حِكَم دلفي الخالدة: الجزء الثاني…خيرُ الأمورِ أوسَطُها

 تكوين

 

“لا ترتقِ عاليًا جدًا

فالأعالي ليست آمنة

والطريق الأقل انحدارًا أنسب لطبيعتك”

الشاعر الروماني الشهير هُوراس([1])

مقدمة

الحكمة الدلفية الثانية هي: “لا تُفرط في شىء” أو”لا شيء بزيادة“، باليونانية μηδὲν ἄγαν  وبالإنجليزيةNothing too much ، وهي تدعو إلى تجنُّب الإفراط والتفريط في شتى مناحي الحياة، سواء على مستوى المشاعر أو الأفعال؛ فالتناغم في العيش يتطلّب الاعتدال في كل شيء، بحيث يكون إيقاع الحياة هادئًا ومتّزنًا. ومن خلال هذا التناغم، نبلغ قدرًا من الحكمة يمكّننا من التصرّف على نحو سليم.

لقد شكلت فكرة الاعتدال مكانة مركزية في الفلسفة اليونانية، وخاصة عند الرواقيين والفلاسفة الذين اهتموا بالأخلاق العملية، حيث تقوم الفلسفة الرواقية على فكرة السيطرة على الانفعالات والعواطف المفرطة، التي تشوّش حكم العقل، وتؤدي إلى اضطراب داخلي يعطّل صفاء الحياة، ولذلك يدعون إلى عدم التعلق بالأشياء الخارجية أكثر من اللازم.

تبنّى أرسطو فكرة الاعتدال أو الوسط في نظريته الأخلاقية المعروفة بـ”الوسط الذهبي“، حيث اعتبره السبيل إلى السعادة، تلك الغاية الإنسانية التي تصل بين الأخلاق والطبيعة البشرية والعقل. فالسعادة لا تُدرَك إلا من خلال ممارسة الفضيلة، ولتحقيق ذلك لا بد من تعويد النفس وجَبْلها على فعل الصواب، كما يمكن ببساطة محاكاة الفضلاء والسير على خُطاهم. ونلاحظ هنا أنّ الحكمة الدلفية قدّمت وصية عملية عامة، في حين قدّم أرسطو نظامًا أخلاقيًا قائمًا على العقل وفهم الطبيعة البشرية.

والآن لنتوغّل في لبّ التناقض الوجودي، بين المثال الأخلاقي والواقع العنيف الذي يحكم عالمنا المعاصر، حيث تتجلى صورة مثالية تُمكِّننا من تلمّس كل ما سبق؛  فالعالم اليوم ينضح ظلمًا وعدوانًا، في مشهدٍ بات مكشوفًا على مرأى ومسمع من الجميع. ويبدو أن سياسات الغرف المغلقة قد بلغت حدّ التخمة حتى فاضت؛ فرأينا شيئًا من فيوضها ينكشف تباعًا، حتى باتت الصورة واضحة وفاضحة، الكل الآن يدرك شرقًا وغربًا، أن هناك قوّةً واحدة مهيمنة، تُمسك بخيوط اللعبة، وتستعبد الجميع كأخطبوطٍ يطوّق فريسته بأذرعه ليكتم أنفاسها؛ فكيف لا نفرط في كراهية الظلم؟ وكيف لا ننفعل بتطرف ونصرخ، ونحن نرى العدوان يُرتكب بدمٍ بارد؟

في ظل هذا الواقع، كيف يمكن تفعيل الاعتدال الانفعالي في مواجهة ظلمٍ فادح، وسطوة قوى تتحكم بمصائر الشعوب؟ كيف نُطالب بالاتزان، ونحن نرى القوة بأيدي الحمقى، والشعوب تُسحق لأنها تخضع لمقاييس تراتبية بغيضة، يجعل منها عالم ثانٍ وعالم ثالث. كيف يُنتظر من الإنسان المعاصر أن يُمارس فضيلة الاعتدال، وهو محاط بسياج من اللامنطق، والظلم المفرط، والعدوان الغير مبرَّر؟ في عالم كهذا، تبدو فضيلة الاعتدال ضربًا من السذاجة المؤدية حتمًا للجنون.

لهذا، وفي رحلة تأملية مع حكمة معبد دلفي: “لا تُفرط في شىء” وتجلياتها في الحياة والأدب والفلسفة والسياسة والدين، سنحاول تحليل ما قاله الماضي، لعلّنا نُصغي لما يقوله الحاضر.

نبحث عن اعتدال لا يخنق الروح، ولا يهدم الآمال، ولا يُقوّض إنسانيتنا التعبة.

فضيلة الاعتدال والوسط الذهبي لأرسطو

تُحلّل أستاذة الأدب الكلاسيكي إليزا جريجوري ويلكنز Eliza Gregory Wilkins في كتابها “حكم دلفي في الأدب” (1929)، كيف أن دراسة الأدب اليوناني واللاتيني تمكّننا من فهم انعكاسات الحكمة الدلفية، ليس فقط كتوجيه أخلاقي، بل كتعبير عن الإحساس اليوناني العميق بالتناسب والانسجام. حيث بدءت حكمة دلفي تعبر عن المعنى الديني الذي يحذر من التطرف وأرتبطت بالطقوس الدينية ثم تحولت إلى مبدأ أخلاقي مع فلاسفة اليونان مثل أرسطو الذي جعلها أساس للحكمة العملية وربطها بحكمة “اعرف نفسك“.

قدَّم أرسطو في كتابه “الأخلاق إلى نيقوماخوس” مفهوم “الوسط الذهبي” Golden Mean للفضائل، فالشجاعة مثلًا، هي وسط بين الجُبن والتهوّر، والكرم وسط بين البخل والإسراف، وهكذا؛ إذ إن كل فضيلة، عنده، تقع بين رذيلتين: إحداهما تمثّل الإفراط، والأخرى التفريط، وقد وجد أرسطو أن الخير يكمن في التوسط، وأن خير الأمور أوسطها. ومن خلال هذا التوازن، يرتقي الإنسان نحو الفضيلة، ويبلغ السعادة التي تُعد الغاية والهدف الأسمى؛ لذا، تقتضي الفضيلة وعي الإنسان بوجوده ومعرفته بحدوده –كما أكدت حكمة “اعرف نفسك” من قبل-، ليتمكن من خلالها من ممارسة الخير بتعويد النفس على فعل الصواب، أو على الأقل محاكاة الفضلاء. والأمر مشابه لما يقوله الحديث الشريف: “إنما الحلم بالتحلُّم“.

وفي الواقع فإن فكرة الاعتدال أو التوسط لم تبدأ مع أرسطو، بل نجد جذورها واضحة في الأدب اليوناني القديم، وخصوصًا في أشعار هسيود (الأعمال والأيام)، وثيوغنيس، بل وحتى عند الشعراء الغنائيين مثل “بندار”  و”سيمونيدس” كما سوف يظهر لاحقا في تجليات الحكمة في الأدب، حيث تتردد دعوات تشيد بالتوسط وتحذر من الإفراط الذي يُخلّ بتوازن الحياة، ولا يعود بالنفع على أي طرف. وقد جاء أرسطو لاحقًا ليمنح هذه الفكرة طابعًا فلسفيًا ممنهجًا، قبل أن تنتقل إلى الأدب اللاتيني، الذي أعاد طرحها بروح مختلفة لكن بنفس الجوهر أيضا.

في نقد الوسط الذهبي

على الرغم من أن فكرة “الوسط الذهبي” قد تكون مقبولة في بعض الجوانب، إلا أنها تتحول إلى عقبة وخيمة في جوانب أخرى. فالهدوء والاتزان قد يصلحان لضبط حاجاتنا الجسدية، إذ يسهمان في اعتدال الوجود المادي للإنسان واستقرار صحته. لكن إذا تناولنا هذه الفكرة على مستوى الانفعالات البشرية، سنجد فيها قدرًا من المفارقة، بل وربما السخرية أيضا.

فكيف يمكن للإنسان أن يُخضع انفعالاته لضبطٍ دقيق؟ ويُبقيها معتدلة الحدة، وكأن وجوده ساكنٌ كبركة ماء راكدة؟ أليس من الطبيعي أن يتطرّف أحيانًا، ويثور أحيانًا أخرى، خاصة في سياق مراحل نموه وتطوره؟ أليس من المفترض أن يكون وجودنا ديناميكيًا، متغيرًا، نابضًا بالحركة والتقلب؟

ولنضرب مثالا صارخًا على ذلك: كيف لأمٍّ شاهدت طفلها يُمزَّق تحت قصف عبثي لقوى غاشمة أن تتحلّى بالهدوء ولا تنهار؟ كيف يُطلب منها ألّا تنفعل “أكثر من اللازم”؟! وإن فعلت، أليس في ذلك كبتٌ لمشاعرها الإنسانية الغاضبة، التي تتفجّر بين أنهار روحها، وتمزّقها من الداخل؟ ألا يبدو أن تصريف مشاعرنا، بل والمبالغة أحيانًا في هذا التصريف، قد يكون مفيدًا؟ ذلك الانهيار، وذلك الثوران، قد يطهّرنا من الداخل، ويحرّر مخزون الألم المتراكم في أعماقنا.

تجليات حكمة “لا إفراط”  في الفلسفة

تحلل إليزا كيف أن الأدب اليوناني واللاتيني يركّز على الأفكار التي تمجّد مفهوم الوسط أو الاعتدال. وعلى عكس ما أثارته حكمة “اعرف نفسك” من تأويلات وتفسيرات متعدّدة لمعناها، فإن حكمة “لا إفراط” بدت واضحة منذ البداية، بل وعلى جميع الأصعدة: الفلسفية والدينية، والأخلاقية، والسياسية. إنها دعوة صريحة إلى الاعتدال، وإلى تجنّب التطرف في الأقوال والأفعال، سواء في السلوك الفردي أو في بنية المجتمعات.

وقد طُبِّقت هذه الحكمة على الرغبات الجسدية، إذ شاع في الفلسفة والشعر والأدب تمجيدُ عدم الانغماس في ملذات الجسد باعتباره فضيلة كبرى، كما نجد عند الرواقيين الذين أكدوا الاعتدال في تلبية الحاجات الجسدية وعدم الاستغراق فيها، لأنها ينبغي أن تبقى خاضعة لسيطرة العقل لا العكس؛ فالإفراط فيها يقلب الأمر إلى نقيضه.

ويبرز هذا أيضًا في مفهوم “الصحة” عند الفيثاغوريين، الذي يعني الانسجام والتوازن بين الأضداد المختلفة في الجسد. كما يظهر في محاورة “فيلِبوس” (Philebus) لأفلاطون، حيث تُربط اللذات بالفضيلة الأساسية: الاعتدال أو العفة.

وفيها يناقش سقراط مع فيلِبوس (وأحيانًا بروتارخوس) مسألة الخير الأسمى للإنسان، فيتساءل: أيهما أفضل للإنسان، اللذة أم العقل؟ وخلال النقاش يقرر سقراط أن الخير الأسمى لا يقوم على اللذة المطلقة ولا على العقل المحض، بل على مزيج متناغم بينهما، ويطرح سؤالًا حول إذا ما كانت اللذات الجسدية أعظم في حالة الصحة أم في حالة المرض، فيجيبه محاوره بأن الحكمة القائلة “لا تُفرِط في شيء” هي الأجدر بضبط النفس، وأن التحكم في الشهوات الجسدية هو الطريق الأضمن إلى التوازن.([2])

أما من حيث الحالات النفسية، فتُستخدم هذه الحكمة لضبط المشاعر والانفعالات، لا سيّما الحزن المُفرط عند الفقد سواء عند فقد صديق أو فقد ممتلكات. وينطبق الأمر ذاته على مظاهر الفرح ، والخوف، والغضب، والحب، والكراهية، إضافةً إلى الغرور المفرط والطموح الزائد، وهي كلها مواضع تؤكد فيها النصوص القديمة أهمية الحفاظ على التوازن الداخلي.

تجليات الحكمة في الأدب

وتلفت إليزا الانتباه إلى وجود تعبيرات أدبية متعددة ذات مضمون مشابه، من بينها عبارتان وردتا في شعر هسيود: “النصف قد يكون أكثر من الكل“، و”القياس المعتدل هو الأفضل“، ورغم عدم منطقية العبارة الأولى ظاهريًا — إذ كيف يكون النصف أكثر من الكل؟ — إلا أن السياق يكشف المنطق الخفي وراءها، حيث يرى هسيود أن الحصول على النصف بالرضا بين الأطراف، وتجنُّب الدخول في مشاحنات بغيضة، قد يوفر الكثير على النفس البشرية؛ فهو يُهدر الوقت والطاقة ويُسبّب الأذى النفسي والاجتماعي، وحينها سوف تجد أن النصف بلا منازعات أفضل من الكل المليء بالضغينة.

ظهرت حكمة “لا تُفرط في شىء” ” لأول مرة في شعر “ثيوغنيس”، حيث يخاطب صديقه الشاب “كيرنوس” ناصحًا إياه بعدم الإفراط في الغضب أو الانزعاج من أوضاع مدينة “ميجارا”. وفي موضع لاحق، يحثه على ألا يستسلم ليأس مفرط عند الشدائد، وألا يُبالغ في الفرح عندما تبدو الأمور واعدة”([3]) كما تظهر عبارة “ἄριστον μέτρον” (خير الأمور أوسطها) في نصوص أخرى، مؤكدة الحضور العميق والمستمر لفكرة الاعتدال بوصفها إحدى ركائز الحكمة الكلاسيكية. ورغم وضوح معنى الحكمة واستمراره إلا أنه تمت المبالغة في ذكره واستخدامه، حتى أن الشاعر اليوناني العظيم “بندار” سخر من ذلك في أحدي شذراته، حيث يقول: “إن الحكماء (ويقصد الفلاسفة) يمدحون مقولة “لا إفراط” إلى حد الإفراط”([4]).

كما نجد الشاعر الغنائي اليوناني ألفايوس الميتيليني (620–560 ق.م)، الذي قدّم لنا أبياتًا تعكس مثالية الاعتدال في الرغبة والعيش، ورفض الترف، كاشفًا فيه عن روح الحكمة الدلفية الخالدة عبر العصور، فيقول:

“لا أرغب في امتلاك حقولٍ خصبة،

ولا في ثروةِ غيغيسَ المليئة بالذهب،

ما يكفيني لحاجات الحياة، هو كل ما أريد،

هذا ما أبتغيه، يا ماكرينوس العزيز،

فحكمة “لا إفراط” ترضيني دومًا.“([5])

ديناميكية الأطوار: نقد ثنائية أرسطو في فهم مراحل العمر

في قاعدة “الوسط الذهبي” يمجد أرسطو فضيلة الاعتدال والتوسط، لذا قدم تحليلات للطبائع البشرية، حيث ميّز بين نمطين متقابلين من المزاج الإنساني، يتمثلان في “فئة الشباب” و”فئة الشيوخ“، فيرى أرسطو أن “فئة الشباب” بطبيعتهم، يميلون إلى التهويل والإفراط في كل شيء، وتُميّزهم الاندفاعية المفرطة، وفوران المشاعر الجياشة والمتناقضة على حد سواء، وهي سِمات يعتبرها أرسطو غير محمودة ومتهورة. ويصف طبيعتهم بقوله إنهم:

“يفعلون كل شيء بإفراط، فهم يحبّون بإفراط، ويكرهون بإفراط، وكل شيء على هذا النحو المفرط. وهم يتخيّلون أنهم يعرفون كل شيء عن يقين، ويؤكّدون أقوالهم بثقة مفرطة، وهذه الثقة هي  في الواقع سبب تجاوزهم للحدود في كل الأمور.”([6])

ثم ينتقل أرسطو إلى الفئة المقابلة، وهي “فئة الشيوخ”، ويرى أنها أيضًا ليست نموذجًا للحكمة المكتملة، إذ تمثل تطرفًا في الاتجاه المعاكس للشباب. “فهم يقلّلون من كل شيء، بل أقل مما ينبغي، ويضيفون دائمًا عبارات مثل: “ربما” أو “من الممكن”، ولا يصرّحون بشيء بيقين. لا يحبّون ولا يكرهون بإفراط، بل، كما يقول أرسطو مستشهدًا بحكمة “باياس”(Bias) –أحد الحكماء السبعة في اليونان القديمة-:

“يحبّون وكأنهم سيكرهون لاحقًا، ويكرهون وكأنهم سيحبّون فيما بعد.”([7])

وهكذا، يتجلّى في تحليلات أرسطو تأكيده المستمر على أهمية الاعتدال وتجنّب التطرّف، سواء في مرحلة الشباب أو الشيخوخة؛ فالشباب يخطئون بالاندفاع، والشيوخ يخطئون بالمبالغة في الحذر، لذا فأن الفضيلة لا تكمن في الميل الغريزي، بل في التوازن العقلي والوسط الحكيم.

ورغم وجاهة تحليلات أرسطو لطبيعة مرحلتي الشباب والشيخوخة، إلا إننا نرى أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، كما ظنّ أرسطو، وأن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه الحِدّية التي طبعت تفكيره بهذه المقارنة، على الرغم من دعوته إلى مبدأ “الوسط”؛ فالإنسان يمرّ في رحلة حياة طويلة، تُعدّ كل مرحلة فيها ضرورية وأساسية لتكوينه؛

  • فالطفولة مثلًا، مرحلة تتّسم بالاندفاع والسذاجة الشديدة، لكن هل يمكننا تجاوزها لمجرد كونها طورًا من “البلاهة”؟ بالطبع لا؛ إذ إن هذه “البلاهة” ضرورية، وتشكل جزءًا أصيلًا من البنية الإنسانية.
  • وكذلك مرحلة المراهقة، التي تُمهِّد لمرحلة الشباب، تُعدّ شكلًا من أشكال الجنون، ولكن بطريقتها الخاصة؛ حيث تفور المشاعر، وتختلط الأضداد، وتنتشر التناقضات.
  • ثم تأتي مرحلة الشباب لتعكس ما سبقها، وتعبر عنه، وتمنحه شكله العملي. وفي أواخر هذه المرحلة، تبدأ المشاعر والانفعالات بالهدوء التدريجي، نتيجة تراكم الخبرات والتجارب التي يخوضها الإنسان، والتي تُعلّمه تدريجيًا حدود الانفلات، فيبدأ ربما بالنظر إلى “الوسط” باعتباره قيمة ذهبية.
  • ثم تأتي الشيخوخة بوصفها المرحلة الأخيرة من الطريق، حيث يدرك الإنسان أن رحلته في التعلم قد بلغت نهايتها، فيركن إلى السكون والتأمل، وقد تراكم لديه رصيدٌ معرفي وتجريبي كبير. ومن الطبيعي، في هذه المرحلة، أن تميل أحكامه إلى التحفّظ، فيُكثر من استعمال “ربما”، ويفقد ثقته المطلقة في الأشياء، لا لأنه فقد الحكمة، بل لأنه وعى هشاشة اليقين. لكنه، في الوقت نفسه، لا يميل إلى “الوسط” بوصفه حلًّا دائمًا، بل قد يميل أحيانًا إلى النقيض من الطفولة.

التوسط بين حكمة الأمس وأسئلة اليوم

نجد في الثقافة الشعبية المصرية، مثل عفوي بسيط ولكنه عميق الدلالة، يقول: “مِكَبّرنا مِصغّرنا” — أي أننا ننهي دورة الحياة كما بدأناها.  أي أن هناك الكثير الذي يرتد صغيرًا ويتصرف كالأطفال وكما كان يفعل في طفولته: كالتعلق بالأشياء التي يملكها بشدة، وحاجته للشعور بالاهتمام من كل من حوله، وأيضا احتياجه للشعور بالتقدير من مجال عمله، حيث يحزنه أن يشعر بأن حياته قد ذهبت سدى، وأن عدم وجوده لن يشكل خللا. وغالبًا ما تنتاب هذه الحالة أولئك الذين لم يسيروا في دربهم كما ينبغي، فلم يبلغوا نضج الحكمة، بل عادوا إلى طورٍ أشبه بالطفولة قبل الرحيل، وكأنهم سيولدون ثانيةً لكي يكتمل نضجهم.

كل ما سبق يؤكد لنا ديناميكية وجودنا الإنساني، فهو لا يسير في خط حاد أو منظم، ولا يتبع وتيرة واحدة، كما أنه لا يخضع تمامًا لمنطق الوسط والاعتدال، بل يتأرجح بين هذا وذاك. لا يمكنك تجاوز مرحلة لا تعجبك دون أن تُحدث خللاً في نموك.

في علم النفس([8])، على سبيل المثال، تُصنّف بعض مشكلات الشخصية ضمن اضطرابات الطفولة، وهي اضطرابات تترك أثراً نفسياً كبيراً في مرحلة الشباب، وقد تستمر بالظهور حتى الشيخوخة إن لم تُعالَج. فلو كان الأمر بهذه البساطة، لما نمت تلك الاضطرابات وامتدّت، لأنها ببساطة تُعدّ مكوّناً أساسياً من مكوّنات وجودنا الإنساني. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن أرسطو لم يُوفّق تمامًا حين قارن بين طرفي الحياة (الشباب والشيخوخة) كما لو كانا ثابتين، دون أن يأخذ في الحسبان سيرورة الحياة بوصفها تكوينًا ديناميكيًا متطورًا. فمفهوم “الوسط الذهبي”، رغم وجاهته الأخلاقية، قد يتحوّل إن اعتُبر معيارًا ثابتًا إلى تعطيل للنمو، لا مسارًا له.

لكن علينا أن نتساءل في حياتنا المعاصرة: إذا كان أرسطو قد قصد من “الوسط الذهبي” تحقيق السعادة من خلال ممارسة الفضيلة، واعتبر أن السعادة وهي الغاية المنشودة للإنسان، تُنال بالعيش وفقًا للفضيلة التي تتحقق بالاعتدال، فهل لا تزال هذه الرؤية صالحة لعالمنا اليوم؟

الاعتدال الذي يقتلنا

إن ما نستشفه مما سبق هو أن الإشكالية الأولى كانت ولا تزال هي: كيف نحقق السعادة؟ فماذا عنّا الآن؟ كيف تُصنع السعادة في عالمنا المعاصر؟ هل ما زالت الفضيلة هي الطريق؟ وهل لا يزال الاعتدال، وجَبل النفس على السلوك القويم، والابتعاد عن الإفراط في الملذات أو المشاعر أو الانفعالات، هو السبيل إلى الحياة الطيبة؟ ربما يبدو الأمر صحيحًا تمامًا، لكن أليس في ذلك ما يُشبه الحياد القاتل؟ ألا تبدو الحياة في ظل هذا الاتزان المطلق باهتة وضعيفة؟

ما قيمة حياة تسير على وتيرة واحدة، بنغمة واحدة، بهدوء مطلق؟ وكأننا نبات لا شأن له سوى أن يتغذّى لينمو، ولكي يتحقق له ذلك، لا بد أن يُطأطئ رأسه للريح ويدعها تمر من فوقه، متغاضيًا عن الظلم من حوله، ما دام لا يطاله ولا يهدد وجوده! ألا يجوز أن يثور النبات يومًا؟ أن يرفع رأسه في وجه الريح، ويناطحها لا خضوعًا بل تحدّيًا؟، فإن صمد، فقد ذاق طعم الشجاعة، واختبر المعنى، وإن انكسر، فقد يكون في انكساره حماية لغيره من النباتات، التي احتمت بظله حين وقف.

أليست الحياة جديرة بأن تُعاش بهذا التوتر النبيل بين الحكمة والتمرّد؟ بين الاتزان والانفعال، بين العقل والقلب؟ فلعلّ السعادة، في زماننا، لم تعد تُختصر في “وسط ذهبي” ساكن، بل في شجاعة الاختيار، والقدرة على مواجهة العواصف، حتى لو لم يكن النصر مضمونًا.

هذه الحيادية التي يخلقها مبدأ التوسط، بعيدة كل البعد عن الوجود الإنساني الحقيقي، ذلك الوجود الذي هو في جوهره العميق، مغامرة كبرى. فلماذا نهرب من هذه المغامرة، التي لا تخلو بالطبع من المخاطرة؟ وكما قال المتنبي:

“لابُدَّ دون الشَّهْدِ من إبَرِ النَّحل”.

لماذا نركن إلى السكون؟ والبحر ذاته لا يُخشى إلا من أمواجه وهي تتصارع وتضرب شواطئه، فكيف بنا نحن، أبناء المعنى، أن نرتضي الركون إلى الهدوء والإثن.

ورغم كل ذلك، يمكننا أن نجد مخرجًا تأويليًا لأرسطو: ربما لم يكن يقصد حيادًا وجوديًا، بل هدوءًا في متطلبات الجسد، وتهذيبًا لعلاقتنا بالآخرين، وتسكينًا لضجيج العالم من حولنا، كي يسمو الإنسان نحو ما هو إلهي، ويتطلع إلى ما هو فوق البشر، إلى اكتشاف كنه الحياة وسر وجوده؛ فالإنسان لا يحيا بمجرد الاستمرار في العيش، بل، كما قيل:

“لا يستحق الحياة إلا من يغزوها كل يوم.”

كما يمكننا أن نجد مخرجًا تأويليًا آخر، فمن الناحية الوجودية تتمثل الحكمة في الهدوء والاتزان والتصرف بانضباط تجاه الأمور، بحيث يصل الإنسان إلى درجة من الحكمة تجنّبه الانفعال الزائد، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا، ويتسم بحالة من السكينة، ويتقبل مصائب الدهر بصدر رحب، ويمتثل للحياة من منظور علوي لا يهاب شيئًا.

ولكن هذا الوضع ينطبق على من بلغ الحكمة، أما من هم في طور السعي نحوها، فلا يمكن أن يكونوا كذلك؛ لأن عيش إنسانيتهم كما هي، بجنوحها أحيانًا وركونها أحيانًا أخرى، هو ما يُمكّنهم من التجاوز والوصول. لذا، فإن منهج “الوسط الذهبي” لأرسطو ينجح في مرحلة الوصول، لا أثناء الرحلة.

وفي النهاية، علينا أن نُدرك أن التوسط والاعتدال في بعض الأمور إثنٌ وفتور، وجمود يُركّد مياه حياتنا ومواقفنا. أما الانفعالات فهي التي تدفعنا لخوض المعارك والاصطدام بصخرة الوجود.

فإذا كانت قطرات الماء قادرة على نحت الصخور وشقّ طريقها نحو التدفق، فهل يعجز الإنسان؟!

________________________________ 

المراجع

  1. يوسف كرم، (2019)، تاريخ الفلسفة اليونانية، مكتبة الدار العربية للكتاب، مصر.
  2. أرسطوطاليس،(1979)، الأخلاق، ترجمة اسحق بن حنين، حققه وقدم له: عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت.

[1] هوراس (65 ق.م – 8 ق.م)، اسمه الكامل كوينتوس هوراتيوس فلاكوس (Quintus Horatius Flaccus)، يُعدّ من أعظم شعراء الرومان الكلاسيكيين في عصر الإمبراطورية الرومانية. الأبيات السابقة مستوحاه من عمله الأدبي الشهير “الرسائل” (Epistles)، وهو شعر تعليمي فلسفي يهدف إلى تقديم نصائح لحياة متزنة.

النص اللاتيني الأصلي:

“Ne nimium ascendas: altiora non sunt tuta; Humilius, uti concedas, aptius istud est tibi.”

[2] See, Plato. (2008). Philebus (B. Jowett, Trans.). Project Gutenberg. https://www.gutenberg.org/ebooks/1744
(Original work published ca. 370 B.C.E.)

[3] Wilkins, E. G. (1929), The Delphic maxims in literature, The University of Chicago Press, p19.

[4] Ibid, P20.

[5] Wilkins, E. G. (1929). The Delphic maxims in literature, The University of Chicago Press, P24.

[6]Ibid, P22.

[7]Ibid.

[8] See, Stefanie Stahl, (2020), The Child in You: The Breakthrough Method for Bringing Out Your Authentic Self. Penguin Life.

 

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete