ذاتنا العميقة: إسهام في التكوين المعرفي للإنسان العربي الحديث

الجزء الأول

تقديم أو مفردات أساسية في المقالة

(1)

بدايةً، ماذا أعني بـ (ذاتنا العميقة)، كما أتناولها في هذه المقالة، وتحاول استطلاع مقدماتها والمآلات التي يمكن أن تقود إليها من ثمَّ؟

ذاتُنا العميقة، في هذا المقام، ذاتين:

الأولى: ذاتنا الجمعية القديمة التي أنتجت معارف كثيرة وعديدة، والواجب يقتضي على ورثة هذه التَرِكَة الكبيرة أن يتعرفوا على تلك المعارف، بما هي جزء أصيل، أرادوا ذلك أم لا، من تكوينهم الذي يبسط سيطرته على مفاصل حياتهم.

الثانية: ذاتنا الجمعية الحالية، أو الذَّات النشطة في الزمن الحاضر، التي تجتهد هذه المقالة، قدر الإمكان، في التأسيس لها معرفياً، بما يتجاوز التعرُّف على تراثنا المعرفي، بشقيه العربي والإسلامي. أي وضع ذاتنا الجمعية الحالية أمام استحقاق معرفي عالمي، وإنْ كانت البداية بالاستحقاق المعرفي العربي الإسلامي القديم؛ لكي يكون الأفق العالمي المنشود متجذراً في عُمقنا المعرفي.

فالذَّات الحديثة امتداد للذَّات القديمة على المستوى المعرفي، لكن هذا الامتداد لا يعني بأيِّ حالٍ من الأحوال –كما تحاول هذه المقالة أن تقول- استنساخ تجربة الذَّات القديمة المعرفية وإحلالها، كما كانت، في الذَّات الحديثة، فذلك يندرج، في حال حدوثه، تحت باب الانتحار الحضاري[1]. بل يأتي هذا الامتداد من خلال التعرُّف على الجذر المعرفي القديم الذي ساهم في تشكيل الذَّات الحديثة، مع فتح آفاق جديدة لها، أي للذَّات الحديثة، ووضعها بداية طريق الإبداع الحضاري. وأنا إذ أحاول ربط الذَّاتين معاً ها هنا، فإني أشير، وسأشير إلى ذلك في أكثر من موقع في هذا المقالة، إلى أنَّ هذا الرَّبط يكتفي، في هذا المقام، بالتعريف بتراث ذاتنا القديمة على المستوى المعرفي، دونما نقد لهذا التراث، فذلك يستلزم مقامات أخرى، غير المقام الذي تشتغلُ عليه هذه المقالة. فالمهمة التي تضطلع بها هذه المقالة، هي مهمة تعريفية أو مهمة تأسيسية بالأحرى، فالنقد الذي لا يتأسَّس على معرفة هو نقد فارغ وغير مفيد، بل مُضرّ ومُدمّر أيضاً. لذا، فقبل الانتقال إلى مرحلة النقد ينبغي تحصيل أكبر قدر من المعارف حول الموضوع المُراد نقده. وهذه المقالة ترسم مُخطَّطاً لمعارف متنوعة وعديدة، من ثقافتنا العربية الإسلامية ومن الثقافات الإنسانية أيضاً، يمكن أن تُساهم في بلورة سياق نقدي قوي وميتن، على المستويين الفردي والجمعي.

إذاً، ثمة ثلاث نقاط مركزية في هذه المقالة:

النقطة الأولى: أنَّ الذَّات فيها عبارة عن ذاتين: قديمة وحديثة، مع التأشير على أن الرَّبط بينهما جد ضروري، لتكتمل الصورة وتُصبح أكثر اتساقاً ومصداقية.

النقطة الثانية: المقالة تشتغل، في جوهرها، على فكرة تعرُّف الذَّات العربية الحديثة على الذَّات العربية والإسلامية المعرفية القديمة، بعيداً عن مستويات النقد التي يمكن الاشتغال عليها في مقالات ومقامات أخرى.

النقطة الثالثة: أنَّ هذه المقالة تُريد تجاوز معرفة الذَّات العربية الحديثة بتراثها المعرفي الكبير، بما هي إسهام في التكوين المعرفي للإنسان العربي الحديث، إلى تواصل معرفي مع الذَّات الإنسانية على إطلاقها.

وبطبيعة الحال، فإنَّ هذه النقاط تندمج في الإطار الفرعي للمقالة: إسهام في التكوين المعرفي للإنسان العربي الحديث. بما يجعل من الإلمام بالتراث المعرفي العربي الإسلامي من جهة، والتراث المعرفي الإنساني من جهة ثانية؛ مهمة برسم الذَّات الحديثة التي تنشد هذه المقالة نقلها نقلة معرفية كبيرة، على المستويين الفردي والجمعي معا. فالمقالة تصلح لبرنامج تأسيس لمعرفة على المستوى الفردي، كما أنها تصلح كمُخطَّط تربوي تضطلع به مؤسسة أو دولة في حال أُخذت في إطارها الجمعي.

(2)

لاحقاً للبداية، أشيرُ إلى أنَّ ثلاثة أسباب دعتني إلى كتابة هذه المقالة، وهي على التوالي:

السبب الأول: معرفي، مُتعلق بحالة الالتباس المُتداولة في مفهوم (التراث)، ما خلق ذاكرة مجتزأة وغير مكتملة تجاهه، رغم السِّعة الهائلة لمفهوم التُراث الثقافي العربي الإسلامي، والذي امتدَّ لعدّة قرون، فأخرج جُملة من النصوص العظيمة والمميزة، وواجبنا يقتضي قراءتها ومعرفتها، كخطوة أولى لمعرفة ذاتنا الحديثة وأية مآلات صارت إليها.

السبب الثاني: شخصي، مُتعلق بقراءتي لسلسلة (عيون النثر العربي)[2] أو بالأحرى لجزء كبير من أعدادها. فهي كُتيبات صغيرة تمَّ إصدارها كاختصارٍ لكتب تراثية كبيرة في العموم. ورغم قراءاتي لعددٍ كبير من الكتب الأصلية في فترات سابقة من حياتي، إلا أنَّ بعض هذه الكتب كنت أسمع بها لأول مرة[3]، ما سدَّ ثغرة في تكويني المعرفي على المستوى الشخصي. ويمكن لقراءة أعداد هذه السلسلة، إذا أخذت قراءاتي لكتيبات هذه السلسلة كحالةٍ نموذجية يمكن تعميمها على الآخرين، أن تُساهم في تصحيح، من ضمن ما تُصحِّح مسارات السبب الأول الذي دعاني إلى كتابة هذه المقالة، والمُتعلق بالالتباس حول مفهوم التراث والاستحضار المُجتزأ له. فالمجالات التي تشملها هذه السلسلة تُغطِّي مساحات واسعة في تراثنا المعرف، بما يخلق اتساقاً بين السببين الأول والثاني لكتابة هذه المقالة.

السبب الثالث: استطلاعي، مُـتعلق بعلاقتنا بالآخر ومعارفه على اختلافها التي أنتجتها ثقافاته. ما الذي ينبغي علينا أخذه من الآخرين، بطريقة تجعل من تواصلنا معهم تواصلاً مُنتجاً، لا محض تلقٍ سلبي؟ أو ما الذي ينبغي علينا معرفته على المستوى الإنساني، أقصد الحالة المعرفية التي أنتجتها الإنسانية ممثلة بحضارات وثقافات مختلفة ومتنوعة، بعد أن نكون قد صححنا، أو ساهمنا في تصحيح، مفهومنا حول التراث المعرفي لذاتنا القديمة، عبر تعزيز قراءات متعددة وكثيرة لمفاصل تلك المعارف.

وبالتأكيد ستندمج هذه الأسباب الثلاثة التي دعتني إلى كتابة هذه المقالة مع بعضها البعض، كما سيشرح السياق تباعاً، بحيث تتحد جميعها في نسق واحد، ما يجعل منها مقالة أكثر نفعاً وفائدة من جهة، وأكثر اتساقاً من ناحية ثانية. فالعنوان الأول من هذه المقالة، وهو بعنوان (في تصحيح مفهوم التراث)، سيتناول نقطتين أساسيتين:

الأولى: متعلقة بتوسيع مفهومنا للتراث بشقيه: 1- العربي. و2- الإسلامي. بحيث يتجاوز نقطتين مركزيتين يتم التركيز عليها ساعة استدعاء التراث، وهما: 1- الشِّعر العربي. و2- الفقه الإسلامي. فالمقالة تُوسِّع مفهوم التراث، ليُصبح استدعاءه –وفق خطاطة هذه المقالة- مُفيداً ومُنتجاً ومُنصفاً.

الثانية: ذكر أسماء بعض المراجع التي تُشكِّل لبنة أساسية من لبنات بناء هذه المقالة في المرة الأولى؛ وتُشكِّل لبنة أساسية من لبنات بناء قارئها –إن أراد ذلك- وزيادة معرفته وتوسيعها وتصحيحها في المرة الثانية.

وهذا العنوان مرتبط بشكل جوهري، بالسبب الأول الذي دفعني إلى كتابة هذه المقالة.

أما العنوان الثاني وهو بعنوان (في قراءة سلسلة عيون النثر العربي)، فإنه يتحدث عن هذه السلسلة تحديداً لأنها تستدعي تراثاً معرفياً كبيراً من تراثنا العربية والإسلامية، أي أنها تُغطِّي مساحات واسعة منه، بما يجعل منها معيناً كبيراً لمن أراد الإطلَّاع على مصادر متنوعة من تراثنا. ومما يُساعد على ذلك حجم الكتيبات الصغير، إذ يمكن حمله بسهولة، وقراءته في وقت قليل. كما أن العناوين المتنوعة من هذه السلسلة غطَّت جزءاً كبيراً من مُخطَّط هذه المقالة، التي اجتهدت في مسح أكبر وأوسع مساحة من تراثنا المعرفي بشقيه: 1- العربي. و2- الإسلامي. لكي تكون الرؤية التي تشتغل عليها شاملة ومفيدة.

وهذا العنوان متعلق بالسبب الثاني الذي دفعني إلى كتابة هذه المقالة، وهو قراءاتي لكتيبات سلسلة عيون النثر العربي، وهو بطبيعة الحال يفضي إلى السبب الأول من أسباب كتابة هذه المقالة، أو بالأحرى يتعالق معه لتشكيل نسق واحد مُتسِّق ومُتصِّل.

أما العنوان الثالث، من ضمن عناوين هذه المقالة، وهو بعنوان: (من قراءة التراث إلى التعرُّف على ثقافات الأمم والشعوب). فإنه يذكر أسماء 100 من الكتب من ثقافات إنسانية مختلفة ومتعددة؛ قديمة وحديثة، وقد اجتهدتُ في أن تكون قائمة الكتب هذه:

  • أساسية، أي أنها بمثابة الأمهات، التي تُشكِّلُ علامات فارقة في تاريخ الثقافات التي أخذت عنها.
  • شاملة، بحيث تُغطِّي عموم الثقافات الإنسانية؛ قديمها وحديثها.
  • متنوعة، فالتراث المعرفي للبشرية تنوّع بين آداب وعلوم وفلسفات وأديان، وقد حرصت على ذكر أمثلة تُجسد هذا التنوّع.

ووضع الإنسان العربي الحديث أو إسهاماً في تكوينه المعرفي، ضمن النسق الذي تشتغل عليه هذه المقالة، كان السبب الثالث الذي دفعني إلى كتابة هذه المقالة. ليندمج بدوره –أي السبب الثالث- مع السببين: الأول والثاني ضمن نسق واحد، يُشكل في مجمله رؤية أقدمها ها هنا لتعميق وجودنا المعرفي في هذا العالم، ابتداءً من تراثنا وانتهاء بتراثات الأمم والشعوب الأخرى.

وسأعمل على تفصيل كل عنوان من هذه العناوين في مقالة مستقلة، لكي نُوفي الموضوع حقَّه، وتُفضي المقالة إلى غرضيتها المُفترضة. ومباشرة إلى العنوان الأول: في تصحيح مفهوم التراث.

الهوامش:

[1]  للأسف، هذا الانتحار الحضاري نتمثله في حياتنا الحالية، لأننا نجترُّ معارف القدماء اجتراراً، وعلى الأغلب بطرق شفوية، حتى من دون قراءاتها والإطلاع عليها، وسيتم تفصيل ذلك في الجزء الثاني من هذه المقالة.

[2]  السلسلة صادرة عن دار الكتب التابعة لهيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة في دولة الإمارات العربية المتحدة. وسيتم التنويه بذلك وتفصيله في الجزء الثالث من هذه المقالة.

[3]  سآتي على ذكرها بالتفصيل في الجزء الثالث من هذه المقالة.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete