً الموقف: “لكنه كان صديقي، ويحتاج إلى المساعدة!”، ثم يصدر الحكم “القاضي” الداخلي: “لقد كان تصرّفاً أحمق!”. ([9])

ومن هنا، يرى شوبنهاور أن هذا الشعور لا ينبع من واجب أخلاقي محض، كما يصرّ كانط، بل من خوف على الذات من المتاعب المالية أو التهلكة — كما تنبأت حكمة دلفي حين قالت: “في الكفالة الندامة”.

في المقابل، تكشف الحكمة بوصفها مفهوماً فلسفياً وأخلاقياً عن رؤية عملية للحياة. فهي لا تدعو إلى الارتياب المطلق، بل تحذّر من التعلق المفرط بالرأي الواحد والتمسك به بسذاجة، ومن الثقة الزائدة التي غالباً ما تُبنى على العواطف الجياشة، وتحثّ على الاعتماد على الذات لا من باب رفض التعاون، بل من منطلق تحمّل المسؤولية الفردية. فالحكمة لا تُقصي الآخر، لكنها تنظم العلاقة به ضمن ضوابط عقلانية تجنّب الإنسان التبعية العاطفية أو السذاجة في التعامل. وهي بذلك تؤسس لفكرة التوازن: تقديم العون دون إلغاء مسؤولية الآخر، وإبداء الثقة دون أن تكون مطلقة.

ولذلك يقول بلوتارخ: “الحكمة الدلفية لا تمنع الخير، بل تحذر من أن يكون الخير أحمقًا.”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع

  1. إيمانويل كانط ، (2017)، نقد العقل المحض، ترجمة: موسى وهبة، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع.
  2. Martin, R. P. (1993). The seven sages as performers of wisdom. In C. Dougherty & L. Kurke (Eds.), Cultural poetics in archaic Greece: Cult, performance, politics(pp. 108–128). Cambridge University Press.
  3. Wilkins, E. G. (1929). The Delphic Maxims in literature. University of Chicago Press. 

[1][1] Wilkins, E. G. (1929). The Delphic Maxims in literature. University of Chicago Press, p14.

[2] Ibid.P11-12.

[3]Ibid, P11.

[4]Ibid.

[5]  Ibid.

[6]   Ibid.P13.

[7]  Ibid.

[8]  Ibid.P14.

[9] See: Ibid.P17.

لمراجعة ما تم تحليله في التأويل الفلسفي للحكمة، انظر:

 The Delphic Maxims in literature, P (16-18).

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete