تكوين
…الرمانة فكلوهَا بشحمها فإنّها دباغ المعدة، وما من حبّة منها تقوم في جوف رجل إلا أنارت قلبه وأخرست شيطان الوسوسة أربعين صباحًا، قال صاحب الفلاحة، إذا أردت أن يبقى الرمان غضًّا طريًّا، فاقطعه طريًّا من غيدان صلبه…
(مخطوطة نباتية- القرن الرابع عشر)
مقدّمة:
إذا أدركنا المقاصد والاشارات التي استشعر بها الإنسان القديم، المتكامل مع الطبيعة المحيطة به، تبيّن لنا رمزية كل جانب من جوانب حياته. وقدّ عبّر عن تلك الرمزيّة في الفن التقليدي الذي نشأ نتيجة تأمّله في عناصر الكون، سواءً كانت سماوية كالنجوم والكواكب، أو أرضية كالنباتات والحيوانات. ومن منظور “الرمزية التقليدية”، نعاينُ مكانة الرمّان البارزة في الفكر والفنون للحضارات القديمة، التي تجاوزتها المفاهيم، لتَنسج صورًا وتعابيرًا تعكس عادات وطقوس المجتمعات الحضرية.
ننطلق من مقاربة تعكس رموزَ ثمرة الرمّان في الفكر الديني والاجتماعي في حضارات الشرق ومصر القديمة، من ناحية دلالاتها الرمزيّة ودورها في تجسيد المعاني في الطقوس الدينية والفكر الثقافي لتلك الحضارات.
كيف تُمثَّلُ شجرة الرمّان في النصوص الدينيّة والأسطوريّة، وما المعاني المرتبطة بها مثل الخصوبة والحياة والموت؟ وكيف استُخدمت الثمرةُ في الطقوس الدينية والجنائزية والاحتفالات؟ وهل ارتبطت فعلًا بأنظمة الطبيعة التي عاينها الإنسان وعرف أسرارها وكرّم آلهتها؟ وما الفروقات في رمزيّة الرمّان بين المجتمعات المختلفة؟
إنّ معاينة مُكوّنات ثمرة الرمّان بالإضافة إلى الشكل واللون والملمس، تفتح آفاقًا لِفَهْمِ الرموز المرتبطة بكل عنصر من عناصرها. إنّ الثمرة، التي تحمل عديدًا من السمات، كشكلها الكروي، ولونها، وتاجها، وزهرتها، وقلب بذورها الأبيض، وعصيرها الأحمر القاني، أصبحت ملائمة للارتباطات الرمزيّة بعدّة مفاهيم، وينبوعٌ لا ينبض من الايحاءات والتأويلات المختلفة، في الإشارات إلى الوَحْدة، والتعدّد، والمَلَكيّة، والخصوبة، والوفرة، وشجرة الحياة، والشمس، والحب، والرضا، والموت.
الثمرة المتعدّدة
الاسم السامي القديم لهذه الفاكهة هو “رومانو” في اللغتين الآشوريّة والآراميّة و”انهمن” ( inhmn ) في المصرية و”ريمون” في العبريّة [1]. عُرفت لاحقًا ثمرة الرمّان باللغة اللاتينية بالتفّاح البوني Malum punicum أو تفّاح قرطاج، كما وصفه بليني الذي كتب مجموعةً عن العلوم الطبيعية في مطلع القرن الأوّل بعد الميلاد، والذي أطلق اسم “شجرة قرطاج” على شجرة الرمّان Arbor punicum. في مرحلة أخرى سُميّت هذه الفاكهة بـ Punica granatum تخليدًا لذكرى الحروب البونيقية بين قرطاج وروما، أو ربما نسبةً إلى الكلمة اللاتينية puniceus التي تعني “القرمزي” وإضافة كلمة granatumالتي تعني “الوفير البذور” التي تحتويها الثمرة. في خصائص نموّها، كانت شجرة الرمّان، إلى جانب الزيتون والكرمة، تحتاج إلى تغذية طويلة الأمد، مثل فائدة الأمطار المتأخرة[2].
إنّ مَيْزة كثرةِ البذور داخل ثمرة الرمّان، جعل منها إحدى أبرز الرموز الشعبية، فكانت دلالة على الخصوبة والتكاثر، بالإضافة إلى مفهوم التعدّد الذي يُعبّر عن الثراء والتنوّع في الحياة الدينية والثقافية والاجتماعية، وهي تستند إلى تعدّد الآلهة وتعدّد رموز كلٍ منهم. شكلها الدائري ولونها القرمزي اللامع، وعصيرها اللذيذ المنعش، صيَّرها مادة تتغنّى بها جميع الحضارات، وتُتَوّجها فاكهة الآلهة. ظهورها في العالم القديم، في مصر والشرق الأدنى، اتّخذ رمزية واسعة من المعاني في الخصوبة والقوى الأنثوية، لتنتشر لاحقًا تلك الرموز في عالم البحر المتوسط، المتأثر دومًا بمراكز الحضارات الشرقية والمصرية.
منذ نشوء زراعته في بلاد فارس، اتّسم دور ثمرة الرمّان بوصفها إحدى الزخارف الأساسية الدلالية/الرمزية القويّة في الفنون، التي انتشرت في العالم القديم، مع حركة التجارة، التي ربطت مدن البحر المتوسط بالممالك الأساسيّة في الشرق ومصر، وذلك بين عامي 1400 و1200 قبل الميلاد. في تلك المرحلة تعمَّم استخدام الرمّان ليكون عنصرًا زُخْرفيًّا ونموذجًا رمزيًّا خاصةً في أشكال الأوعية المستخدمة لحفظ العطور والعصائر على مدى فترة طويلة من الزمن[3].
بلاد الرافدين
في الموطن الأصلي لشجرة الرمّان، في إيران وأفغانستان، كان قطر ثمرتها نحيف، يتراوح بين 3 و 5 سم، خلال الألفية الرابعة قبل الميلاد، إذ أتى أقدم ذكرٍ لهذه الثمرة في مملكة عيلام القديمة[4]. وزُرِعَت لاحقًا في بلاد الرافدين، لتنتقل من ثمّ إلى منطقة الشرق الأدنى في سوريا وفلسطين والأناضول، بحلول الألفية الثالثة قبل الميلاد، ومن ثمّ إلى مصر لتكون شجرةَ زينةٍ، في الألفيّة الثانية. في مقلبٍ آخر، انتشرت زراعتها في الاتجاه المعاكس، نحو الصين والهند، في فترة زمنيّة متقدّمة من التاريخ خلال القرن الثالث قبل الميلاد. بعد مرحلة انتشارها، حدث تهجين للرمّان، ليتحوّل من شجرة صغيرة لمتوسطة الارتفاع ولتُثمر ثمارًا كبيرة الحجم. ولربما كان للسومريين الدورُ الرائد في تطوير مسألة تطعيم الثمار، كما تُشير إليها الرسومات على جرّة من المرمر المنحوت، إذ تَظهر على جزئها السفلي أشجار الرمّان (مُطعّمة؟) بثلاث فروع، بالإضافة إلى الرسم التخطيطي لثمرة الرمّان الذي يبرز على بعض الأختام[5]. هذه الرسومات تُعَدُّ من أقدم الشواهد على زراعة الرمّان وهي تعود لعصر أوروك (4000- 3100 ق.م.) وهي الفترة الانتقالية من المجتمعات الزراعية إلى تأسيس أقدم المدن في بلاد الرافدين.
زرع سكان بلاد هذه المنطقة، الفواكه والخضراوات منذ القِدَم، واكتشاف البقايا النباتية في عدّة مواقع مدنية، ليست إلاّ شاهدًا حِسّيًا على النشاط الزراعي لتلك المجموعات الحضرية وتنوّع مُنتجاتها. كانت البقوليات مثل: الفاصوليا والبزلاء والعدس، تُهرس أو تُشوى ويُضاف إليها أنواع من البصل والثوم والكرّاث. كما عزّزت التوابل والأعشاب العطرية نكهة أطباقهم مثل: الملح والفلفل والخردل والزعتر والكزبرة والكمّون وغيرها. أمّا بخصوص الفاكهة، فقد كانت بساتينهم تُنتج أنواعًا مختلفة من الفاكهة، مثل: التين والتفّاح والأجاص والرمّان والعنب والجوز والفستق.
تَظهر ثمارُ الرمّان الحقيقية ورموزها خلال العصر البرونزي في المعابد والمقابر، ويبدو أنّ السومريين قد شاركوا في استئناس الرمّان، وسرعان ما أصبحت هذه الثمرة تحتلّ مكانة مُميّزة بين سائر الثمار، وذلك لتعدّد رموزها التي تُشير إلى الحياة والموت، ولارتباطها بالعلاقات الجنسية، خاصةً تلك التي تُثمر بالإنجاب. فقد كانت النساء الأشوريات يرتَدَين مُجوهرات على شكل رمّان، كالقلادة العاجيّة التي وجدت في قصر أشورناصربال الثاني في نمرود (القرن التاسع- الثامن قبل الميلاد)[6]، إذ إنّ عددًا كبيرًا من بذور الثمرة الموجودة في قشرتها المستديرة جعلها رمزًا للخصوبة. في السياق نفسه تأتي رمزيّة “الوَحْدة” من خلال اتّحاد البذور في قالب كروي الشكل، إلّا أنّ هذا الرمز اختلف بين الشعوب، حسب الثقافة والنصوص الدينيّة، فقد كانت الرموز الدائريّة والمُثلّثة ترمز إلى الكمال والوَحْدة عند السومريّين، وكان الأشوريون يعبدون الإله آشور، الذي يُمَثِّلُ وَحْدة الأمّة والسماء. أمّا الكنعانيون فتبنّوا لاحقًا النجوم والأشجار المُقدّسة ،التي قد ترمز إلى وَحْدة الحياة والطاقة الكونيّة.
تُعَدُّ بقايا حبوب الرمّان، التي اكتُشفت في مواقع المدن الرئيسة، من الأدلّة التي تكشف عن حياة شعوب منطقة الشرق وتقاليدها الغذائية والدينيّة. فقد عُثر على آثار لثمار متنوّعة في عديدٍ من المواقع الأثرية، التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، بما في ذلك في القبور والمعابد والقصور، ممّا يعكس أهميّة الفاكهة في الطقوس الدينيّة والاحتفالات المَلَكيّة. في أريحا، أقدم المدن الفلسطينية، عُثر في مقابرها على كنوز تعود إلى العصر البرونزي الوسيط (1850-1900 ق.م.)، حيث اكتُشفت فاكهة مُجفّفة وصندوق خشبي على شكل رمّانة[7]. وفي مرحلة لاحقة، خلال الألفية الثانية قبل الميلاد، نشر الفينيقيون زراعة الرمّان في المدن حول المتوسط، لا سيما في قرطاج، وشبه الجزيرة الأيبيرية، واليونان وإيطاليا. وبحلول القرن الخامس عشر قبل الميلاد، كان الرمّان قد ترسّخ في جميع أنحاء الشرق الأدنى، بوصفه محصولًا زراعيًا، وأصبحت الدلالات تصلنا عبر مكتشفات البقايا النباتية في مواقع أثرية ذات طابع سكني، مدفني، طقسي، أو اقتصادي.
ويبقى اكتشاف حطام سفينة في موقع “أولو بورون” قبالة الساحل الجنوبي لتركيا، واحدة من أبرز البراهين على حركة التجارة بين الشرق ومدن البحر المتوسط، خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد. يبدو أنّ السفينة انطلقت من ميناء كنعاني إلى وجهة مفترضة في منطقة بحر إيجيه، ومن بين الحمولة القيّمة التي اكتُشفت، مواد خام مختلفة، مثل: سبائك النحاس، والقصدير، والزجاج، والعاج، بالإضافة إلى مواد نباتية مخصّصة لإنتاج العطور، وفواكه متنوّعة، كما عُثر على كميّات كبيرة من الرمّان مُخزّنة في جرار خزفية خاصة لنقل المنتوجات إلى اتجّاهات بعيدة عبر البحر[8].
قدّمت إلينا فنون بلاد ما بين النهرين مشاهدَ مُتعدّدة لآلهة الخصوبة والرخاء مع باقات من الرمّان. ومن أبرز آلهة الخصوبة والوفرة، الإله مردوك المتعدّد الأسماء، حسب دوره في الأسطورة، فنجده “توتو.زي.كو”، “الإله ذو النفس المُنعم سيّد الاستجابة والرحمة مُنتج الثروة والوفرة ومُدعّم أسس الرخاء الذي يُحوّل إلى الكثرة كل قلّة” ، ويحمل حينًا اسم “اين بي لولو حي جال” الذي ” يُكدّس الوفر لجميع الناس ويُمطر على الأرض الرخاء”[9]. وما أفضل من ثمرة الرمّان بكل رموزها، لتكن قربان تقدمة، تعكس قدرات الإله.
في أناشيد الحب السومريّة، يَحضر الرمّان بوصفه عنصرَ خصوبة، في مفهوم الزواج والحب. في نص تحضير زواج إنليل من سود الجميلة، يأمر إنليل بإرسال “التمور، التين، الرمان الثقيل… االكرز، الخوخ…” وفي حوارية بين الملك شولجي والأخت الجميلة إنانا، بقصد إخصاب الحقول والبساتين، فيتوجه بالحديث إلى الآلهة إنانا قائلًا: “أي أختي أريد الذهاب معك لتفقّد شجر الرمّان واقطف منه.. الحلو والمعسّل…”[10].
كانت شجرة النخيل عمومًا هي الشجرة المقدّسة في بلاد الرافدين، فقد كانت الشجرة الكونية المحمّلة بالثمار عند الآشوريين، وفي بعض الحالات كانت تُصوّر مُمتلئة بثمار الرمّان. على أحد الأختام الآشوريّة، يظهر ملكان وكائنًا مُجنّحًا برأس نسر، وهم يؤدّون طقس الرَشّ على شُجيرة رمّان تُمَثِّلُ “شجرة الحياة” [11]، التي ذُكرت أيضًا في النصوص الأكاديّة والبابليّة، وعُدَّت شجرةَ الحقيقة المرادفة لشجرة المعرفة، وهي إلى جانب شجرة الحياة، تحرس البوابة الشرقية للسماء. إذ رأى البابليون الشرقَ جِهة مُقدّسة، ترتبط بشروق الشمس وبداية النور والحياة، وحارس بوابة هذا الشرق شجرة المعرفة، التي لم تكنْ مُجرّد نبات، بل محورٌ يربط الأرض بالسماء. هذه المشهديّة تأخذ بُعْدًا أسطوريًا عميقًا في ميثولوجيا بلاد الرافدين، تتقاطع فيه المفاهيم الدينيّة حول سرّ الوجود والمعرفة والاستمرارية.
الشرق الأدنى
في الشرق الأدنى وبلاد الشام، يكتسب الرمّان قيمة رمزيّة إضافية مرتبطة بالمَلَكيّة وبرموز الحياة، ولا تزال هذه الفاكهة، ثمرةً كانت أم شجرة، أحد أبرز العناصر الزخرفيّة الشائعة لتزيين المنسوجات والخشب والعاج والمعادن الثمينة. ذُكر الرمّان في النصوص الأوغاريتيّة، بوصفه مُعبّرًا عن السلطة الالهية، فارتبط بالمعبد والمكانة المَلَكيّة، فوجود ثمرة الرمان أو شجرتها في النقوش المَلَكيّة ليست إلاّ دلالة على القوّة والازدهار في النصوص الدينيّة. فأصبحت الثمرة تُمَثِّلُ الرأس المُميّز للصولجانات المَلَكيّة، كما غدت مادة تزيينية، مُنتشرة على أردية الكهنة والطبقة الأرستقراطيّة وفي مُجوهراتهم وحُلاهم[12].
في سوريا وفلسطين عُثر على عددٍ كبير من بذور الرمّان في تلّ السلطان وتلّ السعيدية، في مراحل التحضّر المبكر، خلال الألفيّة الثالثة قبل الميلاد. وازداد لاحقًا، انتشار الرمّان، في سوريا في الألفية الثانية قبل الميلاد، كما أظهرته المكتشفات الأثرية من بقايا نباتيّة في عدّة مواقع في المنطقة. ففي مدينة ايبلا، يُعتقد أنّ أشجار الرمّان زُرعت في الفناء الداخلي للنصب التذكاري الذي أقيم في المنطقة المقدّسة لعشتار، إذ ترتبط شجرة الرمّان أو الشجرة المقدّسة ارتباطًا وثيقًا بعبادة عشتار، آلهة الخصوبة الكنعانية وزوجة إيل[13]. وفي معبدٍ آخر في تلّ الضبعة، وُجدت بذور الرمّان في الفناء الأمامي للمبنى، وهو معبد من الطراز الكنعاني. أشجار الرمّان كانت أيضًا من بين مزروعات حدائق القصور.
في حفريات رأس شمرا في سوريا، أظهرت المكتشفات دلالات مُهمة لوجود إله سيّد، “يمتطي السحاب” ويقود صراعًا وجوديًا مع قوى الفوضى. إنّه الإله رمّون (أو رِمّان/هدد)، إله العاصفة والطقس والخصب عند الآراميين، في منطقة الشرق الأدنى القديم، ويرتبط ذكره ارتباطًا وثيقًا بـ “تل الفخيرية” في محافظة الحَسَكَةِ شمال سوريا، حيث اكتُشف أحد أهم المعالم الأثرية التي تُجسد هذا الإله[14]. ويُشار إلى “رمّون” في الكتاب المقدّس بصفته إلهًا كان يُعبد في سوريا القديمة، ولا سيّما في دمشق. ويُعتقد أنّ اسم “رمّون” مشتقّ من الجذر السامي الذي يعني الرمّان، وكان يُكرّم بوصفه قوّة طبيعيّة هائلة، تُجسّد عناصر المطر والخصوبة، وهي عناصر بالغة الأهميّة للمجتمعات الزراعيّة. تَرِد أبرز إشارة إلى معبد رمّون في العهد القديم في سفر الملوك: “… فليصفح الربّ لعبدِكَ، وهو انّي، عند دخول سيّدي بيتَ رِمّون ليسجد هناك، وهو يستندُ على يدي، اُسجدُ في بيتِ رِمّون.”(سفر الملوك الثاني 5:18)
تكرّر ذكر الرمّان في العهد القديم عدّة مرّات، لا سيّما في قصة سليمان الذي استدعى حيرام من صور، الحرفي القدير في صناعة النحاس، والذي شكّل عمودين طويلين مزخرفة بأشكال الرمّان ” فصَنَعَ رمّانات، فجعل صفّين منها على محيطِ الحبيكةِ الواحدة لتغطية التاج الذي على رأس العامود، وهكذا صنع للتاج الآخر… وكان على تاجَي العامودين فوقَ البطنِ الذي عند الحبيكة مِئتا رمّانةٍ على صفّين مُحيطَينِ بالتاج الواحد.”(سفر الملوك الأوّل 7/18-20). وفي سفر نشيد الأناشيد(4:3) الحبيب يصف حبيبته “جميلة انتِ يا خليلتي… وشفتاكِ كخيطٍ من القرمز وكلامُكِ عذبٌ. خدّاك كنصفَي رمّانة من وراء نقابك”(4:3) “قنواتكِ فردوسَ رُمّان مع كلِّ ثمرٍ لذيذ وحِنَّاءُ مع ناردين”(4:13)، ” هلُمّ يا حبيبي، لنخرج إلى الحقول ولنَبُت في القُرى فنُبكِرُ إلى الكروم وننظُرُ إلى أفرَخِ الكَرم وهل تفتّحَت زُهورُه وهل نَوَّر الرُمّان”(7:12-13).
مصر
الرمّان الذي نشأ في الشرق، أطلق عليه المصريون اسم “انهم” “inhmn”، واستوردوه خلال فترة الدولة الوسطى (النصف الأوّل من الألف الثاني قبل الميلاد)، حين وصل الرخاء الاقتصادي إلى ذروته. في تلك المرحلة، كانت نباتات مصر غنيّة للغاية، إذ لم تقتصر على النباتات المحليّة، بل شملت أيضًا أنواعًا أُخرى مستوردة تبنوها وزرعوها.
في البدء كان اهتمام المصريين في استراد شجرة الرمّان، مُتعلّق بجمال شكلها ولونها الخمري، فاستُعملت لتزيين حدائق المعابد والقصور، وكانت أزهار الرمّان القرمزيّة تحظى بتقدير كبير من البستانيين، إذ كانوا يُنسّقون باقات من زهر واوراق الرمّان لتقديمها إلى الآلهة. وقد أَلهَمَت الشجرة والثمرة على السواء الحرفيين، الذين استَوحوا من سماتها لتكوين أوانٍ خزفيّة، أو فضّية، أو زجاجيّة، لحفظ العصير ومُشتقّاته، أو في تزيين الأوعية وعلب المستحضرات التجميلية ومشابك الشعر.
لكن سرعان ما أدرك السكّان الفوائد الغذائيّة والعلاجيّة العديدة للرمّان. فأضحت بذوره الحمراء تُحسب من الأطعمة الشهيّة، وكان عصيره يُخمّر لصناعة النبيذ أو مُنكّها له. من المُحتمل أيضًا أنّ قِشر الرمّان كان يُستعمل ليكون إحدى المُكوّنات، لصناعة الزيوت والعطور[15]، كما استُخدم في صباغة الجلود. وقد كان له أيضًا خصائصُ علاجيّة في مداوات بعض الحالات المرضيّة، مثل الالتهابات المعوية الناتجة عن الديدان والطفيليّات الداخليّة والأمراض الجلدية كما ورد في برديّة الطب أيبرس 16، 17 و19 التي يعود تاريخها إلى حوالي 1550 قبل الميلاد[16]. لم تقتصر الفوائد العلاجيّة على الثمرة، بل استُخدمت جذورها لعلاج بعض أنواع العدوى.
لم تكنْ شجرة الرمّان شجرةً مُقدّسةً في مصر القديمة، ورغم ذلك يُعتقد أنّها كانت رمزًا للخصوبة بسبب كثرة ثمارها، وهذا ربما ما يُفسّر وجود الرمّان داخل المقابر. هذه الفاكهة تظهر في الرسومات التي تُزيّن جدران المقابر، وغالبًا ما تُصوّر بوصفها تقديمات جنائزيّة متناسقة مع فاكهة أخرى، أو مترابطة مع أشجار مُثمرة أخرى، كما أنّها تُرسم وهي تنمو في حديقة الميت المثالية.
كان الرمّان يُقدّم بوصفه إحدى الهدايا والقرابين المَلَكيّة إلى الآلهة، إمّا ثمارًا كاملة، وإمّا على شكل باقات زهور تحمل كل رموز الحياة والخصوبة والوفرة. بوصفها فاكهة ذات شكل خرجي وداخلي موحيين، تُضفي الرمانة هيبةً ووقارًا في صورة تاج قشرتها الوردية الذي يعلو الثمرة، الذي يُشبه التاج الملكي.
في لوحة “الحديقة النباتية” التي تُزيّن جناحًا خاصًا من غرف معبد آمون رع في الكرنك، يَبرُزُ نقشٌ يُظهر إعجاب المصريين بخصوبة الرمّان العالية. أهميّة هذه اللوحة أنّها تُحدّد “الفواكه والخضراوات التي وجدها جلالته (تحتمس الثالث) في بلاد لايتينو (شمال سوريا)”[17]، ومن بينها الرمّان الذي صُوّر على هيئة شجرة صغيرة، بالإضافة إلى عنقود ثمار غزير الإنتاج. وفي مشهدٍ آخر يَظهر الفرعون سيتي الأوّل وهو يُقدّم القرابين إلى مَرْكَب الإله آمون في أبيدوس[18]، كما يُصوّر بوصفه تقدمةً إلى الآلهة في مقابر خاصة مثل مقبرة الكاتب الملكي “روي” وزوجته “نبتاوي” الواقعة غرب مدينة الأقصر[19].
يتجلّى الرمّان عدّة مرّات في مشاهد “مهرجان أوبت” الذي يُقام سنويًا في معبد الأقصر، وهو أحد أهم الاحتفالات الدينية لتجديد شباب الآلهة[20] . كما أظهرت الدراسات الحديثة أنّ الرمّان هو “إكسير الشباب” نظرًا إلى خصائصه التجديديّة.
إلى جانب مشاهد المعابد والمقابر والوثائق المكتوبة حول نباتات مصر القديمة ، تُوَفّر بقايا النباتات المكتشفة في المواقع الأثرية، مصادر إضافية تُساعد في إعادة بِناء المعرفة حول الممارسات الزراعية في المُجتمعات الحضرية[21]. فإلى جانب ذكره في النصوص الجنائزيّة[22] اُستُخدم الرمّانُ في الطقوس المدفنيّة في مصر القديمة، كما أنّ وجوده في المقابر كان من العناصر الأساسيّة لاستكمال الحياة ما بعد الموت.
فقد عُثر على ثمار رمّان مُتحجّرة في بعض المقابر إلى جانب أوعية زجاجية وخزفية، أيضًا على شكل الثمرة. أقدم رمّانة كاملة وهي ثمرة مُجفّفة كبيرة الحجم، تعود إلى عصر الدولة الحديثة، عُثر عليها في مقبرة “دجحوتي” الذي شَغل منصبًا مشرفًا على الكنز في عهد حتشبسوت وتحتمس الثالث [23]، ورمّانة أخرى تعود إلى “بينيري” المشرف على الأراضي الجنوبية، أيضًا في عهد حتشبسوت. كما عُثر على حبّة رمّان في مقابر المايا التي يعود تاريخها إلى الأسرة الخامسة عشرة.
في رمزيّةٍ أخرى، لطالما استُعمل الرمّان للإشارة إلى جمال المرأة، ففي بردية تورين، يَذكر نص يعود إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد، شجرة رمّان تتباهى بلمعة بذورها، وبشكل ثمارها التي تشبه استدارة صدر سيّدتها، وجمالها الذي يُضاهي جمال سائر الأشجار: “ترفع شجيرة الرمّان صوتها خافتًا مُلحًّا، وحادًا: بذوري تلمع كأسنان سيّدتي، وشكل ثماري مستدير كصدرها. أنا شجرتها المفضّلة، أعلم، أحلى شجرة في البستان، أبدو بأبهى حُلّة في كل الفصول”(بردية تورين، ، ترجمة (Turin [24]
خلاصة
هل يُمكننا تصنيف الرمّان منذ نشوئه في الشرق وانتشاره، بوصفه سلعة فاخرة، أو على الأقل مُنتجًا مُخصّصًا لاستهلاك النخبة؟ إنَّ اكتشافات القطع الأثرية المُتّقنة الصنع من مواد نادرة، والمشاهد الفنيّة المرتبطة بالرمّان وبقايا الثمار، في مواقع متّصلة بطبقات اجتماعيّة رفيعة المستوى، كالمعابد وقبور الأعيان والملوك، ليست إلّا دلائل حسّية على القيمة الكبيرة لهذه الفاكهة. كما أنّ العناصر التصويريّة والفنيّة تميل إلى تجسيد مواضيع تعكس حياة النُخبة. إلى جانب قيمته بوصفه مُنتجًا نادرًا وثمينًا وغير مُتاح لعامة الناس، كان للرمّان دلالاتٌ رمزيّة مرتبطة بالموت، وذلك نظرًا لتكرار العثور عليه في المدافن.
على مرّ الألفيات الثلاث ما قبل الميلاد، لعب الرمّانُ دورًا محوريًّا في اقتصاد الشعوب القديمة وحياتهم اليوميّة، فضلًا عن مكانته في المجالات الرمزيّة والدينيّة المرتبطة بالحياة والموت. وقد عَمَدَت مختلف الثقافات، بدءًا من الألفية الثالثة، إلى إدراج هذه الثمرة في الروايات التفصيلية التي سَعَت إلى بيان خصائصها الإيجابيّة المُتعدّدة. أصبح الرمّان، إلى جانب التمر والتين والعنب، فاكهة مُميّزة لمجتمعات الشرق الأوسط ومصر وبلاد بحر إيجيه والحوض المتوسط، وقد عُدَّت منذ بدء ظهورها، ثمرةً مُقدّسة، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالسلطة، إذ انتقلت من أيدي الآلهة إلى أيدي الملوك.
______________________________________________
المصادر والمراجع:
[1] Nigro Lorenzo, Spagnoli Frederica, Pomegranate (Punica Granatum) from Motya and its deepest oriental roots, Vicino Oriente XXII, 2018 p. 50.
[2] Pline l’Ancien, Histoire Naturelle, Livre XVII.
[3] Nigro & Spagnoli, 2018, p. 54, fig.7.
[4] خمائل شاكر ابو خضير ، الرمزية في الفكر الديني في حضارة بلاد الرافدين وحضارة ايران قديما، جامعة المستنصرية/ كلية التربية الأساسية، ذي القعدة العدد 55، 2016 ص. 443-500.
[5] Nigro & Spagnoli, 2018, fig.2.
[6] Mallowan, Max E.L.Nimrud and its Remains I. London: Collins, pp. 137-138, 1966, fig 78.
[7] Kenyon, K.M. Excavations at Jericho I. The Tombs excavated in 1952-1954, London 1960.
- XVII, 1, 17.
[8] Haldane, C. Direct evidence for organic cargoes in the Late Bronze Age: World Archaeology 24
(1993), pp. 48-60.
[9] قاسم الشوّاف، ديوان الأساطير الكتاب الثاني ألآلهة والبشر، دار الساقي 1997ص. 203 و 207
[10] قاسم الشوّاف، ديوان الأساطير. الكتاب الأوّل اناشيد الحب السومريّة، دار الساقي 1996، ص. 58، 170
[11] Muthmann, F. Der Granatäpfel: Symbol des Lebens in der alten Welt, Fribourg 1982.
عبد الأمير الحمداني، صورة النخلة في المعتقدات الرافدينيّة، مجلة الآداب السومرية- العدد الرابع- السنة الثانية، تشرين الثاني ،2009.
[12] Nigro, Spagnoli, 2018 p. 79.
[13] Yon M, Caubet A., Mallet J., Lombard P., Doumet C., Desfarges P., Fouilles de Ras Shamra-. Ougarit 1981-1983, in Syria. Tome 60 fascicule 3-4, 1983. p. 222.
[14] بروس، ألكسندر بغدو، عبد المسيح، تل فخيرية : تقرير حول الموسم الأول لأعمال التنقيب الألمانية-السورية 2001-. الحوليات الأثرية العربية السورية، مج. 48، ع. 2005، ص. 61-72
[15]Ward C., Pomegranates in Eastern Mediterranean contexts during the late Bronze Age, World Archaeology 34(3), 2003 p. 524-41.
[16] Ref. Grafton Smith, Ancient Egyptian medicine, the papyrus Ebers, Chicago, 1974.
[17] Ward 2003: 533.
[18] Calverley, A. M., Broome, M. F. and Gardiner, H. 1933. The Temple of King Sethos I at
Abydos (I). London: The Egypt Exploration Society, 1933 اللوحة7.
[19] Porter, B. and Moss, R. Topographical Bibliography of Ancient Egyptian Hieroglyphic Texts, Reliefs, and Paintings (I). Theban Necropolis, Part 1. Private Tombs. Oxford: Griffith Institute 1960, p. 166.
[20] Epigraphic Survey. 1994. Reliefs and Inscriptions at Luxor Temple (I): The Festival Procession of Opet in the Colonnade Hall. Oriental Institute Publications 112. Chicago: University of Chicago Press, 1994 لوحة 56 ،
[21] Germer R. Flora, in D. Redfordet (eds), The Oxford Encyclopedia of Ancient Egypt (I), Oxford University Press, 2001 p. 535-41.
[22] Ref. Ezz el-Din Dina M. & El Kasrawi Sarah Farouk, Pomegranates of ancient Egypt: Representations, uses and religious significance, 2018.
[23] Murray, M. A. 2000. Fruits, vegetables, pulses and condiments. In Ancient Egyptian Materials and Technology (eds P. T. Nicholson and I. Shaw). Cambridge: Cambridge University Press, p. 612.
[24] Papyrus, 12th century BC, translate in Foster 1992, p. 84-85.