دور اللغة العربية في تاريخ العلوم من خلال آراء بعض المستشرقين

تقديم:

يعد تاريخ العلوم أحد المباحث الجديدة في الفلسفة، فقد اهتم العديد من المفكرين المعاصرين بالبحث في تاريخ المعرفة العلمية قصد الإجابة عن إشكاليات عديدة تتعلق بهذه المعرفة من حيث نشأتها، تطورها، وقيمتها، وفهم سيرورتها، وكذا العوامل التي تتدخل في بنائها وتقدمها، ويرجع هذا الاهتمام إلى كون العلم قد فرض نفسه كممثل للسلطة المعرفية في الفضاء الثقافي المعاصر دون منازع، ساعيا إلى إزاحة وتهميش ما عداه من أنماط التفكير ومجالات المعرفة الأخرى(الدين، الفن، الأدب، الأساطير..الخ)، مرتكزا في فعله التهميشي هذا على مبررات عدة كالدقة والموضوعية واليقين والتجريب والقابلية للتعميم والتقنين وغيرها من الخصائص الجذابة التي تنفرد بها المعرفة العلمية وتجعلها أكثر إقناعا إذا ما قورنت بالمعارف الأخرى.

من المعروف لدى المختصين أن هناك العديد من أنماط التأريخ للعلم، وكل نمط يركز على جانب معين وإشكاليات محددة يحاول الإجابة عنها من خلال تأمله وتتبعه لمسار المعرفة العلمية عبر تاريخها، كما أن لكل نمط أعلامه الكبار، فهناك التاريخ الحضاري للعلوم الذي يرصد إسهامات كل حضارة من الحضارات المتعاقبة في المعرفة العلمية عموما، ومن أبرز ممثليه مؤرخ العلوم البلجيكي الشهير جورج سارطون(1884-1956)، وهناك التاريخ النسقي للعلوم والذي يتتبع تطور نسق معين أو مجال محدد من المجالات العلمية كأن نقول: تاريخ الرياضيات أو تاريخ الكيمياء، أو تاريخ البيولوجيا والعلوم الطبية كما اعتنى بها الطبيب ومؤرخ العلوم الفرنسي جورج كانغليهم(1904-1995)..الخ، وهناك التاريخ الإبستيمولوجي للعلم، وهو نمط يتداخل كثيرا مع فلسفة العلوم من حيث طابعه الإشكالي وأفقه الفلسفي، وهنا نستحضر أعمال: غاستون باشلار (1884-1962)، كارل بوبر(1902-1994) وأعمال توماس كوهن(1922-1996) وغيرهم.

رغم الاختلافات الموجودة بين مختلف أنماط التأريخ للعلم إلا أنها تتفق في الهدف العام المتمثل في الإجابة عن الإشكالية الكبرى وهي معرفة عوامل وآليات تطور المعرفة العلمية، وهذا عبر ممارسة النقد الداخلي لبنية هذه المعرفة العلمية والنقد الخارجي الذي يتعلق بما يسميه الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جورج غورفيتش (1894-1965) بـــ: الأطر الاجتماعية للمعرفة، ويقصد بها مختلف العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والفكرية التي تتدخل في إنتاج المعرفة العلمية وتطويرها أو تثبيطها وعرقلتها، حسب معطيات كل مجتمع وظروفه، واللغة أحد هذه العوامل التي لها علاقة كبيرة بمسار المعرفة العلمية في مختلف الحضارات نشأة وتطورا وقيمة، ذلك أنه يمكن للغة أن تكون عاملا مساعدا على تطور الفكر العلمي في حضارة ما  كما يمكنها أن تكون عاملا مثبطا لهذا الفكر، والأمثلة كثيرة على هذا الدور في تاريخ العلوم عبر مختلف الحضارات.

من هذا المنطلق فإن الإشكالية التي سنحاول الإجابة عنها عبر هذه الورقة تتعلق بمنزلة اللغة العربية في تاريخ العلوم، وكشف ما لها وما عليها من خلال التعرف على أهم جوانب إسهام هذه اللغة في دفع عجلة العلوم  نحو التطور، ورصد عوامل الضعف أو مكامن عرقلتها لتطور المعرفة العلمية-إن وجدت- ذلك أن اللغة ظاهرة تاريخية تتسع وتضيق وتتحجر وقد تزول، وهذا يتم عبر علاقات جدلية معقدة بينها وبين الفكر المجتمع عبر التاريخ، ورغم وجود الكثير من الأعمال التي صنفت ضمن تاريخ علوم الحضارة العربية الإسلامية، سواء من قبل الباحثين العرب أو المستشرقين، إلا أن هناك اختلافات كبيرة في تقييم هذا التاريخ.

يرى المستشرق الألماني جوزيف شاخت (1902-1969) أن هناك طريقتان للنظر في تراث أية أمة من الأمم، فإما أن ننظر إلى إنجازاته أو ننظر إلى تأثيره في غيره، وإذا كانت الإنجازات العلمية التي يزخر بها التراث العربي الإسلامي قد تم الاعتناء بها وكتبت حولها الكثير من الأعمال شرقا وغربا[1]، فإن مسألة التأثير وإن كانت هي الأخرى قد حظيت بتآليف كثيرة، إلا أنها تظل بحاجة للمزيد من المدارسة، ولعل المدخل الأكثر فعالية في هذه المسألة هو رأي الآخر نفسه في هذا التراث، فإذا كان موقف الكتاب العرب سيتجه في الغالب نحو الدفاع عن مكانة اللغة العربية الرفيعة ودورها الفعال في تاريخ العلوم، ومكانتها المهمة ضمن سلسلة تطور العلوم عموما وانتقالها بين مختلف الحضارات، فإن موقف المستشرقين نجده غير موحد تجاه هذه القضية، وهو الاختلاف نفسه الذي نجده في مختلف القضايا التي تناولها المستشرقين، نجد دوما مستشرقين منصفين موضوعيين وآخرين متعصبين منغلقين داخل المركزية الغربية التي تمجد ذاتها وتهمش بل وتحتقر غيرها، ومن المهم -كما يقول مترجم كتاب تراث الإسلام- “معرفة ما يقال على الطرف الآخر من حولنا وباللغات الأجنبية عنا وعن حضارتنا وعن جهدنا الإنساني”[2]، فكسب اعتراف الآخر سيزيد حتما من قوة القضية التي نناقشها، وحينما يؤكد العدو قبل الصديق أهمية ودور اللغة العربية في تاريخ العلوم، فذلك يزيد من تمسكنا واعتزازنا بهذه اللغة، كما سيزيد من اهتمام الباحثين بالتعبير عن حاضر العلوم باللغة العربية مثلما عبرت عن ماضيه، وبالتالي، فإن ما نعيشه من تأخر عن الركب في ميدان البحث العلمي ينبغي أن يفسر بعوامل أخرى غير اللغة العربية، وبتحوير طفيف لعبارة المتنبي نقول: “نعيب لغتنا والعيب فينا…وما للغتنا عيب سوانا”، وعليه نطرح إشكاليتنا كالآتي: ما هي أهم المواقف التي تبناها المستشرقون تجاه أهمية اللغة العربية في تاريخ العلوم؟ وما هي مبررات كل موقف من هذه المواقف؟ وهذا من خلال الاحتكام لبعض النصوص الاستشراقية فقط، لأن المنتوج الاستشراقي كبير ومتنوع جدا وتتعذر الإحاطة به، فهو منتوج بدأ في التشكل منذ مئات السنين، وفي أقاليم ومناطق مختلفة؛ فهناك الاستشراق الفرنسي والإنجليزي والألماني والروسي وغيرها، كما أن هذا المنتوج تلون بألوان متعددة تبعا للمناهج والمدارس الفكرية التي عاصرها كل مستشرق وأثرت في عمله وتوجهه.

 

 

 

 

 

 

 

 

أولا: زيغريد هونكه وكتابها شمس العرب تسطع على الغرب:

بعد أفول العلم اليوناني وهيمنة الإمبراطورية الرومانية على المشهد العالمي، دخل العالم عصر الظلمات وتوقفت حركة العلم لمدة قرون طويلة، ولم تستطع أية ثقافة أن تحمل مشعل العلم وتتقدم به خطوات كبيرة، فـ”بيزنطة وريثة الشرق القديم ووريثة الثقافة اليونانية، لم تنتج شيئا وظلت عاقرا، والسريان وهم تلاميذ اليونان الحقيقيون وصلتهم الثقافة اليونانية كما وصلت العرب، فترجم السريان كثيرا من المؤلفات اليونانية إلى لغتهم إلا أنهم لم ينهضوا بما ترجموا ولم تتفتق هذه الترجمات وتلك العلوم عندهم عن حركة علمية أو نهضة ثقافية عالمية، كما أن هذه النهضة العلمية لم تنبعث أيضا في إيران التي كانت ملتقى الثقافات الصينية والهندية واليونانية(..)ليست جميع هذه البلاد هي التي ظهرت على المسرح الثقافي العالمي كحاملة لمشعل الثقافة القديمة ومكملة لها، أما الشعب الذي خلف الثقافة القديمة وحمل لواء النهضة العلمية الفكرية في العالم فهو شعب صحراوي خرج من الصحراء وبسرعة البرق قبض على صولجان السيادة الثقافية في العلم وظل أبناء الصحراء حاملين لهذا الصولجان دون منازع مدة لا تقل عن ثمانية قرون”[3]، اعتراف مهم يتضمنه هذا النص للمستشرقة الألمانية الشهيرة زيغريد هونكه (1913-1999) بشأن مكانة الحضارة العربية الإسلامية الراقية ضمن حلقات تاريخ العلوم، وإقرار بخلافة العرب والمسلمين لليونان في المجال العلمي، ومبرر ذلك أن العوائق (الداخلية والخارجية) التي أسهمت في أفول العلم اليوناني وجعلت منه –كما يقول –فرانسيس بيكون (1561-1626) “عذراء لم تنجب”، تم تحطيم جلها في ظل الحضارة العربية الإسلامية الناشئة، حيث انبثقت أطر جديدة في ظل هذه الحضارة الجديدة، وكانت -في الغالب- مساعدة على الاهتمام بالعلم وترقيته، نذكر منها سماحة الدين الإسلامي وعدم معارضته للأفكار العلمية، بل بالعكس، كثيرة هي النصوص (قرآنا كريما وسنة نبوية شريفة) التي تدعو وتلح على إعمال الفكر والنظر والتدبر في الطبيعة وفي الإنسان وطلب العلم في أي مكان، ثم إن اقتران العلم بالعمل في الإسلام ابتعد بالعلم عن المنحى التأملي الذي أوصله إلى نوع من اللهو لدى اليونان، ففتح بذلك المجال أمام العلوم التجريبية لتكسب هامشا معتبرا من التقدم والفعالية في سيرورة تطورها، كما كان لعامل الاحتكاك بين مختلف الشعوب والثقافات سواء في الحج أو عبر الفتوحات الإسلامية ودخول غير العرب الإسلام محملين بثقافاتهم الأصلية الدور الكبير في الدفع بحركة العلم نحو الأمام، ضف إلى ذلك الجدالات المفروضة على المسلمين للدفاع عن عقيدتهم وما يتخللها من تأثر وتأثير بأفكار غير المسلمين لا سيما اليهود والنصارى.

ولعل العامل الأكثر أهمية في هذا السياق هو اعتراف المسلمين بالامتياز الثقافي للآخر وبحثهم عن أقوم السبل للاستفادة منه، خاصة عبر المدارس المسيحية والفارسية واليونانية المنتشرة على تخوم المنطقة العربية والتي حافظ عليها المسلمون ولم يمسوها بأذى، وكانت تضم أمهات الكتب في العلوم والفلسفة معظمها في ترجمته السريانية ومن أهم هذه المدراس نذكر: الري، حران، جنديسابور، الحيرة، نصيبين، أنطاكيا، أصفهان، الإسكندرية..الخ[4]، وفيها حدث التعاون والتكامل مع المفكرين والمترجمين اليهود والنصارى والسريان، وبمباركة وتحفيز كبيرين من قبل العديد من الخلفاء والأمراء الذين أولوا اهتماما كبيرا بالعلم والعلماء، خاصة أثناء حكم العباسيين، وبالأخص فترة حكم هارون الرشيد وابنيه الأمين والمأمون، ففي الفترة من 750م إلى 950 م ترجم تراث الإغريق وخبرات الهند والصين والفكر الفارسي، ونقلت ألوف الكتب من مختلف اللغات القديمة إلى اللغة العربية، وأقيمت المكتبات وشوارع النساخين وفتح الأمراء قصورهم للعلماء وأغدقوا عليهم العطايا والمحفزات، وتنافس الأمراء في استقطاب العلماء إلى مجالسهم، حتى اعتبر الثري حقيقة هو من امتلك مكتبة ضخمة تحتوي على الكتب النادرة.[5]

بفضل العوامل السالفة الذكر انبثقت في الحواضر العربية الإسلامية حركة علمية فريدة من نوعها، كانت حركة متسارعة الخطى، مستوعبة أحسن استيعاب جل العلوم والفنون والآداب التي توصل إليها اليونان والرومان والفرس والهنود وغيرهم، إذ لم يكتف المترجمون في ظل الحضارة العربية الإسلامية بمجرد النقل الحرفي والسطحي لما لتراث غيرهم، بل كانت ترجماتهم في الغالب قائمة على الممارسة النقدية الصارمة، تقول المستشرقة زيغريد هونكه: “إن العرب عندما أخذوا ما أخذوا عن اليونانيين أخضعوه لأبحاثهم التجريبية وتوسعوا فيما أخذوا” ثم تضيف “أخذوا المعارف اليونانية ونظموها وبوبوها ورتبوها..”[6]،  “فابن سينا هو العالم الذي استطاع بحق القضاء على شهرة جالينوس وسائر اليونانيين، وهو الذي حطم ذلك التقديس والتمجيد لعلماء اليونان الذي استمر قرونا طويلة، وهو أكبر أساتذة الطب ومعلم أوروبا لفترة لا تقل عن 7 قرون”[7]، وما قيل عن ابن سينا يقال عن الرازي وابن رشد وابن خلدون وغيرهم من العلماء الذين أنجبتهم الحضارة العربية الإسلامية وبقيت أعمالهم تدرس في أوروبا طيلة قرون.

نحن نعلم أن الترجمة تكتنفها العديد من التعقيدات والصعوبات، حتى أنها توصف بالخيانة حتى مع حسن النية، وذلك راجع إلى صعوبة التوفيق بين المعنى والمبنى والاختلافات الموجودة بين المفردات بين اللغات والدلالات المحيطة بكل مفردة في مجال تداولها، ومن ثم فإن حركة الترجمة إلى اللغة العربية لم تكن لتنجح وتؤتي ثمارها لو لم تكن في اللغة العربية تلك المرونة وذلك الثراء الذي يتيح القابلية للنحت والاشتقاق والتعبير الدقيق عن مختلف المفاهيم العلمية مهما بلغت من التعقيد والجدة.

بفضل هذه الحركة العلمية التي بدأت بالترجمة وتطورت بالتدوين والتأليف والإبداع ظهرت الآلاف من المصنفات باللغة العربية التي شملت مختلف أبواب العلوم والفنون والآداب متضمنة نظريات جديدة وأفكار رائدة، وبرع مئات العلماء والمفكرين في الطب والفلك والفلسفة والطبيعيات؛ فلقب الفارابي بالمعلم الثاني، وابن سينا بالشيخ الرئيس وابن رشد بالشارح الأكبر لأرسطو..الخ، وما هذه الألقاب إلا اعتراف بمنزلة أعمالهم الرفيعة في سلم تطور العلوم، قد يقول قائل –وقد قيل ذلك فعلا- إن أغلب المبدعين في ظل الحضارة العربية الإسلامية كانوا من الأعاجم (الفرس والأتراك والبربر وغيرهم من غير العرب) والرد على هذا يأتي من قبل المستشرقة الألمانية سالفة الذكر إذ تقول: “وإبان الدولة الإسلامية ليست الثقافة الفارسية هي التي جاءت إلى العالم بأمثال الرازي وابن سينا لكنها الثقافة العربية هي التي أرضعت هؤلاء من لبانها وهي التي نشأتهم النشأة العلمية بالرغم من أنهم انحدروا من أصل فارسي”[8]، وبهذا المعنى، فحينما نتحدث عن الثقافة العربية لا نقصد بذلك الإحالة إلى البعد العنصري أو العرقي، أو تفوق العنصر العربي على غيره، فهذا أمر لا هو بالصحيح ولا بالمفيد في هذا السياق، إنما نقصد الثقافة العربية كإطار من الأطر الاجتماعية التي أسهمت في خلق الجو الملائم للمعرفة والإبداع، فابن سينا أو الرازي أو الغزالي أو غيرهم لم يبدعوا لأنهم فرس أو ترك أو عجم، إنما أبدعوا لأنهم عاشوا في أطر ثقافية توفرت فيها عوامل الإبداع.

هكذا، تحولت لغة القبيلة –اللغة العربية-في غضون قرن من الزمن “إلى لغة عالمية، لأن اللغة شيء آخر غير أن تكون مجرد وسيلة من وسائل التفاهم(..) إن اللغة العربية تعبر عن الحياتين المادية والروحية كما أنها جانست بين سكان القارات الثلاثة وخلقت منهم خلقا متجانسا ذا طابع واحد خاص، وحتى الأجانب مثل الترك والسلاجقة والمماليك والتتار عندما آل إليهم السلطان خضعوا جميعهم لحما ودما للثقافة الإسلامية واللغة العربية”[9].

