ذاتنا العميقة: إسهام في التكوين المعرفي للإنسان العربي الحديث

الجزء الثاني

في تصحيح مفهوم التراث

لبلورة السبب الأول من الأسباب الثلاثة[1] التي دعتني إلى كتابة هذه المقالة، ووضع هذا السبب ضمن نسق مُـتكامل مع السببين الثاني والثالث؛ دعونا نسأل: ما المقصود بالتراث؟ وكيف تشكَّل؟ وما هي أبرز معالمه؟ من ثمَّ، أين تجسَّدَّ هذا التُراث؟ وأي حضور له في وقتنا الرَّاهن؟

لنبدأ من سؤال: ما المقصود بالتراث؟ وفقاً للسان العرب، الْإِرْثُ: الْأَصْلُ. قالَ ابْنُ الأَعْرابي: الإرثُ في الحسَب، والْوِرثُ في المال. وحكى يعقوبُ: إنَّهُ لَفِي إرْثِ مَجْدٍ… ويُقالُ: هُوَ في إِرْثِ صِدْقٍ، أي في أصْلِ صِدْقٍ، وهو على إرث مِنْ كَذا أي عَلَى أمرٍ قديمٍ تَوارَثَهُ الآخِرُ عن الأَول. وفي حديث الْحَجّ: إِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إبراهيم…”[2]  فثمة، وفقاً للمعنى اللغوي، شيء يتم تناقله بين الأجيال إلى أن يصل إلى الجيل الأخير أو الجيل الحالي. وهو بطبيعة الحال شيء رمزي أو معنوي أو بالأحرى شيء معرفي تراكم على مدى فترات زمنية طويلة، إلى أن تمَّ الاصطلاح على نُسخ أخيرة منه في المُدونات والكتب، فوصلت إلى الأجيال التي أتت بعد هذا التدوين، جاهزة وناجزة. لكن هذا التعريف لا يقول لنا ما هي ماهية هذا التراث وطبيعته والمواضيع التي هو عليها. ولربما لا تكمن مهمة التعريف اللغوي للتُراث، في الحديث عن هذه الماهية أو هذه الطبيعة، بقدر ما هو معني بالحديث عن الهيكل العام أو الصيغة الكُليَّة لمعنى التراث على إطلاقه، سواء في بنيته المادية أو تلك البنية الرمزية. فما يرثه الإنسان على المستوى الفردي قد يكون شيئاً مادياً مثل العقارات والبيوت والأموال والسيارات…إلخ، وقد يكون، لا سيما يكون الميراث متعلقاً بأمةٍ من الأمم أو بشعب أو بحضارة، شيئاً معنوياً أو ثقافياً مثل مرويات الأجداد ومدوناتهم، التي تتضمن فلسفاتهم وعلومهم وأشعارهم وطبيعة لغتهم وأديانهم، وأنظمتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأنماط عيشهم: مآكلهم ومشاربهم وألبستهم…إلخ. أو بالمجمل رؤيتهم للإنسان والحياة والكون، تقطاعات تلك الأشياء مع بعضها وانفصالاتها أيضاً. فالتعريف اللغوي، وإنْ كان عامَّاً وكُليَّاً، إلا أنه دال وكاشف على ما يمكن أن يتضمنه محتواه. فالتراث الذي تَرَكَهُ الأجداد والآباء للأحفاد هو بلا شك تُراث الأمة الثقافي. وهو تراث تراكم على مدار قرون طويلة إلى أن استقرَّ في صيغ أخيرة وصلتنا فشكلَّت هويتنا الثقافية التي نمتاز بها عن بقية الأمم والشعوب الأخرى. “فلكل منا اطاره المرجعي الذي يحدد بواسطته علاقته مع العالم. فنحن لا نعرف شيئاً ولا نتعرف عليه إلا من خلال ما نربطه به نوعاً من الربط. والعقل البشري هو… جملة من العناصر (مفاهيم وتصورات واجراءات) تشكل المستندات التي تحدد علاقتنا بالأشياء: فَهْمُنا لها، رد فعلنا ازاءها، موضَعَتُنا لها…الخ. وإذا كان البشر يتفاهمون ويتواصلون فلانهم يعيشون حياة متشابهة، في الطبيعة والمجتمع، تمدهم بمرتكزات ومقاييس موحدة نوعاً ما، أي بإطار مرجعي واحد. غير أن تجارب الشعوب وظروف معيشتها ليست واحدة، مما ينشأ عنه اختلاف الثقافات وبالتالي اختلاف المنظومات المرجعية التي تعتمدها هذه الشعوب”[3]  ويمكنني التأشير على تُراثين ساهما في صياغة هذه التَرِكَة التي توارثناها، ثم ما لبثا أن اختلطا مع بعضها البعض، فصار استدعاء أحدهما يستلزم استدعاء الثاني بشكل أوتوماتيكي:

التراث الأول: التراث العربي، أي التراث الذي أنتجه وأبدعه العرب، أياً كانت صيغته النهائية، شعراً كان أم نثراً أم علماً أم فقهاً أم لغة أم فلسفة…إلخ. مع التأكيد أن جزءاً منه كان قد أبدع قبل ظهور الدِّين الإسلامي، مثل: الأشعار والحِكم والأساطير والقصص والأمثال والعلوم والأديان…إلخ. فالتدوين “كان معروفاً عن العرب قبل الإسلام، بدليل ما تحدثنا عنه من وجود الألوف من النصوص الجاهلية التي عثر عليها فيا لعربية الجنوبية وفي العربية الغربية وفي انحاء أخرى من جزيرة العرب. كتبت بلهجات عربية متنوعة، تختلف عن عربية القرآن الكريم، اختلافاً متبايناً، أقربها إلى عربيتنا الكتابة التي وسمت بـ (نص النمارة) أو كتابة النمارة، التي هي شاهد على قبر (امرئ القيس)، المتوفى سنة 328 للميلاد”[4]  أي أن عُمقنا المعرفي يرجع إلى تاريخ قديم، أقدم مما هو مُتداول، فأكثر ما يحضر إلى أذهاننا ساعة يحضر تاريخنا المعرفي قبل ظهور الدِّين الإسلامي، هو الشِّعر، لا سيما المُعلَّقات الجاهلية التي علقت على جدران الكعبة نظراً لأهميتها مرحلة ما بعد القراءة، وقوتها كبِنى ومعارف بحدِّ ذاتها. وقد بسط “جواد علي” في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) لهذا العُمق الثري، بما يتجاوز مع هو متعارف ومُتداول، أعني توقف معرفتنا، في العموم، عند أشعار أجدادنا العرب قبل الإسلام. فالكتاب غطَّى جوانب الحياة العربية قبل الإسلام، بما فيها السياقات المعرفية التي نتجت منها: الفنون والخطوط والكتابة والتدوين والدراسة والتدريس والكُتَّاب والعلماء والفلسفة والحكمة والأمثال والقصص[5] ، وغيرها الكثير من العلوم والآداب التي برع فيها العرب، ما شكَّلَ أرضية صلبة بُني عليها معمار معرفي كبير استمرت أعمال البناء فيه لقرون طويلة، إلى أن استقر أخيراً وثبت، فأصبح صرحاً كبيراً وشامخاً.

التُراث الثاني: التراث الإسلامي

استمراراً لسيرورة بناء معمار الأمة المعرفي، ومع دخول الدِّين الإسلامي، بما تضمنه من نصوص أصلية تمثلت في النص القرآني والأحاديث النبوية، والتي انبثق عنها جملة هائلة من النصوص والمُلحقات والتفاسير والشروح والعلوم اللغوية والشرعية والفقهية والكلامية. ومع تدفق الدَّاخلين لهذا الدِّين الجديد، لسببٍ أو لآخر، تداخلت الذوات المُساهمة في أعمال بناء المعمار المعرفي للأمة العربية التي أصبح اسمها، بعد لحظة انبثاق الدين الإسلامي، الأمة العربية الإسلامية، إذ صارت اللغة العربية هي نقطة الالتقاء بين ذواتٍ كثيرة وعديدة، ومن منابت شتَّى. فقد ساهم أناس كثيرون، من أصول غير عربية، في تشييد معمار الأمة المعرفي، لكن بلغةٍ عربية. فاللغة التي دَوَّن بها العرب تُراثهم، قبل مجيء الإسلام بعدة قرون، بقيت هي اللغة ذاتها التي دَوَّنَ بها المسلمون تُراثهم الجديد، فصارت علامة بارزة، أعني اللغة العربية، في تاريخ الأمة العربية الإسلامية، بل الأداة الأبرز في تثبيت هُويتها وكينونتها. إذ حالت إلى رَحِمٍ كبير ومُتسِّع ضمَّ كل النصوص والمُدونات والقصص والأمثال والأشعار والفلسفات والأديان والعلوم والآداب والأساطير والخرافات والحكايا التي انقذفت على مدار قرون طويلة، فصارت، مع الزَّمن، مولوداً هائلاً برز بين الأمم والشعوب الأخرى.

وكما أشرتُ سابقاً، فقد طغى، في زماننا الحاضر، الأدب الجاهلي[6] ، تحديداً الشِّعر الجاهلي على غيره من الأنساق المعرفية: أساطير، قصص، أمثال، حِكم…إلخ. التي نشأت وترعرت وتبيأت وانتشرت وقرَّت من ثمَّ في الحاضنة العربية. ولربما حظي السياق العام باهتمامٍ بأشعار “طرفة بن العبد” أو “زهير بن أبي سلمى”، أو أشعار الصعاليك، لكنه ينبغي الاعتراف بأنَّ الشِّعر كان وثيقة معرفية على درجة كبيرة من الأهمية لناحية تأريخ حوادث الدَّهر بكافة تفصيلاته، فهو بحقّ ديوان العرب الذي حفظ –إلى حدٍّ كبير- مسلكياتهم ورؤاهم تجاه الكون والإنسان والحياة، ثم حال هذا التأريخ إلى ذاكرةٍ هُويَّاتيَّةٍ. لكن في العموم، طغى الشعر على كل ما سواه، وهذا أحد الاختلالات في مفهوم التراث، كما أرى. لذا من الأصح أن تنسجم رؤيتنا عن التراث مع تعريفه اللغوي، بما هو تَرِكَة كبيرة ومتعددة وذات أبعاد مختلفة، ينبغي علينا أن نعرف نقاطها الرئيسية، وعدم التركيز على نقاط دون غيرها، إنْ شئنا أن نعرف ذاتنا العميقة في التاريخ، بما يجعلنا نعي سؤال: مَن نحنُ؟ أي نعي هُويتنا التي أسَّس لها معرفياً أجدادنا، وهل واجبنا يقتضي حفاظنا على هذه الهُويَّة كما هي، بعيداً عن أي إضافات معرفية جديدة، يمكن أن تُشكِّل هي الأخرى سنداً وإضافة وعُمقاً للأجيال اللاحقة؟

إذاً، لتصويب مفهوم التراث علينا أن نعي تراثنا المعرفي المُـتعلق بالمفاهيم التي احتكم إليها أجدادنا العرب في رؤيتهم للحياة بكافة تجلياتها، بما يتجاوز المُدونة الشعرية القديمة قبل ظهور الدِّين الإسلامي؛ لتكون رؤينا لتراثنا رؤية أكثر شمولية من جهة، وأكثر إنصافاً من جهة ثانية؛ إنصافاً يشمل المحتويات المعرفية المختلفة من أساطير وأديان ورؤى وكهانات وعلوم وقصص وخطابة وحِكم وأشعار…إلخ[7]

ومع دخول الدِّين الإسلامي الجديد إلى الحاضرة العربية، ظهرت نصوص أخرى ساهمت، تحديداً النص القرآني والأحاديث النبوية، في تعزيز تراثنا المعرفي، بل شكلت نقطة فارقة ومصيرية في تشكيل هذا التراث. فعلى هامشها وحولها وعلى تخومها نشأت نصوص كثيرة وعديدة، ساهم فيها عرب وغير عرب؛ ما ساهم في اختلاط التراثين العربي والإسلامي معاً، وتحوّلهما إلى نسق واحد، يجب علينا أن نتعرَّف على هذه التَرِكَة الهائلة. لكني أشير إلى أن التعرُّف على هذا التراث شيء، عبر فعل القراءة لمعرفة ما الذي أضافة أجدادنا القدماء إلى المعرفة الإنسانية شيء، وإعمال النقد في هذا التُراث شيء آخر تماماً. هذه المقالة، وفي هذا المقام تحديداً، تُعزِّز مسار التعرُّف على هذا الإرث، دون الخوض في نقده، فذلك يحتاج إلى مقامات أخرى، كثيرة وعديدة. لكن الإشكالات المُـتعلقة بمفهوم التراث ساعة نستدعيه، تنحاز لشيء على حساب أشياء أخرى، كما رأينا في التحيُّز لأشعار العرب، قبل ظهور الدِّين الإسلامي، على حساب مدوناتهم الأخرى، وكما سيحدث تحيُّز آخر ساعة يطغى جزء من التراث الإسلامي على بقية الأجزاء الأخرى، تحديداً ساعة التهمت المُدونة الفقهية بقية الجوانب الأخرى في الثقافة الإسلامية، ما ساهم في حجب جزء هام وكبير من تكويننا المعرفي الحالي[8] ، لذا فإنَّ هذه المقالة تحاول، إني اجتهد قدر الإمكان، تصويبَ علاقتنا بقراءة تراثنا لكي نُشكّل صورة أشمل وأوفى عنه، قبل أن ننتقل إلى مستويات أخرى في التكوين المعرفي للإنسان العربي الحديث.

إذاً، التعرُّف على تراثنا والإطلَّاع عليه، عبر فعل القراءة كما تقترح هذه المقالة، يتطلب تجاوز مُشكلتين، لتكون صورة التراث شاملة لكل مناحي الحياة المعرفية التي أنتجتها ذاتنا القديمة أو السابقة: الأولى متعلقة بالتعرُّف على تراثنا العربي قبل ظهور الدِّين الإسلامي، بما يتجاوز المُدونة الشعرية. والثانية مُتـعلقة بالتعرُّف على تُراثنا الإسلامي، بما يتجاوز المُدونة الفقهية، التي ما تزال فاعلة في سيرورة الاجتماع السياسي حتى لحظتنا الرَّاهنة[9].

والسؤال المطروح ها هنا: ما هي الكتب التي يمكن أن نقرأها فتُغطِّي تراثنا، بما يتجاوز المشكلتين السابقتين: مشكلة الشِّعر ومشكلة الفقه، وتجعلنا ندَّعِّي أننا تواصلنا مع تراثنا المعرفي تواصلاً حقيقياً وشاملاً، وتعرفنا على مُكونات ذاتنا العميقة؟

للإجابة على هذا السؤال سأنتقل إلى الجزء الثالث من هذه المقالة، وهو بعنوان: في قراءة سلسلة عيون النثر العربي.

المصادر والمراجع:

[1]  أتيتُ على ذكرها في الجزء الأول من هذه المقالة، وتباعاً سأتناول كل واحد من هذه الأسباب في مقالة منفصلة.

[2]  ابن منظور، لسان العرب، تحقيق عبد الله علي الكبير وآخرون، دار المعارف، القاهرة، مصر، د.ت، ص 57

[3]  محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، ط10، 2009، ص 61.

[4]  جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج8، ط2، 1993، ص 248.

[5]  يمكن مراجعة الجزء الثامن وكذلك الجزء السادس من كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام.

[6]  في دلالة كلمة جاهلي، ذكر “دومينيك أورفوا” في كتابه (تاريخ الفكر العربي والإسلامي) إلى أن ثمة تعقيد فيما يتعلق بكلمة “جاهلي” ودلالالتها في الثقافة العربية الإسلامية. “فنعت جاهل مزدوج المعنى، حيث يعارضه التصور التقليدي بنعت عالِم، الذي يشير إلى من يمتلك العلم بامتياز، أي علم معرفة الإله الحقيقي. يتم إذًا التعبير عن كلمة جاهل بـ جاهل بالله والنبيّ والشريعة، أو ببساطة أكثر غير خاضعٍ لقانون، ويتم التعبير عن كلمة جاهلية بـ عصر الجهل. لكن من وجهة نظر لغوية بحتة، يعارض ذلك النعت نعت حليم (وهو نعتٌ مشتقٌّ من كلمة حِلْم، أي التحكم بالذات) ويمكن التعبير عنه بكلمة متمدّن، فيعني نعبت جاهل حينذاك بربري وتعني كلمة جاهلية عصر البربرية. يميل التصوّر  الشعبي الإسلامي إلى الخلط بين الاثنين وإلى أن يرى في عصر جهل الإله الحقيقي عصرًا من أكثر العصور ظلامًا، بما في ذلك على الصعيد الإنساني. لكن ذلك لا يمنعه من أن يعظّم في الوقت نفسه ما يتّسم به شعراء ما قبل الإسلام المنتمون إلى الفترة نفسها من فروسيةٍ وسخاء ومشاعر ساميةٍ لدى العشاق”. دومينيك أورفوا، تاريخ الفكر العربي والإسلامي، ترجمة رندة بعث، المكتبة المشرقية، بيروت، لبنان، ط1، 2010، ص ص 17- 18.

وفي نفس سياق مفردة جاهلية، وشيء قريب من هذا، كتب محمد عابد الجابري في كتابه (تكوين العقل العربي): “الواقع أن كتب التراث، وكذلك الدراسات الحديثة، تقدم لنا عن العصر الجاهلي هذا صورتين، وليس صورة واحدة: – هناك من جهة الصورة التي تبدو وكأن كل وظيفتها تبرير وصف ذلك العصر بـ الجاهلي، والجاهلية مصطلح إسلامي يقصد به، ليس فقط الجهل، بمعنى عدم العلم وانتفاء المعرفة، بل أيضاً، ولربما كان هذا هو المقصود، ما يرافق الجهل وينتج عنه، أعني الفوضى وانعدام الوازع الجماعي سياسياً كان (الدولة) أو خلقياً (الدين). من هنا تشبيه الجاهلية بالظلمة والإسلام بالنور. فالظلمة أو الظلمات تعني هنا الفوضى والتطاحن وغياب أفق مستقبلي، كما تعني الجهل وعدم تقدير المسؤولية، في حين أن النور يعني الوضوح في العلاقات والمسؤوليات، وأيضاً وضوح الآفاق… وهناك، من جهة أخرى وفي أذهاننا دائماً، صورة عن العصر الجاهلي غير تلك التي أبرزنا بعض معالمها، صورة قوامها حياة فكرية نشطة، وأسواق للفكر والثقافة وقدرة على الجدال والنقاش والمُحاجَّة”. (تكوين العقل العربي، ص ص 57- 58)

محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، ط10، 2009.

كذلك عقَّبَ “جواد علي” في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) على لفظة الجاهلية في الفصل الثاني (الجاهلية ومصادر التاريخ الجاهلي) في الجزء الأول من كتابه، من الصفحة 37 إلى الصفحة 40 من الكتاب.

[7]  إضافة إلى الكتاب القيِّم (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) لجواد علي، يمكن الرجوع إلى كتاب (ينابيع اللغة الأولى: مقدمة إلى الأدب العربي منذ أقدم عصوره حتى حقبة الحيرة التأسيسية) لسعيد الغانمي، وكتاب (العرب والغصن الذهبي: إعادة بناء الأسطورة العربية) لياروسلاف ستيتكيفيتش من ترجمة سعيد الغانمي. كذلك كتاب (الأساطير العربية قبل الإسلام) لمحمد عبد المعيد خان.

[8]  اعتبرُ نفسي متفائلاً ها هنا، رغم أن جيلي، لأكون صادقاً ولا ألقي التهم جزافاً، لم يكن يعرف شيئاً عن تراثه المعرفي، إلا عبر ثقافة شفاهية تتناقلها الغالبية العظمى، حتى في أوساط المثقفين. لذا يبقى التعرف على تراثنا اجتهاد شخصي في العموم.

[9]  من المفارقات العجيبة أن تراثنا الأكثر حضوراً، أعني التراث الشعري، والتراث الفقهي، حصلناه على المستوى العام –إلى حدٍّ كبير- شفهياً. فغالبية الناس –غير المتخصصين- لا شك تسمع –في حقل الشعر- بعنترة بن شداد أو زهير بن أبي سلمى أو أمرؤ القيس. وتسمع –في الحقل الفقهي- بالشافعي أو بأبي حنيفة أو بأحمد بن حنبل أو مالك بن أنس…إلخ. كجزءٍ من ثقافة مجتمعية شفهية. وهذا بطبيعة الحال، بسبب حضور هذين التراثين أكثر من غيرهما، في حين أن أسماء من قبيل “العلَّاف” أو “القاضي عبد الجبار” أو “الفارابي” أو “غيلان الدمشقي”؛ شبه غائبة عن الساحة، والتعرُّف عليها يتطب جهداً معرفياً.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete