دراسة اللُّغة العربية وآدابها.. من تعزيز الغربة إلى صناعة الاغتراب!

 تكوين

(1) خطورة اللُّغة: وسيلة اقتناص العالم ذهنيًا وتمثيله

هل تؤدي دراسة اللُّغة العربية وآدابها إلى تعزيز الغربة التي تشعر بها فئات كثيرة في المجتمع العربي الحديث والمعاصر إزاء تراثنا؟ وهل تُفضي هذه الدراسة أيضًا إلى الإسهام في صناعة الاغتراب في نفوس طلابها؟  إذا كان من اليسير على مثلي ممن قضى ما يزيدُ على أربعة عقود ونصف العقد في دراسة العربية ومنها أربعة عقود في تعليمها وتعليم أدبها وثقافتها للناطقين بها وللناطقين بغيرها أن تحمل إجابتُه عن هذين السؤالين منحىً إيجابيًّا قويًّا، فلعلَّهُ من الواجب عليَّ، أو على مَنْ كان مثلي في تلك الوضعية، أن يعمل على بيان طبائع الظاهرة المفترضة التي تُشير إليها تلك الإجابة، كما يعمل أيضًا على البحث عن أسبابها بما يُمكن أن يثير الانتباهَ عند المؤسسات المعنية بهذا الأمر، للوقوف على الظاهرة في تجلياتها الفعلية؛ فلعلَّ هذا يؤدي إلى العناية بالبحث عن طرائق جديدة للتغلب على ما تُثيره تلك الوضعيةُ من دلالات تتآلف معًا في تأكيدها وجود آثار سلبية ملحوظة في التفكير والمسلك عند فئات متعددة في سياقاتنا الحديثة والمعاصرة. ولعل ما يبدو في “إيجابية” الإجابة عن هذين السؤالين من “حكم” أو “تقييم” قاسٍ لوضعية يَسْهُلُ على كثيرين رؤيةُ آثارها ومعاينةُ تجلياتها في الواقع، يُمكنه أيضًا أن يُوَلِّد عند فئات أخرى من المعنيين بأمر تقديم اللُّغة العربية وآدابها في السياقات الاجتماعية والثقافية الحديثة والمعاصرة قدرًا من الشعور بالمسئولية الأخلاقية والوطنية ومزيدًا من “القلق” على مستقبل “العربية وآدابها” في العالم العربي، إذا ما ظلت توجهاتُ دراستها وطرق تدريسها تمضي على أنحائها المعتادة الآن.

وإذا كان من الممكن، بقدرٍ كبيرٍ من اليُسر، أن نُعاين آثار تلك العلاقة التي افترضنا كونها طرديةً بين دراسة العربية وآدابها وتدريسهما من ناحية، وتعزيزِ الشعور بالغربة وصناعة الاغتراب عند القائمين بهذين الأمرين من ناحية أخرى، فلعل تفسير تلك العلاقة يُمكن أن يتأسَّسَ على رؤية أولية قوامُها بدهيتان أوليتان:

  • ترى أُوْلاهما، أن دراسة العربية وآدابها تَدْخُلُ في إطار دراسة العلوم الإنسانية
  • وتؤكد ثانيتهما، أن العلوم الإنسانية تُمَارِسُ أدوارًا بالغة الأهمية في تكوين وعي من يدرسونها، وتتخذ هذه الأدوار أشكالًا عديدة، سواءٌ أكانت تتجلى بطريقة مباشرة أم بطريقة غير مباشرة يُمكن استنباطُها  من كثيرٍ من الممارسات التي تصنع الظاهرة.

ويمكن لنا أن نُرَتِّبَ على هذه الرؤية الأولية ملحوظة تبدو لنا أيضًا بالغةَ البساطة في ظاهرها، وهي: أن الروابط بيننا نحن المحدثين والمعاصرين وبين تراثنا تتجلى في أربعة عناصر رئيسة، وهي:

  • اللُّغة
  • قيم مشتركة
  • تاريخ ممتد
  • عادات وتقاليد متشابهة أو متقاربة في عدد من المناسبات والظروف.

ولو دقَّقَ المرء النظرَ في تلك الروابط، لأدرك أن اللُّغة هي أبرزها؛ وذلك لتعدد وظائفها -في هذا المجال- وتداخلها معه على نحوٍ يصعب، إن لم يستحلْ تجاهلُه أو تجاوزه أو التهوين من فعاليته في تكوين وعي أبناء الأمة؛ فهي من ناحية، وسيلة تجسيد القيم المتعددة التي ينطوي عليها تراثنا، كما أنها، من ناحية ثانية، هي الحافظة لذلك الموروث الواسع الذي ينضوي تحته ذلك الموجودُ الذهني الذي يوصف بأنه “التراث، وهي من ناحية ثالثة، الوسيلة الرئيسة التي كُوِّنَ بها ذلك الموجود، وهي أيضًا من ناحية رابعة، وسيلةُ الفهم الأساسية التي نستعين بها على فهم الكتابات التي أنتجها مؤلفو التراث في مختلف مجالات العلوم الدينية والإنسانية والاجتماعية، وهي من ناحية خامسة وليست أخيرة، الوسيلةُ الرئيسة التي نُعَبِّرُ بها عن خبراتنا المختلفة التي تبدأ بخبرتنا بالواقع ثم تتسع، على أنحاء مختلفة، لتضم خبرتَنا بتراثنا وبالعالم الذي يحيط بنا. ومن ثمَّ تكتسب تلك اللُّغة أهميتَها الشديدة، بل بالأحرى خطورتَها ذات الأوجه المتعددة في تكوين وعي دارسيها. إن اللُّغة أداةُ تكوين الوعي عبر تعريف مختلَف المُدركَات وحفظ مختلف الخبرات الفردية والجماعية التي تنتج من تجارب ذلك الوعي فرديًا كان أم جمعيًا.

(2/1) نحن أبناء اللُّغة، وكيفما تكنْ هي نكنْ نحن!

إن تلك الوضعيةُ المركَّبة هي التي تجعل من تعلم هذه اللُّغة وآدابها، وتعليمها هي وآدابها أيضًا، أمرًا بالغَ الأهمية والتأثير في إشكال العلاقة بالتراث الذي عرفته الثقافة العربية الحديثة طوال ما يزيد على قرنين من تاريخها الممتد. ولا ريبَ أننا نحن العرب، كغيرنا من البشر الآخرين في المجتمعات الإنسانية المختلفة، نستخدم اللُّغةَ للقبض الذهني على العالم الذي نحياهُ ونفكر فيه ونشعر به ونحلم بتغييره، كما نستخدمها في تمثيل خبراتنا بتلك الجوانب، حين نُعبر عنها بُغْيَةَ توصيلها إلى الآخرين. وتلك هي الوضعيةُ التي نظنُّ أن البشر جميعًا يعيشونها، تعني في حالتنا الوجودية هذه، أن “اللُّغة” عامل حاسم وشديد الفعالية في علاقتنا بتراثنا وفي صلتنا الحميمة بواقعنا الحديث والمعاصر، ومن ثمَّ يكتسب شأنُ تعلُّمِها وتعليمها أهميةً قصوى، بسبب قدرتها على أن تخلق في أذهان متعلميها وممارسيها أنماطًا ذهنية وأنساقًا ثقافية معينة توجِّهُهم شعوريًا -ولا شعوريًا أيضًا- في مختلف ممارساتهم في الحياة اليومية. ولا يقتصر تأثير تلك الأنماط التي تتولد على نحوٍ آلي ومباشر في كل ممارسة يؤديها أبناء اللُّغة على توجيههم فيما يتعلق بواقعهم فقط، وإنما يمتد ليشمل فعاليتَها الغامرة في وعيهم بالعالم والآخر والتراث، بل فيما يحلمون به لواقعهم وعالمهم الفردي والشخصي والجمعي أيضًا. فالاتصال بالعالم -أو بكل ما حولنا- يتم بواسطة اللُّغة، والتعبير عن صلاتنا بكل ما حولنا، ماديًّا كان أو معنويًّا، يتحقق باللغة التي تجمع بين كونها “تعبيرًا عن رؤى مستخدميها، وكونها إنتاجًا لدلالات ورسائل في أذهان من يتلقون تلك الرؤى، ووسيلةً لإنشاء أنماط “مفترضة” من العلاقات بين البشر بعضهم البعض وبينهم وبين واقعهم وتراثهم. وتلك هي الوضعية التي تُجَلِّي لنا “حساسية” موقع اللُّغة في كل تواصلٍ يتمُّ بيننا وبين العالم، ومن ثمَّ تُنَبِّهنا إلى أوجه الخطورة والفعالية ذات الأبعاد المتعددة التي تنطوي عليها عمليةُ دراسة تلك اللُّغة وآدابها وما يتم في ممارسة تدريسها من بِناءٍ لقيمٍ وخلقٍ لأنماطٍ، وتمريرٍ لأنساقٍ ثقافية ومعرفية ظاهرة أو باطنة. وهو ما يُمكن إيجازُه في افتراض أن تداولية اللُّغة وفعاليتها في مختلف جوانب حياة أبنائها ومستخدميها، يُدَلِّلُ على حيويتها في تمرير أنساق ثقافية وترسيخها في أذهانهم(1). وذلك على نحوٍ يُمكننا معه القولُ: نحن أبناء اللُّغة؛ فهي التي تُكوِّنُ وعيَنا، وكيفما تكنْ هي نكنْ نحن!

(3/1) افتراض: العربية بين تأكيد الغربة وصناعة الاغتراب

وتتبنَّى هذه الدراسة مفهومًا للاغتراب بوصفه حالة ذهنية وشعورية ينفصل فيها الفردُ عن واقعه المعيش، ويشعر أن ارتباطه بهذا الواقع ليس على درجة من القوة مما يجعله مستجيبًا لصورة واقع آخر بديل (2)، وذلك بصرف النظر عن حقيقة وجود أو إمكان وجود أو إيجاد تلك الصورة البديلة. ونظنُّ أن هدفًا من أبرز أهداف دراسة العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية هو تنمية وعي الدارسين بالواقع الذين يعيشون فيه، ومنحُهم القدرة على فهم ذلك الواقع، ودفعُهم إلى التفكير في بِناءِ موقف ما من هذا الواقع. ولعل هذه الأهداف لا تتحقق -هي وما يتصل بها من أهداف معرفية وفكرية ووجدانية بأبعادها الاجتماعية المتعددة- إلا بالانغماس في ذلك الواقع. ولعل كون النماذج الذهنية والأنساق الثقافية المطروحة في أطر العلوم العربية التي تقدم الثقافةَ العربية الموروثة يغلب أن تكون منتجاتٍ متباعدة بصور مختلفة عن الواقع المصري الحي فإنها ذات قابلية، لتكون وسائل لإحداث فجواتٍ ذهنيةٍ وشعوريةٍ بين من يتلقاها والواقع المعاصر الذي يحيا فيه. وهذا ما يُمَثِّلُ واحدة من أبرز المعضلات التي تواجه تقديم العلوم العربية والعلوم الدينية في الواقع العربي المعاصر. ولعل قدرًا من الملحوظات المتراكمة التي حصَّلها كاتبُ هذه الدراسة من مسيرته الطويلة في تدريس علوم العربية وثقافتها أكَّدت له مرارًا وجودَ تلك الفجوات. ولهذا السبب صار من الضروري الانتباُه إلى هذه الظاهرة التي وصفناها بأنها تأكيدُ الغربة وصناعة الاغتراب. وهو أمرٌ نظنُّ أنه بالغ الأهمية والتأثير في حقيقة تُمَثِّلُ الثقافة العربية الموروثة في الوعي العربي الحديث والمعاصر، كما أنه بالغ الأهمية في توجيهنا أيضًا إلى تأثيره الخطير في تكوين وعينا المعاصر بقضايا الثقافة العربية في علاقتها بالواقع العربي المعاصر؛ فليست إشكاليات تجديد الثقافة العربية المعاصرة وتجديد الخطاب الديني إلا نماذجَ بالغة الدلالة على التأثير المحوري والجذري الذي تؤديه علوم العربية وآدابها في الإدراك “الحقيقي” لطبائع تلك الإشكاليات والتمثُّل العميق، وذلك على نحوٍ يؤكد بوضوح أننا صنيعة تلك اللُّغة بعلومها الموروثة!

إقرأ أيضًا: دور اللغة العربية في تاريخ العلوم من خلال آراء بعض المستشرقين

ومن منطلق هذه المنظورات سنُحللَ بعض جوانب دراسة اللُّغة العربية وآدابها، مُستندين في هذا إلى مجموعة من الخبرات المتراكمة التي حصَّلها كاتب هذه الدراسة طوال ما يزيد على أربعة عقود ونصف عقد تساوي خمسة وأربعين عاما متصلة؛ كانت الأربعة الأولى منها للدراسة بمرحلة الليسانس، ثم تلتها أربعةُ عقودٍ كاملة ومتواصلة للدراسة بمرحلة الدراسات العليا والبحث في عدد من مجالات الثقافة العربية، وتدريس علومها وآدابها المختلفة للناطقين بالعربية في مصر وخارجها بالعالم العربي، وللناطقين بغيرها سواءٌ كانوا من الدارسين في مصر أو في خارجها، لا سيما في ألمانيا واليابان على وجه التحديد. وكان يوازي هذا كله اطلاعٌ واتصالٌ دائمان بطرائق تدريس العربية في معظم البلدان العربية، واحتكاكٌ بطرائق وتوجهات دراستها وتدريسها في مجموعة كبيرة من البلدان خارج العالم العربي. ولعل تلك الوضعية تُتيح لكاتب هذه الدراسة أن يُبَلْوِرَ رؤاهُ، مستندًا في هذا إلى مجموعة من الخبرات التي يتمنى أن تكون مُفيدة لكل مَنْ يعنيه مستقبلُ دراسة اللُّغة العربية وآدابها وتدريسهما.

(2) أرقُ النحو: الألفية وشروحها بين الحاجات العملية والقيمة الرمزية وتأثيراتها

لعل البدء بتناول ما يتعلق بعلم النحو له ما يُبَرِّره، ليس فقط كون المعنى الشائع لذلك العلم في سياقات أقسام اللُّغة العربية، وفي السياق الجامعي العام أيضًا، أنه ذلك العلم الذي يقدم قواعد صياغة الجملة بما تنطوي عليه من عناصر مختلفة، وإنما أيضًا لأن هذه الوظيفة العامة له مطلوبةٌ في فهم  أنْحَاء اللُّغات المختلفة، وكذلك لكون المتواتر في أذهان أغلبية الناس في سياقات حياتنا العربية تصورٌ مفاده: أن “النحو” هو اللُّغة، وأن تعلم “النحو” يعني تعلم “اللُّغة”!، وذلك ما تظهر علاماته بوضوح في سياقات تصوير معلمي اللُّغة العربية ودارسيها في إطار كثيرٍ من الأعمال الدرامية التي تتضمن في عوالمها الفنية “شخصًا” ما من أولئك المعلمين أو الدارسين للعربية؛ مما يُسهم بقوةٍ في ترسيخ هذا التصور وإبعاده عن التعرض للمساءلة وإعادة النظر.

فالغالبُ في مؤسسات تعليم العربية في المستوى الجامعي الأول في مختلف أقسام اللُّغة العربية بكليات الآداب والتربية والألسن وكليات دار العلوم، ثم كليات جامعة الأزهر المَعْنية بدراسة العربية وآدابها، التي جعلتها كثرتُها المفرطة وتوزُّعُها على مختلف بقاع مصر أدنى إلى أن تكون مجموعةً من الجامعات وليس محض جامعة واحدة ذات فروع كثيرة، الغالبُ أن يتبوأ درس النحو والصرف مساحةً كبيرةً لا تحتلها علوم اللُّغة الأخرى أو علوم الأدب، بما ينضوي في إطارها من مجالات فرعية كثيرة. ورغم تركيز تناولنا على نماذج من سياقنا المصري فلا شكَّ أن خبرة كاتب هذه الدراسة قد حصَّلت كثيرًا من عناصرها من السياق الجامعي العربي أيضًا.

ففي مختلف تلك المؤسسات يتمحور درس النحو وتدريسه حول نصِّ ألفية ابن مالك (600-672ه) وشروحها المختلفة، سواء أكانت شروحًا قديمة أم موروثة مثل “شرح ابن عقيل” (698-769ه)، أو شروحًا حديثة مثل شروح وتعليقات محدثين من أمثال: محمد محيي الدين عبد الحميد(1900-1972) أو محمد عبد العزيز النجار(ت1977)، وراءهما ثمة شروح متعددة أنجزها مجموعة من أساتذة النحو في تلك المؤسسات، ولعل من الدال في هذا السياق أن أستاذًا جليلًا هو محمد عيد (1932-2004) الذي قَدَّمَ كتاب “النحو المصفى” (1975) لتيسير قواعد النحو، قد قَدَّمَ بعد ذلك شرحًا لألفية ابن مالك! حمل عنوان “نحو الألفية: شرح أصيل ومعاصر لألفية ابن مالك” (1990). وإذا كان نصُّ ألفية ابن مالك مَتنًا له أهميتُه وله منهجيته في تقديم قواعد النحو العربي في خطوطها الكبرى وفي تفاصيلها وجزئياتها المختلفة. فلعل مما يجب أن يَنْجَلي في أذهاننا نحن المحدثين والمعاصرين أن هذا النص يُقَدِّمُ صياغةً منظومة جامعة لمختلف قواعد النحو والصرف الكبرى وجزئياتها وجزيئياتها الصغرى ومتناهية الصغر، مما جعله “نصًّا جامعًا” في سياقه، وهو نصٌّ يلبي الحاجات العلمية والثقافية المرتبطة بعصره والمتولِّدة عن سياقاته، إذ كان تعلُّم علوم اللُّغة بما تنضوي عليه من تفاصيل وجزئيات وسيلةً فعالة لتدريسها لطلاب يحتاجونها من ناحية، ووسيلة لكسب العيش من ناحية؛ ولعله ليس من المُسْتَغْرَب لذلك أن تكون الدراية بتفاصيل المسائل أو القضايا النحوية والصرفية المختلفة وسيلةً لكسب العيش في تلك السياقات البعيدة عنَّا والتي يكشف تأملُنا إياها عن أن ثمة مسافاتٍ كثيرةً تفصلنا عنها؛ فالعلومُ المختلفة -والعلومُ الإنسانية على وجه الخصوص- خطاباتٌ معرفيةٌ تُلَبِّي حاجات سياقاتها الثقافية التي هي انعكاسٌ وتقطيرٌ “مصفَّى” و”مشذِّب” و”مجرَّد” لحاجاتٍ اجتماعية وحضارية محددة.

ولا يعني وجودُ العربية عنصرًا مشتركًا بيننا وبين عصر ابن مالك أن همومنا العلمية هي ذاتها الهمومُ التي كانت تشغله ودفعته إلى وضع ألفيته. وإذا كان من التقاليد الثقافية الراسخة في تراثنا العربي أن يَعْمَدَ بعض علماء كل مجال من مجالاته إلى نظْم قواعد علوم ذلك المجال في منظومات شعرية يَسْهُل ترديدُها في حلقات تَلقي العلوم التي غلب عليها التلقي بالمشافهة والاستماع أولًا ثم بالتقييد ثانيًا، مما جعل من النظم “الشعري” لقواعدها وسيلةً معاونة في ذلك ووسيلةً ثقافية ذات صلة وثيقة بسياقاتها الحضارية، دون أن تنفي تلك الوضعية العينية أن منظومة ابن مالك تلك تتيح لحفَّاظها إمكان تذكُّر عددٍ من القواعد الأساسية الخاصة بعنصرٍ ما أو أمرٍ أو جانبٍ ما، مع تذكر جزئياتها وجزيئياتها المختلفة؛ وذلك عبر استظهار بيت أو عدة أبيات منها.

ولكن إعادة النظر إلى تلك الوضعية من منظورات مرتبطة بسياقنا الراهن تدفعنا إلى ملاحظة أن التعويل على هذه المنظومة أو غيرها من المنظومات في دراسة العلوم العربية وتدريسها، إنما يُحقق نمطًا من أنماط الغُربة التي تُفضي بدورها إلى إحداث أنماط من الاغتراب بين دارسيها وواقعهم الحي بما فيه من لغةٍ حية ذات مستويات متنوعة وبعيدة عن لغة تلك المنظومات إلا في جانب واحد، وهو قواعد أبنية الجمل في العربية الفصحى، ومَكْمَنُ ذلك الاغتراب الذهني والشعوري يتولَّد معرفيًا من اضطرار الدارس إلى أن يتخلى عن عالمه الحديث والمعاصر بكل ما فيه من حياةٍ وحركةٍ، ليعمل على الدخول إلى بعض سياقات عالمٍ مختلفٍ بلغته وأفكاره  وطرائقه في بلورة قواعد علومه وصياغتها وتقديمها للراغب في التعلم؛ فإذا كان العصر الحديث هذا قد أتاح وسائل كثيرة لتعلم قواعد اللُّغة القومية أو قواعد أية لغة أجنبية، فلعلَّ سمةً من أبرز السمات التي تقوم عليها عمليةُ التعلم تلك، هو الاستناد إلى نماذج قريبة من عوالم الدارسين بأبعادها الاجتماعية والثقافية والفكرية والنفسية.

ويعتمد تقديرُ هذا القرب على توفُّر خصائص في تلك “المادة” وفي محتواها أيضًا؛ ومن أولها بطبيعة الحال أن يكون المحتوى المقدَّم قريبًا من عوالم أولئك المتعلمين وأن تكون طرائق صياغته قريبةً من طرائق اللُّغة التي يستخدمونها في تواصلهم بأشكاله المختلفة؛ أي أن الدخول إلى عالم المنظومات التعليمية التراثية في علم النحو أو في غيره من العلوم الموروثة، إنما هو سبيلٌ معرفي يتطلب تمزيقَ أستار الغربة التي تفصل بين الدارسين المحدثين والمعاصرين من ناحية، وتلك المتون والنصوص من ناحية أخرى؛ إذ يُقْضَى عليهم بالعكوف عليها، كي يتمكنوا من فهمها وإدراك ما تقدمه من أفكار ومفاهيم عليهم تمثلُها جيدًا. وينتجُ عن تلك الوضعية نمطٌ ما من أنماط الاغتراب الذهني والشعوري عن الواقع الحديث والمعاصر الذي لا يتصل بعوالم تلك المنظومات التعليمية، إلا في كونه مستوى من مستويات لغة التواصل بين ذلك الواقع الحاضر وتراثنا ذاك القابع هناك في طبقات متراكمة من الأشكال الحاملة لعلوم السياقات التاريخية، التي تَكَوَّنَ فيها ذلك التراث بوصفه موجودًا ذهنيًا، تتضمن عناصرَ أساسية متكررة مثل الصيغ العامة لأبنية الكلمات وأبنية الجمل وترتيب عناصر بناء الجملة وصيغ الربط بين الجمل وصيغ الربط بين فقرات النص الواحد. ولكن المضامين المحتملة التي تحملها تلك الصيغ تختلف من علم إلى آخر، ومن مؤلف إلى آخر، ومن عصر إلى آخر، وذلك ما يجعل من عمليات التفاعل مع ذلك الموجود الذهني ممكنةً في الأطر العامة المصبوبة في تلك القوالب المشتركة، ولكن تلك العمليات تنطوي على صعوبات متعددة حين يتعلق الأمر بتفاصيل جزئية وجزيئية تُعْنَى بها المتونُ التراثية وشروحها المتعددة. ولعل هذا ما يُشير إلى أن تلك “الصعوبات المتعددة” تُمَثِّلُ عقبات ثقافية تحول بين اقتراب أولئك الدارسين المحدثين، لا سيما في المرحلة الجامعية الأولى، من تَمَثُّل العوالم الذهنية التي تكوِّنها منظومات علم من العلوم التراثية.

وإذا تَيَقَّظَ إدراكُنا الحديث والمعاصر، إلى أن ألفية ابن مالك تلك ليست هي “النحو”، بل صياغةٌ منظومة أو تقعيدٌ منظوم لقواعد النحو، صار الأمرُ في حاجة إلى منظورٍ مختلف في التفكير والتقييم، ولعل الواقع العربي الحديث والمعاصر في حاجةٍ إلى أن يُعيد النظر إلى الألفية تلك بوصفها خطابًا عن قواعد النحو وليست هي النحو، لا سيما حين ننتبه إلى أن تلك “الألفية” كان صاحبها حريصًا على أن تتضمن مختلفَ الجزئيات والتفاصيل الذرية أو متناهية الصغر المتصلة بقواعد النحو والصرف. ولعلنا نحن المحدثين لسنا في حاجة إلى هذا كله؛ وإنما نحن في حاجة إلى مخطَّط مركَّز وموجز ودقيق وشامل، للقواعد الأساسية للنحو والصرف وجزئياتها المحورية التي تكتمل بها أبنيةُ الأنماط الأساسية للجمل، وذلك بعيدًا عن أية تفاصيل فرعية، وكذلك بعيدًا عن “ركام” الشواهد المتسع الذي لا يفقد أهميتَه، بسبب كونه أدلةً على الأمور المخالفة للقاعدة أو المفارقة للمألوف مما ألِفه عربُ عصور الاحتجاج اللُّغوي(3) الذين استنبط النحاة واللغويون العرب قواعدَ اللُّغة من تحليلهم للمادة اللُّغوية التي جمعوها منهم. ولعل لهذا الجانب أهميتَه التي ستنجلي عديدٌ من عناصرها في فقرة تالية. وإن كان من الأهمية بمكانٍ في هذا الموضع، الإشارةُ إلى أن امتلاك دارسي العربية لذلك المخطَّط الأساسي الذي يَضُمُّ منظومةً منطقيةً وشاملةً من أبنية الجمل والتراكيب في أذهانهم؛ يُتيح لهم استحضارَ عناصر تلك المنظومة استحضارًا يسيرًا في مختلف مواقف التواصل الشفاهي والكتابي، إذ تنضوي الصورةُ الكبرى والصور الأساسية بجزئياتها الفعالة لقواعد النحو العربي في إطار تلك المنظومة، فتصير جَليةً في أذهانهم.

(2/2) المكانة الرمزية لألفية ابن مالك وشروحها

ولقد اكتسب نصُّ ألفية ابن مالك مكانة رمزية هائلة في تراثنا العربي في مراحله المتأخرة زمنيًّا، أعني بدءًا من القرن التالي، لاكتمال ذلك النص في الربع الأخير من القرن السابع الهجري، أي الثالث عشر الميلادي، إذ صارت المؤسسات التعليمية التقليدية والراسخة في المجتمع العربي الوسيط تعتمد عليه، لأن القائمين على تدريس علوم العربية فيها رأوه خطابا تعليميًّا محقِّقا للمتطلبات التي تصوروها هُمْ للاحتياج إلى قواعد النحو. وقد ترسخت تلك المكانة الرمزية بمجموعة من الأفعال أو المسالك الثقافية التي ضاعفت من المكانة الرمزية للألفية، أعني ذلك القدرَ الوافر من الشروح الذي ناله نصُّ الألفية، ثم ذلك الكمُ الوفير من التعليقات والإضافات التي ازدانت بها شروحُه، بل إن القوة الرمزية الهائلة التي حملها ذلك النص وشروحه وتعليقاته قد ازدادت ترسُّخًا وثباتًا في العصر الحديث، إذ شَرَحَ عديدٌ من محدثي اللُّغويين والنحاة هذا النص أو بالتعليق على شرح من شروحه المتداولة على نحو ما يتجلى في إسهامات عديدٍ منهم، مثل: محمد محيي الدين، وعبد العزيز النجار، ومحمد عيد، وغيرهم. ولقد احتلَّت بعضُ تلك الشروح مكانة متميزة داخل المؤسسات التعليمية الحديثة، ومنها على سبيل التمثيل لا الحصر “أوضح المسالك على ألفية ابن مالك” لابن هشام الأنصاري المصري (708-761ه= 1309-1360م)، وشرح ابن عقيل (698-769ه)، وكذلك الشروح والتعليقات التي قدمها بعض نحاة العصر الحديث على تلك الشروح الموروثة.

ولا ريبَ أن هذه الشروح على تنوعها وعلى ثرائها بتفاصيل وجزيئيات متعددة، إنما هي خطاباتٌ تفسِّر النصَّ وفق سياقاتها الثقافية وحاجات المتلقين الذين يتوجَّه إليهم هؤلاء الشراح من ناحية، ووفق وعي أولئك الشراح بما يحتاجه القراء المعاصرون لهم من ناحية ثانية، ووفق رؤية هؤلاء الشراح لوظائف المتون الكبرى التي يعملون على تفسيرها وبسطها من ناحية ثالثة. إن هذه النصوص وشروحها المتعددة رغم قيمتها العلمية والتاريخية والحضارية، ليست هي النصوص التي تُتيح للدارس الحديث لقواعد العربية أن يَتمثل هذه القواعد بقدرٍ من اليُسر، فثمة تفاصيل متعددة تقدمها تلك النصوص وتلك الشروح ذات قيمة محدودة جدًّا، أو لعلها ليست بذات جدوى ملحوظة للدارس الحديث والمعاصر الذي يطمح إلى أن يتمثلَ جيدًا العناصرَ الكبرى في بنية النحو العربي، والأنماط الكبرى في أبنية الجملة العربية، وأن يقف على مكوناتها الأساسية، وأن يتفهَّم كيفية ترتيب عناصرها المختلفة، كي يوظِّفَ حصيلتَه تلك، للتعبير عن أفكاره ومشاعره في مختلف المواقف شفاهيًّا وكتابيًّا من ناحية، وفي فهم النصوص التي يقرأها أو يستمع إليها من ناحية ثانية. ولعل المتن الأصلي (ألفية ابن مالك) وشروحه المتعددة تُعَدُّ إلى حدٍّ بعيدٍ جدًّا، وسائل فعَّالة لإحداث اغتراب الدارس الحديث والمعاصر عن واقعه الحي، فالواقع اللُّغوي الذي تصنعه بنصوصها وخطاباتها بعيدٌ جدًا عن واقعه الحديث والمعاصر، والتفاصيل الكثيرة وجزئياتها المتشعبة التي تُعنى بتقديمها، تصير وسيلةً مساعدةً في تأكيد اغتراب هذا الدارس، وأمَّا اللُّغةُ الشارحة التي يستخدمها صُنَّاع تلك النصوص والخطابات، فهي أداةٌ من الأدوات التي تُفضي إلى مزيدٍ من اغتراب ذلك الدارس عن واقعه الحي؛ وبذلك يُفضي درس النحو بمتونه ووسائله الموروثة إلى الانتقال بهذا الدارس من وضعية الغربة إلى وضعية الاغتراب المضاعف. وإذا كانت عناية مؤسساتنا الجامعية المحدثة والمعاصرة زمنيًا لا فكريًا بتلك النصوص وبشروحها الموروثة لا تُسهم في تعليم اللُّغة، إذ (ثمة تفريقٌ ضروريٌّ بين تعليم النحو ودراسة تاريخ النحو، وبين تعليم اللُّغة ودراسة تاريخ اللُّغة)(4).

ولعل غياب الوعي بهذا التفريق الحيوي في تعليم النحو واللغة في مؤسساتنا التعليمية الجامعية المعاصرة زمنيًّا لا فكريًّا هو الذي جعل القائمين بأمر ذلك التعليم يتفنَّنون في قاعات الدرس في الوقوف عند التفاصيل والجزئيات والجزيئيات التي تحتفي بها خطابات الشروح، دون أن يتنبهوا إلى أن تلك الخطابات، إنما هي نتاجٌ لتحول دراسة النحو في عديدٍ من البيئات في التراث العربي الوسيط إلى صنعةٍ تُلبي حاجات ثقافية متعددة، وتستجيب لحاجات اجتماعية متنوعة، كونها تتصل -في جانبٍ من جوانبها- باكتساب مكانةٍ اجتماعية عند ذوي الحظوة والسلطان من ناحية، وباكتساب وجاهة رمزية في حقل الممارسة العلمية بما يؤدي إلى إقبال طلاب العلم على حلقاتهم العلمية من ناحية أخرى، كما تتصل أيضًا ببعض عناصر الصراع الاجتماعي بين التيارات العلمية في سياقاتها التاريخية من ناحية ثالثة.

ولعل تلك الاحتياجات الاجتماعية لأشكال الممارسة العلمية المترسِّبة في إطار علوم اللُّغة والنحو خاصةً في سياقات الثقافة العربية الوسيطة كانت عاملًا أساسيًّا في العكوف على جزئيات وجزيئيات في موضوعات النحو واللغة، كي تتحول إلى مجالٍ يتخذ منه النحاة واللغويون وسيلة لبثِّ آرائهم وممارسة حقوقهم في التأويل الذي ضمنته لهم تلك المقولةُ الشائعة التي تقول “ما أخطأ نحويٌ قط”(5) مما كان يتيح لهم حريةَ الانطلاق في الفهم والافتراض ثم التعليل لما افترضوه. وحين تصرُّ المؤسسات التعليمية الجامعية الحديثة والمعاصرة على تقديم تلك الشروح لطلاب المرحلة الجامعية الأولى وتتخذ منها الوعاءَ أو الإطارَ الأساسي لتعليم قواعد النحو وأمور اللُّغة، فلا ريبَ أن مثل هذا المسلك يُمكننا رؤيتُه بوصفه وسيلةً مؤدية إلى ترسيخ الغربة المعرفية والحضارية التي تنتجها تلك الخطابات التي كانت من قبلُ، تلبيةً لحاجات متصلة بسياقها الثقافي والاجتماعي والحضاري، وهي حاجاتٌ تختلف بدرجات جلية دائمًا، وشديدة الجلاء أحيانًا، عن متطلبات السياقات الحديثة والمعاصرة المناظرة لها –أي ثقافيًا واجتماعيًا وحضاريًا- مما يُفضي إلى دفع هؤلاء الطلاب والدارسين إلى الاغتراب الذهني والشعوري عن واقعهم الحديث والمعاصر.

وإذا كانت هذه الوضعية تُمَثِّلُ وجهًا من وجوه المشقَّة أمام طلاب المرحلة الجامعية الأولى، فإنها تتحول إلى وسيلة لتدعيم اغتراب الطلاب ذهنيًا وشعوريًا عند ممارستهم البحث العلمي في مجال النحو واللغة في مرحلة الدراسات العليا، إذ يعكفون، أو تعكف شرائح منهم  على الأقل، للعمل سنواتٍ داخل تلك الشروح والتعليقات التي يغلب ألا تتضمنَ إضافاتٍ جذريةً أو نظراتٍ لها قيمتُها في تعديل رأي شائع أو وجهة نظر متكررة عند أصحاب ذلك المجال، ليُفْنِيَ الواحدُ منهم عمرَه أو معظمَه أو كثيرًا من لحظاته في استقصاء تلك التفصيلات وجمعها وتصنيفها وتبويبها ثم وضعها في إطار “رسائل جامعية” أو “أبحاث علمية” أو “مصنفات علمية”، وهي لا تكاد تُقَدِّمُ أيةَ إضافة كيفية إلى مجالها، وإنما جلُّ ما تصنعه إضافاتٌ كميةٌ محدودةُ القيمة إلى سلسلة كبيرة من “الإنتاج العلمي” الذي يُمَثِّلُ قدرًا جديدًا يتراكم على قدرٍ قائم بالفعل أنتجته تلك السلسلةُ الطويلة التي تضم دارسين شُغلوا بجمع الآراء النحوية أو اللُّغوية لنحوي أو لغوي ما ثم جاء بعدهم مَنْ مضى –دون مراجعة ودون مساءلة!– على الدرب نفسه(6).

وكلٌّ منهم مغتربٌ عن واقعه اللُّغوي الحي، وحين يقْبل –بوعي أو دون وعي- الانخراطَ في تلك السلسلة الطويلة والممتدة فإنه يَقبل على الفور أن يكون عنصرًا فعالًا في صناعة ذلك الاغتراب عند آخرين سيعلِّمهم في قاعات الدرس أو سيُشرف عليهم في رسائل الماجستير والدكتوراه، ليترسَّخَ بتلك الطرائق ذلك الاغترابُ الذهني والشعوري الذي يطوي حياةَ الوعي داخل سجن الجزئيات والجزيئيات التي صنعها نحاة التراث ولغويوه، مع إدارة الظهر كاملًا لواقعٍ حي تتفاعل فيه اللُّغةُ مع كل ما يحدث فيه دون أن يدرك أولئك “المغتربون” أنهم من أقوى العوامل في اغتراب اللُّغة عن أهلها أو مستخدميها، وليس في اغتراب هؤلاء الأهل عن لغتهم؛ وذلك على عكس ما يشيعه أولئك المغتربون!

(3) عن محاولات تجديد النحو، هل ثمة سبلٌ للقضاء على الاغتراب؟

كان المَنْحى الغالب على تدريس قواعد النحو في مؤسسات تعليم العربية بالجامعات هو، تقديم متن ألفية ابن مالك وشروحه الموروثة والحديثة، وذلك ما يؤدي -فيما نُقَدِّرُ- إلى ترسيخ الغربة الفاصلة بيننا نحن الدارسين المحدثين والمعاصرين وتلك الخطابات التي لبَّت احتياجات عصورها من منظورات منتجيها، ولهذا ستظل هناك مسافةٌ فاصلةٌ بينها وبين أولئك المحدثين من المتخصصين ومن هواة دراسة اللُّغة ومُحبِّيها وهواة الكتابة الأدبية، ومن يتطلعون إلى أن تكون خطاباتهم الكتابية والشفاهية مستجيبةً لقواعد اللُّغة العربية. وإذا كان من المفيد الآن الإشارةُ إلى أن المفهوم الشائع في معظم البيئات العربية الحديثة للنحو بوصفه علم دراسة أنماط تركيب الجملة والقواعد الحاكمة، لصياغة تلك الأنماط لا يُمَثِّلُ إلا المفهوم الضيق الذي شاع في المراحل المتأخرة من تراثنا الوسيط، إذ ثمة مفهوم آخر أكثر اتساعًا وأكثر انسجامًا مع طبائع اللُّغة، بوصفها وسيلةَ تواصلٍ وتعبيرٍ وتغييرٍ، يرى “النحوَ” علمًا يتعلق بمختلف مستويات الأداء اللُّغوي بدءًا من الأصوات والكلمات ومرورا بأبنية الجمل ووصولا إلى الدلالات التي يضمها المعجم للحصيلة اللُّغوية التي يجمعها معا(7). ولعل ذلك المفهوم الثاني يتداخل بقوةٍ مع مفاهيم اللُّغة في الوعي الحديث، وبذلك يبدو أكثر فاعليةً وأشدَّ حيويةً عند تناول ما يتعلق بدراسة النحو وتقديمه وعرضه أيضًا؛ إذ يُتيح إمكاناتٍ عمليةً متعددة، وربما بالغة التأثير.

ولعله يُحْسِنُ بالقارئ المعاصر إلى أن يضع في ذهنه جيدًا أن النحاة قد استنبطوا قواعدهم من (كلام العرب) أي ما نُقِلَ عن عرب عصور الاحتجاج اللُّغوي شعرًا ونثرًا، ولكنهم في أثناء استخلاصهم تلك القواعد وما ينضوي في إطارها من تفاصيل وجزئيات احتفوا أيُّما احتفاء بالشعر على حساب غيره من أنماط الكلام. وتعرف مختلف الثقافات الإنسانية أن للشعر لغته الخاصة التي تتيح للشعراء “تجاوز” القواعد اللُّغوية العامة” للجماعة اللُّغوية في سبيل تحقيق غاياتهم الجمالية. وهذا ما كان يعني في حالة الثقافة العربية الوسيطة أن قواعد النحو واللُّغة قد استُنبطت من (اللُّغة الأدبية)، على حين أن المنحى الحديث في دراسة اللُّغة (يربط الدراسةَ باللُّغة الحية المنطوقة ويرى اللُّغة الأدبية صورةً من صور الاستعمال وأسلوبًا من الأساليب ينبغي أن يُعنى به النقادُ لا طلابُ اللُّغة)(8). ولعل إدراك طبائع تلك الوضعية الثقافية والتبصر فيما ترتب عليها من نتائج في بنية النحو العربي يؤدي إلى إتاحة إمكانات كثيرة لمسالك تجديد النحو العربي.

ولعله يَحْسُنُ ملاحظةُ أنه منذ بداية العصر الحديث في العالم العربي، ومع تبلور نُظُم التعليم الحديث من ناحية، والاتصال بالثقافة الغربية من ناحية ثانية، أخذ عديدٌ من المفكرين المحدثين والمثقفين يدركون الحاجةَ إلى “تجديد” النحو أو تيسيره، لا سيما أن المؤسسات التعليمية التقليدية مثل: الأزهر وما يشبهه في منحاه التعليمي، كانت تُحافظ على تعليم النحو باستخدام المتون التراثية وشروحها مما تسرَّبت توجهاتُه إلى مؤسسات التعليم العالي الحديثة مع إنشاء الجامعة الأهلية في مصر عام 1908، ثم تحولها إلى جامعة تعمل تحت إشراف الحكومة المصرية في عام 1925، فكان أن قويت تلك الدعوة بإسهامات عديدين، من أبرزهم: إبراهيم مصطفى (1888-1962) صاحب “إحياء النحو”(1931)، وأمين الخولي بتكراره الدعوة إلى تجديد النحو في إطار صياغته “مناهج تجديد في اللُّغة والنحو والتفسير والبلاغة”(1961) وهي أفكاره التي طرحها في كتاباته ومحاضراته من ثلاثينيات القرن العشرين وظلَّ حريصًا على نشرها بين طلابه، ثم طه حسين (1889-1973) الذي لم يتوانَ لحظةً عن دعم دعوات تجديد النحو وتيسيره سواء بتبني معظم أطروحاتها أو بالكتابة عنها مدافعًا وموجِّهًا ومُثمِّنًا ما تنطوي عليه من مطامح لتجديد ذلك العلم(9). وهذا كلُّه ما يُمكن فهمُه في إطار خطاب التحديث والحداثة الذي تنضوي عليه مختلف إسهامات طه حسين الفكرية والأدبية والثقافية. ونظن أن أبرز المحاولات التي أنتجتها الثقافة المصرية في إطار “تجديد النحو” في النصف قرن الأخير يُمكن إيجازُها في محاولتين تُعدان أكثر تلك المحاولات شيوعًا، سواءٌ في المؤسسات المعنية بتدريس العربية وعلومها أو في سياق المجال الثقافي العام، وهما: “تجديد النحو” (1982) ل”شوقي ضيف” (1910-2005)، و”الخلاصة النحوية” (2000) ل”تمام حسان” (1918-2011)؛ فهما محاولتان معروفتان بقوةٍ لدارسي العربية ومُدرسيها على نحوٍ لم يتحقق لمحاولات أخرى ذات “أصالة” ما(10)، وهما محاولتان تُمثلان توجهين يبدوان مختلفين على الرغم من وجوه التلاقي المتعددة بينهما التي ستعمل قراءتنا على استكشافها، ثم تعمل على بيان دلالاتها في كونها علامات على “طريقة” نظرهما إلى النحو العربي وعلى ما ينعكس عن هذه الطريقة على كيفية تقديمه وعرضه. ولسنا في حاجةٍ إلى تأكيد أن منظورنا إنما يتأسَّس على سؤال، وهو: هل أدركت هاتان المحاولتان المعاصرتان ما يترتب على تقديم “النحو” بمنحاه “التراثي” الموروث وبطرائق تقديمه أو عرضه من تأكيدٍ للغربة وإحداثٍ للاغتراب في نفوس طلابه أم لا؟

(2/3) تجديد النحو عند ضيف شوقي، مساعٍ للتنظيم في طريق مغلق

استندت محاولة شوقي في “تجديد النحو” على خبرته الطويلة بالتراث العربي في شموله؛ إذ لم يقتصر على مجال الأدب فقط، وإنما شَمُلَ مجالات اللُّغة والنحو البلاغة والتفسير التي قدم إسهامات متعددة في دراستها، واشتمل أيضًا على معرفته الواسعة بمختلف مجالات التراث الأخرى، إذ كان موسوعي الثقافة وموسوعي البحث والكتابة. ولقد قامت تلك المحاولة على ستة أسسٍ كان ضيف حريصًا على بيانها، وأولُها: (إعادة تنسيق أبواب النحو بطريقة يُستغنى عن طائفةٍ منها بردِّ أمثلتها إلى الأبواب الباقية)(11). ولا يَخْفَى على الدارس المتخصِّص، أن أبواب النحو في الألفية وشروحها التي تُدرَّس في المؤسسات التعليمية الجامعية هي الأبواب التي صنعها المـتأخرون من النحاة في العصور الوسطى. وثاني هذه الأسس (إلغاءُ الإعراب التقديري في المفردات مقصورةً ومنقوصةً ومضافةً إلى ياء المتكلم ومبنيةً. “…” “و” إلغاء الإعراب المحلي في الجمل إذ لا يُقال مثلًا: الجملة خبرٌ محلها الرفع، بل يُكتفى بالقول عن الجملة خبر، ومثلها جملة النعت وجملة الحال وجملة الصلة وجملة جواب الشرط)(12). ومن المفيد ملاحظةُ أن وجوه ذلك الإعراب التقديري والمحلي في الحالات التي بيَّنها ضيف تُعَدُّ من قبيل الجوانب الشكلية التي كان نحاة القرون الوسطى العرب يحرصون عليها، وكان المحدثون وما يزالون يتابعونها، للحفاظ على تطبيق “شكل القواعد” النحوية التي تَخُصُّ تلك الحالات، وإذا استبعدنا ذلك المنحى الشكلي لم يكن لذلك الأساس أهميةً ما إلا في “التيسير” أو “التخفُّف” من أمور شكلية لا قيمةَ وظيفية لها.

إقرأ أيضًا: غياب الذات العربية بين رهاني الحداثة والتراث

وأمَّا الأساس الثالث فقد حدده “شوقي ضيف” بأنه (ألا تُعرب كلمةٌ لا يُفيد إعرابُها أيَّ فائدةٍ في صحة نُطقها)(13). ويُمَثِّلُ “شوقي ضيف” لذلك بإعراب النحاة كلمة “إنْ” المخفَّفة – في رأيهم – من “إنَّ” الثقيلة وأختها “كأنَّ” المخفَّفة. وإعراب “لا سيما”، وبعض أدوات الاستثناء، و”كم” الاستفهامية والخبرية، وأدوات الشرط الاسمية. ونظن أن تأمل هذا الأساس يؤكد أيضًا تحجيم المنحى الشكلي الذي كان يُسيطر على صُنَّاع علم النحو في الفترة المتأخرة من العصور الوسطى، حيث كان تفعيل هذا المنحى وسيلتَهم لإحكام فعالية “الشكل” في منظورهم، لبناء القواعد النحوية والتدليل على فعاليتها وشمولها.

ويتعلق الأساس الرابع بوضع (تعريفات وضوابط دقيقة لأبواب المفعول المطلق والمفعول معه والحال تَجمَعُ صورَ التعبير في كل منها جمعًا وافيًا)(14). ولا ريبَ أن إعادة تعريف بعض العناصر النحوية لتكون أكثرَ دقةً مما شاع في كتابات النحاة يُعَدُّ إجراءً منهجيًا بالغَ الأهمية لأنه يُتِيح للدارس أن يُحَدِّدَ الفروقَ الدقيقة بين العناصر التي تتداخل بعض مقوماتها بما يؤكد دقةَ الصناعة النحوية دقةً تنجلي عنها نتائج فعالة في إدراك تلك العناصر وتمييزها وتعليمها.

ولعل قارئ خطاب “شوقي ضيف” في “تجديد النحو” لا بُدَّ أن يلفتَ انتباهَه بقوةٍ ذلك الأساسُ الخامس الذي استند إليه “شوقي ضيف”، وهو (حذف زوائد كثيرة في أبواب النحو تُعرض فيه دون حاجة، “…” وهي تارةً تتصل بشروط تُقْحَمُ على الباب تُغني عنها الأمثلة، وتارةً ثانية تتصل بأحكامٍ تُحشدُ في الباب تُغني عنها أمثلتُه وصيغُه، وتارةً ثالثة تتصل بصيغ نادرة أو شاذةٍ يُزَجُّ بها في الباب زجًّا، وتارةً رابعة تتصل بعُقدٍ وألغازٍ في بعض الأبواب لا تكادُ تُفهم إلا بأن يُجدَّدَ لها الإفهامُ مرارًا وتكرارًا، وكثيرًا ما تدفعُ إلى بلبلةٍ في الحكم النحوي السليم)(15). ولا يستطيع دارس النحو العربي إلا أن يُسجِّلَ أن هذا الأساس الذي يُقدمه “شوقي ضيف” بوصفه من أسس تجديد النحو لا يُمَثِّلُ إلا مُبررًا للتخلص من عديدٍ من الجزيئيات والنتوءات الزائدة في مجموعة من المواضع بعدد من الأبواب النحوية المألوفة في كتب النحو الموروثة، وما هي إلا شوائبَ أنتجتها طرائق الصناعة النحوية التي تولَّدت من خلافات النحاة محدودة القيمة -في كثيرٍ من الأحيان- كونها من “ضرورات” الحرفة و”أكل العيش” بعيدًا عن أن تكون لها فائدةٌ عمليةٌ أو إضافةٌ حقيقية إلى جانب يتعلق بتعريف أو تدقيق لمفهوم ما أو تمثيل لعنصر ذي فائدة حقيقية في التواصل بين مستخدمي اللُّغة، بل إن وصف “شوقي ضيف” لبعض تلك “المحذوفات” بأنها “نادرة” أو “شاذة” أو بأنها “عُقَدٌ” أو “ألغاز” لا يَعْني سوى أنها نواتج تلك الصناعة النحوية في أبعادها السلبية، إذ تؤكد أن هذه “الزوائد الناتئة” في مؤلفاتهم ظلَّت نتاجًا لدواعي الرغبة في الوصول بمقتضيات الصناعة النحوية إلى حدودها القصوى التي تُمَثِّلُ خرقًا للمتطلبات الفعلية للنحو.

ولعل الأساس السادس والأخير يُمثل -فيما نرى- الإضافةَ الحقيقية التي تنطوي عليها محاولة “شوقي ضيف” لتجديد النحو، وهي تتمثل حسب نصِّه في (زيادة إضافاتٍ لأبوابٍ ضرورية – بجانب إضافاتٍ فرعية تتخللُ الكتابَ- لتُمَثِّلَ الصياغةَ العربية وأوضاعَها تمثيلًا دقيقًا)(16). وقد حدد “شوقي ضيف” مجموعةً من الإضافات الفرعية التي أكَّد ضرورةَ ضَمِّها إلى عدد من “أبواب” النحو(17).

وإذا كان من المفيد هنا الإشارةُ إلى أن معظم ما قدَّمه “شوقي ضيف” من أسس لتجديد النحو وما يترتب عليها من تطبيقات عملية، كان مطروحًا في مصر من ثلاثينيات القرن العشرين حيث شَكَّلَتْ وزارة المعارف لجنةً من مجموعة من الأساتذة، مثل: طه حسين وأمين الخولي وأحمد أمين وغيرهم، وذلك للبحث في تيسير قواعد النحو والصرف والبلاغة، وقد انتهت هذه اللجنة إلى وضع مجموعة من المقترحات التي تقترب منها بقوةٍ إلى أفكارِ “شوقي ضيف”(18)، فلعله من الملائم هنا أيضًا أن نُشير إلى أمرين دالين في محاولة ضيف تلك، وهما: أنه قَسَّمَ كتابه  “تجديد النحو” على ثمانية أبواب، اثنين منها للصرف، وقد وضعهما قبل الأبواب الستة المخصصة للنحو، وذلك ما يُمَثِّلُ  استجابةً لمنطق اللُّغة ولمنطق تعليمها الذي يَعْني تقديمَ التعرف على طبائع أصوات اللُّغة وحروفها وصفاتها وحركاتها بوصفها مقدمةً أساسيةً من المقدمات الأولى لدراستها، وقد خصَّص القسمين الصرفين لأقسام الفعل وتصاريفه، ولتقسيمات الاسم وتصاريفه، مع إضافته بعض الجزئيات من أبواب نحوية، ومع اعتماده على جداول يُبَيِّن بها وجوهَ تصريف الفعل مع ضمائر الرفع المتصلة ومع نون التوكيد. وأمَّا ثاني هذين الأمرين فهو القسم السادس من أقسام كتاب “تجديد النحو” فقد أدخل ضيف مجموعةً من “الأبواب” التي كانت عناصرها متناثرة في كتب النحو التقليدية الموروثة، مما كان يَعُوق إمكان تَمَثُّلها تَمَثُّلًا كاملًا ويسيرًا في أذهان متعلمي النحو ودارسيه، فقد نصَّ ضيف على أنه بدأ بإضافة بابين للذكر والحذف في عناصر الجملة العربية، وللتقديم والتأخير في تلك العناصر، أُكْمِلُ بقوله: (ثم أضفتُ بابًا للجملة الأساسية وبابًا لأنواع الجمل وقد قسَّمتُها تقسيمًا جديدًا: جملًا مستقلة بنفسها وجملًا خاضعة غير مستقلة ترتبط بكلمة أو جملة قبلها في الكلام ولا تستقلُّ عنهما أيَّ استقلال)(19).

ولعل تأملَ تلك الأسس وما ترتَّب عليها من نتائج عملية يُشير إلى أن محاولة ضيف تلك إنما تُعَدُّ محاولة لتخفيف عرض قواعد النحو التي استنبطها نحاةُ القرون الوسطى العرب، والتخلص من مجموعة من الجزئيات والجزيئيات الهامشية التي فرضتها مقتضياتُ الصناعة النحوية في خطابات النحاة الذين كانوا يمارسون حرفةً تُحَقِّقُ لهم المصدرَ الأساسي لاكتساب الدخل من ناحية، والحصول على مكانة اجتماعية “متميزة” من ناحية أخرى، ما يعني أن مختلف نواتج تلك الوضعية في مؤلفاتهم بعيدةً عن “روُح النحو” بوصفه صياغةً لمجموعة القواعد الأساسية المُنَظِّمَةُ لطرائق صياغة اللُّغة في إطار الجملة والفقرة والنص في مختلف مواقف التواصل الشفاهي أو الكتابي. ولا تُعَدُّ تلك المحاولة عملًا تجديديًّا حقيقيًّا إذا نظرنا إلى التجديد بوصفه نقدًا للأسس المعرفية التي يقوم عليها العلم الإنساني الذي نُجَدِّده، وطرحًا لبدائل معرفية جديدة أقدرَ على توفية وظائف ذلك العلم في سياقات فعاليته(20). ولعل هذا ما يُفَسِّرُ لنا دعوة ضيف إلى أن يصير كتابه هاديًا لمؤلفي كتب النحو التعليمي، ليصير نهجُه وتبويبُه ومادتُه عتادًا لهم حتى يؤلفوا كُتُبًا متدرِّجة مع سنوات الناشئة في التعليم حتى يبينوا لأولئك الناشئة مقومات العربية وأوضاع صيغها المختلفة(21).

(3/3) “تمام حسان” واكتشاف أنظمة نحو العربية

تتسم محاولة “تمام حسان” في تجديد النحو العربي كونها واحدةً من أكثر محاولات تجديد ذلك المجال المعرفي تميزًا، كونها تجمع بين الأصالة والعمق والقدرة على تقديم صيغة جديدة للنحو العربي، وإن كان من الضروري بدايةً تأكيدُ أن صفة “الجِدَّة” تلك ينبغي أن تُدْرَكَ بنسبتيها المتصلة بطبائع المجال المعرفي الذي تصفُه وهو مجال النحو العربي. ويعود تميز محاولة “تمام حسان” إلى ثلاثة عوامل رئيسة، وهي: الوعيُ العميق بالتراث العربي في مجالاته المختلفة ولا سيما مجالات اللُّغة وما يتصل بها من علوم اتصالًا مباشرًا مثل: علم البلاغة أو اتصالًا غيرَ مباشر مثل: علم أصول الفقه.

والقدرةُ على التعامل مع “النحو” بوصفه ذلك العلم الذي يَشْمَلُ موضوعات علم النحو وعلم الصرف وعلم الأصوات بمفاهيمها الموروثة ومعها مجموعةٌ من الموضوعات البلاغية الأساسية لا سيما علم المعاني. ثم الوعيُ العميق والمتسع بالمنتَج الغربي الحديث والمعاصر في الدرس اللُّغوي عامة، ولا سيما ما قدَّمَهُ أصحاب الاتجاه الوصفي في هذا المجال. وإن كان قارئ خطاب “تمام حسان” اللُّغوي عليه أن يؤكِّد أن مصطلح “الوصفي” عنده يُمَاثِلُ مصطلحًا آخر وهو مصطلح “البنيوي”، مما يعني أن محاولة “تمام حسان” تستند إلى صلته العميقة بالمنحى البنيوي في دراسة اللُّغة، وإذا كان “تمام حسان” يُكرِّرُ الحديثَ عن “المنهج الوصفي”، وذلك في أول كتبه التي سعى فيها إلى وضع صياغة جديدة للنحو العربي، وهو كتابه الأشهر “اللُّغة العربية: معناها ومبناها” (1973)، ويؤكد صدورَه عن توجُّهات هذا المنهج في تحليله ودرسه التراثَ اللُّغوي العربي(22) فإنه في ثنايا تحليلاته كان يبحث عن “النظام” و”الأنظمة” التي تقوم عليها اللُّغة العربية عامةً أو النحو العربي على وجه الخصوص، كما كان يعمل بقوةٍ على تحليل العناصر التي يَتَكَوَّنُ منها كلُّ واحدٍ من هذه الأنظمة، ويسعى في تجلية الأسس أو المبادئ البنائية التي يقوم عليها كلُّ نظام من تلك الأنظمة.

إقرأ أيضًا: أصالة الاعتبار في الثقافة العربية

وقد شرح “تمام حسان” مفهومه عن “النظام” حين أكَّد أن وصف أفكار مركبة معًا بأنها “نظام” يعني وجوب (أن تكون بين بعضها وبعضٍ علاقاتٌ عضوية معينة، وكذلك أوجهُ خلافٍ بين كل واحدةٍ منها وبين الأخرى بحيث تؤدي كلُّ واحدةٍ منهما في النظام وظيفةً تختلفُ عمَّا تؤديه الأخرى. فللنظامِ إذًا تكاملٌ عضويٌّ واكتمالٌ وظيفيٌّ يجعله جامعًا مانعًا بطريقة يصعبُ فيها أن يُستخرجَ منه شيءٌ أو يضاف إليه شيءٌ. ومن طبيعة النظام اللُّغوي أن يصلحَ “للجدولة” – إن صحَّ هذا التعبير- فيكونُ له من معانيه بعدٌ رأسيٌّ وبعدٌ آخرُ أفقيٌّ، ويكون من التقاء كل معنى في البعد الرأسي بمعنى آخر في البعد الأفقي وحدةٌ معينةٌ من وحدات النظام)(23). وعلى هدي ذلك الفهم البنيوي أخذ “تمام حسان” يؤكد أن كلا من الأصوات والصرف والنحو يُكوِّنُ نظامًا من أنظمة العربية، أما “المعجم” فلا يراه نظامًا، لأنه لا تتحقق فيه مقومات “النظام” وإن كان له منهجٌ يتجه (إلى دراسة “قائمة” من الكلمات تشتمل على جميع ما يستعمله المجتمعُ اللُّغويُّ من مفردات)(24).

(4/3) المنطلقات الأساسية لصيغة تجديد النحو عند “تمام حسان”

ولقد كان مُنْطَلق “تمام حسان” في بلورة صيغته لتجديد النحو العربي قائمًا على عدد من المرتكزات الأساسية أولُها تقديم “المعنى”، لأن أية دراسةٍ لأية لغة من اللُّغات يجب أن يكون موضوعها الأول والأخير فيما يرى (هو المعنى وكيفية ارتباطه بأشكال التعبير المختلفة، فالارتباطُ بين الشكل والوظيفة هو اللُّغة، وهو العرفُ، وهو صلةُ المبنى بالمعنى)(25). وأمَّا المرتكزُ الثاني فهو تغليب هذا المنظور على دراسة مختلف عناصر اللُّغة من الأصوات والصرف والنحو إلى المعجم والدلالة، على أن يَصُوغَ حصيلةَ رؤيته تلك بمرونةٍ تجعله يُبقى على عددٍ من العناصر الموروثة في تلك الأنظمة، كما يستبعد أيضًا عددًا من الرؤى الموروثة، لأنها غيرُ ذات جدوى في تلك الأنظمة، كما يضمُّ مجموعةً من الظواهر المتفرقة التي لم يُعنَ القدماءُ بجمعها في نظام واحد، كما يكشف أيضًا عن “الجديد” (الذي لم يُشر إليه القدماءُ مع وضوحه أمام أنظارهم)(26).

ويُمَثِّلُ مبدأ “اجتماعية اللُّغة” المرتكزَ الأساسي الثالث من مرتكزات دراسة “تمام حسان”، وهو يلحُّ على هذا المبدأ إلحاحًا كبيرًا. وللقارئ أنْ يؤكد أنَّ هذا المرتكز يُعَدُّ المنطلق المحوري والرئيس في نظرة “تمام حسان”، لأنه يُبنى على هَدْيهِ نقدَهُ للدراسات اللُّغوية في التراث العربي، إذ يراها اتسمت (بسمة الاتجاه إلى المبنى أساسًا، ولم يكن قصدُها إلى المعنى إلا تبعًا لذلك وعلى استحياء)(27). ويؤكد أن (المعنى التحليلي الوظيفي) الذي اهتم به النحاةُ وجعلوه حقلَ تخصصهم ذو ثلاث شُعب، وهي: دراسة الأصوات، ودراسة الصرف، ودراسة النحو، إذ يُدَلِّلُ على هذا ببيانٍ موجزٍ لعدد من الموضوعات الكبرى التي تناولوها في تلك المجالات. وهو يؤكد بقوةٍ (أن هذا الجانب التحليلي من دراسة النحو لا يَمَسُّ معنى الجملة في عمومه، لا من الناحية الوظيفية العامة: الإثبات والنفي والشرط والتأكيد والاستفهام والتمني إلخ. ولا من ناحية الدلالة الاجتماعية، التي تنبني على اعتبار المقام في تحديد المعنى وإن كانت تَمَسُّ ناحيةً من نواحي الترابط بين أجزاء الجملة بروابط بنائية أو معنوية ذكروها فرادى ولم يُعنوا بجمعها في نظام كامل)(28). ويؤكد أن (دراسة النحو كانت تحليلية لا تركيبية، بمعنى أنها كانت تُعنى بمكونات التركيب، أي بالأجزاء التحليلية فيه أكثرَ من عنايتها بالتركيب نفسه. أقصدُ أنهم لم يعطوا عنايةً كافيةً للجانب الآخر من دراسة النحو وهو الجانب الذي يشتمل على طائفة من المعاني التركيبية والمباني التي تدلُّ عليها(29).

وقد اتَّخذ “تمام حسان” من وصفه “الدرس التحليلي” المَعْنِيِّ بالعناصر الجزئية على “الدرس التركيبي” المَعْنِيِّ بعلاقات السياق عند النحاة العرب بالتقلُّص وسيلةً لبيان وجهٍ من أبرز وجوه انتقاده لمسالك أولئك النحاة، مُتخذًا من الفهم البنيوي المتجذِّر في منظوره اللُّغوي أداةً لتعميق الكشف عن “سلبيات” تلك المسالك، فأكد أن (نتائج النظر إلى السياق تفرض عناصر جديدة على المكونات التحليلية، هي حلولٌ لما قد يكون بين النظام وبين السياق من تضاربٍ، أو هي بعبارة أخرى معالمُ سياقيةٌ أو ظواهرُ موقعيةٌ لا وجودَ لها إلا في السياق المنطوق وبسببه. ولكن النحاة لم يفطنوا إلى طبيعة التعارض الممكن حدوثُه بين النظام ومطالب السياق أو بعبارة أخرى التعارض بين مطالب التحليل ومطالب التركيب فوقعوا في أخطاء منهجية “…” كذلك لم يَفْطِن النحاة إلى أهمية بقية الظواهر السياقية في تحديد المعنى النحوي)(30).

وإذا كان “تمام حسان” قد انتهى إلى وصف النحو العربي بأنه (تقعيدُ أبواب المفردات) ومن ثم أكد أن (الحاجةُ ماسَّةً إلى دراسة أبواب الجمل)(31)، فقد اتجه بنظراته تجاه العلوم التي عُنيتْ بدراسة الجملة في التراث العربي، فوجد ما ينشده في علوم البلاغة الثلاثة: المعاني والبيان والبديع. وبَيَّنَ موضوع كل علمٍ منها ومنظورَه في دراسة الجملة، وذلك ليكشف عن الأواصر الراسخة التي تربط بينه من ناحية ومفهومه للنحو من ناحية أخرى. وإذا كان قد رأى أن القليل من ظواهر علم البديع مثل: “الجناس” و”التورية” تتصل بالمعنى، فإنه أخرج هذا العلم من إطار مفهومه الجديد لعلم النحو، على حين أنه دلَّل بقوةٍ على الصلات الراسخة بين علمي المعاني والبيان وعلم النحو. فلمَّا كان موضوع علم المعاني هو دراسة التركيب بأنواعه المختلفة من استفهامٍ وإثباتٍ ونفي وغيرها، وذلك من زاوية (النظر في التركيب نفسِه من جهة أسلوب وصفه وطرق التعبير به وما فيه من إيجازٍ وإطنابٍ ومساواةٍ وما فيه من فصلٍ ووصلٍ “…” وهي دراسةُ معانٍ وظيفية في صميمها تبدو أكثرَ صلةً بالنحو منها بالنقد الأدبي”…” إنه ليَحْسُنُ في رأيي أن يكون علمُ المعاني قمةَ الدراسة النحوية أو فلسفتها “…” ولكن هذا الطابع الذي اتسم به علمُ المعاني من بين علوم البلاغة جعل هذا العلمَ نحوًا من النحو وصيَّره كالنحو صناعةً مضبوطةً لا منهجًا للنقد الأدبي)(32).

وعلى هذا صار علمُ المعاني موضوعًا من موضوعات علم النحو وفق الفهم الذي صاغه “تمام حسان” له لأنه علمٌ يدرس طرائق التركيب وأبنيتها ودلالاتها على مستوى الجملة، وهو بذلك يُكمل دراسةَ “أبواب الجملة” التي تنقص النحوَ العربي الموروث. كما رأى “تمام حسان” أيضًا أن علم البيان مجاله كمجال المعاجم، إذ يتناول العلاقة بين الكلمة ومدلولها وذلك على أساس تمييزه بين المعاني العرفية أو الحقيقية والمعاني المجازية. ومن ثم رأى قوةَ صلة علم البيان بالدراسة المعجمية، وبنى على هذا رؤيته التي تؤكد أن (العناية في علم البيان إذ تتجه إلى دراسة اللفظ في دلالته على معناه العرفي “المطابق” أو للدلالة على “بعض معناه” أو على “لازم معناه” تجعلُ علمَ البيان قمةَ علم المعجم كما كان علمُ المعاني قمةَ علم النحو. ومن هنا يصبح علم البيان في إطار الثقافة العربية هو النظرية الوحيدة التي تَصْلُحُ نُواةً لغرس علمٍ جديدٍ في تربة هذه الثقافة، يُسمى علم المعجم يتناول بالدراسة والتحليل والنقد والتأريخ والمقارنة تلك الطرقَ والمناهجَ التي استخدمها المعجميون العرب في جمع معاجمهم، موصيًا بأحسن الطرق التي وصلت إليها المناهج العلمية الحديثة في مختلف لغات العالم)(33).