في نفس السياق يوضح مترجم كتاب “شمس العرب تسطع على الغرب” في مقدمة ترجمته، أثر اللغة العربية على الفكر اليهودي قائلا: “أخذ اليهود عن جيرانهم العرب فن الكلام والنطق الصحيح وفصاحة التعبير، فلما رحل بنو قينقاع والنضير وقريضة ويهود خيبر ووادي القرى وغيرهم إلى العراق والشام وفلسطين كانوا يتكلمون لغة عربية ويتأدبون بأدب عربي ويتطبعون بطباع عربية كلها شجاعة وكرم وإباء ويقولون الشعر في مختلف فنونه ويعبرون عن خواطرهم في لغة هي لغة أهل الحجاز..وما قيل عن الشعر يقال عن الأدب عموما وعن علم الكلام والفلسفة والنحو”. الأمر نفسه ينطبق على الأوروبيين، فهناك مفردات عربية الأصل لا تزال منتشرة في جل اللغات الأوروبية، أسماء كثير من المعطيات المدنية، أسماء الكثير من الكواكب، والمستلزمات الطبية، وبعض المفاهيم الرياضية..الخ، وقد رصدت زيغريد هونكه في كتابها الكثير من هذه الأسماء العربية التي انتقلت إلى اللغات الأوروبية واصفة وجود هذه الكلمات العربية بالأمر الإيجابي، حيث تقول: “أسماء كثيرة من عناصر الحضارة والمدنية التي يستعملها الأوروبيون في حياتهم اليومية قد جاءتهم من العرب، وقد جملت هذه الأشياء الدخيلة الحياة الأوروبية اليومية كما أضفت عليها جميع مظاهر البهجة والأبهة والحياة الرفيعة الراقية التي يحياها العالم المتمدن اليوم، وإذا كان العالم الحديث يتمتع بقسط وافر من الثقافة والقواعد الصحية، فالفضل في ذلك يرجع إلى العرب وما أعاروه لأوروبا”[10]، هذا التأثر باللغة العربية واقتراض الكثير من كلماتها من قبل اللغات الأوروبية[11]، إنما يدل على المنزلة الرفيعة التي بلغتها العلوم العربية في القرون الوسطى والتي فرضت على الآخر التأثر بها والاستفادة منها، وهو ما وصفته المستشرقة هونكه وصفا شاعريا أنيقا حين قالت: “كما يتشبع الإسفنج الظمآن بالماء والأرض الجافة الخالية بالغيث، كذلك كانت ظروف العالم عندما جاءت سحب العلوم والمعرفة والثقافة العربية الإسلامية، فقد هطلت عليه كتبا امتازت بحسن التأليف ودقة التبويب وبراعة العرض، سواء تعلق الأمر بتلك الموجه التي جاءت من جنوب إيطاليا أو تلك التي جاءت من الأندلس إلى مونبولييه، فبعثت فيها وفي سائر الأنحاء الأوروبية حياة جديدة فنية نلمس آثاراها العلمية الطبية لا في مونبولييه فقط بل في بولونيا وبادوا وباريس وأكسفورد أيضا”[12] .

 

ثانيا: جوزيف شاخت وتراث الإسلام:

في كتابه الضخم والموسوم بـــ:”تراث الإسلام” تتبع المستشرق الألماني جوزيف شاخت(1902-1969) بطريقة مفصلة العلاقات بين الشرق والغرب في مختلف تعقيداتها ومستوياتها، مشيرا إلى أن أوروبا المسيحية لم تكن لها صورة واحدة عن العالم المعادي الذي كانت في صدام معه، بل كانت لديها عدة صور، فقد كان العالم الإسلامي قبل كل شيء بنية سياسية إيديولوجية عدائية، وإقليم اقتصادي غريب، لكنه أيضا حضارة مختلفة، وهي حضارة راقية امتلكت إمكانيات فرض نفسها على الأوروبيين، فخلال عدة قرون نجد أن ابن سينا وابن رشد والغزالي في الفلسفة والرازي في الطب ومؤلفين آخرين، نجد هؤلاء يقلدون وتعاد طباعة أعمالهم ويعلق عليها وتدرس، وهكذا كان العرب يتمتعون بمنزلة عظيمة في القرون الوسطى، “فمن الناحية الثقافية فرض تفوق الحكام الأجانب (يقصد العرب)نفسه بسرعة وانحنت اللاتينية الهزيلة في شبه الجزيرة (يقصد إسبانيا)إعجابا بعلمهم وأدبهم وشعرهم، وشهادة ألفونس في القرن التاسع معروفة حق المعرفة، ففيها يندب “موضة” الاستعراب بين المثقفين المسيحيين في زمانه، والولع الذي كان الناس يدرسون به الآداب العربية ويحاكونها، مع إهمالهم للكتاب المقدس وأعمال المؤلفين اللاتينيين(..) لقد ترك الوجود العربي في شبه الجزيرة طابعه على اللغة بعمق، وخصوصا من حيث المفردات، وهذا الأثر يتناول مختلف نواحي الحياة من الزراعة إلى الفنون والحرف ومن التجارة إلى الإدارة، ومن الحرب إلى العلم”[13]، وهذا اعتراف واضح بهيمنة الحضارة العربية الإسلامية في تلك الفترة، ودليل أيضا على قوة اللغة العربية وقدرتها على فرض نفسها بإزاحة اللغات الأخرى، وهو ما تجلى في استعارة كلمات عربية كثيرة (وهي بالآلاف في اللغة الإسبانية خاصة) ولا تزال توظف إلى يومنا هذا في الحياة اليومية للإسبان، على أن تأثير اللغة العربية وانتشارها لم يقتصر على أوروبا فقط، بل شمل مختلف المناطق التي وصلها الإسلام كأواسط افريقيا وآسيا لاسيما الهند واندونيسيا وغيرها، وهو ما توقف عنده بدقة جوزيف شاخت في الفصول الأولى من كتابه تراث المسلمين، والمسألة التي تهمنا في هذا السياق، ليست رصد جزئيات هذا التأثير -على أهميتها- إنما هي مبررات هذا التأثير، فلو لم تكن اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية متميزة بكثير من قوة التعبير والإقناع والإمتاع لما استطاعت التغلغل إلى الثقافات الأخرى وفرض بعض عناصرها فيها.

يورد مؤلف تراث الإسلام في الجزء الثاني بعض مواضع تأثر الفكر الغربي بالفكر العربي، بدء بعلوم اللغة، خاصة ما تعلق بالمعجمية، حيث يقول: “علم المعاجم العربية كان هو الأساس الذي قامت عليه المعاجم الغربية، ومعظم معلوماتنا المتعلقة بالمفردات اللغوية تعتمد إلى يومنا هذا على أعمال المعاجم من أهل القرون الوسطى” ثم ينتقل إلى تأثير الأدب بمختلف فنونه، فيقول: “وتعتبر المصادر العربية المكتوبة مسؤولة جزئيا فيما يبدو عن المادة القصصية الأتية من عالم الإسلام والتي ظهرت في القرن الثاني عشر في عدد من المؤلفات الغربية، وظلت عناصر من الأدب الشعبي والموضوعات القصصية تظهر مرة بعد أخرى في الأدب الغربي”[14].

بعد مجالي اللغة والأدب ينتقل المستشرق إلى تأثير الفلسفة والتصوف وعلم الكلام، حيث يعود بنا إلى بدايات هذه المجالات المعرفية وظروف نشأتها في الحاضرة العربية الإسلامية راصدا مختلف المراحل والمدارس والأعلام، ثم يتوقف عند تأثيرها على الفكر الغربي بعد ترجمة نصوصها من اللغة العربية إلى اللغات اللاتينية، خاصة في إسبانيا حيث كان الاحتكاك كبيرا ومباشرا بين المسلمين والمسيحيين واليهود، وفي هذه المنطقة كانت عمليات الترجمة الغزيرة لتراث المسلمين، مع ملاحظة مهمة أشار إليها المؤلف وهي أن هذه الترجمات بالرغم من غزارتها إلا أنها كانت منتقاة بعناية وحذر كبيرين، فكتب الأدب والفقه والتفسير والحديث لم يلتفت إليها كثيرا بينما “لقي الإسهام العربي في مجال العلم والفلسفة ترحيبا حارا”[15]، وهو نفس الترحاب والاهتمام الذي لقيته قصة حي بن يقظان التي كتبها ابن طفيل فقد ترجمت مبكرا (القرن الخامس عشر) ترجمات عديدة إلى العبرية واللاتينية ثم الانجليزية والهولندية والألمانية ثم الفرنسية والروسية، وهذا يعني أن عملية الترجمة للتراث العربي الإسلامي كانت واعية وبراغماتية، حيث اقتصرت على ما يفيد المسيحيين في النهوض والتقدم، أما ما قد يفسد عقائدهم فلم تتم ترجمته إلا فيما ندر ولأغراض غير علمية.

استكمالا لتأثير الحضارة العربية الإسلامية في الفكر الغربي يصل المؤلف إلى أهم مجال يظهر فيه هذا التأثير بجلاء ألا وهو مجال العلوم، ويقر صراحة بأهمية هذا التأثير في بداية الفصل المخصص لهذا المجال حيث يقول: ” إذ لا يكاد يوجد شيء من جهود المسلمين في ميدان العلوم لم يتأثر به الغرب بطريق أو بآخر”[16].

بالرغم من محاولة هذا المستشرق رد العلوم العربية الإسلامية إلى العلوم اليونانية، وتركيزه على دور اليهود والسريان في عمليات الترجمة الأولى من اليونانية إلى العربية، إلا أنه يعترف أن علماء المسلمين خاصة في الطب والطبيعيات والجغرافيا أعطوا العلم الأوروبي قوة دفع جديدة، والأهم من ذلك أن هذا العلم الغربي قد اكتسب مادة أدت إلى إغنائه بدرجة لا نظير لها بفضل الترجمات العربية عن الإغريق وكذلك بفضل الإنتاج العلمي المستقل للمسلمين أنفسهم، ولم يكن هذا الإنتاج ليمارس هذا التأثير لو لم يكن ذا قيمة علمية كبيرة تفرض نفسها على الأخر ليقبلها ويقبل على الاستفادة منها دون النظر في مصادرها، كما لم يكن للترجمات العربية أن تفرض على الأوروبيين نفسها ويسارعوا إلى ترجمتها للغاتهم لولا الدقة التي اتسمت بها، لذلك فإن المؤلف يعلي من شأن هذه اللغة معتبرا إياها أداة كافية لاستيعاب المعطيات العلمية التي وصلت إليها من الحضارات السابقة يقول في هذا الشأن: “فقد أصبحت اللغة العربية أداة العلم الإسلامي الرئيسية وقامت في الشرق بالدور الذي قامت به اللغة اللاتينية في الغرب، إن اللغة العربية قدمت منذ البداية الأداة الكافية للتعبير العلمي الدقيق[17]، هذا النص يؤكد القدرة الكبيرة التي تتمتع بها اللغة العربية للتعبير عن الأفكار العلمية في مختلف الميادين، وهذا بفضل ثرائها ومرونتها وسهولة النحت والاشتقاق ووضع المصطلحات الجديدة للتعبير عن الأفكار التي اكتشفها العرب لدى غيرهم من اليونان والفرس والهنود وغيرهم.

من الصعب حصر الأعمال والإنجازات العربية الإسلامية التي حظيت باهتمام الغرب، لأنها كثيرة جدا وشاملة لمختلف الميادين العلمية، لذلك فإننا سنقتصر هنا على إيراد تعامل الغرب مع كتاب “القانون في الطب” لابن سينا الذي يصفه جوزيف شاخت بأنه أصبح “إنجيل الطب” في القرون الوسطى، بمعنى أن أهمية هذا الكتاب وقيمته العلمية رفعته لمرتبة الكتاب المقدس، حتى أن هناك أطباء غرب لم يكتفوا بدراسة أعمال ابن سينا في ترجمتها اللاتينية، “بل رغبوا في دراسة كتابه “القانون” في أصله العربي، وعلى سبيل المثال قام بيتر كريستين (ت1640) وهو طبيب من مدينة بريسلاو وأصبح فيما بعد أستاذا في الطب في جامعة أبسالا السويدية، قام بطبع قسم من كتاب القانون وكتاب في النحو العربي لتسهيل دراسة مادة الكتاب، كما قام ماتياس فاسموت وهو مستشرق من دوقية “هولشتاين” وعالم في شؤون الكتاب المقدس، قام هو الآخر بوضع مقدمة لكتابه المعروف بالنحو العربي، الذي طبع في أمستردام عام 1654 وأكد في مقدمته الطويلة على أهمية تعلم اللغة العربية لدراسة الطب”[18]، هذا النص كاف جدا لإثبات منزلة ابن سينا بصورة خاصة والطب العربي الإسلامي عموما في الفكر الغربي، وكذا أهمية اللغة العربية كأداة ضرورية لفهم واستيعاب هذا الفكر العلمي المتقدم.

ما قيل عن الطب يقال عن الرياضيات، فالخوارزمي (ت841) كما يقول شاخت: “يعتبر أول رياضي مسلم كبير ونحن (الغرب) مدينون له بمحاولة وضع تنظيم منهجي باللغة العربية لكل المعارف العلمية والتقويم، كما ندين له باللفظ الإسباني “غوارزمو” الذي يعني الترقيم (أي الأعداد ومنازلها) وهذا اللفظ مشتق من اسم الخوارزمي”[19]، نفس التأثير نجده ولو بدرجات متفاوتة في الفلك وعلم المناظر والكيمياء والموسيقى ومختلف الفروع العلمية التي تطورت بصورة كبيرة في الحضارة العربية الإسلامية وتركت أعمالا مهمة تلقفها الغرب بالترجمة والدراسة فكانت لبنة مهمة في النهضة الأوروبية.

ثالثا: الاستشراق والانتقاص من قيمة اللغة العربية:

       أشرنا في مستهل البحث إلى التعدد الذي طبع آراء المستشرقين من الحضارة العربية الإسلامية ككل، وهو ما سينعكس على موقفهم من اللغة العربية بصورة خاصة،  هذا التعدد في المواقف يصل إلى حد التناقض في الآراء بين من يعترف لهذه الحضارة بالمنزلة الرفيعة ويقر بمكانتها المهمة في سلسلة التطور الحضاري العالمي من خلال ما قدمته من إنجازات مهمة خاصة في ميدان العلوم بمختلف فروعها كما رأينا ذلك لدى المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه بشكل واضح وصريح، أو بشكل أقل وضوحا مثلما هو الشأن في عمل جوزيف شاخت، وبين من ينتقص من قيمة هذه الحضارة ويبخسها أشياءها، معتبرا أن ما قدمته للبشرية ليس في أحسن الأحوال أكثر من وساطة بين الفكر اليوناني والفكر الأوروبي الحديث، وحتى هذه الوساطة عمل الكثير من المستشرقين على التقليل من شأنها، بل واعتبارها نوعا من النقل السيء أو غير الدقيق لعلوم اليونان، وهذا من منطلقات لاهوتية أو عنصرية تعكس موقفهم المعادي للدين الإسلامي وبالتالي معاداة كل ما له علاقة بهذا الدين من لغة وثقافة وفكر وفن، دون أن ننسى التمفصل الكبير بين الاستشراق والاستعمار، وأن جانبا كبيرا من المنتوج الاستشراقي كان موجها نحو الأغراض الاستعمارية، ذلك ما حلله بالتفصيل إدوارد سعيد في كتابه الشهير عن الاستشراق [20]، لنقرأ ما يقوله جوزيف شاخت في هذه المسألة: ” قام إنسانيو عصر النهضة بمهاجمة ترجمات العصر الوسيط لأعمال أرسطو، وفي إطار هذا الهجوم العام صار ينظر إلى هذه الترجمات العربية للنصوص اليونانية على أنها جزء من تزوير العصور القديمة، وامتد الاحتقار للعصر الوسيط ليشمل كل ما هو عربي”[21]. وقبل العمل على الانتقاص من قيمة الترجمات العربية، اجتهد الكثير من المستشرقين في إبراز دور اليهود والنصارى والأعاجم “الكبير” أثناء بدايات الترجمة إلى اللغة العربية وبالتالي نسبة أولى الترجمات والإبداعات الفكرية إلى غير العرب، يقول مهندس المركزية الإثنية الأوروبية وصانع أسطورة تفوق الجنس الآري ودونية الجنس السامي في القرن التاسع عشر، المستشرق الفرنسي الشهير أرنست رينان(1822-1892): ” إنه من العسف أن نطلق اسم فلسفة عربية على فلسفة لا تعدو أن تكون استدانة من اليونان، وما كان لها أي جذر في شبه الجزيرة العربية، فهذه الفلسفة مكتوبة بالعربية ليس إلا، ثم إنها لم تزدهر إلا في الأجزاء النائية من الإمبراطورية الإسلامية”[22]، والغرض من وراء نشر مثل هذه الأحكام العنصرية، هو الانتقاص من قدرة العقل العربي على الترجمة والإبداع وقدرة اللغة العربية على استيعاب الفكر اليوناني كما يجب، وهؤلاء يتناسون أن ما قدمته الحضارة العربية الإسلامية لا يتوقف على الترجمة فحسب، وإن تأسس عليها، فهو يتعدى إلى الإبداع وتقديم الإضافة المعرفية المتجاوزة للفكر اليوناني في كثير من المجالات، يقول أحد الباحثين: “من الجحود الحضاري أن نغمط دور الحضارة الإسلامية في ركب الحضارة العالمية، فهناك فرق بين حضارة الإسلام وحضارة الإغريق، لأن الحضارة الإغريقية كانت حضارة نظرية لكن الحضارة الإسلامية كانت حضارة علمية تجريبية وكانت معبرا حضاريا للحضارة الأوروبية المعاصرة، فعلماء المسلمين قد قاموا بتصحيح العلوم والنظريات الإغريقية بعد 15 قرنا من الخواء الحضاري”[23].

ويمكن تلخيص أهم مداخل بعض المستشرقين لتبخيس اللغة العربية والتقليل من شأنها، في اعتبار اللغة العربية مهجورة وغير مستعملة منذ أمد بعيد، وهي جامدة شأنها شأن اللغة اللاتينية، ثم يأتي الاجتهاد في الربط بينها وبين تخلف الأمة العربية الحالي، فتكون النتيجة الضرورية التي تلزم عن هذه المقدمات هي عدم قدرة اللغة العربية على مسايرة التقدم الفكري والعلمي، وتدعيم ذلك باحتواء الترجمات الأولى للغة العربية على الكثير من الألفاظ اليونانية والفارسية والسريانية، والكثير من الأخطاء العلمية التي جعلت الأوروبيين في عصر النهضة يعودون للأصول اليونانية دون أي اعتبار للترجمات العربية، وبالتالي فتخلف الأمة مرتبط في جزء منه بتخلف لغتها، وعدم قدرتها على استيعاب المفاهيم والنظريات الجديدة، ثم تأتي الدعوة الخبيثة إلى الاستغناء عن العربية الفصحى بدعوى أنها مهجورة وبعيدة عن التواصل اليومي بين العرب، وفي المقابل دعم وتطوير اللغة العربية العامية واللهجات المحلية لإحلالها محل اللغة العربية الفصحى، وهي دعوة تستبطن إرادة القضاء على اللغة العربية أو على الأقل إبقاءها على حالتها الراهنة من الجمود، وقد لخص الجواب عن هذه المسألة الشاعر الكبير المرحوم حافظ إبراهيم(1872-1932) في قصيدة طويلة من بين ما ورد فيها:

وسعت كتاب الله لفظا وغاية … وما ضقت عن آي به ولا عظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة … وتنسيق أسماء المخترعات

أنا البحر في أحشائه الدر كامن … فهل سألوا الغواص عن أصدافي

هذه الشبهة التي يتمسك بها بعض المستشرقين، لا تجد ما يعضدها من عدة أوجه، لعل أبرزها قدرة اللغة العربية في القرون الوسطى على التعبير بأدق ما يمكن عن كل ما يتعلق بالعلوم لفظا ومنهجا ونظرية، وهذا باعتراف جل المستشرقين كما مر بنا ذلك، ولأن كانت الأمة العربية الإسلامية تعيش تخلفا كبيرا في حاضرها فذلك يعزى إلى العرب والمسلمين لا إلى اللغة العربية، ذلك لأن اللغة وإن كانت تمتلك قدرات التعبير فلا يمكن إن تعبر بذاتها، بل هي بحاجة للمتحدثين بها كي يخرجوا مكامنها باجتهادهم وإبداعهم.

بمثابة خاتمة:

تأسيسا على ما سبق يمكننا رصد النتائج الآتية:

  • الحضارة العربية الإسلامية حلقة مهمة ضمن حلقات الحضارة العالمية، وهذا بفضل ما قدمته للبشرية من أفكار في مختلف المجالات خاصة في ميدان العلوم، وإن كانت بدايتها بترجمة منتوج الحضارات التي سبقتها خاصة الحضارة الإغريقية، إلا أن عملية الترجمة لم تكن إلا مقدمة تلتها العديد من عمليات النقد والتنقيح والإضافة والإبداع والتجاوز، وكل ذلك كان باللغة العربية، مما يؤكد قدرة اللغة العربية على استيعاب مختلف مضامين الفكر العلمي، فقد كانت-باعتراف المستشرقين-أداة كافية للتعبير الدقيق عن المعطيات العلمية المختلفة.
  • استطاعت اللغة العربية بفضل خصائصها الذاتية من مرونة وثراء وقابلية للاشتقاق والنحت، وبفضل الحركة العلمية التي نشأت في الحواضر العربية الإسلامية وتوفر الأطر الاجتماعية والسياسية المحبذة للمعرفة العلمية أن تستوعب مختلف العلوم وتعبر عن الاكتشافات الجديدة للمسلمين أنفسهم، فكان العلماء المسلمين في شتى الميادين العلمية من طب وفلك ورياضيات يدونون أعمالهم باللغة العربية ولم يجدوا أية صعوبة في تسمية أدواتهم أو تصوراتهم أو نظرياتهم بمفردات عربية موجودة من قبل، أو نحتوها بأنفسهم، بل إن بعضها لايزال مستعملا في اللغات الأوروبية بشهادة الأوروبيين أنفسهم، وبالتالي فقد فرضت نفسها طيلة قرون كلغة علم عالمية، جعلت أوروبا تنشئ الكثير من المدارس لتعلمها والتفقه فيها حتى يتسنى لها اللحاق بالتقدم العلمي الذي بلغه المسلمون في القرون الوسطى، وهو ما قد حصل فعلا، بعد ترجمة أهم الأعمال العلمية من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية ثم إلى اللغات الأوروبية، فقد “انبعثت في أوروبا مراكز للترجمة عن العربية، وكانت مراكز للترجمة إلى اللاتينية في البندقية وجنوا وفلونسا ومونبولييه وطليطلة، وفتحت هناك مدارس لتعليم العربية لهذا الغرض إبان القرون الوسطى، وبدأت أوروبا حضارتها المعاصرة من حيث انتهى العرب المسلمون”[24].
  • إننا إذ نشيد وننوه بموقف بعض المستشرقين المنصفين للغة العربية، ونؤكد على إسهاماتهم المهمة في خدمة التراث العربي الإسلامي تحقيقا ونشرا وتدقيقا، فإننا، في المقابل، ندين محاولات بعض المستشرقين المتعصبين والمنغمسين في المركزية الغربية المقيتة، الانتقاص من قيمة اللغة العربية تساوقا مع محاولتهم الانتقاص من قيمة الحضارة الإسلامية، لأغراض عنصرية أو استعمارية، تكريسا للمركزية الغربية وتفوق الغرب على الشرق، وربطوا تخلف المجتمعات العربية الإسلامية بالدين الإسلامي تارة وباللغة العربية تارة أخرى، غير أن ذلك لا يصمد أمام الامتحان التاريخي، فالحضارة العربية الإسلامية حين توافرت فيها شروط التقدم فرضت نفسها على العالم أجمع، بلغتها العربية ودينها الإسلامي، ومن ثم فتخلفها مرده عوامل أخرى غير اللغة أو الدين، بل مرده الغرب نفسه الذي استعمر البلدان العربية الإسلامية لعقود مخلفا وراءه الخراب والدمار، ولا يزال عبر آليات جديدة ومتسترة، يمارس هيمنته على النخب الحاكمة في هذه البلدان ويتدخل بصورة أو بأخرى لتحطيم كل إرادة أو مشروع يمكنه أن يسهم في الخروج من هذا التخلف الذي نعيشه.
  • إن اللغة العربية أو أي لغة كانت وإن كانت عاملا مهما في سيرورة التقدم فهي كما وصفها الفيلسوف الألماني فيخته “القوة الطبيعية المحركة للأمم”، و”الإسمنت الجامع للعناصر والمقوي لها”، إلا أن أداءها لمهامها مرهون بحركية المتحدثين بها، ففي غياب هذه الحركية والنشاط والعمل الدوؤب-مثلما هو حاصل عندنا-ستتحجر اللغة وتضيق بفعل النسيان وعدم التجديد، فتبدو بعيدة عن التقدم العلمي وغير قادرة على استيعاب المستجدات، لذلك نقول إن اللغة كالمحرك إن زودته بالوقود وتعهدته بالصيانة والعناية فسيؤدي عمله، وإن أهملته فسيتوقف عن عمله حتما.

 

 

 

 

– مراجع الدراسة:

– أحمد محمود عوف: صناع الحضارة العلمية في الإسلام، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 1997.

– إدوارد سعيد: الاستشراق، المعرفة، السلطة، الإنشاء، ت: كمال أبو ديب، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، ط6، 2003.

– جورج طرابيشي: مصائر الفلسفة بين الإسلام والمسيحية، بيروت: دار الساقي، ط1، 1998.

– جوزيف شاخت-كليفورد بوزورث: تراث الإسلام، ج1، ت: محمد زهير السمهوري (وآخ) سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ط1، 1998.

– حسن نافعة- كليفورد بوزورث: تراث الإسلام، ج 2، ت: حسين مؤنس، عالم المعرفة، الكويت، ط1، 1998.

– زيغريد هونكه: شمس الله تسطع على الغرب، ت: فؤاد حسين علي، قسنطينة: دار البعث، ط1، 1986.

– حميد موراني: تاريخ العلوم عند العرب، بيروت: دار الشرق، ط1، 1989

– قدري حافظ طوقان: تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك، القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط1، 2008.

– مصطفى لبيب عبد الغني: الكيمياء عند العرب، القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر، 1962.

– مصطفى محمود سليمان: تاريخ العلوم والتكنولوجيا، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط2، 2008.

 

 

 

 

 

 

1 كل كتب تاريخ العلم تضع قسما من موادها تحت مسمى إسهامات العرب أو المسلمين، وهناك الكثير من الكتب التي تتعلق بإسهام المسلمين في   ميدا ن معين أ مجموعة ميادين علمية انظر مثلا: حميد موراني: تاريخ العلوم عند العرب، دار الشرق، بيروت، ط1، 1989، وأيضا: قدري حافظ طوقان: تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك، الهيئة العامة لقصور الثقافة،  القاهرة، ط1، 2008، وكذا: مصطفى لبيب عبد الغني: الكيمياء عند العرب، القاهرة، الدار القومية للطباعة والنشر، 1962، وهناك الكثير من الكتب في هذا المجال لا سبيل لحصره.

 جوزيف شاخت-كليفورد  بوزورث: تراث الإسلام، ج1، ت: محمد زهير السمهوري (وآخ) سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ط1، 1998، ص 10.[2]

 زيغريد هونكه: شمس الله تسطع على الغرب، ت: فؤاد حسين علي، قسنطينة: دار البعث، ط1، 1986، ص ص: 258-259.[3]

 مصطفى محمود سليمان: تاريخ العلوم والتكنولوجيا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط2، 2008، ص 2018.[4]

 المرجع نفسه: فصل “ولع بالكتب”ص290 وما يليها: أعداد المكتبات في بعض المدن بالمئات، والكتب لدى بعض الشخصيات بمئات الآلاف.[5]

 المرجع نفسه، ص ص 305-306.[6]

 المرجع نفسه، ص 208.[7]

 المرجع نفسه، ص 274. [8]

 المرجع نفسه، ص 273.[9]

 المرجع نفسه، ص 04[10]

 يرصد جوزيف شاخت في كتابه تراث الإسلام الكثير من الألفاظ العربية التي انتقلت إلى اللغات الأوروبية، راجع :ج1، ص 102 و109.[11]

 زيغريد هونكه: مرجع سابق، ص 222.[12]

 جوزيف شاخت: مرجع سابق، ج1، ص 109[13]

 حسن نافعة- كليفورد بوزورث: تراث الإسلام، ج 2، ت: حسين مؤنس، عالم المعرفة، الكويت، ط1، 1998، ص ص 24-27.[14]

 المرجع نفسه، ص 72.[15]

 المرجع نفسه، ص 125.[16]

 المرجع نفسه، ص 127.[17]

 المرجع نفسه، 157.[18]

 المرجع نفسه، ص 175.[19]

 إدوارد سعيد: الاستشراق، المعرفة، السلطة ، الإنشاء، ت: كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت،ط6، 2003.[20]

 جوزيف شاخت: تراث الإسلام، ج1، ص 46.[21]

[22]  نقلا عن: جورج طرابيشي: مصائر الفلسفة بين الإسلام والمسيحية، بيروت: دار الساقي، ط1، 1998، ص 15.

 أحمد محمود عوف: صناع الحضارة العلمية في الإسلام، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 1997، ص 07.[23]

 المرجع نفسه، ص 08.[24]

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete