من ختم المعارف إلى ختن العقول: من أبدية الإجابات إلى زمانية الأسئلة

 تكوين

واحدة من اسوأ ما يمكن أن تمر به المجتمعات البشرية في رحلتها الحضارية هي الدُّخول في الأبدية، رغم أن الزمن هو الشرط الأساسي للبقاء ليس على قيد الحياة فحسب، بل في انتقالها، أي المجتمعات البشرية، من دور البقاء على قيد الحياة إلى دور االفاعل في هذه الحياة أيضاً. على اعتبار أن دور البقاء على قيد الحياة يمكن أن يُصنَّف في دائرة أو في مقولة “الإنسان حيوان عاقل“، أي أنه يؤدي الدُّور المنوط به كنوع ينتمي إلى جنس الحيوانات من أكل وشرب ونوم وتزاوج، دون التقدُّم في مسيرة الوعي المعرفي القادر على تخليق مساحات حضارية متطورة للجنس البشري من فنون وآداب وفلسفات وعلوم، بما ينقله من مقولة “الإنسان حيوان عاقل” إلى مقولة (الإنسان كائن حضاري). فالزمن شرط أساسي ومصيري لاستمرار تدفُّق الحياة، بتجليات مختلفة وكثيرة، في الاجتماع البشري. ففي الزمن أو بالأحرى في تمظهراته في العالم تبرز قوة العقل البشري ومدى فاعليته على المستوى الحضاري، من خلال طرح الأسئلة حول سداسية:

  1. الإله.
  2. الإنسان.
  3. العالَم.
  4. الأفكار.
  5. الأشخاص.
  6. الأشياء

واقتراح إجابات كثيرة وعديدة عليها، ومن زوايا مختلفة، بما يُوسِّع دائرة الإبداع لتشمل أكبر عدد ممكن من الناس، بحيث يُصبح الإبداع قاعدة عامة وعدم الإبداع استثناء خاصاً. وهو ما يُفضي لاحقاً إلى تموضع الإنسان، والمجتمع بالتالي، في المقولة الحضارية، أكثر من تموضعه في المقولة البيولوجية الصرفة. أو انتقاله، بلغة أخرى، من الطور الغريزي، إلى طور القيم الإنسانية العليا: الحق والخير والجمال.

وعليه، فإنَّ واحداً من أبرز الأسئلة في هذا المقام: كيف يُمكن أن يُصبح الإبداع، في مجتمع من المجتمعات، قاعدة عامة، وعدم الإبداع استنثاء خاصاً؟ أو، بمعنى آخر، هل بمقدور مجتمع من المجتمعات أن يُحوِّل قاطنيه أو ساكنيه إلى مُبدعين في مجالات شتّى، وهل بمقدوره، على الجهة المقابلة، أن يَحوُلَ دون تمثلهم للإبداع، بل وكراهيتهم له؟

بداية، المجتمعات التي تتخذ من الأبدية مرجعية أنطولوجية، يتوقف فيها فعل الإبداع، بل يُصبح عبئاً على تلك المرجعية مع مرور الزمن، على اعتبار أن الإبداع، أو إضافة أي جديد لما هو قائم، يُهدِّد أركان تلك المرجعية ومرتكزاتها المعرفية، ويمكن أن يفضي إلى فقدانها لمعناها الوجودي. أما المجتمعات التي تتخذ من الزمان مرجعية أنطولوجية، فإنها ترسم حدوداً مسبقة لقدرات العقل البشري في مواضعاته الآنية، ولا تمنحه صفة الإطلاق أو صفحة عبور الأزمان بطريقةٍ مجّانية، بما يحجر على عقول الأجيال القادمة أو المستقبلية، ويقف في وجه إبداعاتها المعرفية، في مختلف الحقول، منذ اللحظة الأولى.

لنفحص هذه البداية، ولنبدأ بسؤال: كيف للإنسان أو للمجتمع أن يبدأ بالأبدية وهو مولود في الزمن؟

ليس ثمة بداية أبدية لأيِّ شيءٍ في هذا الوجود، بيولوجي كان هذا الشيء أم معرفي أم اجتماعي…إلخ؛ بل ثمة لحظة ولادة وانطلاقة لكل شيء، طالما أن هذا الشيء موجود في العالَم الذي نعيش فيه ويخضع لقوانينه. وقد كان لمسألة الانتقال من النهائي إلى اللانهائي أو من الزماني إلى الأبدي، أن تُشكِّل معضلة فلسفية في تفسير العلة الأولى أو السبب الأول الذي كان موجوداً قبل كل شيء، وبعده حدث كل شيء.

بمعنى، ليس ثمة أبدية في الخطوات الأولى، لكن يمكن أن تتحوَّل هذه الأبدية إلى ناظمٍ نهائي لعلاقة الإنسان بالعالَم في النهاية. ففي البداية تحدث الولادة، وهي نتاج تلاقح شحنات في الزمن والمكان، ثم تبدأ معالم هذه الولادة بالتشكُّل والوضوح، ومع هذا التشكُّل والوضوح تبدأ رحلتها الوجودية في هذا العالَم. ولكي تتبلور هذه الرحلة وتتمظهر لا بد لها من طرح مجموعة من الأسئلة المُختلفة والمُتعددة: فلسفية، بيولوجية، سيكولوجية، اجتماعية، اقتصادية، طبية، سياسية…إلخ؛ بحيث تُغطِّي أكبر مساحة لأفكارها أفعالها التي ستتجسد، نهاية المطاف، في الاجتماع البشري. الإجابة على هذه الأسئلة، قد يُفضي إلى الأبدية! السؤال: كيف يحدث هذا، والسؤال الأهم: لماذا يمكن أن يحدث ذلك الإفضاء إلى الأبدية؟

لبلورة سياق مُنتج لهذين السؤالين ينبغي أن أتحدث عن السرديات الكبرى، بما هي حاضنة مركزية لفاعلية الإنسان في العالَم، إذ يتم تسريد علاقة الإنسان بالعالَم، عبر طرح جُملة من الأسئلة الأسئلة البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية والفلسفية والدينية والنقدية والسياسية والاقتصادية…إلخ، واستشكال سياقاتها، لغاية التوصُّل إلى أفضل إجابات لها.

السرديات الكبرى وسياق الأبدية

بما ينسجم مع روح هذه المقالة، ثمة ميزتان رئيسيتان للسرديات الكبرى:

  • الأولى: تخلُّق كائن في زمن ما ومكان ما، يتصف بالبراءة والعفوية.
  • الثانية: الانتقال بهذا الكائن من مرحلة البراءة والعفوية إلى مرحلة القوة والشدِّة.

ما بين تخلُّق المخلوق وتخلي هذا المخلوق عن براءته وعفويته، تتجذر السرديات الكبرى في العالَم كحاضنةٍ:

أولاً: لرؤية كبيرة وهائلة للعالَم الذي يتواجد فيه الكائن الذي تخلَّق في هذه السردية. ولم تتضمن هذه الرؤية، عبر التاريخ، موقف الإنسان من عوالمه المرئية فحسب، بل وغير المرئية أيضاً؛ أو من حدود جسده المرئية إلى أشواقه الروحية غير المرئية. ولكي تتشكّل معالم هذه الرؤية لا بُدَّ من طرح جُملة من الأسئلة حول سُداسية: 1- الإله[1]. 2- الإنسان. 3- العالَم. 4- الأفكار. 5- الأشخاص. 6- الأشياء؛ بصفتها، أي هذه السداسية، الوحدات الصغرى، أو المونادات، التي يتأسس عليها كل شيء في الوجود. وكما تخلَّق، في البداية، كائن عفوي وبسيط داخل هذه السردية؛ تبدأ الأسئلة حول هذه السُّداسية بطريقة بريئة وعفوية، وشيئاً فشيئاً تأخذ هذه الأسئلة طابعاً قصدياً يعي ضرورة تقديم إجابات عليها، بما يُؤشِّر على وعي ذلك الكائن وانتقاله إلى مرحلة أخرى من مراحل وجوده، تتسّم بالتعقيد والتركيب، وهو ما يُشكّل في مجموعه رؤية السردية نفسها من ذاتها، إذ تبدأ هشّة بسيطة وعفوية، ثم تبدأ، تحديداً إذا ما امتلكت رؤية للعالَم، بالتعقُّد والتركيب؛ وهو ما يُتيح أخذ أسئلتها إلى مناطق أكثر استشكالاً.

مع نمو هذا الاستشكال للأسئلة حول السُّداسية السابقة، تتشكل المعالم الحضارية للسردية الجديدة، أي تبدأ الرؤية للوجود، التي تشمل السداسية السابقة، بالظهور والتبلور في العلن، على هيئة إبداعات مختلفة ومتنوعة، من أصغر الأشياء إلى أكبرها، أو من عوالم ما تحت الذرة إلى عوالم ما فوق المجرة.

ثانياً: بالتقادم، قد تبدأ هذه الرؤية بالانحسار التدريجي إلى أن تصل إلى حدِّ الإغلاق، إذ تتشرنق على ذاتها ويتم إقفال الباب من الدَّاخل، ولا يسمح لأي شيء بالدُّخول، تحت وطأة العقاب الشديد. أي يتم إغلاق باب الأسئلة حول سداسية: 1- الإله. 2- الإنسان. 3- العالَم. 4- الأفكار. 5- الأشخاص. 6- الأشياء؛ ومقترحات الإجابات التي يمكن أن تُقدّم كإسهامات معرفية على تلك الأسئلة أيضاً. وبهذا تنتقل السردية من مرحلة (النسق الإبيستمولوجي) القادر على توليد مساحات إبداعية لا حصر لها نتيجة إبقاء الأسئلة مُتاحة لعدد غير محدود من الإجابات النوعية؛ إلى مرحلة (النسق الأنطولوجي) الذي يُشكّل النسخة الأخيرة من هوية الأمة أو قيمتها الرمزية.

من (النسق الإبيستمولوجي) إلى (النسق الأنطولوجي):

السؤال الافتتاحي في هذا المقام هو: هل يُشكّل (النسق الأنطولوجي) علامة سوداء أو مُظلمة في مسيرة السرديات الكبرى، في حين يُشكِّل (النسق الإبيستمولوجي) علامة بيضاء أو مشرقة في مسيرتها؟

انسجاماً مع روح هذه المقالة التي لا تؤمن بتقديم إجابات قاطعة ونهائية، بقدر إيمانها باقتراح إجابات حفاظاً ليس على مرونة هذه المقالة ورشاقتها فحسب، بل مرونة ورشاقة السرديات الكبرى أيضاً؛ فإني سأقترح إجابتين على هذا السؤال:

الإجابة الأولى: استنكارية، إذ كيف للنسق الأنطولوجي أن يكون علامة سوداء أو مُظلمة، وهو منبثق أساساً عن النسق الإبيستمولوجي، أو هو نتاج هذا النسق؟

الإجابة الثانية: استفهامية، إذ كيف يمكن أن يُفضي النسق الأنطولوجي في السرديات الكبرى إلى نسق مُغلق، رغم أنه، في الأساس، نتاج حراك معرفي كبير؟

لنربط بين الإجابتين الاستنكارية والاستفهامية، على اعتبار أن الإجابة الاستنكارية مُتعالقة مع الإجابة الاستفهامية. فبقدر ما يمكن أن نستفهم عن مسألة تحوُّل النسق الأنطولوجي إلى نقطة سوداء في السرديات الكبرى، بقدر ما نستنكر ذلك. على اعتبار، مرة أخرى، أن الاستنكار ها هنا ليس حالة سلب، بقدر ما هو استفسار معرفي عن حتمية تلك النتيجة، وهل هي بمثابة الحدث القَدَري الذي سيحدث بشكل قطعي، أم ثمة إمكان لعدم تحقّقه ووجوده؟

لا شكّ أن أي حضارة من الحضارات تبحث، بطريقة أو بأخرى، عن تمثُّلٍ لها في هذا العالَم، بما يُعبِّر عن موقفها من السُّداسية السابقة. أي أن يكون لها موقف يُشكّل مرجعية قصوى ونهائية ليس على المستوى الدَّاخلي فحسب، بل وعلى المستوى الخارجي أيضاً. فهي تُريد، من جهة الدَّاخل، أن تضبط حركة الناس في الاجتماع السياسي، من خلال تحديد للحدود القصوى التي يمكن أن يتفاعلوا فيها مع موضوع: الإله أو الإنسان أو العالَم أو الأفكار أو الأشخاص أو الأشياء، ويصلوا إليها ليس على مستوى الطرح المعرفي المُعلن، بل وعلى مستوى المخيلة أيضاً. ومن جهة الخارج، هي تُريد سياقات مختلفة تميزها عن غيرها من السرديات للأمم والحضارات الأخرى. أو هُوية تجعلها مختلفة عن هويات الأمم والحضارات الأخرى.

لكن أيعني هذا الضبط والإحكام تجريماً للتساؤل وإغلاقاً لأي اجتهاد معرفي جديد، فيما يتعلق بالسُّداسية السابقة؟

قد يأخذ الضبط والإحكام، على المستويين الداخلي والخارجي، طابع التجريم والتحريم لأي معرفة جديدةً تُقدّم إجابة جديدة لأي عنصر من عناصر السداسية السابقة. إذ تكتفي الحضارة التي تتبنى سردية كبرى، بالصيغة الأخيرة أو بإجابات أخيرة ونهائية للأسئلة التي يتم طرحها حول السداسية السابقة، مع تجريم أي إضافة جديدة. الأمر الذي يُؤدّي إلى تحوُّل النسق الأنطولوجي من مجرد نسق هُوياتي مفتوح، إلى نسق هُوياتي مُغلق، وهو ما يمكن أن يُفضي إلى ما هو أخطر من الإغلاق، أي وصوله إلى حدِّ الكمال!

هل حدث ذلك في التاريخ؟

نعم، لقد حدث، ولنا في: 1- الحضارة الغربية في العصور الوسطى مثالاً ساطعاً، و2- الحضارة العربية الإسلامية في العصور الحديثة، مثالاُ بارزاً وساطعاً على ذلك. إذ انتقلت هاتين الحضارتين أو سرديتي هاتين الحضارتين من مرحلة السؤال المعرفي القابل للأخذ والردّ والعطاء إلى مرحلة النسق الهُوياتي المُغلق، لذا رفضت أي إجابة جديدة يمكن أن تُقدم حول الإله أو الإنسان أو العالم أو الأفكار أو الأشخاص أو الأشياء، نظراً لحالة الإغلاق التي عاشتها الأنساق الهُوياتية لهاتين الحضارتين من جهة، ولحالة الكمال التي أصابتهما أيضاً. فجَرَت عمليات إدانة، بالنسبة للحضارة الغربية في العصور الوسطي، وبالنسبة للحضارة العربية الإسلامية في العصور الحديثة، وهو ما أفضى إلى أعطال وأعطاب كبيرة وهائلة في المنومة الحضارية كاملة. إذ تمّ الاصطلاح لم يتم الاصطلاح على نسق أنطولوجي تحدَّدت بموجبه روح الأمة وكينونتها فحسب، بل وأعتقد بكمال هذا النسق، الأمر الذي أفضى إلى رفض أي تجديد في النسق الإبيستمولوجي على المستوى الجمعي[2]. فمفهوم مثل مفهوم الإله، في الحضارة الغربية التي تمثلت المسيحية مرجعية روحية لها، بقي مفهومه حكراً على رجال الدِّين لقرون طويلة، إذ تم الاصطلاح، من جهة، على مفهوم مُحدَّد للإله من قبل السُّلطتين السياسية والدينية؛ ومن جهة ثانية، حُمي هذا المفهوم بجُملة من العقوبات القاسية والمؤذية، لذا حدث إكراه هائل من أجل تقبُّل هذا المفهوم وتعالقاته وتشابكاته مع الأشياء الحادثة في الاجتماع السياسي، ابتداءً من أنماط التفكير وليس انتهاء بحركة الكواكب والنجوم ومركزية الأرض…إلخ. وقد طالت العقوبات القاسية والمؤذية كل من لم يتقيد بذلك الإطار المفاهيمي وسننه الفاعلة في الاجتماع السياسي، من سجن وقتل وحرق ونفي وإيذاء ومنع وحرمان وصكوك حرمان وغفران…إلخ. والشيء ذاته ينطبق على الحضارة العربية الإسلامية في عصورها الحديثة، وإنْ بأدوات أخرى.

إذا، بالعودة إلى صيغتي الإجابة (الاستنكار + الاستفهام) على سؤال: هل يُشكّل (النسق الأنطولوجي) علامة سوداء أو مُظلمة في مسيرة السرديات الكبرى، في حين يُشكِّل (النسق الإبيستمولوجي) علامة بيضاء أو مشرقة في مسيرتها؟ فإنَّ النسق الإبيستمولوجي هو نقطة ومضيئة، بل علامة مصيرية في سيرورة السرديات الكبرى، نظراً لأهميته الكبرى في تفعيل سياقات إبداعية من شأنها تقديم رؤى جديدة ومُختلفة ومبتكرة لسداسية: 1- الإله. 2- الإنسان. 3- العالَم. 4- الأفكار. 5- الأشخاص. 6- الأشياء؛ من علوم ومعارف وفلسفات وفنون وابتكارات وصناعات وزراعات واكتشافات…إلخ. ومن عبقرية أي سردية الاصطلاح على نسق أنطولوجي تُحدَّد بموجبه مرجعية الأمة الروحية، لكن مع عدم إغلاق باب الاجتهاد المعرفي حول السُّداسية السابقة، لأن أي إغلاق سيؤدي إلى انتهاء دور هذه السردية على المستوى الحضاري، إن لم يكن عاجلاً فآجلاً، وهو ما حدث مع السردية الغربية بنسختها القديمة والحضارة العربية الإسلامية بنسختها الحديثة.

وإذا كان للنسق الإبيستمولوجي أن يكون علامة مصيرية في مسيرة الحضارة، فإن النسق الأنطولوجي أو النسق الهُوياتي ضرورة وجودية لأي حضارة، لكن هذه الضرورة يمكن أن تهوي بها في حفرة عميقة إن لم تُبقي على النسق الإبيستمولوجي فاعلاً، ويُراجع، أول ما يُراجع، مُسلمات ويقينيات وثوابت النسق الأنطولوجي، لإبقايه، وإبقاء أتباعه، على قيد الحياة وعدم خروجهم من الحضارة كاملة.

عودة إلى الخلف، عن الأبدية والزمانية:

إن إبقاء جذوة العمل المعرفي مشتلعة لتُنير ظلمة أو الظلمات المفاهيمية التي يمكن أن تتشكل وتتكون داخل النسق الأنطولوجي، هو إشهار صريح لوجود الإنسان في الزمن، وعدم دخوله في أنساق أبدية تضرّ به أكثر ما تنفع. فالأنساق الهُوياتية المُغلقة والمُكتملة تقطع الطريق على أي معرفة مستقبلية، وتحجر على العقل المستقبلي بأثر ماضوي، أي أنها تُؤبِّد إجابات بعينها على الأسئلة التي تُطرح على: الإله والإنسان والعالَم والأفكار والأشخاص والأشياء، وتمنع الخروج عليها، تحت وطأة العقاب الشديد، وهو ما يُحوّل السردية من كونها رَحماً ولادّاً لأفكار ورؤى تخدم وجود الإنسان في هذا العالِم، إلى قبر تُسجَّى فيه حيوات الناس، ولا يعود لوجودهم في الزمن والمكان أي معنى، فمعناهم تمت مصادرته سابقاً[3]، ما حال بينهم وبين أي إسهام في مسيرة الحضارة البشرية.

______________________________________________

الحواشي:

[1] أو أياً كان مُسماه في الثقافة التي يتجلّى فيها، كالرب أو يهوة أو شفنا أو حتى العلة الأولى أو السبب الأول بالنسبة للفلاسفة أو المادة بالنسبة للفيزيائي…إلخ.

[2]  نعم، بقيت جذوة العمل المعرفي قائمة على المستوى الفردي، ولكن بحدودٍ ضيقة، ففي الغرب حُورب “رينيه ديكارت” لكنه سُمّي، في وقت لاحق، بأبو الفلسفة الحديثة…إلخ. والشيء ذاته حدث في الثقافة العربية الإسلامية، فقد برزت أسماء قدمت إسهامات معرفية حاولت، على قدر طاقتها، إحداث إزاحة في مفهوم من مفاهيم عناصر السداسية السابقة، كأحمد أمين وعبد الرحمن الكواكبي وطه حسين، وما زالت هذه المحاولات الفردية قائمة حتى وقتنا الرَّاهن، على اعتبار أن النواظم الكبرى أو الهياكل الرئيسية لمفاهيم سداسية: الإله والإنسان والعالَم والأفكار والأشخاص والأشياء، ما زالت قائمة وفاعلة في الاجتماع العربي على المستوى الجمعي من جهة، ومُحمية قانونياً وسياسياً واجتماعياً بجُملة من العقوبات المُخيفة والقاسية.

[3] ليس فقط من قبل من وضعوا، في زمن سابق، الإجابات النهائية للسداسية السابقة، بل من قبل حُرَّاس هذه الإجابات في الأزمنة الحديثة. فالخطورة لا تكمن في فتاوى ابن تيمية، على سبيل المثال، أو في فتوى ابن صلاح حول تحريم الفلسفة أو في آراء أبي حامد الغزالي حول الفلسفة؛ بقدر ما تكمن في حُرّاس تعاليمهم في زماننا الحاضر، والقوة الروحية والقانونية والدينية والاجتماعية التي يتمثلونها في محاربة أي خروج على هذه الإجابات، من قبل أي كان.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete