تكوين
نحيا في أحيان كثيرة وفق خطة مُعدّة سلفًا، وطريق مرسوم، وإشارات معلّقة، ويُطلب منا أن نسير دون أن ننظر حولنا أو نتأمل؛ لأن هذا النظر، وذلك التأمل، يوقفان تدفق الحياة ويعطلان المسير. فقد صُوِّر للإنسان أن المهم هو أن يسير في طريقه، أن ينجزه وينهيه، لكن أحدًا لم يضع تصورًا عن هذا الوصول، ما إذا كان سيعجبنا أم لا؟
هكذا تبدو لنا الحياة، شبيهة بلعبة إلكترونية نقبل عليها في البداية بشغف كبير؛ فتأسرنا حتى نضيع بين دروبها، إلا أننا نستمر في السير وإنهاء مراحلها المختلفة، حتى نشعر بالتعب في نهايتها ويخفت بريقها، ورغم ذلك نواصل فقط لننهي ما بدأناه، ونستمر في اللعب بدافع الإنهاء لا بدافع المتعة، هكذا دُرِبَ الوعي، وهكذا عمل العقل البشري؛ فقد تعلّم أن ينهي ما بدأه، وكأن هذا هو معيار النجاح أو المسار الطبيعي الذي يتمثل في أن ننتهي من الأعمال، وأن تتحدد الأفضلية والتميّز بسرعة انتهائنا منها لا بقدر متعتنا بتجربتها.
لا أحد يتوقف ليتأمل: ماذا لو أنني لا أرغب في السير؟ وماذا لو أنني أردت الخروج والضلال؟ وما معياركم للضلال أصلًا؟ ومن الذي ننعته بالسلبية؟ ولماذا لا يكون الأمر مجرد اختلاف وتنوع؟ ففي كل ضلال ربما تكون هناك بارقة أمل، وتحدٍّ للقدرات البشرية، ونمو للفكر. وقول الرسول الكريم: “من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر”، فيه تحريض واضح على الخروج من الطريق الواضح والمعلوم؟ فنحن سوف نحصل على مكافأة في كل الأحوال.
وفي الفلسفة قال سقراط: “الحياة غير المختبرة لا تستحق أن تُعاش”، أي إن علينا أن نختبر حياتنا كل يوم، حتى تكتسب قيمة العيش والمواصلة؛ نختبر أفكارنا، ورؤانا، وقدرتنا على التفكير. إلا أن عملاق الأدب الروسي ليو تولستوي يناقض هذا الرأي؛ فهو يرى أن “الحياة غير المختبرة هي التي يمكن أن نعيشها.”[1]، لأنك إذا حاولت الفحص، أصابك الاكتئاب من غياب المعنى، وأن الحل الأمثل هو أن تسير في الطريق لتكمله وتنهيه وتتجنب الأسئلة التي لا طائل من وراءها لأنها تضيع الوقت، وترهق العقل، وتجهد الروح.
تولستوي في أزمته الوجودية العميقة التي مر بها، ودوّنها في كتابه “اعتراف” وضح كيف أبلاه الكمد من تأمله المستمر لسؤال الجدوى والمعنى في حياته فيتساءل: “ما جدوى كل ما أفعله؟ وما الذي سيبقى من حياتي كلها؟”[2] فمهما حقق من أحلام أو رغبات أو أماني؛ فالنهاية واضحة وحتمية وهي الموت، وكان يناجي نفسه بأنه لو عاش حياته مثل الفلاحين البسطاء، لشعر بسعادة غامرة مثلهم، دون مشقة ودون المزيد من التفلسف وتعقيد الأمور.
ويدعم الأدب هذا المعنى أيضا في موضع آخر، حيث يقول المتنبي:
“ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلِهِ وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ”
كما نجد العبارة المنسوبة للإمام الغزالي: “اللهم ارزقنا إيمانًا كإيمان العوام”. إذن يتضح مما سبق أن هناك أسئلة غير مجدية، تلك التي تتعلق بالقيمة والمعنى، فهل نتركها ونحيا ببساطة كما في حالة تولستوى وحياة الفلاحين البسطاء، أم نطرحها وندعها تنمو وتمتد من حولنا؛ لتصنع دائرة من النار لا يهدأ الذهن بعدها أبدًا، فبينما وجد تولستوي أن هذه الأسئلة تجعل الحياة غير محتملة، فقد أكد سقراط على أن مواجهة مثل هذه الأسئلة هي من أعظم ما يمكن أن يحدث للإنسان في حياته. فقد رأى أحدهما في السؤال الفلسفي خلاصًا حقيقيًا، بينما رأي الآخر هلاكًا مقيتا.
1- زَيْفُ الحرية
لذا، لدينا هنا رؤيتان عظيمتان تتصارعان، وهما: رؤية سقراط، الذي يدعونا إلى حياة مختبرة مهما كانت مؤلمة، ورؤية تولستوي، الذي يبدو وكأنه يحذرنا من هذا الفحص والتدقيق، بعدما كشفت له أزمته الوجودية أن الإفراط في التفكير قد يؤدي إلى الهاوية.
وما بين الفلسفة والأدب يختلط علينا الأمر، فهل نختبر وندقق ونحتمل نتيجة الأزمات الوجودية التي سوف تتوالى بفعل هذا الفحص، أم نتغاضى ونترك ونحيا كما الآخرون وندعها تمر؟
فكثيرًا ما تَرسم لنا الحياة طرقًا عرجاء، ودروبًا حمقاء، وعالمًا يحيط بنا ويُندد بأفعالنا، ويضعنا تحت المراقبة، وأوضاعًا اجتماعية تُشكّل حياتنا رغمًا عنا، وأطرًا فكرية تحدّ من تفكيرنا؛ لأننا هكذا تعلمنا. فنحن مجرد مخرجات لنظام قائم بالفعل؛ وجدنا أنفسنا داخله، في نظام مُمنوح المعنى قبلا، حتى صار هذا المعنى هو ما تستسيغه عقولنا وما يقبله منطقنا في التفكير. فنظن أننا أحرار الفكر، إلا أن التمعّن في الأمر يقودنا إلى أننا منقادون بفعل المجتمع، والثقافة، واللغة، والتاريخ، بل وحتى ما ندّعيه من عقل ومنطق؛ لأن كل ما سبق ليس سوى نظام شامل وُلدنا داخله؛ فتلبّسنا، حتى بدا وكأنه الأفق الطبيعي للفهم والمعنى، بينما الحقيقة، ربما تقع وراء ذلك كله.
لكن، ماذا لو أننا أردنا الخروج والعصيان؟هل هناك طريق؟ هل هناك نجاة؟
نعم، وربما يتشكل الطريق عبر مفاتيح الأمل…
2- مفاتيح الأمل
في الحياة دربان للوجود: درب الوجود العادي، وهو أن تكون كما يكون الآخرون؛ تسير في الطرقات نفسها، وتتلمس الإشارات ذاتها، وتبدأ طريقك وتنهيه كاللعبة، دون أن تلتفت كثيرًا لما تفعل، لأنه مقبول اجتماعيًا، وهكذا نتخلص من لوم الآخرين. ثم إنه مستساغ منطقيًا، لأن نظام المعنى الممنوح مسبقًا لدينا يدعم الطريقة نفسها في التفكير.
وهناك على الجانب الآخر، الوجود المتمرّد؛ ذلك الذي يثور على العادي، ولا يقبل إلا ما تألفه الروح، ويهيم بالأسئلة الحرجة والمقلقة التي أقرّ سقراط بأن الإنسان قد ينهي حياته كلها بحثًا عن إجابات لها، بينما أكد تولستوي على أننا قد نضيع داخلها. فقد وجد سقراط أن حتى هذا الضياع ممتع ونبيل، حيث تدور أغلب التساؤلات حول الغاية والمعنى، ماذا بعد أن نعيش؟ وماذا بعد أن نحقق كل شىء، ونصل إلى كل ما نرغب ونأمل؟ فالنتيجة النهائية ثابتة، وواحدة، ومؤكدة، وهي الموت.
فلماذا إذن نسعى في الحياة ونواصل؟ هذا ما أثاره تولستوى في كتابه “اعتراف” فهو يقول:
“كيف عساي أرغب في شيء وأنا أعلم أنه متى تحقق، ألفيته خواء من كل معنى؟ حتى لو امتلكت رغبة وحققتها، ماذا بعد تحققها؟ و حتى لو امتلكت مصباح علاء الدين وخرج لي الجني وعرض عليّ أمنياتي الثلاثة، لما عرفت ماذا أطلب، لأنني حقا لم أعد أرغب في شيء.”([3])
ويستمر نضال تولستوي الموجع عن المعنى فيقول: “حسنًا، لقد حققت شهرة واسعة للغاية تفوق شهرة نيقولاي غوجول، وألكسندر بوشكين، وشكسبير، وموليير، ومن جميع الكتاب في العالم—فماذا بعد؟” ولكنني لم أستطع إيجاد إجابة عن أي شيء على الإطلاق.”([4])
هكذا نجد أنفسنا نقف في هذه المعركة بمفردنا؟ لا نملك أسلحة للمقاومة؟ ولكن، هل حقا خُلق الإنسان ليحيا في نمط الوجود العادي إذا أراد السلامة، أو في الوجود المتمرّد إذا أراد القتال؟ وإن كان الأمر كذلك، فكيف تتحقق العدالة، ألا ينبغي أن تتوافر شروط عادلة للقتال. فبماذا يقاتل الإنسان إذن؟ هذا ما يمكن أن نسميه “مفاتيح الأمل”.
- والمفتاح الأول هو “الحب”؛ ذلك الحب الذي يحرقنا، والاهتمام الذي يحطّ من كبريائنا، وحاجتنا إلى الآخر التي تجعلنا ننأى عن التأمل، ونقع فريسة للظروف؛ فنقع في براثن العلاقات الفاشلة، والدروب الوعرة، وخطط الحب المكسورة. نقف وسط هذا الركام ونتوه في التفاصيل. فكيف يكون كل هذا التيه مفتاحًا للأمل؟
الأمر أبسط مما يبدو؛ فهذه هي الصورة الشائعة عن الحب، الصورة الظاهرة التي تخفي حقيقته الأعمق. حيث يظهر الحب في دنيا الناس، باعتباره انجذابًا بيولوجيًا أو حالة نفسية عابرة، إلا أن الحقيقة أن تجربة الحب، تجربة وجودية تفتح لصاحبها بابًا لكشف الوجود؛ فيبدو الحب عند عتباته الأولى بسيطًا للغاية، لكن ما إن نصعد الدرج، حتى نجد ركام المعرفة، ونسمع صوت الحقيقة مناديًا من الأعماق.
تقول الأسطورة في محاورة المأدبة لأفلاطون، إن الإنسان لم يكن في البدء كما هو الآن، بل كان يتخذ هيئة دائرة تامة الاستدارة تشبه القمر، وكان وجوده مكتملًا، في أبهى صوره، حيث القوة في كل شيء، حتى في الفكر والحكمة. إلا أنه انتابه الغرور من شدة إعجابه بنفسه، حتى تطاول على الآلهة، فغضبت وقررت عقاب البشرية بأن مزَّقَتْ ذلك الشكل القمري، وشطرت الكائن الدائري إلى نصفين، فتبددت القوة، وزاغ البصر، واحتجبت الحقيقة.
ومنذ أن شُطر الإنسان إلى نصفين، صار كل نصف يبحث عن نصفه الآخر، في توقٍ دائم لاستعادة الكينونة الأصلية للإنسان الكامل، واستعادة ذلك الشكل الدائري القمري الذي تمزق يومًا.([5])
لذا، فالأمر أبعد ما يكون عن مجرد مشاركة في الحياة، أو انجذاب بيولوجي يؤدي إلى استمرار الحياة، وإنما الأمر الأعمق هو أن نصبح مكتملين كما كنا. حينما نتشارك مع من نحب الحياة نحياها بنمط وجودي أصيل يجعلها تتكشف لنا، ويفتح لنا الحب عين الحقيقة ويطلعنا على ما خفي من الوجود؛ فهو موجود في كل الأحوال وفقط يحتاج إلى الكشف. ولكي يتم ذلك، علينا أن نمتلك أدواته، ومن أدواته الاكتمال الذي يحققه الحب. لذا، فالحب أحد مفاتيح الأمل، إذا نحن تخلّينا عن الطبيعي والعادي، وبحثنا عما يصعب فهمه أو وصفه.
- أما عن المفتاح الثاني، فهو “الآخر”، ذلك الجحيم الذي وصفه سارتر بقوله: “الآخر هو الجحيم”. فقد صوّرت الفلسفة الآخر أحيانًا بوصفه الصديق الذي يدفعنا نحو معرفة الحقيقة، كما في فكرة الآخر الوجودي عند هيدجر، وأحيانًا أخرى باعتباره ذلك الكائن الذي يدفعنا إلى مزيد من الزيف، فنضيع في دنيا الناس ونفقد أنفسنا وسط ضجيجها.
إلا أن الموروث الشعبي نادرًا ما يخطئ؛ فحكمة الشعوب تعيش وتستمر لأنها تحمل عبقًا من الماضي الذي لامس الحقيقة يومًا؛ فنجد أن الأمثال أو المأثورات الشعبية العربية التي جرت على ألسنة الناس تقول: “اختر الرفيق قبل الطريق”، وتقول أيضًا: “الجنة من غير ناس ما تنداس”، في تأكيد واضح على أن هذا “العفريت” الذي صورته الفلسفة قد يكون ملاكًا أيضًا.
ولكن كيف حدثت القطيعة، وكيف دار الصراع؟
نحن نؤمن بأنه ينبغي أن نبذل جهودنا لإنقاذ الآخر؟ وتقول الآية الكريمة:”إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”[6]. يقع البشر دومًا في خطيئة إصلاح الآخر، لأن الإنسان يرى أن عدم الاتفاق بينه وبين غيره من الناس، سببه أن ذلك الآخر قد يحتاج إلى إصلاح نفسه. فالعقل البشري، بطبيعته منحاز إلى ذاته؛ “أنا” فقط على صواب، والآخر هو من يحتاج إلى التغيير.
نصف البشرية ترى أن النصف الآخر أعوج، وعليه أن يعيد النظر في نفسه، وأن يتأمل تحليلاتنا وانتقاداتنا له ليتعلم. ولا أحد يتوقف ليسأل نفسه: ماذا لو كنت أنا المخطئ؟ فلا أحد يشعر بالذنب حين يؤذي الآخر، لأنه مقتنع تمامًا بأنه ينتشله من الضياع، بينما الحقيقة أنه قد يدفعه نحو الهلاك.
3- اختلاف المنظور
في عبارة منسوبة إلى دوستويفسكي يقول فيها: “ماذا لو كان العنكبوت الذي قتلته في غرفتك يظن طوال حياته أنك رفيقه في السكن؟”. وبغضّ النظر عن صحة نسبتها إليه من عدمه، فلعلها تكون مجرد عبارة مستوحاة من فكره، إلا أنها تحمل حساسية وجودية كبرى؛ وهي أننا قد نكون “وحوشًا” في قصة شخص آخر دون أن نشعر. هناك ذلك الآخر الذي يجذبنا إليه، رغم اضطراب أفكاره، فنندهش من فشل كل محاولات تغييره أو إصلاحه، حتى يصبح هذا الاضطراب جزءًا ثابتًا من طريقته في التفكير. وعندها يرى كل طرف أن الآخر هو من يحتاج إلى الإصلاح. فهو ينظر إلى العالم بصورة مختلفة؛ فما نراه حقًا قد يراه هو خطأً أو سببًا للخراب، بينما لا يدرك ذلك. وكيف يدركه، وهو أسير أفكاره ومقتنع تمامًا بها؟
وكلما دللناه على الطريق، لمح النور للحظة، ثم ما يلبث أن يهرب منه عائدًا إلى ظلمة الجهل، لا لأنه أحمق، بل لأن لكل إنسان أوانه الخاص في النضج والكشف. فالعين التي لم تعتاد رؤية النور، ولم تمكث في الظلام ما يكفي، لا تحتمل انكشاف الحقيقة دفعة واحدة. نحن نجبره على الخروج إلى النور قبل أن ينتهي زمن ظلامه الضروري، فنرهقه بدلا عن أن نهديه.
ونظل نحاول، ونكرر المحاولة، حتى يخفت النور في داخلنا نحن، فنقع في شرك ظلامه. وكلما قاومناه، جذبنا إليه أكثر؛ فهو لا يحتمل النور، لكنه أيضًا لا يقدر على الوقوف وحيدًا في الظلام. اعتاد أن نمسك بيده، لكن بدلًا من أن يتشبث بها ليخرج، يجرفنا معه إلى الحفرة ذاتها، فنقع جميعًا في ظلام مقيم.
ولعل هذا ما نفعله بالآخرين. فإذا امتلكنا قدرًا من الوعي، ورأينا شيئًا من الحقيقة، أجبرنا الآخرين على اتباعنا، ونسينا أن لكل إنسان توقيته الخاص في الكشف. فإما أن يجرفنا الآخر إلى ظلامه، فنتيه معه، وإما أن نيأس منه فنرحل.
لكن الأمر، في الأصل، لم يكن معقدًا إلى هذا الحد؛ نحن من صنع التعقيد؛ فنحن لا نُنقذ الآخر بأن نتماهى معه، ولا بأن نفرض عليه النور قسرًا. كل ما يمكننا فعله هو أن نشير إلى الطريق. يكفي أن نمد له قبسًا من النور، ثم نترك له حرية النظر. فإما أن يسير، وإما أن ينحّي بنفسه بعيدًا.
إلا أن النفس البشرية مُلحّة، لا تكف عن الرغبة في الانتصار، فنظن أن نور الحقيقة الذي أبهرنا يجب أن يبهر الجميع بالطريقة نفسها. وننسى أن الحقيقة، مهما كانت ساطعة، قد تُعمي من لم يتهيأ لها بعد. فنظن أن قطع شوطًا من الطريق قد يبهره، إلا إنه يعميه.
وهكذا حوّلنا مفاتيح الأمل إلى خيبات وحفر، ثم تساءلنا: لماذا تبدو الحياة غير عادلة؟ ولماذا لم تمنحنا ما نقاتل به إذا أردنا التمرّد ورفض الواقع؟
إنها الطبيعة البشرية التي تحاول ليَّ كل ما لا تستطيع فهمه بسهولة، ولا ترغب إلا فيما يمتثل للعقل. فتحوّل العقل، تلك الأداة التي مُنحت لنا وسيلةً للفهم والمساعدة، إلى صنم نعبده لذاته، ونصبناه حَكمًا، وأعطيناه صولجانًا، وكتبنا عليه: “لا يدخل هنا إلا من امتثل للمنطق”. لكن ما يرفضه المنطق هو في العادة، ما تستسيغه الروح. لذا، فلنترك هامشًا من اللامنطق تتسلل منه الحقيقة.
لقد صرّح هيدجر نفسه بأن المنطق ليس سبيلًا مؤكدًا إلى كشف الوجود، وإنما التفكير المنطقي هو نوع من أنواع التفكير الذي ينتمي إلى التفكير العملي الذي يسيّر حياتنا اليومية ويحافظ عليها. “أن “المنطق” ما هو إلا تفسير “واحد” لطبيعة التفكير. والتفكير المنطقي مضاد للتفكير في الروح الإنساني والوجود”[7] أما التفكير الحقيقي، الذي يمتاز به الإنسان، فهو التفكير التأملي؛ ذلك التفكير الذي لا يهدف إلى منفعة مباشرة، ولا يثمر بالطريقة التي اعتدنا قياس الأشياء بها، لكنه قادر على فتح باب الحقيقة. لذلك يؤكد هيدجر على”أنَّ ثَمَّةَ نوعينِ من التفكير، كُلٌّ منهما مشروعٌ وضروريٌّ: الفكر الحاسب، والفكر المتأمّل، والأخير هو حينما نشير إلى أنه يسبح في الأَعْلَى وأنْ لا صِلَةَ له بالواقع، وأنَّه لا يُساعِدُ على إنجاز الأعمالِ المألوفة، ولا يُساهِمُ في تحقيق الإنجازات ذات الطابع العمليّ.”[8]
من هنا، نعتقد أنه أقل مكانة أو أبعد ضمانة؛ لأنه لا يحقق شيئاً تلمسه بيدك، ولكن منذ متى كانت الثمرة هي الغاية؟ لربما يكون هناك ما هو أبعد من الثمار، إنه النمو الوجودي الذي يمكننا من مواجهة الأسئلة الحرجة التي عرضها سقراط، وتجنبها تولستوي لغياب المعنى. لربما هذا النوع من التفكير وحده من يضع لبنة المعنى الأولى، ويقيم للحقيقة وزناً، ويمكننا من مواجهة الأسئلة المقلقة التي تهددنا وتجعلنا نبني بيننا وبينها جداراً من الصمت، فلا نسمح لها بأن تخترق حياتنا، ولا نتيح لعقولنا حرية التفكير فيها حتى تخلُص الحياة. فهل أتينا هنا لنهرب أم لنواجه؟ ومهما قست المواجهة، فلا ننسى أن لدينا مفاتيح الأمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1] Callard, A. (2025). Open Socrates: The case for a philosophical life. W. W. Norton & Company.P20.
[2] Leo Tolstoy, Confession, (2014), in The Death of Ivan Ilyich and Confession, trans. Peter Carson,New York: Liveright.P130.
[3] Leo Tolstoy, Confession, Ibid, P132.
[4] Confession, P131.
[5] أنظر: أفلاطون، (2021)، مائدة أفلاطون، ترجمة: محمد لطفي جمعة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة صـ(118-119).
[6] سورة القصص، الآية:( 56).
[7] عبد العفار مكاوي،(2010)، نداء الحقيقة، سلسلة الفكر، مكتبة الأسرة، الهيئة العامة المصرية للكتاب، مصر، صـ 18
[8] مارتــن هيدجــر، الســكينة، ترجمــة رشــيدة الســائحي، مجلــة مــدارات فلســفية منشــور علــى موقــع حكمــة، 2004. صـ201.