(5/3) آثار الاهتمام بالمعنى ومبدأ اجتماعية اللُّغة

ولقد رتَّب “تمام حسان” على فهمه لموضوعات علوم البلاغة العربية الثلاثة، ليبرز حدودَ ما قدمته تلك العلوم البلاغية في دراسة المعنى، وليكشف عن “الناقص” فيها من ناحية، وليدلِّل من ناحية أخرى على وجود بعض الأفكار، ذات الأهمية البالغة في علوم البلاغة العربية، تتصل بقوةٍ بما توصَّل إليه علمُ اللُّغة الحديث، إذ يُقرر أنه (إذا علِمْنا أن علم المعاني يتناول المعنى الوظيفي وأن علم البيان يتناول المعنى المعجمي وأن علم البديع يتناول صنعةً فنية لا يتحتمُ أن تتصلَ بالمعنى، علمْنا أن البلاغة العربية لا تتناول المعنى الاجتماعي تناولًا مقصودًا، ولكنها على الرغم من ذلك قَدَّمت لدراسة المعنى الاجتماعي أو المعنى الدلالي كما أسمِّيه في هذا البحث فكرتين تعتبران اليومَ من أنبل ما وصل إليه علمُ اللُّغة الحديث في بحثه عن المعنى الاجتماعي الدلالي: وأولى هاتين الفكرتين فكرةُ “المقال” والثانية فكرةُ “المقام”. وأنبلُ من ذلك أن علماء البلاغة ربطوا هاتين الفكرتين بعبارتين شهيرتين أصبحتا شعارًا يهتف به كلُّ ناظرٍ في المعنى: العبارة الأولى “لكل مقامٍ مقال”، والعبارة الثانية “لكل كلمةٍ مع صاحبتها مقام”)(34). وقد دلَّل “تمام حسان” على الأهمية البالغة لهاتين العبارتين من منظورات علم اللُّغة الحديث، فرأى أن العبارة الأولى تؤكد أن استنباط المعنى من المقال وحده يعني إغفال أهم عنصر يُسهم في تحقيق “المعنى” وهو عنصر “المقام” أو “الظرف” الذي وقع فيه ذلك القولُ، كما أن دراسة “المعنى الدلالي ستكشف عن خطورة ذلك “المقام” أو الظرف في تحديده. كما بيَّن أن العبارة الثانية تلخصُ الصلةَ بين ظاهرة “التضامّ” في اللُّغة العربية وبين المعنى اللُّغوي الدلالي الاجتماعي، وأكد أن أقسام المقامات الاجتماعية ترتبط بتعبيرات يتم فيها “التضامُّ” بين الكلمات مختلفًا باختلاف المقام. ولعل تثمين “تمام حسان” لهاتين “الفكرتين” اللتين صاغهما البلاغيون في التراث العربي، يعود إلى ذلك التشابه القوي والدال بينهما وبين ما يشابهما في الدرس اللُّغوي الأوربي المعاصر، إذ أكَّد “تمام حسان” أنهما تُعدَّان من نتائج المغامرات الفكرية في دراسة اللُّغة في الغرب المعاصر)(35). ولعل هذه النظرة تحقيقٌ لموقفٍ جذري يُعاينه قارئ خطاب “تمام حسان”، إذ يلحظ اقتدارَه على ضمِّ عديدٍ من المفاهيم اللُّغوية والبلاغية الموروثة من التراث العربي إلى صياغته لمفاهيمه النظرية الجديدة لكونها مستمدةً من الدرس اللُّغوي الغربي المعاصر، وذلك ما منح محاولتَه التجديدية قدرًا ملحوظًا من أصالةٍ مستحقة.

ولعل العنصر الجذري في رؤية “تمام حسان” للغة هو ذلك العنصر الخاص باجتماعية اللُّغة الذي يعد -فيما نرى- المبدأَ الشامل الذي يُفَسِّرُ “تمام حسان” في ضوئه طبائعَ اللُّغة بوصفها منتجًا ثقافيًا مرتبطًا بالتداول والتأثير في سياقات استخدامه وفاعليته مما يؤكد ضرورةَ التيقظ لآثار تلك الطبائع عند قيام اللُّغوي بتحليل عناصر لغة ما ومكوناتها المختلفة. ومن منظور رؤيتنا نحن: ثمة عناصر ثابتة في بنية أية لغة، وهي العناصر المرتبطة بالمقومات الأساسية في أنظمتها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية، ولكن هذه المقومات العامة “والمجردة” لا تَعْمَلُ في أية واقعة اتصالية بمفردها، بل تعمل في إطار علاقتها بنوعٍ آخر من العناصر يحسن أن نصفها بأنها “مكونات”، لأنها بالغة التنوع وعرضة للتغير بصور مختلفة في كل واقعة اتصالية لا سيما حين تكون تلك الواقعة قائمةً على “شفاهية” الأداء. ولعل أبرز نتيجة ترتبت –فيما نرى– على تأكيد “تمام حسان” مبدأ “اجتماعية اللُّغة” يتمثل في أن اللُّغة أداة اجتماعية يصدقُ عليها ما يصدق على مختلف الظواهر الاجتماعية من خضوعها (لظروف التعارف وللتصويب والتخطئة بحسب هذا التعارف)(36). ومن هذا المنظور يؤكد “تمام حسان” أن العناية بهذا الجانب الاجتماعي للغة كانت (سببًا في اعتبار “المقال” عنصرًا واحدًا من عناصر الدلالة لا يكشف إلا عن جزءٍ من المعنى الدلالي وينقصه أن يستعينَ بالمقام الاجتماعي الذي ورد فيه المقالُ حتى يصبح المعنى مفهومًا في إطار الثقافة الاجتماعية أو بعبارة أخرى ثقافة المجتمع. ومن هنا أيضًا دعت الحاجةُ المنهجيةُ إلى تشقيق المعنى إلى ثلاثة معانٍ فرعيةٍ: أحدُها المعنى الوظيفي، وهو وظيفة الجزيء التحليلي في النظام أو في السياق على حدٍّ سواء. والثاني المعنى المعجمي للكلمة، وكلاهما متعدِّدٌ ومحتمَلٌ خارج السياق وواحدٌ فقط في السياق. والثالثُ المعنى الاجتماعي أو معنى المقام، وهو أشملُ من سابقيه ويتصل بهما عن طريق المكامنة، لأنه يشملهما ليكون بهما وبالمقام معبرًا عن معنى السياق في إطار الحياة الاجتماعية)(37). ولعلنا نُشير هنا إلى أن دلالات مصطلح أو تعبير “المكامنة” ذي الأصول الكلامية في الثقافة العربية الوسيطة(38)، تُشير عند استخدامه لدى “تمام حسان” إلى تواصل دلالات المعاني الفرعية الثلاثة التي أشار إليها في تحليله.

(6/3) “الخلاصة النحوية” وبلورة صيغة تجديد النحو عند “تمام حسان”

ولقد جعل “تمام حسان” من اجتهاداته النظرية في مفهوم الأنظمة ومفهوم النحو ودوائر معاني اللفظ وكيفية دراستها وكيفية الاستدلال عليها، أُسسًا جذرية يبنى عليها صيغتَه في تجديد النحو العربي التي كشف عنها كتابُه “الخلاصة النحوية” (2000) والذي يعكس جوانب متعددة من خبراته ذات الثقل والتميز في دراسة العربية ونحوها. ولعله من الملائم أن نؤكد هنا أمرين، وهما: أن المبدأ الأساسي الذي تسري رُوحه وتجلياته في تفكير “تمام حسان”، هو مبدأ اجتماعية اللُّغة بكل ما يترتب على تفعيله من نتائج، وأن معنى “النحو” عنده يشمل علم الأصوات، وعلم الصرف، ثم علم النحو الذي يتعلق عنده بأربعة عناصر أساسية، وهي: “الجملة من حيث المبنى” و”الجملة من حيث المعنى” و “المُكمِّلات” ثم “ظواهر إعرابية” وهي تضمُّ عددًا من الجزئيات “الخاصة” مثل العدد والممنوع من الصرف. وقد جعل لمحاولته تلك مجموعةً من الأهداف التي تلتقي حول تطبيق أفكاره النظرية في مؤلَّفه “اللُّغة العربية: معناها ومبناها”؛ وذلك بإبراز تضافر القرائن على بيان المعنى، وأن تكون محاولته تلك مبنيةً على أنواع الجمل للوصول من داخلها إلى أبواب المفردات، وأن تكون كذلك مركَّزةً تركيزًا شديدًا بطريقة تخلو من إيراد الشواهد إلا في أضيق الحدود، و(أن تلجأ إلى نوعٍ جديد من عرض حقائق النحو عن طريق الأشكال الإيضاحية المُعِيْنَةِ على تصوُّر العلاقات بين الأحكام)(39). ورأى أن اللُّغةَ نظامٌ، ولكل نظامٍ ثوابته ومتغيراته، وأن ثوابت النحو العربي أمورٌ ثلاثة، وهي: أمنُ اللبس في المعنى، وطلبُ الخفَّة في المبنى، والاطرادُ في القواعد والأحكام التي توصَّل إليها النحاة من دراستهم للمادة اللُّغوية التي جمعوها. ولمَّا كان تصوره لبنية النحو العربي يقوم على مفهوم “القرائن”، فقد أكَّد أن للقرائن النحوية خمسة مصادر، وهي: النظام الصوتي، والنظام الصرفي، والنظام النحوي، ودلالة السياق، والدلالة الحالية(40).

وفي ضوء هذا قَدَّمَ “تمام حسان” صيغتَه في تجديد النحو العربي تحت مُسمى “الخلاصة النحوية” التي اشتملت على ثلاثة أقسام رئيسة، وهي: الدراسة الصوتية، والدراسة الصرفية، ثم الدراسة النحوية. وكان القسم الأول قصيرًا لا يتجاوز عشر صفحات، وفيه تناول حسان موضوعين رئيسين، وهما: “طلب الخفة” و”قرينة الإعراب”، وأمَّا طلب الخفَّة فهو بيانٌ شامل لمجموعة من الظواهر الصوتية الدالة على تحقق “الخفّة” أو التيسير في النطق مثل: ظاهرة “الإدغام” و”الإعلال والإبدال”، وهما ظاهرتان تنضوي في إطارهما مجموعة كبيرة من الظواهر التي كان النحاة في التراث يعالجونها في موضوع “علم الصرف”. وأمَّا “قرينة الإعراب” التي يجعلها واحدةً من قرائن المعنى النحوي الذي يُعرف بواسطة الإعراب من وجهين، وهما: العلامة الإعرابية، والمعاقبة، أي صلاحية عنصر لُغوي أن يحل محلَّ عنصر آخر سواءٌ كان أحد العنصرين أو كلاهما مفردًا أم جملة(41). وللقارئ المعاصر أن يُشير إلى أن “تمام حسان” قد جعل من باب “الدراسة الصوتية” حصيلةً، لتحقيق مبدأ من مبادئ النطق العربي وهو مبدأ “طلب الخفة”، من ناحية، وتجليةً لدور قرينة الإعراب في إثبات تحقق اطراد مجموعة من “القواعد” النحوية في إطار نظام النحو العربي. وبذلك صارت موضوعات هذا الباب من قبيل بيان بعض “المبادئ” العامة المتجلية في أبنية مختلف موضوعات الصرف وبناء الجملة.

وأمَّا القسم الثاني الذي جاء عنوانه “الدراسة الصرفية” فهو يضم ثلاثة فروع أساسية، وهي: قرينة البنية، وقرينة الأداة، والقرائن العلائقية. ويشمل الفرع الأول منها قضايا الجمود والاشتقاق والتصريف، وأوزان الكلمات، والمشتقات التي تُشتق من الكلمات، وصيغ الجمع وصيغ التثنية، والأقسام المختلفة للأفعال وأوزانها المتنوعة وتأكيد الفعل(42). ومن الملاحظ أن هذا الفرع يضم مختلفَ الموضوعات التي تتعلق بصيغ الكلمات وأبنيتها، وهي موضوعات استقرت في أعراف اللُّغويين العرب القروسطيين ومتابعيهم من المحدثين على أنها موضوعات علم الصرف. ونظنُّ أن تلك الوضعية التي صنعها “تمام حسان” تبدو منطقيةً جدًا.

وأمَّا الفرع الثاني في هذا القسم فهو “قرينة الأداة”، وهو يضم معاني الأدوات المختلفة، مثل: أدوات التوكيد، وأدوات الاستفهام، وأدوات الشرط، وأدوات النداء، وأدوات التعجب، وغيرها من الأدوات. وهذه كلها أنماطٌ من الأساليب التي كان النحاة العرب القروسطيون يضعونها في إطار موضوعات علم النحو. وأضاف إليها “تمام حسان” معاني الحروف المختلفة، مثل: حروف العطف والاستثناء والتوكيد والتفسير وغيرها(43). وهذه كلها أساليب كانت تُتناول متفرقةً ومبعثرةً في عدد من أبواب النحو في التراث اللُّغوي العربي.

وجعل “تمام حسان” الفرعَ الثالث من فروع هذا القسم خاصًّا بما أسماه “الروابط العلائقية”، أي أنواع الروابط التي تربط بين الكلمات داخل الجملة، وأبرزها “التضامّ” الذي يعني به (قرينة على المعنى بحسب ما يُرهِصُ به حيزُ اللفظ من افتقارٍ إلى لفظ آخر أو اختصاصٍ به أو مناسبةٍ بين هذا اللفظ وغيره أو مفارقةٍ بين اللفظين)(44). وأمَّا القرينتان الأخريان فهما: الرتبة، أي الموضع الذي يجب أن توضع فيه الكلمة داخل بناء الجملة، ثم قرينة الربط التي تجمع مختلفَ وسائل إحداث الترابط بين الكلمات داخل الجملة أو بين الجمل بعضها البعض، وتُعَدُّ تجليات تلك القرينة بالغة الاتساع والتنوع(45). وإذا كانت قرينة “الرتبة” واحدةً من أبرز الروابط في الفهم التقليدي للنحو، فإن تجليات قرينتي “التضام” و”الربط” تضم أنماطًا كثيرة ومتنوعة كانت متفرقةً في عدد من المواضع في أبواب النحو التقليدي الموروث لكن “تمام حسان” قد ضمَّها معًا مستفيدًا، في كثيرٍ من الأحيان، من عدد من أفكار البلاغيين التراثيين وملاحظاتهم، مما جعله يُثري مفاهيم هاتين الرابطتين ويُدلل من ثَمَّ لقارئه على أهمية ما يصنعه وحيويته وفاعليته في إدراك عديدٍ من العلاقات الكائنة في نظام التعالق بين الكلمات بعضها البعض والجمل بعضها البعض؛ لا سيما حين يُدرك القارئ المتخصص أنَّ بُعدًا من أبعاد أبرز ما أنتجه “تمام حسان” في هذا الجانب يعود إلى كونه يُدلل على فعالية دراسة أبنية الجمل وعلاقاتها المختلفة، مما يُمَثِّلُ إضافةً ذات أهمية كبيرة إلى مضمار “النحو العربي”.

وأمَّا القسم الثالث من أقسام “النحو العربي” وفق رؤية “تمام حسان” فهو قسم “الدراسة النحوية” الذي خصَّصه لدراسة قضايا تركيب الجملة في أربعة محاور رئيسة، وهي: الجملة من حيث المبنى، والجملة من حيث المعنى، والمُكمِّلات، ثم ظواهر إعرابية. وفي المحور الأول عرض “تمام حسان” كلَّ ما يتعلق بالجملة الاسمية والجملة الفعلية والجملة الوصفية والجملة الشرطية، وألمَّ إلمامًا سريعًا بمسألتي “التنازع والاشتغال” تحت إطار سماه (ظواهر في تركيب الجملة)(46). ويُمَثِّلُ ما قدمه “تمام حسان” في هذا المحور تنظيمًا واختيارًا لما قدمه النحو التقليدي الموروث في هذه الموضوعات. وأمَّا في محور “الجملة من حيث المعنى” فقد جمع “تمام حسان” بين دراسة “الخبر والإنشاء” وأعطى مساحة ملحوظة لما يتعلق بأنماط الإنشاء الطلبي. ويُعَدُّ هذا جانبًا من أبرز الجوانب التي أدخل فيها “تمام حسان” مجموعة من مسائل علم المعاني في البلاغة التراثية في مجال مفهوم للنحو، مؤكِّدا –على نحوٍ ضمني دالٍّ- صحةَ وصفه لأهمية علم المعاني في تصوره الجديد لعلم النحو. ثم أضاف إلى ذلك مجموعةً من الأساليب التي كان بعضُها موضوعات صغرى أو جوانب محدودة من موضوعات “النحو” في الفهم التقليدي للنحو. وقد وضعها جميعًا تحت مُسمى “الإنشاء الإفصاحي” إذ تناول القسَم، والعقود، والنُّدبة، والتعجُّب، والمدح والذم، والإخالة وهي بديلٌ عن مصطلح “أسماء الأفعال” في الفهم التقليدي للنحو، ثم حكاية الصوت(47).

وخصَّص “تمام حسان” المحورَ الثالث المُسمَّى “المُكمِّلات” لعرض مجموعةٍ من الموضوعات التي يتصل بعضُها بالجملة الاسمية، على حين يتصل بعضها الآخر بالجملة الفعلية، ومن ثم تناول موضوعات: “التعدي واللزوم”، و” ظن وأخواتها”، و”أعلم وأرى”، و”المفعول المطلق”، و”المفعول لأجله”، و”المفعول فيه”، و”المفعول معه”، و”الاستثناء”، و”الملابسة” أي الحال، و”التفسير” أي التمييز، و”الاختصاص”، و”كم وكأي وكذا” التي تُسمى في النحو التقليدي “كنايات العدد”، و”الجر بعد الحرف”، و”الإضافة”، و”التوابع: النعت، والتوكيد، وعطف النسق، وعطف البيان، ثم البدل”(48). على حين أنه خصَّص المحورَ الرابع والأخير لما أسماه “ظواهر إعرابية” الذي تناول فيه الموضوعات الآتية: “العدد”، و”ما لا ينصرف”، و”الحكاية”، و”إعراب المقصور والممدود”، و”الوقف”(49).

(4) خاتمة أولى: في تبين البديل

لا شك أن محاولتي “شوقي ضيف” و”تمام حسان” لبلورة صيغتين جديدتين من “النحو” العربي تعكسان إدراكًا دالًّا من عالمين كبيرين ومؤثرين من العلماء المعاصرين العاملين في مجال اللُّغة العربية وآدابها، ومن ثمة تلتقيان في وقوفهما عند مجموعة من المشكلات التي تجابه فعالية النحو في دراسة العربية وفهمها، والإفادة من ذلك الفهم في الاتصال بعلوم الثقافة العربية الموروثة والحديثة والمعاصرة. ولكنَّ ثمة فروقًا متعددةً بينهما من قبيل: اتصاف محاولة “شوقي ضيف” بكونها أدنى إلى أن تكون محاولة لتيسير النحو، عبر التخفُّف من “الزوائد” و”النتوءات” التي تتصل بجزيئيات في أبنية بعض أنماط الجمل، على حين تُعَدُّ محاولة “تمام حسان” أقرب إلى أن تكون محاولة لإحداث تجديد حقيقي في بنية علم النحو الخاص بالعربية، وذلك كونها تنطلق من منظور ذي شمولية للنحو فتجعل منه جمعًا جدليًا للمستويات الصوتية والصرفية ثم “النحوية” مما يعني أن ذلك “النحو” هو علم العربية. ولمَّا كان “تمام حسان” قد أضاف إلى بنية ذلك العلم عددًا من العناصر المأخوذة من علم المعاني فإنه بذلك كان يدعم توجهَه الأساسي الذي يجعل من “النحو” علمًا معنيا بدراسة “المعنى” وتحليلَ أبنية الأشكال “النحوية” التي توظِّفها تقاليد العربية، لتوصيل “المعاني” في السياقات المختلفة للتواصل اللُّغوي.

ورغم تلك الفروق الجَلِيَّة بينهما، فمن المفيد ملاحظة أن “الجوهر المشترك” بينهما أكثرَ قوةً وفعاليةً من تلك الفروق. وهو أمرٌ يُمكن فهمه وتفسيره وتبريره بعاملين، وهما: وضعيةُ النحو في إطار علوم اللُّغة العربية القديمة والحديثة والمعاصرة. وامتدادُ الثقافة العربية من بداياتها الأولى المعروفة تاريخيًا إلى اللحظة الحاضرة، مع دورانها من مرحلة ظهور الإسلام ثم تثبيته في الواقع العربي ثم انتشاره خارج الجزيرة العربية ليكون “منطلق” حركة قوة سياسية كان لها دورُها الكبير في عالم القرون الوسطى مستندةً في هذا إلى مجموعة من المقومات التي تُعَدُّ “الثقافة” أبرزها، بل إن الفاعلية الحقيقية للعرب في عالم اليوم تعودُ -فيما نقدِّر- إلى كونهم حملةَ الثقافة العربية الإسلامية قبل أي اعتبار آخر. ولهذه الوضعية -فيما نرى- آثارُها بالغةُ الأهمية في تحديد إمكانات تجديد علوم العربية الموروثة من ناحية، والممتدة في الثقافة وفي الحياة العربية الحديثة والمعاصرة من ناحية أخرى. وفي ضوء تلك الوضعية يُمكننا النظر إلى موقع “النحو” كما يُمكننا التفكيرُ في إمكانات تجديده، وذلك من منظور الافتراض الذي افتتحنا به دراستنا تلك، وهو افتراض أن دراسة العربية وعلومها تؤكد حدوثَ الغربة كما تُفضي إلى إحداث الاغتراب بين دارسيها من ناحية وواقعهم من ناحية ثانية. ولعل تقديم “النحو” بصورته المعهودة الآن في المؤسسات التعليمية الجامعية يُعَدُّ -فيما يتبدى لنا- سببًا من أسباب تدعيم هذين الافتراضين. وهذا ما يعني من منظورنا، أنها وضعيةٌ يجب أن تكون مجالًا لمناقشات كثيرة تكشف عن أسبابها، وعن مظاهرها، وعن آثارها على وعي الممارسين لهم، كما تعمل على استكشاف ما ترتب عليها من تأثيرات في الواقع الاجتماعي المعاصر(51)، وهي تأثيرات نظنُّ أنها لم تلقَ حتى الآن ما تستحقه من عناية مؤسساتنا الحديثة والمعاصرة.

وإذا كنَّا سنُعنى بالتفكير في بديل للمتاح والقائم والشائع، فلا نظُّن أن وضع هذا البديل مهمةَ فرد أو مجموعةٍ من الأفراد المختصين بدراسة اللُّغة العربية وآدابها وتدريسهما، بل هو أمرٌ يجب أن تتولاه مجموعةٌ من المؤسسات التعليمية والثقافية المختلفة التي تملك إمكانات وضع مخطَّطات للإصلاح سعيًا للتغلب على سلبيات الوضعية القائمة. وفيما يتعلق بأمر “النحو” لأنه العلم الأول من علوم العربية التي خصَّصنا لها دراستين، أو أكثر سنوالي نشرها، نظنُّ أنه من الواجب أن يكون هناك مخططٌ دقيقٌ وشاملٌ ومبنيٌّ على أسسٍ منطقيةٍ يَهْدِفُ إلى تقديم القواعد الأساسية للغة في مستوياتها المختلفة في صورة بالغة الإيجاز والدقة والتركيز، مع تقديم أمثلة ونماذج وشواهد لها من الاستخدامات الحديثة والمعاصرة لأنها جزءٌ من حياة المتعلم ومن شئونه اليومية، ثم ترك ذلك المتعلم يعيش واقعه اللُّغوي بما فيه من ألفاظ وتراكيب وجمل وعبارات تستخدم في مواقف الاتصال أو التواصل الحديث والمعاصر كما في الصحافة، وفي الأعمال الأدبية النثرية، وفي وسائل الإعلام المختلفة، وفي البرامج الحوارية في الفضائيات التي تستخدم أنماطًا من الفصحى المعاصرة، وفي مختلف المنتجات الإعلامية المقدمة للأطفال بالفصحى، حينئذ سيتمكن المتعلم من التعرف جيدًا على قواعد اللُّغة نحوًا وصرفًا ودلالةً، كما سيتمكن من تَمَثُّلِها ذهنيًّا وشعوريًّا. وحينئذ سيكون ذلك التعلم وسيلةً لتنمية علاقته بالواقع المعاصر على أساس إدراكه وترسيخ قناعة لديه بأن اللُّغة في استخداماتها الحية هي المصدر الرئيس الذي نستمد منه أو يستمد منه هو وغيره من المتعلمين مختلف أوجه الاستخدامات اللُّغوية في مجالات التواصل. وذلك ما يُمَثِّلُ وسيلة من وسائل إدماج أنظمة اللُّغة بمستوياتها المختلفة في واقع الدارسين والمتعلمين بما يفضي إلى الابتعاد بتقديم “النحو” وعرضه عن الاستغراق وعن الإغراق في تفاصيل وجزئيات وجزيئيات كثيرة بعيدة عن الواقع الحديث والمعاصر. ولعل هذه الكيفية تكون وسيلةً من وسائل القضاء على “الغربة” ومحاصرة “الاغتراب” الذهني والشعوري الذي يترسب في أذهان دارسي العربية.

ولا نظنُّ أن تحديد “القواعد الأساسية” في أبنية الصيغ العربية تُمَثِّلُ أمرًا مؤرقًا، لأن مراجعة أبنية الصيغ العربية القديمة والحديثة تكشف عن درجة عالية من درجات الثبات، على حين يبدو “التغير” في جانبين أساسيين، وهما: نشاط بعض الصيغ التي لم تكن ناشطةً بهذه الدرجة في عربية القرون الوسطى مثل “فاعول” التي نشطت بسبب كثرة أسماء الآلات التي احتاجتها العربية الحديثة والمعاصرة مما أدى إلى تفعيل هذه الصيغة والاتكاء عليها كثيرًا(51).  وأمَّا الجانب الثاني، فهو دخول عدد من الصيغ الجديدة التي نتجت عن قبول العربية الحديثة والمعاصرة مجموعة من الكلمات المنقولة من لغات أخرى، لا سيما اللُّغات الأوربية، لأنها كلمات ارتبطت بمخترعات جديدة، أو أفكار أو مذاهب اجتماعية أو فلسفية أو اقتصادية جديدة شاعت في الحياة العربية الحديثة والمعاصرة.

أمَّا أنظمة بِناء الجمل العربية كما رصدتها محاولات تجديد النحو فهي من تلك الجوانب التي ما تزال صالحةً في أشكال التواصل والتعبير المختلفة في سياقاتنا الحديثة والمعاصرة. وإن كان من الضروري ملاحظةُ التفرقة التي قدمناها في ثنايا هذه الدراسة بين “العناصر” الأساسية في أبنية الجمل و”المكوِّنات” التي تُمَثِّلُ العناصر الثانوية في تلك الأبنية. ولعل “القواعد الأساسية” في صناعة أبنية الجمل العربية التي تتعلق بتلك العناصر الأساسية تُعَدُّ نموذجا دالًّا لثبات العناصر الأساسية في تلك الأبنية، فمن مراجعة قواعد العربية في تجلياتها التاريخية المختلفة –أي من لغة العصر الجاهلي التي وصلتنا مجموعة من نصوصه الموثَّقة إلى لغة الكتابة والتواصل المعاصرين- يُمكننا ملاحظة أن صياغة الأنماط الأساسية من الجملة الاسمية والجملة الفعلية وجملة الاستفهام -على سبيل التمثيل- ما تزال ثابتة في عناصرها الأساسية، على حين أن عناصرها الثانوية، أي المكونات تتعرَّض دائمًا لأنماط من التغييرات التي تخضع لأذواق المستخدمين. ولعل أصدق تمثيل لهذه السمة تتضح في صيغة المبتدأ في الجملة الاسمية، فإذا كان النحاة قد أكدوا أن “المبتدأ” يجب أن يكون “معرفة، ثم رصدوا أكثر من عشرين حالة يمكن أن “المبتدأ” فيها “نكرة” فإن الذوق المعاصر يبدو أكثر ميلًا إلى تقليص ذلك العدد الضخم الذي يجعل المرءَ يتشكك في الإصرار على أن يكون المبتدأ “معرفة”! وثمة نموذج آخر: هو بنية الجملة الفعلية وترتيب عناصرها الذي يتخذ صورتين أساسيتين: (الفعل + الفاعل)، و(الفعل+ الفاعل+ المفعول به)، فلا خروج على هذا الترتيب إلا في مواقف أو حالات محددة ولأغراض بلاغية خاصة… وفيما عدا العناصر الأساسية في أبنية هذه الأنماط من الجمل وغيرها من الأنماط فقد خضعت العناصر الأخرى التي وصفناها في سياقات دراستنا تلك، بأنها “مكونات” لتغييرات كثيرة وذلك ما يؤكد فيما نرى أن تقديم تلك الأنظمة، في السياقات التعليمية المختلفة، يجب أن يركز على العناصر الأساسية.

ولعلنا لا نغامر حين نطرح افتراضًا مؤداه أن الأنظمة الأساسية في النحو العربي بالمعني الشمولي، قد استخلصتها بعض الكتب التعليمية الحديثة استخلاصًا “دقيقا”، ومنها كتاب “القواعد الأساسية في النحو والصرف” الذي أصدرته وزارة التربية والتعليم المصرية طوال عقود، ففيه رصدٌ دقيقٌ لتلك الأنظمة. ويُمكن لأي مشروع بحث تطبيقي أن يُدلل على كون صيغ تلك الأنظمة التي بلورها هذا الكتاب قادرة على إعانة القارئ، كي يفهم الأنظمة المختلفة لأبنية المفردات والجمل في أقدم النصوص العربية التي تعود إلى العصر الجاهلي.

ويبقى أن نشير إلى أن هناك جوانب أخرى تتصل بقضية “النحو” تتطلب شيئًا من الإضاءة، لكننا سنؤجل تناولها إلى الجزء الثاني من هذه الدراسة، وهو جزءٌ سنناقش فيه بقيةَ علوم اللُّغة العربية وآدابها، وسيكون تأثرها بعلم النحو جانبًا من جوانب مناقشتنا تلك.

________________________________________

الهوامش

(1) أفدنا في تبين تأثيرات اللُّغة في وعي مستخدميها من أطروحات عبد الله الغذامي حول مفهوم “النسق الثقافي” وأبعاده ووظائفه في كتابه الأشهر “النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية، الطبعة الثانية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 2001، انظر: ص – ص 76-81 حيث يعرض مفهوم النسق الثقافي.

(2) أفدنا في صباغة هذا المفهوم من عدد من التصورات الخاصة بالاغتراب في العلوم الاجتماعية والعلوم النفسية. انظر: مصطلح “الاغتراب” في كل من: جوردن مارشال: موسوعة علم الاجتماع، ترجمة محمد الجوهري وآخرين، الطبعة الأولى، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2000، ص – ص 183-186.

-جاري فاندنبوس (محرر): القاموس الموسوعي في العلوم النفسية والسلوكية، ترجمة عبد الستار إبراهيم وآخرين، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2019، ص – ص 280-271.

(3) المقصود بعصور الاحتجاج اللُّغوي هي العصور التي تواضع النحاة واللغويون العرب على الاحتجاج بعربيتها طبقا لمعيار “الفصاحة” التي تتحقق بكون مجموعة من القبائل العربية تقيم في “وسط الجزيرة” العربية بعيدًا عن الاختلاط بأقوام أخرى من غير العرب مما يجعل لغتها نقية. ومن الناحية الزمنية تمتد هذه العصور من الجاهلية إلى نهاية القرن الثاني الهجري. لتفصيل هذا الأمر وللوقوف على رؤية حديثة له، انظر: “تمام حسان”: الأصول: دراسة إبستمولوجية للفكر اللُّغوي عند العرب، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد، 1988، ص – ص 94-96.

(4) أحمد درويش: إنقاذ اللُّغة من أيدي النحاة، دمشق، 1996، ص 14.

(5) نظن أن مقولة “ما أخطأ نحويٌ قط” تتطلب قراءة من منظور ثقافي تستكشف آثارها في “صناعة النحو” في التراث، كما تكشف عن علاقاتها بمسالك “تأويلية” في كثير من علوم التراث.

(6) نرى أن مراجعة ببليوجرافيات الدراسات اللُّغوية في العالم العربي في القرن العشرين، وكذلك مراجعة الببليوجرافيات التي تعرض عناوين رسائل الماجستير والدكتوراه بأقسام اللُّغة العربية وبكليات دار العلوم وكليات جامعة الأزهر المعنية باللغة العربية وآدابها تؤكد بوضوحٍ قوةَ ذلك التوجه البحثي الذي أشرنا إليه في متن هذه الدراسة.

(7) عن مفاهيم “النحو” في التراث العربي انظر: عبد الوارث مبروك سعيد: في إصلاح النحو العربي: دراسة نقدية، الطبعة الأولى، دار القلم، الكويت، 1980، ص – ص 1-7.

(8) “تمام حسان”: الأصول، ص 103.

(9) للتعرف على رؤية طه حسين لجوانب عديدة تجديد النحو أو تيسيره انظر: مستقبل الثقافة في مصر، المجلس الأعلى للثقافة، 2023، ص – ص 273-279.

(10) هناك محاولة نراها واحدة من أبرز تجديد المحاولات لجرأتها، ولكنها لم تشع بين المعنيين بأمور النحو العربي ربما بسبب نشرتها الأكاديمية “المحدودة”، وهي محاولة سليمان العطار (1939-2020) أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب، جامعة القاهرة. انظر: سليمان العطار: تجديد النحو، مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة، 2012.

(11) “شوقي ضيف”: تجديد النحو، الطبعة السادسة، دار المعارف، 2013، ص 4.

(12) تجديد النحو، ص 4.

(13) تجديد النحو، ص 4.

(14) تجديد النحو، ص 4.

(15) تجديد النحو، ص5.

(16) تجديد النحو، ص5.

(17) انظر تجديد النحو، ص – ص 6-7 حيث يعرض “شوقي ضيف” هذه الإضافات الفرعية او الجزئية.

(18) انظر: أمين الخولي: مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995، ص – ص 23-29 حيث يعرض الآراء التي انتهت إليها تلك اللجنة.

(19) تجديد النحو، ص 7.

(20) حول مفهومٍ ما لتجديد النحو انظر: سامي سليمان أحمد: البداية المجهولة لتجديد الدرس النحوي في العصر الحديث: القرن الثامن عشر وكتاب “بحث المطالب، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2003، ص – ص 16-17.

(21) انظر: تجديد النحو، ص 8.

(22) انظر: “تمام حسان”: اللُّغة العربية: معناها ومبناها، الطبعة الثانية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1979، ص 10 من التقديم.

(23) اللُّغة العربية معناها ومبناها، ص 312.

(24) اللُّغة العربية معناها ومبناها، ص 314. ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى أن عددا من اللغويين العرب المعاصرين يرون أن “المعجم العربي” تتحقق فيه سمةُ “النظام”، مما يؤكد فيما يرون أنه يستند إلى “نظرية”، ومن ثم يعملون على تحليل مختلف التطبيقات التي قدمها صُنَّاع “المعاجم” في التراث لاستنباط “النظرية المعجمية” التي قامت عليها تلك التطبيقات. انظر نموذجا لذلك في كتاب محمد عبد العزيز عبد الدايم: النظرية اللغوية في التراث العربي، الطبعة الأولى، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، 2006 ، ص – ص 245-301 حيث يقدم رصدا لعدد من النظريات التي سادت في مجالات “الجمع” و”التصنيف” و”التحليل الدلالي” في علم المعجم في التراث العربي.

(25) اللُّغة العربية: معناها ومبناها، ص 9 من التقديم.

(26) اللُّغة العربية: معناها ومبناها، ص 9.

(27) اللُّغة العربية: معناها ومبناها، ص 12.

(28) اللُّغة العربية: معناها ومبناها، ص16.

(29) اللُّغة العربية: معناها ومبناها، ص16، وانظر ص – ص 16-17 حيث يقدم “تمام حسان” نماذج لقضايا متعددة من الفكر النحوي التراثي تدلل على غلبة الدرس التحليلي لا التركيبي عليه.

(30) اللُّغة العربية: معناها ومبناها، ص 17. ويقدم “تمام حسان” أمثلة لذلك في قصور درس “الزمن النحوي” عند النحاة العرب حيث درسوا زمن الأفعال على المستوى الصرفي (وهي في عزلتها عن التراكيب ولم يختبروا نتائج دراستهم إلا في تركيب الجملة الخبرية البسيطة فرأوا الماضي ماضيًا دائما والمضارعَ حالًا او استقبالًا دائما فوضعوا بذلك قواعدَهم الزمنية ثم اصطدموا بعد ذلك بأساليب الإنشاء والإفصاح فنسبوا وظيفة الزمن إلى الأدوات وهي منه بُراء وإلى الظروف وهي تفيده معجميًا لا وظيفيًا) ص 17.

(31) اللُّغة العربية: معناها ومبناها، ص 17.

(32) اللُّغة العربية: معناها ومبناها، ص – ص 18-19. ومنه المفيد هنا الإشارة إلى رؤية “تمام حسان” أهمية علم المعاني، وتكراره الموازنة بين ما قدمه عبد القاهر الجرجاني فيه وما قدمته الدراسات اللُّغوية الحديثة، انظر:  ص – ص 18-19.

(33) اللُّغة العربية: معناها ومبناها، ص – ص19-20.

(34) اللُّغة العربية: معناها ومبناها، ص 20.

(35) اللُّغة العربية: معناها ومبناها، ص – ص 20-21.

(36) اللُّغة العربية: معناها ومبناها، ص28.

(37) اللُّغة العربية: معناها ومبناها، ص- ص 28-29.

(38) أحال “تمام حسان” في معنى “المكامنة” إلى “مقالات الإسلاميين” للأشعري. وبالعودة إليه نلحظ أن لفظ “المكامنة” ورد في سياق عرض آراء المتكلمين في “الجسم” وما يتصل به من أعراض كالحركة والسكون، وعلاقته بغيره من الأجسام، ثم علاقته بالمواد التي تخرج منه أو بالأعراض التي تلحق به، وعن هذا الإطار الأخير رأى بعض المتكلمين أن (الأشياء منها كوامن ومنها غير كوامن؛ فأما اللواتي هنُّ كوامنُ فمثلُ الزيت في الزيتون والدهن في السمسم والعصير في العنب)، كما اختلف المتكلمون حول كمون النار في الحجر؛ فقد(قال كثيرٌ من أهل النظر أن النار في الحجر كامنة حتى زعم أنها في الحطب كامنةٌ)، ورأى آخرون أن (الزيت كامنٌ في الزيتون والدهنَ في السمسم، والنار في الحجر). انظر: الأشعري (أبو الحسن علي بن إسماعيل): مقالات الإسلاميين واختلاف المصلِّين، عُني بتصحيحه ريتر، الطبعة الرابعة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2000، ص – ص 327-329.

(39) “تمام حسان”: الخلاصة النحوية، الطبعة الأولى، عالم الكتب، القاهرة، 2000، ص 9.

(40) انظر: “تمام حسان”: الخلاصة النحوية، ص – ص 15- 24 حيث يعرض “تمام حسان” مختلف هذه الأمور التي أشرنا إليها بقدر من التفصيل، كما يقدم أمثلة وشواهد متعددة من الاستخدامات اللُّغوية والنحوية ومن أفكار النحاة. ونظن أن القارئ المعني بتبيُّن طبائع أفكار حسان ومواقفه ونتائجها يحسن به العودة إلى تلك الصفحات لأنها فيما نرى تؤدي دورا بالغ الأهمية في الإبانة عن حدود تلك الأفكار وأبعادها المتعددة.

(41) انظر: الخلاصة النحوية، ص – ص 25-36.

(42) انظر: الخلاصة النحوية، ص – ص 39-70.

(43) انظر: الخلاصة النحوية، ص – ص 70-80.

(44) الخلاصة النحوية، ص81.

(45) انظر: الخلاصة النحوية، ص – ص 80-101.

(46) انظر: الخلاصة النحوية، ص – ص 105-136.

(47) انظر: الخلاصة النحوية، ص – ص 137-153.

(48) انظر: الخلاصة النحوية، ص – ص 154- 181.

(49) انظر: الخلاصة النحوية، ص – ص 182- 187.

(50) نظن أنه من الواجب دراسة طبائع “اللُّغة” التي تستخدمها الاتجاهات “التقليدية” واتجاهات الإسلام السياسي سواءٌ في بيان أفكارها إزاء الواقع أو إزاء التراث حيث يسهل أن نلحظ أنماطًا من الاغتراب الذي تخلقه تلك “اللُّغة”.

(51) انظر: سامي سليمان أحمد: دور الأدب في تشكيل اللُّغة العربية الحديثة: دراسة من منظور جدلية اللُّغة والثقافة والمجتمع، مجلة آفاق اجتماعية، مركز المعلومات بمجلس الوزراء، العدد الثاني عشر، سبتمبر 2024، ص – ص 79-105. وهو متاح على هذا الرابط: https://n9.cl/16sdp

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete