لم يَعُدْ من الممْكن للباحثين في الفكر العربي الإسلامي وتراثه الذهولَ عن دراسات الأستاذ رضوان السيد وكتاباته التي ترسمُ -في تداخلها- معالمَ مشروعٍ فكريٍ يُسعف الوعي العربي بفهم معقول لكثيرٍ من أسئلته المُقلقة، ويعمل على تجديد فكرهِ السياسيِّ ويستأنف فيه رُوح المشروع النهضوي[1]. فإلى أنَّ السيِّدَ حقّقَ كثيرًا من النصوص المركزية في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي وَفْق منهجيةٍ في الدراسة والتحقيقِ تُضارعُ -في صرامتِها ودقتِها- منهجيةَ كبار المحقِّقين من مستشرقين وبحَّاثة عرب، فارضًا نفسه بوصفه واحدًا من أبرز المحققين المعاصرين للتراث العربي-الإسلامي ونصوصِه[2]، فإنه استطاع أنْ يُطوِّرَ منظورًا خاصًا في مقاربة التراث، يجمع فيه بين النَّفَسِ التاريخي الواعي باستمرارية إشكالياته وأسئلته حاضرةً في الراهن، وفرادة الرمزي والديني والسياسي في التجربة الإسلامية، والهاجسِ الإصلاحيِّ الذي استبَدَّ بوعيه وجعل من قراءاته للتراث محاولةً لفهم وضع عربي مأزوم، وتفكيرًا في سُبل مواجهته والانفلات من قبضته في جوٍّ سياسي وفكري يَحُوْل فيه الالتباس دون الإمساك بكل تفاصيل الأسئلة ومفاهيمها الكبرى الأساسية، ويفرض على الباحثين العرب خوضَ معركة تدقيق المفاهيم واستلالِها من قبضة التوظيف السياسي والأيديولوجي، وفهمها على ضوء “حوارية النص والاجتماع والتاريخ” الإسلامي[3]. لا يتقدَّم السيِّدَ إلى مشهد الثقافة العربية في صورة الباحث والدارس المحقِّق فقط، وإنما في صورةِ المثقف المسكون بأسئلة راهنه والمنخرط -بقوَّة- في التفكير في وضعية العالم العربي ومصائره الممكنة[4]، وعلى ضوء هذا المعطى يَحْسُنُ أن نفهم طبيعة قراءاته للتراث كما للفكر المعاصر، العربي والغربي على حدِّ السواء، عندما يقاربُ التاريخ الإسلامي بدقةٍ الدارس المحقق، لكنه لا يُسْقِطُ من حساباته التأويلات المعاصرة له المحكومة بالصراع على الإسلام وتراثه، ولا أشكال توظيفها في المعارك السياسية الراهنة.
سليلُ المدرسة الاستشراقية الألمانية
هذا هو المنظورُ الذي أقترحُ أن نقرأَ على ضوئهِ تصوُّرَ “السَيِّد” للاستشراقِ وخطابه. فقد حاورَ -في جُلِّ كتاباته- الاستشراقَ بطريقة من الطرق؛ نلفي ذلك في دراساته التي أفردها للفكر الإسلامي وتاريخه، كما في تحقيقاته لنصوص التراث، وفي دارسته للفكر العربي الحديث والمعاصر وأسئلته، هذا علاوة على انصرافه إلى ترجمة بعض كتب المستشرقين، في خُطوة رمت إلى التعريف بإسهاماتهم والإفادة منها. و”السَيِّد” ليس بالباحث الغريب عن الاستشراق*، إذ هو سليلُ المدرسة الاستشراقية الألمانية التي خبر منهجها وتطبيقاته، وكانَ من أبرز المدركين لمآلاته ومصائره؛ كما أنه يشاركُ المستشرقين الكبار درايتهم الدقيقة بتاريخ الفكر العربي الإسلامي وتُراثه ونصوصه. وإذ كانت بحوثه نموذجًا للدراسات الرصينة التي يتقاطعُ فيها التبحُّر في التاريخ والتراث العربي الإسلامي بتملُّك مناهج البحث الغربية التي يأتي على رأسها منهج التحليل الفيلولوجي-وهو ما مَكَّنَ “السَيِّد” من نقْد مواقف المستشرقين عن طريق بيان قصور منهجهم على فهم كثير من أحداث التاريخ الإسلامي وأفكاره[5]– فإنَّ ترجماته لنصوص بعض المستشرقين* تبقى علامةً دالةً على وعيه بأهمية الخطاب الاستشراقي وإمكان الإفادة من مكتسباته المنهجية كما من عيوبه ومعاطبه. إلى هذا الهاجس المعرفي الذي يُفسِّرُ اهتمام “السَيِّد” بالاستشراق، ينضافُ عاملُ السياق الحضاري كما يتجسّدُ في علاقتنا المتأزمة بالغرب، التي تجعل من التفاعل مع الاستشراق مطلبًا مُلحًا لا مهرب منه، ما دام أنه مرتبطٌ بكثيرٍ من الأحكام والصورة النمطية التي يتغذى منها الوعي الغربي في رؤيته إلى العالم الإسلامي وتاريخه، خاصة وأنَّ ‘‘العَلاقة -والقوْلُ للسيّد- بين الغربَيْنِ: الأمريكي والأوروبي من جهة، والعرب والمسلمين من جهة أخرى في العقود الأخيرة، إحدى أكثر مراحلها خطورة وتوترًا’’[6]، وهي مرحلة لا تقتضي فقط مراجعة موقفنا من الذات والآخر، وإنما الإسهام في تطوير معرفة بهما تمكِّننا من ‘‘إعادة كتابة تاريخنا الثقافي والعقدي’’.
مَقُولة الإرهاب
إضافة إلى ذلك، أتى تناولُ “السَيِّد” للاستشراق في سياقٍ ثقافيٍ غلَبَ عليْه موقفٌ نقديٌ/سلبيٌ- إن لم يكنْ عدميًا- من هذا الخطاب، أملته مرحلة تحرر الدول العربية من ربقة الاستعمار، وتصاعُد المدِّ الإسلامي والحركات الأصولية الرافضة للغرب وثقافته ومناهجه، والتي تبدَّت بحدَّة أكبر عقبَ هزيمة 67، وتطور القضية الفلسطينية، وصولًا إلى ما أحدثه الحادي عشر من سبتمبر (2001) من منعطف في مسار التمثل الغربي للإسلام عندما اختزله، بطريقة مُجحفة، وأكثر من أيِّ وقتٍ مضى، في مَقُولة الإرهاب. لذلك كانَ من الطبيعي أن يُختزَلَ نقدُ “إدوارد “سعيد”” للاستشراق، على أهميته ومكانته المعرفية، في توظيفاته النضالية ضدَّ الغرب وحداثته ونزعته الإمبريالية[7]، وأن يرى فيه دعاة صراع الحضارات دليلًا على وجاهة أطروحتهم ومعقوليتها، خاصَّةً وأنَّه أقامه على العلاقة الجوهرية بين المعرفة والسلطة وَفْق فرضية “فوكو” التي استند إليها في تفكيكه لتلك العلاقة. اتخذت فرضية “فوكو” تلك -في مقاربة “سعيد”- صورةَ علاقةٍ جدليةٍ بين الاستشراق كونه قوةً ثقافيةً ومعرفةً ترى في الشرق -والإسلام خاصةً- موضوعًا لها، والمؤسسة الاستعمارية التي ظلَّ يُشدِّد على إفادتها منه وتسخيرها له[8]، وهذا ما أضفى المشروعية على التنقيب عن جراثيم الإمبريالية في ثنايا الثقافة الغربية ورؤيتها الضمنية إلى الآخرِ وتعقُّب حضورها في مختلف قطاعاتها الكبرى؛ في الأدب كما في الموسيقى والشعر والرحلات … وهذا مما أضفى على مَفهوم الاستشراقِ نفسه معنىً عامًا وفضفاضًا في متن “إدوارد “سعيد””.
وإذا كان مثقفٌ مثل: “الجابري” قد فضَّلَ، في كثيرٍ من بحوثه، النأيَ عن المستشرقين وخطابهم[9]، فإنَّ “السَيِّد” ما انفكَّ يستحضرُ هؤلاء ويحاورهم، وعيًا منه بخطورة الإعراض عن إنجازاتهم المعرفية، وما قد يترتب على ذلك من إفقار لمجال الدراسات الإسلامية التي تحتاج إلى تجديد فعلي؛ ومن ترسيخ الموقف العدمي من الغرب وعقلانيته في مستوى البث الأكاديمي ومناهجه. من هنا يبدو استشكال “السَيِّد” للاستشراق، جزءًا من مشروعه الأكاديمي المُتعلق -أساسًا- بإعادة تشييد حقل الدراسات الإسلامية بوصفه خُطوةً -لا محيد عنها- في سبيل رسمِ صورةٍ عن ذاتنا وعن الآخرِ؛ كما يبدو مكونا من مكونات تصوره للموقف من الغرب وعقلانيته بصفة عامة.
يعني هذا القولُ -من بين ما يعنيه- أنَّ موقف “السَيِّدِ” من الاستشراق لم يكن ببساطة ردَّ فعلٍ على كتاب الاستشراق “لإدوارد “سعيد”” كما قد توحي بذلك عنايته الكبيرةُ به وبمشروعه النقدي. ولكن ينتظمُ اهتمامُ “السَيِّدِ” بأطروحة “سعيد”، وبغيره من نُقّاد الاستشراق من المثقفين العرب، في سياق مشروعه الفكري الذي فرض عليه اتخاذ موقف معرفي ونقدي من الاستشراق بحسبانه نموذجًا، من بين نماذج معرفية ومنهجية أخرى، يُمكن الإفادة منه في دراسة ماضِ الإسلامِ وحاضرهِ دراسةً نقدية وتاريخية، ممَّا يُمَثِّلُ شَرْطًا لا مَحيدَ عنه لتصحِيحِ فهم كثيرٍ من مفاهيم فكرنا السياسي وقضاياه الراهنة. ليس التفكيرُ في الاستشراق، عند “رضوان السَيِّدِ”، تَرَفًا فكريًا ولا مُجاراةً لموجةِ التشنيع على الغرب وإعلان الانعتاق من سطوته على الوعي العربي المعاصر. كما أنَّ تناوله لهذا الخطاب لم يتَّخذ صورةَ سجالٍ عقيم مع ممثليه أو نقَّاده الناقمين عليه، بقدر ما صدر عن وعيٍ بطبيعة الوضع المأزوم الذي آلت إليه علاقتنا بالغرب، وعن همٍّ معرفي حمله على البحث عن سبل إرساء دعائم علاقة نقدية به، من شأنها أن توسِع الباب أمام نقده معرفيًا؛ وتتيح -في الآن ذاته- إمكانَ الإفادة منه في سياق حاضري يفرض علينا الانفتاح أكثر على المعرفة الغربية ومُستَجدَّاتها المتعدِّدة والغَنية[10]. بناءً على ذلك نتساءل: ما موقع نقدِ “السَيِّدِ” للاستشراق ضمن دوائر النقد العربي المعاصر لهذا الخطاب؟ بأيِّ معنىً يكون تناولُ “السَيِّدِ” للمستشرقين ونقده لخطابهم وترجمته لنصوصهم محاولةً لصياغة “نموذجٍ معرفيٍ” للتعامُل مع هذا التخصص الأكاديمي، ومن خلاله مع المعرفة الغربية وعقلانيتها بصفة عامة، يُفيد في استيعابها واستثمارِها في فهم قضايا التاريخ والراهن العربيينِ؟
ترمي هذه الدراسة إلى بيان اندراج مقاربة “رضوان السَيِّدِ” للاستشراق في سياق رؤيته التجديدية لحقل الدراسات الإسلامية، وأنَّ نقده لخطاب المستشرقين ونقّادهم يُمَثِّلُ خُطوة في طريق ذلك التجديد. ونقترح أن ننطلق -في سبيل هذه الغاية- من تعيينِ موقع هذا النقد ضمن سياق النقد العربي للخطاب الاستشراقي، إذ سنتبيَّنُ -بعُجالة- صلةَ “السَيِّدِ” بذلك النقد عامة وبنقد “إدوارد “سعيد”” الجذري الذي رآهُ “ضربةً قاضية” وُجهت إلى الاستشراق؛ لنتناول -بعد ذلك- مقاربة “السَيِّدِ” للمنهج الفيلولوجي وما ترتب على نقده من موقف جذري تجسَّدَ في أطروحات المستشرقين الجُدد؛ هذا قبل أن نقف على تفكيكِ هذا المفكّر للمضمون الإيديولوجي للاستشراق، في نقده لخطاب أنثربولوجيا الإسلام أولًا، وللاستشراق الصهيوني وتوظيفاته السياسية ثانيًا.
أولا: “رضوان السَيِّدِ” والنقد العربي للاستشراق.
كانَ صدور كتاب الاستشراق “لإدوارد “سعيد”” حدثًا فكريًا قويًا، ارتفع بخطاب الاستشراق إلى مستوى السؤال المركزي في الثقافة العربية المعاصرة، وفرض على المثقفين العرب اتخاذ موقف منه بوصفه عنصرًا من عناصر الثقافة الغربية وأحد أهمّ مرتكزات رؤيتها إلى الشرق والإسلام والعرب. مدارُ نقد “سعيد” للاستشراق على اقترانه بالمشروع الاستعماري وتجذُّره في رُؤيةٍ سلبية إلى الشرق عامَّة، وإلى الإسلام والعالم العربي على وَجْه التحديد. وقد ذَهبَ هذا المفكرُ بعيدًا في تأكيد دورِ المستشرقين في رسم صورة حالكةٍ عن الشرق في المِخيال الغربي، أتت تستجيبُ لمتطلبّات المشروع الاستعماري وتُسوِّغ كثيرًا من مواقفه واختياراته[11]. والحقُّ أنَّ “سعيدًا” لم يَكن وحدهُ من أقدم -من بين المفكرين والباحثين العرب- على مُراجعة الخطابِ الاستشراقي ونقده، بقدر ما كانَ نقده ذاكَ حلقة في سلسلة النقد العربي لهذا الخطاب، ركَّز أصحابه على جانبين مُهمَّيْن كشفا عن أزمته ومحدوديته؛ تجذُّره في الصورة النمطية الغربية عن الإسلام والشرق[12] وتورطه في المشروع الاستعماري من جهة؛ وقصوره المنهجي النابع من ارتباطه الجوهري بالمنهج الفيلولوجي ذي النفسِ التاريخاني، الناجم عن غفلته عن مكتسبات العلوم الإنسانية وثورتها من جهة ثانية. يُمكن تَعقُّب بدايات النقد العربي لصلة الاستشراق بالتبشير والمشروع الاستعماري في أولى لحظات تفاعل الوعي العربي الحديث مع ممثلي هذا الخطاب، كما هو واضح من سجال “محمد عبده” مع “هانوتو”، وردُّ “رشيد رضا” على “درمنغهام”[13]، ووصولًا إلى أعمال “محمد كرد علي”، “والفرّاج”، “ومحمد البهي”، “والندوي”، “ومحمد حسين”، “ومحمود زقزوق”.
تضخّم سؤال الهُوية
ويَحْسُنُ أن نقرأ هذا التلقي في ظلِّ المتغيرات الثقافية والسياسية التي عرفها العالم العربي في سياق تفاعله مع الغرب وقوته السياسية والمعرفية، وهو سياقٌ اتسم باحتدام المواجهة مع الغرب وظهور الدولة الصهيونية، والصراع السياسي الداخلي بين السياسي والثقافي في معظم الأقطار العربية. وهذه كلها عوامل قادت إلى تضخّم سؤال الهُوية وهيمنته على الوجدان العربي الإسلامي، فصارت مُحاكمة الاستشراق تنضحُ بكلِّ هذه المتغيرات وتبتعد -بدرجة أو بأخرى- عن إطارها المعرفي والعلمي. وعندما يصفُ “السَيِّدُ” حصيلةَ هذا الضرب من التلقي العربي للاستشراقُ بالضئيلة[14]، فإنه يُشير بذلك إلى المنزع الدفاعي الذي غلب على أصحابها (من الإسلاميين الأصُوليين خاصَّةً)، والذي مثّل عائقًا مَعرفيًا حالَ دون إفادة الفكر العربي من الدراسات الاستشراقية ومناهجها.
أزمة الاستشراق الكلاسيكي
وإذا كانَ نقدُ صلة الاستشراق بالمشروع الإمبريالي قد بَلَغ ذُراه مع كتاب “سعيد” الاستشراق، مُكرِّسًا بذلك تقليدَ نقد المركزية الغربية في السياق الفكري العربي المعاصر على نحو ما نجدُه عند “سمير أمين وجورج قرم”[15]، وموسعًا الباب أمام الباحثين لتفكيك صلة المعرفة بالسلطة في المنظور الاستشراقي[16]، فإنَّ مفكرين مثل: “أنور عبد الملك، ومحمد أركون، وعزيز العظمة، وعبد الله العروي، وهشام جعيط”، ركزوا أكثر في القصور المنهجي الذي يعتور هذا الخطاب ويحول دون اتخاذه نموذجًا لدراسة الإسلام وتاريخه. فقد عابَ “أنور عبد الملك” على الاستشراق الكلاسيكي تأصّله في سردية انحطاط الشرق وتحوُّله إلى موضوع جامدِ وغير فاعلٍ في التاريخ[17]، داعيًا -في مقابل ذلك- إلى تشرُّبِ درس الاستشراق الماركسي ومنظوره المنهجي الذي ذاعَ صيته في الدول الاشتراكية، بُعَيْدَ الحرب العالمية الثانية، بل وعليه يُعوِّل لإعداد باحثين قادرين على بِناء فهمٍ أشملَ للإسلام وتاريخه يتجاوز الرؤية الجوهرية التي هيمنت على الاستشراق الكلاسيكي. هذا ما يسمحُ باستنتاج أنَّ أزمة الاستشراق، تلكَ التي اتَّخذَ منها “أنور عبد الملك” موضوعًا لمقالته الشهيرة، لم تكُن أزمة الاستشراق في عُمُوميته، وإنما قصَد بها صاحبُها أزمة الاستشراق الكلاسيكي لا غير، وهو من هذه الجهةُ لم ينفِ عن الاستشراق، في صيغته الماركسية، مشروعيته المعرفية والمنهجية بقدرِ ما تَبَرَّمَ من الحكم الكلاسيكي الغربي على الإسلام وتاريخه[18]. ينبِّه “جعيْط” -هو الآخرُ- إلى وجودِ صلة متينةٍ بين الاستشراق والصورة النمطية التي تكوَّنت في الوعي الغربي الوسيط عن الإسلام والشرق، ولا يرى فيه غيرَ استمراريةٍ لتلك الصورة وتكرارٍ للأحكام النمطية عينها التي تناسلت من هذا الوعي، ولا يَنظرُ إلى الإسلام إلاَّ بمقارنته مع المسيحية و‘‘تفوُّقها’’ المزعوم الذي يتغذى منه المخيال الغربي[19]. وقد انتبه “عبد الله العروي” -بدوره- إلى المنظور الاختزالي والاسقاطي الذي يوجِّه قراءةَ الاستشراق للتاريخ العربي الإسلامي، كاشفًا بذلكَ عن محدوديته النابعة من حصره المجتمع العربي في الحاضر، كما من سطحيته ونتائجه الهزيلة[20]، وانجرارهِ إلى نزعةٍ ثقافية اختزالية[21]. أمَّا نقدُ “محمد أركون” للاستشراق (الذي يُفضل وسمه بـ الإسلاميات الكلاسيكية) فقد أتى في سياق تفكيره في تأسيس ‘‘إسلاميات تطبيقية’’ قادرةٍ على تجاوُز المنظور اللُّغوي التاريخاني[22]، قصد التفكير في المنسيِّ واللا مفكر فيه في تاريخ الفكر الإسلامي، مُستلهمًا بذلك رُوح الثورة المعرفية التي تمخضت عن نشأة العلوم الإنسانية في الغرب الحديث[23].
على أنَّ هذا التمييز بين القراءَتين لا يعني أنَّ الثانيةَ منهما تجاهلت الأبعاد الإيديولوجية للاستشراق وصلته الممكنة بالمشروع الإمبريالي، عندما تكتفي بتعقب قصوره المنهجي، ولا أنَّ الأولى ظلت حبيسة في تلك التبعية دونما إدراكٍ للصعوبات المنهجية التي يواجهها منظوره المعرفي، إذ يقود النقدان معًا إلى النتيجة عينها؛ الإقرار بأنَّ الاستشراقَ بات اليوم في أزمة تستدعي مراجعته ونقد أسسه المعرفية وبنيته المفاهيمية، من أجل بلورة منظور معرفي قادرٍ على استيعاب الإسلام وأسئلته، في سياقٍ حضاريٍ بلغت فيه العلاقة بالغرب مستوى غير مسبوق من التأزم، غلب عليه تصاعُدُ خطاب الهُويات المنغلقة، القاتلة (وَفْق وصف أمين معلوف) وصراع الحضارات والكفر بالآخر وثقافته. إنَّ الوعيَ بفرادة هذا السياق الحضاري وأزمة الدراسات الإسلامية هو ما وسمَ مقاربة “رضوان السَيِّدِ” للاستشراق. وهو، ولئن كان مُدرِكًا لأثر نقد “إدوارد “سعيد”” القوي الذي هزَّ أسس مشروعية الخطاب الاستشراقي في الأوساط الفكرية الغربية والعربية، فإنه ظلَّ متوجسًا من مآلات هذا الخطاب بعد موجةِ النقد التي أطلقها كتاب “سعيد” ومن اقتفى أثرهُ. نقرأ للسَيِّدِ قولهِ؛ “ونحن اليومَ على مفترق طرق، بعد التسليم بضخامة وعظمة ما حققه الاستشراق وأنجزه طوال أكثر من قرنٍ ونصف القرن. الطريقة الأولى طريقةِ “أدوار “سعيد””، والإسلاميين النقديين، والمراجعين الجذريين. وهي طريقةٌ هدميةٌ ناقضةٌ، وإن اختلفت مسالكها بين الفرق الثلاث اختلافًا شاسعًا (…) والنقديون الجذريون والمراجعون الجُدد فريقان: فريقٌ تفكيكيٌ ذو نزوع أنثربولوجي، وفريقٌ يتوسَّلُ طرائق التفكيكيين والأنثربولوجيين، ليحطم الصورة السائدة في الدراسات العلمية (الاستشراقية) عن المسلمين وحاضرهم”[24]. يُشير وصف الوضع المعرفي الراهن للاستشراق بـ “المفترق” إلى نهاية تقاليده الكلاسيكية بعد أن استنفذت إمكانات وجودِها، وإلى أنَّ دراسةَ الإسلام ليست منفصلة عن أشكال التوظيف الإيديولوجي التي ما انفكت تكبح تقدمها. “فإدوارد “سعيد”” يريد “التخلصَ من الإمبريالية. ويريد القيام بمراجعة أو ‘كشف حسابٍ’ بين حضارتين أو ثقافتين عالمتين في لحظة من لحظات التأزم والتفجُّر. والهدفان مشروعان (…) والإسلاميون يلعنون الغرب والغربيين، ولا يريدون تقبُّل شيء منهم أو أيّ شيءٍ يعتقدونه واقعًا تحت تأثيرهم”[25]، كما أنَّ مآل الاستشراق في الدوائر الغربية لا يطمئن أبدًا، بسبب ظهور تيّارات تفكيكية جذرية أتت على إبادة مُسلمات التاريخ العربي وعمّقَت الهوَّة بين الوعيَين الغربي والإسلامي.
اتخذ تناول “السَيِّدِ” للاستشراق صورَةَ حوارٍ مع هذه التياراتِ التي أفرزها نقدُه ومحاولات تجاوزه في الأوساط الأكاديمية العربية والغربية؛ تيّار “إدوارد “سعيد”” ومن نهل من ه-بل وسخَّره لأغراضه الخاصة- من الحانقين على الغرب باسم الإمبريالية والهُوية أولا؛ تيّارُ الاستشراقِ الجديد الذي يزعم إعادة بناء تاريخ الإسلام من خارج دوائر نصوصه وتقاليده ثانيًا؛ تيّارُ الدراسات الأنثربولوجية الذي اكتسح حقل الدراسات الغربية بعد أفول الاستشراق الفيلولوجي. يتعلق الأمر -إذن- بمحاولةٍ لتشخيص الوضع المعرفي للاستشراق في السياق الفكري والسياسي الذي يعيشه العالم العربي في ظل صلته بالغرب، وهو ما من شأنه أن يُتيح فهم أزمة هذا الخطاب وطبيعة الصلة التي يُمكن أن ننسجها معه اليوم.
ثانيًا: في نقد أطروحة إدوارد “سعيد”.
تنمُّ مراجعة “رضوان السَيِّدِ” لـ استشراق “إدوارد “سعيد”” عن وعيٍ بأهمية الكتاب ومظاهر جدّته[26]، وهو يعيبُ على بعض الباحثين، خاصة المنتمين منهم إلى دوائر الخطاب الإسلامي والأصولي، عدم إفادتهم من نقده الجذري ومن المنظور الذي يطوره في مساءلة مسلمات الثقافة الغربية[27]. غير أنَّ قراءة “السَيِّدِ” لكتاب الاستشراق تشي -في الآن ذاته- بتوجُّسٍ من النتائج التي يُمكن أن تترتّب على موقف صاحبه على مستوى تعاملنا مع الاستشراق بحسبانه نمطَ معرفة أنشأها الغرب عن الشرق والإسلام، ونموذجًا من النماذجِ المعرفية التي يُمكن للإسلاميات أن تفيدَ منه، بل ومن إمكان أن ينتهي التوظيف الإيديولوجي لمواقف “سعيد” إلى ترسيخ موقف جاحدٍ بالفكر الغربي الحديث ومناهجه. إذ تخلصُ مراجعته تلكَ إلى التشديدِ على ضرورة أنْ يتجاوز نقدُ الاستشراق مسألة صلته بالإمبريالية ومشروعها الاستعماري، وأن يعي مآلات هذا الخطاب في الأوساط الأكاديمية والثقافية الغربية اليوم، بل وأنْ يُدركَ أنَّ الغاية منه ليستْ تسفيهَ المُستشرقين أو مُساجلتهم، وإنما العملُ على إعادة بناء حقلِ الدراسات الإسلامية والعربية بعد أفول نجم الاستشراق التاريخاني، بُغية كتابة تاريخنا الثقافي والعقدي من جديد. بذلك تكون الغاية من القراءة النقدية لكتاب “سعيد” التمييزَ بين الإيديولوجي والمعرفي في تعاملنا مع الخطاب الاستشراقي، دَرْءًا لما يقُود إليه الخلط بينهما من ذهول عن القيمة المعرفية لمجهود المستشرقين الكبار، باختزال كل ما قدموه في فرضية تبعية الاستشراق للمشروع الإمبريالي ومؤسساته.
الاستشراق الفرنسي والبريطاني والأمريكي
لم يأتِ اختيارُ “السَيِّدِ” لكتاب الاستشراق صدفة، فشهرته أخرجته من دوائر المتخصصين في الدراسات العربية والإسلامية، وصيّرتهُ نصًا مُتداوَلًا بين فئاتٍ متعدِّدَة وواسعة من القرّاء، خاصةً بعد أن اتخذ منه كثيرون مرجعًا في نقد الثقافة الغربية ومُقاومة الإمبريالية وامتداداتها، وبحكم صلة صاحبه بمشروع المقاومة الفكرية للمشروع الصهيوني والإمبريالي[28]. وقد شدّد “سعيد” -في كتابه ذاك- على ضرورة الربط بين المشروع الإمبريالي الغربي والخطاب الاستشراقي الذي حمَّله جزءًا من المسؤولية عن الصورة النمطية الحالكة التي رَسَخَتْ في المخيلة الغربية عن الإسلام وتاريخه، ممَّا يعني أنَّ نقد هذا الكتاب مثّل مدخلًا إلى تفْكيكِ السردية الثاوية في تضاعيفه عن المعرفة الغربية وصلتها بالشرق، التي تجعل من الاستشراق تعبيرًا ‘‘فكريًا وأدبيًا’’ عن المشروع الإمبريالي الغربي والرؤية المركزية المنتظمة له، بل وإلى مُساءلة كلِّ قراءةٍ للاستشراق على أساس علاقة المعرفة بالسلطة التي على مقتضاها أرسى “سعيد” نقده[29]. ركَّز هذا الأخيرُ على الاستشراق الفرنسي والبريطاني والأمريكي، مُستبعدًا-عن قصدٍ- الاستشراق الألماني بحُكم ضعف صلته بالمؤسسة الاستعمارية[30]. وهو يعتقد أنَّ تأسيسَ مدرسة اللغات الشرقية، التي رأسها الفرنسي “سلفستر دو ساسي”، كان الحدثَ الأبرز في تاريخ الاستشراق[31]، لا سيما وأنه تزامن مع إطلاقِ حملة “نابليون” على مصر، التي كانت إيذانًا بانطلاق موجهة استعمار العَالميْن العربي والإسلامي. عواملٌ أربعةٌ كانَتْ وراء الاستشراق الذي عُنيَ “سعيد” بدراسته: التوسُّع الأوربي، والمواجهة التاريخية، والتعاطف، والتصنيف (تصنيف البشرية على مقتضى العرق)، وهي عواملُ قادتْ كلها في اتجاه ربط الاستشراق بالمؤسسة والمشروع الاستعماري وقوته الثقافية. لذلك بدا عملُ “سعيد” أنه محاولة لـ “بيان الاستشراق وتحليله بما هو تجسيدٌ لتلك القوة الثقافية، وإعادةِ إنتاجٍ مُستمرة لها”[32]، وهذا ما يُفسِّرُ المعنى الواسع الذي يتَّخذه مفهوم الاستشراق في خطاب “سعيد”؛ إذ ليس المقصود به -حصرًا- الخطاب العلمي الذي يتخذ من الشرق وتاريخه وثقافته موضوعًا له كما نلفيه عند علماء الفيلولوجيا التاريخانية عادةً، وإنما هو أقربُ إلى “المنظور الثقافي” الذي هيمنَ على الوعي الغربي وظلَّ يوجهُ رؤيته إلى الآخرِ الشرقي. لذلك يبدو الاستشراق استمرارية طبيعية للأحكام النمطية عن الإسلام المتحدِّرَةِ من العصور الوسطى، ويغدو من المشروع أن نبحثَ عن إرهاصاتهِ كما عن تجلياتهِ في مختلف الخطابات الناسجة للثقافة الغربية؛ في الأدب كما في الشعر والحكايات الشعبية والدراسات التاريخية واللغوية والبحوث العلمية[33].
عابَ كثيرٌ من النقَّاد على “سعيد” عدم تناوُله الاستشراقَ الألماني بالنقد واكتفاءه بغيره من تيارات الاستشراق الفرنسي والبريطاني والأمريكي، واتكاءَه على نماذج من الباحثين (المستشرقين) هي أدخلُ في باب النقد الأدبي والدبلوماسية الغربية منه في باب الدراسات الأكاديمية المتخصصة التي يُمكن أن نحسبها على الاستشراق. بل وذهبَ “جعيط” إلى حدِّ إرجاع نجاح كتاب الاستشراق إلى أسباب ترتبط بشخصية صاحبه وموقعه في سياق القضية الفلسطينية وتأثيراتها في العالمين العربي والغربي[34]، بل ويمكن أن نَعُدَّ قوةَ حضورِ أطروحةِ “سعيد” في المخيال العربي والإسلامي والغربي نفسه صدىً لما سمّاه “أركون” إيديولوجيا النضال والكفاح المهيمنة على الوعي العربي[35]. يعي “السَيِّدُ” قوّةَ النقد الجذري الذي وجَّهه “سعيد” إلى الاستشراق، والذي اتخذ عنده صورةَ “نقدٍ تفكيكي هدفُه إيضاحُ أجزاء الصورة الوهمية التي يضعها الغربُ لنا لخدمة أهدافه. وهو ينصرُ بهذا النقد غربًا مُعيَّنًا على غربٍ آخرَ”[36]، ولا يُستَبعَد أن يكونَ النقدُ ذاكَ أحدَ أسباب انصراف كثيرٍ من الدارسين الغربيين عن تسمية أنفسهم بالمستشرقين، وإيثارهم الانتساب إلى تخصُّصات أخرى مثل: الدراسات الإسلامية وعلم الإسلام وأنثربولوجيا الإسلام، أو دراسات الشرق الأوسط[37]. يسجّلُ “السَيِّدُ” أنَّ “سعيدًا” لا يفهم الاستشراق بحسبانه تخصُّصًا أكاديميًا فقط، وإنما بوصفه ذهنيةً أو عقلية ما انفكَّت ترسم صورة قاتمة عن الشرق في المخيال الغربي، وهو بذلك يتجاوزُ مُساءلة هذا الخطاب في إطار شروطه المعرفية والعلمية الخالصة، ليستشكل بذلكَ “الذهنية العامة” أو “الرؤية القبلية” إلى العالم والآخر التي يصدر عنها الاستشراق في تَمثله للشرق. لذلك يبدو “السَيِّدُ” أكثرَ تفهُّمًا لموقفِ “سعيد” مقارنة بنقَّاده[38]. بل وينبِّه إلى أنَّ ذهوله عن الاستشراق الألماني ما كان محض نتيجة من نتائج فرضياته واختياراته المنهجية، بقدر ما أملاه عليه ضعفُ إحاطته بهذا التقليد الذي إليه يعود الفضلُ في إنجاز أبرز البحوث التي تناولت الإسلام وتاريخه[39] ونهضتْ بنشر كثيرٍ من أهمّ نصوصه[40]. إذ الظاهرُ أنَّ سعيدًا -يقول “السَيِّدُ”- ‘‘ما كان يعرف ضخامة حجم ومجالات الدراسات الشرقية الألمانية، ولا مدى ارتباط بعضها قبل الحرب الأولى وخلالها بمشروع الدولة الألمانية’’[41]. قد يبدو هذا النقدُ جذريًا في حقّ “سعيد”، خاصة وأنه سيحاول تدارك هذه الملاحظة في كتاباته اللاحقة، غير أنَّ ما يعنينا منها هو أنَّ “السَيِّدَ” يوصدُ به الباب أمام كل محاولة لنسف مجهود “سعيد”، بسبب ضعف اهتمامه بالاستشراق الألماني، وهو ما يتيحُ فهمًا أشملَ لما كان يرمي إليه؛ مُساءلة المنظور القبلي الذي هيمن على الوعي الغربي ورسم، ربما على نحو غير واعٍ، صورة الشرق والإسلام في ذهنه. فالمشكلة مع “سعيد” ليست تكمن -أو تنحصر- في مدى مراعاته التخصص المعرفي الذي جرت العادة على وسمه بـ “الاستشراق”، وإنما في تفكيكه لبنية الثقافة الغربية وكشفه عن مدى تشبعها بالأحكام النمطية عن الشرق والعالم الإسلامي والعربي، وتعقُّب حضورها في الخطاب الاستشراقي الذي وظفته الإمبريالية ومشروعها الذي توّج بإنشاء الدولة الصهيونية[42]. نفهم -على ضوء هذا المعطى- لِمَ أتت اختيارات “سعيد” لنماذجَ من “المستشرقين” تتجاوزُ الإطار الأكاديميَّ الصرف؛ فقد ظل الاستشراقُ عندهُ “كلَّ شيءٍ” وَفْق تعبير “السَيِّدِ”، “من تاريخ الهند إلى تاريخ الفراعنة، فاللغات السامية، وفلسفة الحياة الصينية، والديانات الآسوية الكبرى”[43].
علاقة المعرفة بالسلطة
استندَ “سعيد”، في قراءته لهذا الخطاب الشاسع، على فرضية “فوكو” عن علاقة المعرفة بالسلطة؛ فرأى في خطاب الاستشراق تجليًا من تجليات المؤسسة والمشروع الاستعماري وأداةً لتسويغه وتبريره. وهذا ما يُفسر انتقاءهُ نماذجَ معيَّنة من “المستشرقين” قد لا نتَّفِقُ معه على نسبتها إلى الاستشراق ولا على دورها الكبير والفاعل في توجيه مناهجه ودراساته. كانت تلك -على سبيل المثال- حال تعامله مع “رينان”، الذي وجد فيه النموذجَ الأمثل للاستشراق القائم على علم اللغات الخاصَّة، فقد أقامَ أحكامه العرقية عن الإنسان (النوع البشري) استنادًا إلى علمِ الساميات المقارن، وهي الأحكامُ التي سرعان ما أمستْ من سمات الخطاب الاستشراقي وَفْق تحليلات “سعيد”[44]. وحتى لو سلَّمنا -جدلًا- بأنَّ “رينان” نموذجٌ للخطاب الاستشراقي، فإنَّ ذلك لا يأذن في هذه الحالة -وَفْق “السَيِّد”- بضمِّ إنتاجه الفكري إلى دائرة البحث والمعرفة العلمية، ما دام أنه تمَّ تحت طلب المؤسسة الاستعمارية كما يفترض “سعيد”. يكشفُ هذا النقد عن محدودية إعمال “سعيد” لمسلمة العلاقة الجدلية بين المعرفة والسلطة[45]؛ إذ قد لا تعني تبعية هذا المستشرق أو ذاك للمؤسسة الاستعمارية علمية ما أنتجه من نصوص، بل قد يكونُ العكس هو الأصح في حالة “رينان” وأمثاله؛ فما كتبوه أُدخل في باب الإيديولوجيا منه في مجال التبحُّر العلمي والمعرفي الذي وسم الاستشراق الألماني الكلاسيكي في صيغته الفيولوجية[46]. فهل يُمكن تعميمُ حالة “رينان” وخطابه الاستعماري على أبحاث المستشرقين الألمان الذين كانت غايتهم تقديم قراءة فيلولوجية للنصوص الإسلامية التأسيسية وتحقيقها ونشرها؟! ينتهي نقدُ “السَيِّدِ” إلى نتيجة مُهمِّةٍ: يتعذّرُ الحسم في أنَّ لحظة “رينان” كانت التأسيسَ العلمي للاستشراق، اللَّهم إنْ نحنُ اختزلنا الاستشراق برمته في فِقْه اللُّغة. وبدلًا من التركيز في نماذجَ هامشيةٍ في الحكم على تاريخ الحركة الاستشراقية، يحسنُ الاستنادُ إلى نماذجَ أخرى كانَ لها دورها الكبيرُ ووزنها الملحوظ في تكونها. “فسعيدًا”، يقول “السَيِّدُ”، ‘”حتى وهو يُحاوِل (في الاستشراق) أنْ يُثبت سوادَ ‘الرؤية الاستشراقية’ للشرق، أي: الصورة الناجمة عن الامتلاك الاستعماري، ما كانَ يذكر الذين نعرفهم تحت هذا المصطلح من المختصِّين بفيلولوجيا اللغات الشرقية، وتاريخ الشرق؛ بل يذكر أمثال الروائي “فلوبير وكرومر وآرثر بلفور ولورنس ولامارتين وكامي ودزرائيلي وكونراد وكبلنغ”، وهؤلاء سياسيون وشعراء وروائيون وموظفون استعماريون، يفترض “سعيد” أنَّهم تشاركوا جميعًا، وتعاقبوا عبر قرنَين من الزمن، في صُنْعِ الشرق المستعمر أو الصورة عنه. أما المستشرقون (بالمعنى المتعارف عليه) من “سلفيستر دو ساسي وإلى فسنفلد وماكدوالد وغولدزيهر…وشاخت وماسينيون وهاملتون جب”، فليسوا أكثر من كاريكاتير، أو أنهم قاموا بجهودٍ “شبه علمية” لتثبيت الصورة المصنوعة أو بلورتها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى ستينيات القرن العشرين. فالاستشراقُ عند “إدوارد سعيد” عقليةٌ استعمارية إذا صحّ التعبير، وليس تخصُّصًا لأنَّ المتخصصين ما صنعوه أو طوَّروه، بل هم عملوا واعين أو غير واعيين في خدمة سلطان القوة، واضعين على وجوههم أقنعة الأكاديمية والمعرفة’’[47]. يعني هذا القول أنَّ الاعتماد على جدلية المعرفة والسلطة لا ينبغي أن يوقعنا في الخلط بين المعرفي والإيديولوجي، ولا أن يحملنا على مُحاكمة المعرفة بالإسلام انطلاقًا من نماذج سخَّرتها الإرادَة الإمبريالية لمدِّها بصورة قاتمة عنه تخدم مطامعها وأغراضها الاستعمارية. ولا شكَّ أن كثيرًا من مظاهر شيطنة الخطاب الاستشراقي في الأوساط الثقافية العربية والإسلامية إنما هو راجعٌ -في أساسه- إلى مثل هذا الخلط.
تتَّضِحُ أهمية هذا النقد في مراجعة “السَيِّدِ” لموقف “سعيد” من “برنارد لويس”، إذ يُبين أنَّه لا ينتقد ما هو معرفيٌ و”استشراقيٌ” عند هذا المستشرق، وإنما مواقِفَه السياسية والإيديولوجية المُعادية للعرب التي استبطنتها تحليلاته لتاريخ الإسلام ولغته أيضًا. والحالُ أنَّ المشكلةَ مع “لويس” ليست معرفية، بقدر ما هي راجعةٌ إلى أنه صُهيونيٌ متطرف في نظر “السَيِّدِ”، وأنَّ تكتيكاته المتغيِّرة في الحُكْم على الإسلام وتاريخِه ينبغي أنْ تُقرأ على ضوْء هذا المُعطى[48]. لذلكَ لا يُمثِّل تفكيكُ خطاب “لويس” مدخلًا إلى نقد البنية المعرفية للاستشراق الأكاديمي، وفي حالة “سعيد” فإن ما انتقده ليس الجانبَ المعرفيَ في فكر “برنارد لويس”، وإنما مواقفهُ الإيديولوجية والسياسية. وحتى عندما يتعلَّقُ الأمر بمستشرق نالَ إعجاب “سعيد” واحترامه، مثل “هاملتون جب”، فإنَّ حكمهُ عليه ما تمَّ انطلاقًا من “المعرفة” التي قدَّمها وإنما من صلته بالمؤسسة وموقفه المحافظ الذي حمله على الإشادة بالإسلام السني. إلى هذا الخلْط بين المعرفي والإيديولوجي، ينْضاف عاملٍ آخرَ مُوجِّهٍ لموقف “سعيد” من الاستشراق؛ وهو تصوُّره لدور المثقف وعلاقته بالسلطة ومؤسَّساتها[49]. فقد افترضَ أنَّ الاعتراض على المؤسَّسة هو قوامُ المثقف وجوهر مُهمَّته[50]، لذلك لم يرَ في انحياز “جب” (وشاخت أيضًا) للفقه السني، غيرَ علامةٍ على ميولهما إلى ‘‘الإسلام السني الأكْثري الذي يُزعجه بتقليديته، كما أزعج الإصلاحيين والسلفيين المتشددين في العصور الحديثة على السواء’’[51]. ومثلما أقدم مستشرق، مثل “فلهاوزن”[52]، على إسقاط موقفه السياسي والإيديولوجي الداعم للوحدة القومية الألمانية على تاريخ الدولة العربية، مُرسخًا بذلك فرضية الطابع العربي القومي للدولة الأموية في بحثه الشهير[53]، فكذلك تَرْجَمَ موقفُ “سعيد” من المستشرقين المنتصرين للإسلام السني تصوره الخاص لعلاقة المثقف بالمؤسّسة.
الاستشراق والاستعمار
يصعبُ -في نظر “السَيِّدِ”- أنْ نُسلِّمَ بالعلاقة الضرورية التي أقامها “إدوارد سعيد” بين الاستشراق والصورة الاستعمارية التي أفسدَت في نظره علاقة ‘‘الشرق’’ بـ ‘‘الغرب’’. وهو يُلاحظ أنَّ تعامُلَ “سعيد” مع الاستشراق بحُسبانه عقليةً (أو ذهنية) استعمارية، وتبادلًا بين الأفراد والمؤسسات، حالَ دونَ الوعي بخصوصية المعرفة الاستشراقية التي شيّدها كبارُ المستشرقين وبشروطها. مدارُ هذا النقد على ضرورة التمييز بين ‘‘الصورة’’ و‘‘المعرفة’’[54]؛ قد يجوز الحديث عن صورة كان لها مفعولها في المخيلة الغربية، وسيكون من الممكن حِينئذٍ الحديثُ عن ذهنية استعمارية قد نشخص حضورها الخفي عند هذا الباحث أو ذاك. أما المعرفةُ فإنها تنتمي إلى نظام لإنتاج المعنى والحقيقة له شروطه ومصادره الخاصة. ‘‘ولو تحدَّثنا عن مَصادرِ المعرفة (الاستشراقية)- يقولُ “السَيِّدُ”- في نطاق الإسلام الكلاسيكي مثلًا لوجدناها تستندُ إلى المصادرِ الأصلية التي تكتملُ تدريجيًا مع التعرُّف على المخطوطات العربية ونشرها الكثيف من جانب المُستشرقين طوال أكثر من قرن*. وهذا جانبٌ مُهمٌ لم يتناوَلْه “سعيد” بالدراسة مع تأكيده أهمية الفيلولوجيا في الاستشراق’’[55]. على أنَّ دراسةَ التراث الإسلامي لا تُمَثِّلُ استثناءً في هذا الباب، ما دام أنَّ العلومَ التاريخيةَ في القرن التاسع عشر استندت بدورها إلى الفيلولوجيا وفقه اللغات، ومن تطبيق هذه المناهج انتهل كثيرٌ من المستشرقين في محاولتهم دراسة النصوص الإسلامية التأسيسية مثل: القرآن والحديث[56]. ظلَّ “سعيد” متمسكًا -رغم ذلك كلِّه- بالبحث عن جُذورِ الصورة التي رسمها الاستشراق كما عن مفعولها في المخيال الغربي، أكثر من اهتمامه بالمعرفة الاستشراقية وشروط بنائها الإبستيمولوجية، وهذا ما قد يُفسر ذهولَه عن التبحُّر الألماني في التاريخ الإسلامي، المتوسّل بفقه اللغة ونفَسه التاريخاني، واعتقادَه أنَّ المستشرقين الألمان ظلوا على صلة ضعيفة بالمؤسسات الاستعمارية، ممَّا يُبرِّر حُضورهم الباهت في كتابه. يُلاحظ “السَيِّدُ” أنَّ الصورة التي يقدمها “سعيد” عن الاستشراق الألماني ليست دقيقةً؛ فالمستشرقون الألمان لم يكونوا عديمي الصلة بدولتهم ومشاريعها السياسية وتحالفاتها[57]، كما أنَّ الهامشية التي تحدث عنها “سعيد” لا تطعن في قيمة المعرفة التي قدمها هؤلاء، بل وقد تكونُ عاملًا إيجابيًا يتيح هوامش أكبر من الحرية أمام الباحثين.
يعني هذا القولُ إنَّ “المعرفة الاستشراقية” ليست المسؤولَ عن العلاقة المتأزمة مع الغرب، ولا عن الصورةِ القاتمة التي رَسَخَتْ في أذهان الغربيين عن الإسلام وحضارته. والاستشراق الكلاسيكي يظلُّ نظامَ معرفةٍ يتفاعل مع الثقافة والوعي وغيره من نظم المعرفة، قبل أن يُوظَّفُ من السلطة. واضح أنَّ ما يرمي إليه “السَيِّدُ” من هذا التحليل هو إقامة مَيْزٍ بين الاستشراق في كونه معرفةً أكاديمية بالإسلام ونصوصه، وتوظيفَ هذه المعرفةُ من طرفِ القِوى الإمبريالية والصورة التي توطَّنَت في المخيال الغربي جرَّاء ذلك كلِّه. وقد كان الفكر العربي والإسلامي في مَسيس الحاجة إلى مثل هذا التمييز درءًا لما قادَت إليه موجة نقد الاستشراق من خلط بينه وبين العداء للغرب، بما عناه ذلك من هدر لفُرص الإفادة من تراث كبار المستشرقين[58].
الاستشراق الجديد
لم يرمِ “السَيِّدُ” من نقده لـ استشراق “إدوارد سعيد”، إذن، إلى تسفيهَ أطروحته الرئيسة، وإنما أسهم في تصحيح مسارات تلقيها في الأوساط الفكرية والأكاديمية العربية، والتنبيه على الخلط القائم فيها بين “الإيديولوجي” و”المعرفي”، و”الذاتي” و”الموضوعي”، كما على قصورها عن فهم المضمون المعرفي والمنهجي لهذا الخطاب. يتقدَّم “السَيِّدُ” خُطوةً أبعدَ في حُكمِه على قيمة مُقاربة “سعيد” للاستشراق، لكن هذه المرة من خلال التفكير في مآلاته بعد مرحلة “برنارد لويس”. فالمشكلة اليوم -وَفْق “السَيِّد”- ما عادت مع الاستشراق كما عرفهُ “سعيد” وانتقده، أي كما تجلى في مواقف “لويس” التي لا يُمكن حسبانها على المعرفة العلمية، وإنما في المنحى الذي اتخذه مع أصحاب “الاستشراق الجديد” من أمثال: “باتريشيا كرون، ومايكل كوك، ومارتن كريمر، ودانيل بابيس” الذين يرون أنفسهم نقديين جذريين[59] ويميلون أكثر إلى إنكار بدهيات التاريخ الإسلامي التي ما تجرَّأ: “لويس، أو رينان”، على التشكيك فيها. يتعلَّقُ الأمرُ بخطابٍ جذْريٍ، إن لم نقل عدميًا، من شأنه أن يؤزّم أكثرَ علاقة الغرب بالإسلام ويكرّس خطاب العداء والحرب، وهو بذلك يُلغي كل الجهود التي قدمها المستشرقون الأُوَلُ للتعريف بالإسلام ونظمه المعرفية. يقول “السَيِّدُ”؛ “ما كان الاستشراقُ التاريخاني بالِغ العظمة حتى يستحق الترحم عليه، لكن مناهج أنثربولوجيا الإسلام، والمستشرقين الجدد (…) تُنذِرُ، وسطَ الظروف الراهنة، بأنْ تَكونَ مطيةً لدُعاة (الحرب على الإسلام) في الغربيْن: الأمريكي والأوروبي”[60]. يتعيّن -وفق هذا القول- “إبدالُ” إشكالية “سعيد” بأخرى قد تبدو أهمَّ وأخطرَ؛ مواجهة السردية التي روَّج لها دعاةُ الاستشراق الجديد ونقده الجذري في الأوساط الثقافية الغربية، وهذا أمرٌ لا يتحقَّقُ فقط بنقدِ صلة الاستشراق بالمشروع الإمبريالي والصهيوني-على أهمية هذا النقد الكبيرة- وإنما بتطوير مجالِ الدراسات الإسلامية والوعي بحاجتنا إلى بناء معرفة “جديدة” بتاريخنا كما بالآخر.
ثالثًا؛ الاستشراق من المنهج الفيولوجي إلى التفكيك الجذري.
يكادُ أنْ ينعقد إجماعٌ بين أبرز نقاد الاستشراق الكلاسيكي على أنَّ استناده إلى المنهج الفيلولوجي ذي النفس التاريخاني كان نقطةَ قوتهِ قبل أن يصير مكمنَ ضعفهِ الرئيس[61]، وأنَّ كلَّ تفكيرٍ في الخروج من منظوره يستلزم مراجعةً ذلك المنهج، بل وإبداله بآخرَ مبنيٍّ على منظورٍ أوسع وأغنى يلحظ مستجدات المعرفة الإنسانية وما ترتب عليها من مناهج. عثر “أركون” على بديلِ المنهج الفيلولوجي في ثورة العلوم الإنسانية التي حاول الإفادة من مكتسباتها في تشخيصه لمعاطبَ “العقل الإسلامي” وقراءاته لبعض سُوَر القرآن الكريم وآياته كما في تأسيسه لما سمَّاه “الإسلاميات التطبيقية”[62]، وقد كان “هودجسون” من أوائل الواعين بضيْقِ أفُق المنظور الفيلولوجي عندما اقترح دراسةَ الإسلام على ضوء التاريخ العالمي بدلًا من البقاء في دوائر الفيلولوجيا[63]. لا يبدو موقف “السَيِّدِ” من الاستشراق الكلاسيكي بعيدًا عن هذه المراجعة المنهجية، وهو ولئن كان يعترفُ بقيمة ما قدَّمه أصحابُ هذا التقليد من خدمة جليلة للتراث الإسلامي، خاصةً في ما يتعلَّق بنشر نصوصه وتحقيقها وترسيخ تقاليد صارمة في التعامل مع مخطوطات التراث ونشرها والتعريف بها، كما في ترجمة أمهات الكتب التراثية إلى اللغات الأوروبية وتمكين القارئ الغربي من الاطلاع عليها[64]، فإنه يرى أنَّ هذا الضرب من الاستشراق قد انتهى مع انقضاء جيلِ ممثليه الكبار الذين كان “نولدكه” من أبرزهم، وأنَّ إحياء تقاليده قد لا يُفيد كثيرًا في تجديد مجال الدراسات الإسلامية اليوم، لا سيما أنَّ هذا المجالَ باتَ في حاجة إلى منظورٍ أقدرَ على تفهُّم الإسلام وإعادة بناء معرفتنا به من خارج دوائر المقاربة التاريخية اللُّغوية الضيّقة، ويستوعب دروس الفكر الحديث ونقد علومه ومناهجه أيضًا. نقرأ “للسَيِّدِ” قولَهُ في هذا المعرض؛ “وأرى أنَّ الطريقَ الأنجعَ للتصدي لكتابة تاريخنا العقدي، والثقافي (بالفهم والاستيعاب والتجاوز) تتمثَّلُ في المشاركَةِ الفاعلة والقَوية في الدراسات المعاصرة والمناهج المعاصرة دونما خوفٍ أو وَجَلٍ. ويقتضينا ذلك المزيد من المعرفة بالعالم العصر، ووقائع الحداثة وما بعد الحداثة في العلوم الاجتماعية والإنسانية. فالواقع أنَّ الدراساتَ الإسلامية والعربية بالغرب ما كانت على ما يرام في ظلِّ التاريخانيةِ الاستشراقية، لنزعم الآن أنَّ غروبَ الاستشراق، بالمعنى القديم، نكسةٌ لنا”[65].
في مقابل ذلك، يُدرك “السَيِّدُ” أنَّ نقدَ هذا المنهجِ أفرزَ، في الأوساط الغربية نفسها، منظورًا تفكيكيًا راديكاليًا لم يكن أكثرَ تفهُّمًا للإسلام ولا أرفقَ به من سابقهِ الفيلولوجي، وأنَّ تحوُّلَ الدراسات الغربية إلى دراسات أنثربولوجية، وإصرارها المستمرِّ على اختزاله في الحركات الأصولية وظاهرة الإرهاب، لم يأتِ بحلٍ لمشكلة النموذج المنهجي والمعرفي لحقل الدراسات الإسلامية، بقدر ما كرَّسَ وضعًا مأزومًا غلبَ عليه التسرُّع في الحكم على الإسلام والقرآن والمسلمين. ليس مُهمِّاً أن نتساءل إذن، عن قيمة ما أنجزهُ أنصارُ الفيلولوجيا التاريخانية، ولا التنقيب عن علاقتها بنوايا الاستعمار ورؤيته العرقية إلى البشرية، ما دام أنَّ أعمالهم باتت اليومَ من تراث الدراسات الغربية التي تجاوزتها البحوث اللاحقة[66]؛ وإنما المطلوبُ التفكيرُ فيما إذا كانَ المنهجُ ذاك قادرًا على تفهُّم الإسلام ونصِّه المقدس، وإسعاف حقل الدراسات الإسلامية بمنظور منهجي يُفيده في تجديد نفسه في مستوى المنهج والرؤية، أم أنَّ نفَسه العلموي الضيّق يحول دون ذلك، ويفرض على الدارسين، عربًا وغربيين، تشييد منظور منهجي جديد يتجاوزه.
1- في المنهج الفيلولوجي ومَحْدُودِيته. سبقَ “لمحمد أركون” أن نبَّه إلى أنَّ العَطب الرئيس في المقاربة الاستشراقية الكلاسيكية يَكْمنُ في محدودية منهجها الفيلولوجي المتجذِّرِ في منظور علموي تقدُّمي لا يرى في الدين غيرَ مرحلةٍ تجاوزها تقدُّم الوعي الإنساني نحو مرحلة علمية وضعية[67]. وعندما يشدّدُ “السَيِّدُ” على أنَّ المنهجَ التاريخاني “من نتاجات إنسانويات القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأنَّه مذهبٌ وضعيٌ”[68]، فإنه يكشف بذلك عن موقفه العدميِّ من الدين والنصوص المقدسة الذي هو سليلُ النقد الإنسانوي لسلطة الكنيسة الذي رآها -من طرف فلاسفتها ومفكريها- خُطوةً لا محيد عنها من أجل تحرير الإنسان من أرباق السلطة الدينية الكنسية. علاوةً على ذلك، يُسَلِّمُ المنهج الفيلولوجي بمركزية اللغة ويرى في تحليل تكوناتها التاريخية مدخلًا إلى تفكيك النصوص، لذلك يستوي من منظوره النصُّ الديني مع غيره من النصوص بعد نزعِ القداسة عنه، ليتوارى مفهومُ النصِّ المقدّسِ ويتبددُ مفعولَهُ النفسي الوجداني وتختفي كلُّ أبعاده الرمزية خلف بِنيان الكلمات وتكوينها التاريخي. فالمنهج الفيولوجي -في نظر “السَيِّدِ”- لا يَقرأُ “نشيد الأنْشاد أو موعظة الجبل بوصفهما نصَّيْن ذوي بنية، ولهما طابعٌ شعائريٌ، بل بوصفهما مفرداتٍ وكلماتٍ مُستعارةً أو ملفَّقةً أو مُركبةً، تُدْرَسُ أصولها، وتاريخيتها، أكثر ممَّا يُدرس عالمها المصطلحي والسردي والتعبُّدي والرمزي والأخلاقي”[69]. لا شكَّ في أنَّ هذا “المنزع العقلانيَّ” في التعامُل مع النص الديني كان له ما يُسوِّغُه في سياق النهضة والحداثة الغربية، حيثُ فَرض الإصلاحُ الديني إعْمالَ رؤية عقلانية نقدية في مَجال فهم النصوص وتأويلها، وقد اضطلعَ التدقيقُ التاريخي اللُّغوي بدورٍ مفصليٍ في هذا الباب، منذ نقد “لورنزو فالا” “لوديعة (هبة) قسطنطين”[70] إلى نشأة اللاهوت الليبرالي التي عبّدت، بدورها، الطريق لظهور موجةِ نزْع الأسطرة عن النصّ الديني مع “بولتمان” وطلبته[71]. بَيْدَ أنَّ ذلك لا ينفي عن المنظور العقلاني أثرَهُ السلبيَّ في تلقي النص الديني واستيعاب خصوصيته، لأنَّه يُسقط على عالمه الرمزي والوجداني مقولاتٍ عقلانيةٍ متعاليةٍ عنه، بل ومجافيةٍ له، ولا مِرْيةَ في أنّه يرسّخُ موقفًا سلبيًا من الدين عندما يزجُّ به في خانة “اللا عقلاني” المنفلت من قبضة العقل ودوائر المعنى العقلاني والمنطقي. لا يشذُّ المنهجُ الفيلولوجي عن هذه القاعدة؛ فهو يذهلُ عن “الإمكاناتِ الأخرى لقراءة النصِّ من وِجهة نظر المتديِّنين، وبخاصة أنَّ رؤيةَ المؤمنين للنص المقدّس أثَّرت وتؤثِّر في طبيعته وقراءته وعوالمه وتأويلاته. وتجاهل ذلك كله –يقول “السَيِّدُ”- فضلًا عن (لا بنيويةِ) المنهج التاريخاني، تدفعُ باتجاه التذرير، والعجز عن إدراك جماليات نصوص الإنشاد والإلقاء، وتحويل الأسفار الإنجيلية أو السور القرآنية، إلى فُسيفساء مرصوفةٍ كيفما كان تنافر عناصرها أحيانًا، ولا يبقى فيها سحرٌ ولا تزيينٌ”[72]. وإذ يُمكن تعقب أشكال تطبيق المنهج الفيلولوجي على التراث العربي الإسلامي في كثيرٍ من مناحيه، فإنَّ حقلَ الدراسات القرآنية يَظَلُّ المجالَ الخصب لتطبيق هذا المنهج، لذلك انصرف “السَيِّدُ” إلى مناقشة أطروحات كبار المستشرقين بخصوص القرآن وتاريخه؛ الكلاسيكيين منهم مثل: “نولدكه” وطلبته كما الجُدد الذين أعلنوا نهاية الباراديغم الفيلُولوجي في الدراسات القرآنية، وطفقوا يقاربون تاريخ الإسلام من منظور “جديد”، مما جعل من نقد هذا النموذجِ النقدي الراديكالي مدخلًا إلى الحكم على وضعية الاستشراق ومصيره عند “السَيِّدِ”.
يبقى كتاب “تيودور نولدكه” تاريخ القرآن النموذجَ الأظهر لتطبيق المنهج الفيلولوجي التاريخاني ومقتضياته على النصِّ القرآني، ويبدو أنَّ اهتمام “السَيِّدِ” به ما كان راجعًا فقط، إلى تأثيره الكبير في الدراسات القرآنية في الغرب، وإنما إلى رغبته في مُساءلة النموذج المعرفي[73] الذي أرسى “نولدكه” أُسُسَه في التقليد الاستشراقي. ففي ذلك الكتاب تحْضُر أهمُّ القضايا التي طرَحَها المستشرقون السابقون “لنولدكه”؛ والتي يُجملها “دونر” في خمسٍ أساسية؛ وجودُ نصٍ قرآني أصْلي؛ المضمون العقائدي لهذا النص الأصلي؛ اللُّغةُ التي أُلِّفَ بها القُرآن في صيغته البدْئية المبكِّرة؛ كيفية انتقاله من المستوى الشفهي إلى مستوى النصِّ المدوَّن؛ ثم عملية جمْع القرآن ومسائل ترتيبه[74]. وبصرف النظر عن النتائج التي انتهى إليه “نولدكه” وطلبته[75]، فإنَّ منهجه اللُّغوي التاريخي فرض نفسه على أبرَز المستشرقين اللاحقين عليه، من أمثال: “رتشارد بل، وبلاشير، ورودي باريث” الذين أقدموا بدورهم على ترجمة القرآن استنادًا إلى التدقيق اللُّغوي المتحدر من المنظور الفيلولوجي نفسه[76]. غير أنَّ ما يُزعِج “السَيِّدَ” في هذا المنهج ليسَ طابَعه التاريخي ولا دقَّته اللُّغوية، وإنما تجاهُله لخصوصية بنية النص و”عالمه” (وَفْق تعبير بول ريكور)؛ فللنَّص -والقَوْلُ للسيّدِ- “قوامٌ وانتظامٌ داخليٌ لا يستقيمُ مَعه ادِّعاءُ إرجاعِ مفردات النص إلى أصولها حتى لو كان النصُّ من كتاب الأغاني، أو من البيان والتبيين “للجاحظ”؛ فكيْفَ بالقرآنِ وهو نصٌ دينيٌ شعائريٌ مسموعٌ وملقى وفيه الشفوي المتلوُّ، وفيه الحفظُ، وفيه الإنشادُ والتغني”[77]. متى استحضرنا هذا المعطى أمكننا القولُ إنَّ القرآن بوصفه نصًا دينيًا، قد لا يكون الموضوعَ الأنسب لتطبيق المنهج الفيلولوجي، أو بالأحرى إنَّ قراءةَ هذا النصِّ لا تستقيم اعتمادًا -فقط- على المنهج ذاك؛ إذ التخارُج -هنا- قائمٌ بين المنهج وموضوعه ويحُوْلُ دونَ إحاطته بمعناه العميق وعالمه الأصيل، وهو ما يعني أنَّ “المنهج الفيلولوجي لا يصلُح لقراءة القرآن قراءة مُعمَّقة”[78]، لأنه يعمَدُ إلى تفكيكه وإرجاعِه إلى نصوصٍ وشذراتٍ يُفترض فيها أنها سابقة له. وفي الأحوالِ جميعها فإنه ينتهي إلى تكريس الفرضية الرئيسة التي وجَّهت الدراسات الغربية إلى أصالة القرآن وضرورة إرجاعه إلى “أصوله” المفترضة[79]؛ يهوديةً كانت، أو مسيحيةً، أو حتى وثنيةً. بل إنَّ المماثلةَ بين القرآن ونصوص العهدَيْن: القديم والجديد، التي تثوي خَلْف فكرة إسقاط المنهج الفيلولوجي على القرآن، تبقى محدودة جدًا إن لم تَكن مغلوطة من أساسها، بحكم الاختلاف الكبير بين بنية القرآن وعالمه من جهة، وبنية النصوص اليهودية والمسيحية وعالميهما من جهة ثانية[80]. وعندما يُسَجِّل “السَيِّدُ” أنَّ بُحوثَ المستشرقة الألمانية “أنجليكا نويفرت” تُجسِّدُ المنحى الإيجابي الذي اتخذته بعضُ الدراسات الاستشراقية اللاحقة على “نولدكه”، بعدما أقامَتْ مُقاربتها على الجمْع بينَ التأويل والبُنيوية والإبستيمولوجيا، فإنه يُشيرُ بذلك إلى أهمية منظورها التفهمي ذي النفس الأدبي الذي تجاوزت به المنظور اللُّغوي التاريخي الضيِّق، فقد حاولت تسليط الضوء على حيوية النص القرآني بوصفه “نصًا متلوًّا يُلْقَى ويُنْشَدُ، وتتجدَّدُ حيويته وفاعليته بالقراءة بصوتٍ عالٍ”[81]. يعني هذا القولُ إنَّ ما يتوجب البحث عنه -وفيه- ليس جذورَ القرآن وأصوله المفترضة، وإنما حيويتهُ المقترنةَ بطابعهِ الديني وعالمه “الإيماني” والرمزي في نهاية المطاف.
يشدِّد “السَيِّدُ” على أنَّ كتاب تاريخ القرآن قد بات مُتجاوزًا اليوم، وأنَّ مآل الدراسات الاستشراقية فرضَ الانفصالَ عن أُفقه، وهو ما يُؤكِّده كثيرٌ من مؤرخي الحركة الاستشراقية ودارسيها[82]. يفرض هذا الاعتراف الوعيَ بجدّة الوضع المعرفي الذي تعيشه الدراسات الإسلامية؛ إذ الرجوع بها إلى دوائرِ الفيلولوجيا لن يزيدَ أزمتها إلا حدّةً، لأنه سيكرس غربتها عن مستجدات العلوم الإنسانية والدراسات التاريخية كما لاحظ “أركون”[83]. غير أنَّ التجاوزَ ما عنى، عند المستشرقين الجُدد، بلورةُ بارادايم جديد يُسعفنا بفهمٍ أعمَق وأشمل للقرآن وتاريخ الإسلام، وإنما حيْدًا عن جادَّة الدراسات المدققة والرصينة، والارتكان إلى فرضياتٍ تُجافي معطيات التاريخ الإسلامي بدعوى مواجهته بتاريخٍ آخرَ، منسيٍ ومهملٍ لكنهُ “أدقُّ” في نظرهم؛ كما عنى ذلك حصر دراسة الإسلام في حيِّزه الثقافي واختزاله في الحركات الأصولية التي ابتلَعت -بوصفها ظاهرةً ومفهومًا- تاريخَ الإسلام ونصوصه الكبرى والغنية في الأوساط الأكاديمية الغربية.
2- في نقد المنظور التفكيكي والنقد الجذري. يقولُ “مايكل كوك” في دراسته مُحمد نبيُّ الإسلام؛ “إذا كانت المصادرَ الخارجيةِ تملكُ أدنى درجة من الحقيقة (…) فالأمر يعني أنَّ الروايات الإسلامية خَطيرةٌ في تضليلها في سمات مهمة من تناولها لحياة محمد، بل إنَّ الشكوكَ قد تُحيط بالحقائق القرآنية المتعلِّقة برسالته”[84]. يجسِّدُ هذا القولُ موقفَ الاستشراق الجديدِ من المصادر الإسلامية، وقد عمَّمه “كوك” في بحثه مع “باتريشيا كرون” على الإسلام المبكر ونشأته في كتابهما الهاجريون، مفترضًا أنَّ المروياتَ الإسلاميةَ لا تملك القدر اللازم من الموثوقية التي تأذن باعتمادها في تحليل القرآن وفهم نشأة الإسلام. والحالُ أنَّ ما ذهب إليه هذان المستشرقان ليس إلا صدىً لأطروحةِ “وانسبيرو” الذي نقض المصادرَ الإسلاميةَ ومروياتها بخصوص جمع القرآن وتدوينه، معتقدًا أنَّ القرآن ما دُوِّن إلاَّ في القرن الثالث الهجري، وأنَّ تدوينه تمَّ اعتمادًا على ذاكرة الصحابة والتابعين. أما “كوك” و”كرون” فإنهما ذهبا أبعدَ من ذلك في تخيُّل تاريخ للقرآن وأصوله عندما طرحا جانبًا كل المصادرِ الإسلاميةِ التي تفيد -في زعمهما- في فهم القرن الثامن لا القرن السابع؛ فكان أن اقترحا قراءةَ نشأة الإسلام والقرآن اعتمادًا على نصوص تاريخية تقع خارج دوائر التقليد الإسلامي، وخاصة ما يُعرف بـ “عقيدة يعقوب”، التي هي نصٌ يونانيٌ ينقضُ العقيدة اليهودية ويذكر اضطهاد “هيراقليوس” (610-641). والنصُّ حوارٌ جرى في قرطاج سنة 634م بين يهودييَن، وكان مدارُه على أحداث واضطرابات وقعت في فلسطين، بعد أنْ وصل صدى أخبار رجُلٍ يدعى “محمد” زعمَ أنه يملك مفاتيحَ الجنة[85]. رأى الباحثان أنَّ هذا النصَّ وثيقةٌ تاريخيةٌ دقيقةٌ، لأنه مساوقٌ لأحداث نشأة الإسلام وقريبٌ منها جدًا، ويُمكن الاستناد إليه لتبيُّن بعض مُعطيات الإسلام المبكر التي أخفاها -عن قصدٍ- التقليد الإسلامي الرسمي. فإذا كان هذا الأخير يقرُّ بوفاة النبيّ قبْل بداية الفتوحات الكبرى [على افتراض أنَّ آخرَ غزوةٍ شارك فيها هي غزوةُ تبوك في السنة التاسعة بعد الهجرة]، فإنَّ النصَّ اليونانيَّ يُفيد أنَّ النبيَّ كان على قيد الحياة لحظة فتح فلسطين.
وفي الأحوال جميعها، وسواء تعلق الأمر “بوانسبيرو أو بكوك وكرون”… فإنَّهم أرسوا دعائم منظورهم النقدي على نقد المنهج الفيولوجي مُعلنين فسادَ مسلماته الكبرى. فقد دأبت المقاربة الفيلولوجية الكلاسيكية، في نظر “وانسبيرو”، على الفَصلِ المنهجيِّ بين الدراسات القرآنية ودراساتِ العهد الجديد. يدينُ هذا الانفصال للمستشرق الألماني “هنريش إوارد” Heinrich Eward، بفضل نقده الجذري للمنهج التاريخي النقدي وتطبيقاته في مجال دراسة النصوص الدينية -عندما رأى أنَّ من أكبر عيوب ذلك المنهجَ عدمُ اكتراثه بالمضمون النفسي والرمزي للمصادر الدينية- والملاحظ على الدراسات القرآنية، وخاصة منها دراسة “نولدكه”، أنها ظلَّت تسلِّمُ بموثوقية النصوص الإسلامية ومروياتها وما أقدمت على مساءلة مشروعيتها، وأنَّ الخلاف بين أعلامها ظلَّ محصورًا في تأويل المصادر وتفضيل بعضها عن بعض لا غير[86]. أما “وانسبيرو” وطلبته فإنهم ينقضون تلك الموثوقية، وهم يُلحون على ضرورة أن تتحلى دراسة تكوُّنِ النصِّ القرآني بالصرامة (والريْبة) عينها التي دُرِسَ بها الإسلامُ المبكِّرُ ونصوص العهد الجديد. كما أنَّ غرضهم ليس الدخولَ في سجالٍ مع مُمثلي التقليد الإسلامي، وإنما الإمعان في إحراج نموذج التحليل الفيلولوجي؛ إذ هو عندهم يقوم على “مسلماتٍ” قابلة للنقض والتفنيد بحكم اعتمادها على التقليد الإسلامي الرسمي ومروياته[87]. اعتمدتْ غالبية الباحثين التابعين لنموذج “نولدكه” على التقليد الإسلامي، والسني منه خاصةً، وهنا يلاحظ “داي” أنَّه لا مبرِّرَ للوثوق في المَرْوِياَت السنيَّة، لأنَّ ذلكَ لا يخدُم الدراسة النقدية للقرآن وتاريخه. فمُشكلة البارادايم الفيلولوجي تكمن -في نظر هذا الباحث- في أنَّه يتَّخذ من تلك المرويات الرسمية إطارهُ المرجعي[88]. كل ذلك من شأنه أن يُضفيَ المشروعية اللازمة على فرضية “وانسبيرو” وطلبته، وأن يوسع الباب أمام دراسة الإسلام والقرآن على ضوء التاريخ الذي تقترحه.
يُشيرُ “السَيِّد” إلى أنَّ كثيرًا من الباحثين، من داخِل الأوساط الغربية نفسها، انتقدوا فرضية “وانسبيرو” والنتائج التي ترتبت عليها، وذلك لسببين اثنين: أوَّلُهُما داخليٌ، يرتبط بصعوبة إثبات فرضية أنَّ تحويرَ النصِّ القرآنيِّ استمر على مدى قرنين من الزمن، وثانيهما خارجيٌ، مفادهُ أنَّ إجماعًا شبهُ كليٍ قد انعقد بين غالبية المسلمين على قانونية النصِّ القُرآني رغم اختلافهم في مسألة تأويله. فيما يخصُّ السبب الأوَّل، فإنَّ المخطوطات لا تُسْعِفُ بدليلٍ قاطعٍ على وُجود نُسخ سابقة للنص القانوني المعتمد[89]، “وقد خَطرتْ تلكَ الفكرة، يقولُ “السَيِّدُ”، من قبلُ “لأوتو برتزل” تلميذ “نولدكه”، الذي عَمِدَ إلى جمع القراءات الشاذّة طوال عقدين، رجاءَ أن يُثبت وجودَ صيغٍ أولى أو صيغة أولى (قبل التشذيب) للقرآن دون جدوى”[90]. أما فيما يخصُّ السبب الخارجي، فإنَّ “المسلمين اختلفوا اختلافًا شديدًا منذ أواخر خلافة عثمان، الذي تقولُ الرواية الإسلامية المعتمدة إنَّ النصَّ القرآني (جُمع) أيامه. وما لبثت الفرق الإسلامية المختلفة أن ظهرت، بحيث ما عادَ من الممكن (الإجماعُ) على (قانونية) نص مقدس بعد ذلك لا أيّام الأمويين ولا أيّام العباسيين”[91]، وحتى الغلاة ما قالوا “بنقض القرآن، وما تابعتهم أكثرية المسلمين الساحقة على ذلك”[92]. يتعذر -إذن- الطعنُ في قانونية النصِّ القرآني انطلاقًا من فرضية “وانسبورو” وتنويعاتها؛ فهي تظلُّ محض فرضية لم تجد في الوثائق التاريخية ما يثبتها لحدّ الساعة، بل ويستحضرُ “السَيِّدُ” -في سياق نقده لهذه الأطروحة- أنَّ مستشرقين آخرين ذهبوا إلى نقيضها تماما؛ فقد ذهب “جون بيرتون” (Burton) إلى القولِ إنَّ النبيَّ محمد (ص) دوَّن بنفسه القرآن كاملًا، وأنَّ التأخر في جمعه إلى أيّام “عثمان بن عفّان” كان نتيجةَ مشاكلَ تقنيةٍ ترتبط بالناسخ والمنسوخ كما بمسائلَ فقهيةٍ أخرى. يعني هذا القولُ إنَّ فرضيةَ “وانسبيرو” ليست أكثرَ معقوليةً من نقيضها، وأنَّ هذا دليلًا على تهافتها في نظر “السَيِّدِ”.
بَيْدَ أنَّ تهافُتَ الفرضية لا يعني عُقْمها بالضرورة، فقد كانَ لها وقْعُها القويُّ على البحوث الغربية اللاحقة في مجال الدراسات القرآنية، خاصةً عندما تلقَّفَها دارسونَ أعادوا إحياء تقاليد الاستشراق الكلاسيكي الساعي في ردِّ القرآن إلى أصول دينية سابقة له، أو ترتبط -على أقل تقدير- بالوضع الثقافي للقرن السابع. فقد زَعَمَ “ليلنغ” وجودَ طبقةٍ مسيحية ثاوية في النص القرآني ينبغي كشفها بتفكيكه، وأنها ليست غيرَ انعكاسٍ لقوةِ حضور المسيحية في مكَّة التي رآها كنيسة مسيحية (!). كما حاول “لوكسنبوغ” إثبات أصول سريانية للقرآن، استنادًا إلى التحليل الفيولوجي الذي قادَهُ -كما يُلاحظ “السَيِّدُ”- إلى تجاهل تامٍّ للتاريخ ووقائعه… ولا شكّ أنَّ أعمالَ “المستشرقين الجُدد” تنهلُ من هذا لمنظور نفسه، وتحاول جاهدة الاتكاء على تخصُّصات معرفية متعدِّدة قد توحي بأنها أتت لتجاوز المنظور الفيلولوجي، لكنها أُعملت، في الواقع، في خدمة الاستشراق الكلاسيكي وسعيه في إثبات أصول برَّانية للقرآن. بذلك “يضيعُ من جديد جُهدٌ كبيرٌ، يقفُ حائلًا دون التقدمِ خُطوةً معتبرة في دراسة بُنى القرآن وأساليبِه ومُحيطه بالمعنيين: التاريخي والديني والشعائري والرمزي”[93]. ليس المهم -من هذا المنظور- التنقيبَ المضني عن أصول سابقة للقرآن بغية صهرهِ في محيطه الثقافي والديني والرمزي، وإنما الأهمُّ بلورَةَ فهمٍ عميقٍ لبنيته بوصفه نصًا دينيًا، وهذا تحْديدًا ما فشل الاستشراق، الكلاسيكي والجديد، في تحقيقه.
بذلك يكون الخروج من باراديغم “نولدكه” ومنهجه الفيلولوجي فرصةً لمراجعة جذرية لأسس الاستشراق ومنظوره، لكنه ما قاد، في حالة الاستشراق الجديد، إلى تفهم الإسلام وعوالم تاريخه ونصوصه، بقدر ما انكفأ على تفتيت بدهياته والزجِّ به في أتون تأويلات تبدو بعيدة، غاية البعد، عن معطيات تاريخه[94].
رابعًا: في المضمون الإيديولوجي للاستشراق
نموذج الاستشراق اليهودي-الصهيوني.
أنثربولوجيا الإسلام
قد يعتقدُ البعض أنَّ تبرُّمَ “السَيِّدِ” من نقد “إدوارد سعيد” للاستشراق كما من المقاربات الأصولية لخطابه، وتأكيده ضرورة التمييز فيه بين المعرفي والإيديولوجي، حالَ دون وعيه بالمضمون الإيديولوجي لهذا التقليد، وأنه ظلَّ حبيسَ المقاربة المعرفية التي لا تفرض الحاجة إلى تعقب مقاصده السياسية والإيديولوجية النابعة من صلته بالمشروع الإمبريالي. والحالُ أنَّ مساءلتهِ المعرفية والمنهجية لهذا الخطاب لم تمنعه من كشفِ مضمونه الإيديولوجي وأشكالِ تسخيره من طرف دعاة صدام الحضارات، خاصة بعد أفول نجم الاستشراق الكلاسيكي ونشأة صنوف جديدة من المعرفة الغربية بالإسلام تقتاتُ على الأحكام النمطية عينها التي ظلت تحكمُ التصور الغربي للإسلام، وتُعَمِّقُ الفجوة بينه وبين الغرب في لحظة غير مسبوقة من لحظات تأزم العلاقة بينهما. هذا ما نستشفه -بوضوح- في استشكال “السَيِّدِ” لمآلاتِ الاستشراق مع ظهور موجة “أنثربولوجيا الإسلام” وهيمنتها على المقاربات الغربية، كما من تناوله لعلاقة هذا المنعطف الأنثربولوجي في الدراسات الغربية بالاستشراق الصهيوني الذي يبقى العلامة الفارقة على المضمون الإيديولوجي للاستشراق في السياق المعاصر.
- صورة الإسلام في المنعطف الأنثربولوجي للاستشراق.
ما كان أفولُ نجم الاستشراق الفيلولوجي بالحدث الكبير في مسار الدراسات الإسلامية في نظر “السَيِّدِ”، ولا يبدو أنَّ إحياءهُ يقدِّمُ حلًا لأزمة تلك الدراسات، التي تحتاج إلى بناء نموذجٍ معرفيٍ جديدٍ يتجاوزُ تاريخانيةَ التحليل اللغوي الفيلولوجي. غير أنَّ الأخطرَ من ذلك، وفي ظلِّ التوتر الذي يُخيِّمُ على علاقة العالم الإسلامي/العربي بالغرب، هو ما آلت إليه دراسة الإسلام من انصهار في مناهج الأنثربولوجيا وتصاعد خطاب المستشرقين الجدد الذين استفادوا منها كثيرًا. وفي الحالتين معًا، تكون الدراسات الغربية قد أضحت تحت تصرُّفِ دُعاة الحرب على الإسلام في الغربَين الأمريكي والأوروبي[95]. صحيحٌ أنَّ الاستشراق الألماني عُرف من المنعطف الأنثربولوجي والاجتماعي بفضل الانفتاح على أعمال “فيبر” واعتمادها في تخطي المنظوريْن: الفيلولوجي والمادي الماركسي في فهم الدين وتاريخه، وهو ما انعكس في دراسات بعض المستشرقين الألمان للإسلام. غير أن تصاعد النزعة الأنثربولوجية في حقل الدراسات الغربية للإسلام اليوم يُنذرُ بفشوِّ الأحكام السلبية والنمطية عن الإسلام في الوعي الغبي، بسبب النَفَسِ التبسيطي والتعميمي الحاكم للمنظور الأنثربولوجي، والذي يقوم بدوه على رؤية ثقافوية وجوهرانية إلى الإسلام وتاريخه[96]. وهذا ما يُفسر إقبال الدعاية الغربية عليها وترويجها لأحاكمها على الإسلام. يُفكك “السَيِّدُ”، في دراسته؛ الصراعُ على الإسلام؛ من الاستشراق إلى الأنثربولوجيا، علاقةَ الاستشراق بأنثربولوجيا الإسلام ومسلماتها الخفية، مبينًا صلتها بالخطاب الغربي/الأمريكي المعادي للإسلام وتغوُّله منذ الثورة الإسلامية بإيران إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر(2001). يتعلَّق الأمر بفترة اشتدَّت فيها حِدّةُ التوتُّر بين الغرب والعالم والإسلامي، وتصاعدت فيها أسماءُ باحثين غربيين باتوا يُمثلون مرجعيات تمدُّ الوعيَ الغربيَ بصورة قاتمة عن الإسلام والمسلمين، كما هو الشأن عند “برنارد لويس” الذي كان له تأثيره الكبير في دعاة صدام الحضارات.
كان الاستشراق، في الوقت الذي انشغلَ فيه المثقفون العربُ بتقويض نموذجه المعرفي ومنظوره المنهجي الكلاسيكي، يعيشُ لحظةَ تحوُّلٍ وانصهارٍ في تخصصات معرفية “جديدة” بدت أنها قادرةٌ على تجاوز نفسه الفيلولوجي التاريخاني، مثل: التحليل الألسني للنصوص، والتفكيك، والتاريخ العالمي، والأنثربولوجيا. وقد استطاعت أنثربولوجيا الإسلام أن تفرض نفسها، لتكون بديلًا ممكنًا عن الاستشراق في السياقات الثقافية الغربية، خاصة مع تصاعد الحركات الإسلامية الأصولية التي أخذت تبتلع صورة الإسلام، وسرعان ما جعلت منها الدعاية الغربية التعبيرَ الأدقَّ عن الإسلام ورؤيته إلى العالم[97]. وهذا هو السياقُ الثقافيُ والسياسيُّ الأعم الذي انفتح فيه دارسو الإسلام الغربيين على أنثربولوجيا “غلنر وغيرتز”، إذ وجدوا فيها إطارًا نظريًا لفهم مستجدات المجتمع الإسلامي وتحوّلاته بدلًا من البقاء في دائرة التحليل اللُّغوي لنصوص الإسلام وتراثه. فأطروحة “غِلنر” تُقِرُّ بوجود “جوهرٍ” وأصلٍ للإسلام يتعالى عن الحقب والأحداث؛ طابعهُ الديني النصيُّ الأخروي ذو النفسِ الطهوري. يظلُّ النصُّ المرجعَ المركزي للثقافة الإسلامية وَفْق هذا التصور، وهذا ما يتبدى في لحظة الأزمات السياسية والاجتماعية، إذ يفرض تأويل النص نفسه ويمنح القائمين عليه سلطةً تنافسُ -في أحيان كثيرةً- سُلطة الدولة. في مقابل ذلك، يرفضُ “غيرتز” فكرةَ محوريةِ النص الديني ومركزيته، لأنها لا تفيد في فهم دينامية المجتمع الإسلامي، الذي لا ينبغي تنميطه وَفْق نموذج واحد وشامل يُلغي التعدد والاختلاف الذي يتسم به المجتمع الإسلامي مثله في ذلك مثل أيّ مجتمع إنساني. من الممكن أن تكونَ الرموز والنصوص الدينية مشتركة بين المجتمعات الإسلامية، غير أنَّ ذلك لا يعني أنَّ الإسلام المعايَن والمعيشَ في المغرب هو عينُه الذي نلفيه في أندونيسا[98].
لم يكنْ صدفةً، والحالُ هذه، أن تجتاحَ أنثربولوجيا الإسلام مُختلفَ قطاعات المعرفة الغربية بالحضارة الإسلامية؛ من علوم تاريخية وغيرها، إذ إنَّ ذلك راجعٌ، وَفْق “السَيِّدِ”، إلى أنَّ “الأنثربولوجيا تملك دعوى النظرية الشاملة التي يُمكن لها أن تُفسر كلَّ شيءٍ في الظاهرة أو الدين أو الثقافة”، ولذلك فقد أفاد منها من سمَّاهم “الناقلون المتسرعون” من الباحثين الجُدد، الذين كل همهم إصدار حكم على الإسلام، لا سيما وأنَّ هذا المنظور الأنثربولوجي سَلَّمَ، خاصة مع “غيلنر”، بوجود جوهرٍ للإسلام، ثقافيٍّ أو دينيٍّ، استطاعَ التعالي عن الزمن وأمسى يُمَثِّلُ الثابتَ الذي يُمكن فهمه من تفسير في كل شيء في الإسلام[99]. ويبدو أن التسليمَ بماهية أو جوهرٍ ثابتٍ للإسلام هو ما يفسرُ إقبالَ بعض المستشرقين الجدد على خطاب أنثربولوجيا الإسلام، إذ أخذت “كرون”، على سبيل المثال، “عن “غيلنر” القولَ بأصولية الإسلام ونصوصيته، أي الاستعصاء على التغيير”[100]. وهو ما يتماشى مع فرضياتها بخصوص تاريخ الإسلام ونشأته.
على أنَّ هذا الموقفَ النقديَّ من أنثربولوجيا الإسلام لا يعني، وَفْق تحليلات “السَيِّدِ”، ألا مكان لها في حقل الإسلاميات اليوم، فهي علمٌ يتطور ويتعدَّدُ “ويتحرَّرُ من أكثر المقولات التأسيسية التي ظهرَتْ في المرحلة الاستعمارية”[101]، وإنما هو يرمي من نقده ذاك إلى تجنب الرؤية الجوهرانية الحاكمة لمنظورها، وهي عينها الرؤيةُ التي رفض “السَيِّدُ” -بشدّة- الصدورَ عنها في فهم التاريخ الثقافي الإسلامي، معتبرًا أن “تاريخنا –كسائر تواريخ الحضارات والأمم- هو تراكمٌ وصيرورةٌ مستمرة”[102]. إنَّ تجاوزَ هذه الرؤيةُ يبقى الشرطَ الضروري لمشروعية المقاربة الأنثربولوجية، وهو ما يتيحُ الإفادة منها في بناء منظور معرفي تركيبي يخدم حقل الدراسات الإسلامية اليوم.
2- في المضمون الإيديولوجي للاستشراق اليهودي. تُمَثِّلُ حالة الاستشراق الصهيوني علامةً فارقةً على مدى تداخُل الإيديولوجيِّ بالمعرفيِّ في حقل الدراسات الإسلامية الغربية. فإلى أنَّ أصحابَهُ ذهبوا بعيدًا في استعادة فرضية التأثير اليهودي في نشأة الإسلام وتطوره التاريخي والمعرفي، وهي فرضيةٌ استند إليها أبرزُ علماءِ الاستشراق الكلاسيكي منذ “أبراهام غايغر”[103]، فإنَّهم أعملوها في اتجاه تعميق الفجوة بين العالمين: الغربي والإسلامي. وفي سياق المواجهة مع الدولة الصهيونية وإيديولوجيتها العنصرية المتطرفة، بدت المقاربات العربية للاستشراق الصهيوني أدنى إلى السجال الذي يرمي إلى فضح مزاعمه وخدمته للمشروع الصهويني والسياسات الغربية الداعمة له، وهذا ما نلفيه في نقد “إدوارد سعيد” لمستشرقين من أمثال: “برنارد لويس”. ويبدو أنَّ النَفَسَ السجاليَّ لهذا النقد حال دون بلورة رؤية عربية نقدية تُضارع، في دقتها ومناهجها، الرؤية الصهيونية إلى العرب وتاريخهم. يقولُ “السَيِّدُ”؛ “وفي اعتقادي أنَّ دراسةً للرؤية الصهيونية للعرب في تاريخهم الحديث كفيلةٌ بإيضاح الموقف الحالي للمثقفين الصهاينة من العرب وجودًا وحاضرًا ومستقبلًا. وليست هناك للأسف رؤيةٌ عربيةٌ أو إسلاميةٌ للاستشراق الصهيوني أو دراساتٌ للشرق الأوسط”[104]. يأتي استشكال “السَيِّدِ” للاستشراق اليهودي-الصهيونين إذن، في سياق فهم “الرؤية الصهيونية” والتنبيه إلى الاختلاف القائم بينها وبين التقاليد العلمية التي قام عليها الاستشراق اليهودي في صيغته الكلاسيكية. وبدلًا من الانزواء إلى موقع السجال والردِّ على مزاعم مستشرق صهيوني مثل: “برنارد لويس”، فضَّل “السَيِّدُ” الحفرَ في تكوُّنِ المنظورِ اليهوديِّ الصهيونيِّ، مُتعقبًا بذلك جراثيمه وإرهاصاته حتى داخل تلك التقاليد نفسها. وقد استطاع “السَيِّدُ” أن يُبينَ أنَّ فكرةَ التأثير والتأثر بين الإسلام واليهودية، على ما تبدو عليه من انفتاحٍ قد يُعبِّدُ الطريق أمام حوارٍ ثقافي بينهما يتجاوز واقع الصدام والصراع، إنما ظلت تُخفي نزوعَ أصحابها إلى إثبات فضل اليهودية على الإسلام، والذي سرعان ما ستترجمه الأدبيات الصهيونية إلى حقٍّ سوغت به الموقف الصهيوني من فلسطين والعرب.
يقعُ عمل “غايغر” في بدايات الاستشراق اليهودي، وقد خَلُصَ في بحثه الشهير إلى إنكار نبوَّة النبي (ص) في مُقابل إقراره المطلق بقداسة التراث اليهودي وتأثيره في مفاهيمِ الإسلامِ وتصوراته الأساسية. هذا رغم أنه اعتقد -في المقابل- أنَّ ثمةَ اختلافًا بين الرسالة المحمدية واليهودية فقد مَثَّلَ الإسلامُ “قطيعةً” مع صنوف التوحيد السابقة عليه[105]، لأنَّ النبيَّ (ص) قصد -في نظره- “مخالفة اليهودِ في بعض الأمور، كي يُصبحَ مُستقلًا، وكي يُسوغ لنفسه وللعالم ضرورته وضرورة دعوته بوصفها تصحيحًا لما حرَّفهُ اليهود والمسيحيون”[106]. لا يستبعدُ “السَيِّدُ” أنْ تكونَ الرغبة في إثبات إمكان التأثير في الإسلام اليوم، كما تم التأثير فيه قديمًا، هي ما يقفُ وراءَ أطروحة التأثير اليهودي في الإسلام: “فغايغر”، ورغم يهوديته، ظلَّ يرى نفسَهُ جزءًا من العالم الثقافي الغربي، وما استطاعَ اتخاذ مسافة من إيمانه اليهودي الذي ألقى بظلاله على تأويله للرسالة المحمدية ومفاهيميها المؤسسة. أما “غولدزيهر”، الذي كان أكثرَ انفتاحًا على الإسلامِ ودرايةً بنصوصه، فإنه لم يتخلَّص كُليةً من فرضية التأثير اليهودي؛ صحيحٌ أنه ربطها بالسُنَّة أساسًا، كما أقرَّ باستفادة اليهودية بدورها من الإسلام من الناحية الفكرية والثقافية إبّان فترة ازدهاره، غير أنَّ ذلك لا ينفي سَطوة تلك الفرضية على رؤيته إلى الإسلام وَفْق “السَيِّدِ”[107]. بل ويذهب هذا الأخيرُ إلى القولِ إنَّ تمسُّك المستشرقين اليهود، مثل: (غولدزيهر، ومونك، وشراينر، وشتاينشنايدر)، بفكرة التأثير والتأثرُّ المشترك بين الإسلام واليهودية، إنما جسَّدَ آنئذٍ “تَوْقهم للبقاء في ظلِّ الإسلام، بداعي حقِّ التأثير والإسهام فيه وبسبهما في الآن معًا”[108].
هل نفهم من هذا القولِ أنَّ الدفاعَ عن فرضية التلاقح مع الإسلام ما كان غيرَ تكتيكٍ فرضته وضعية اليهود في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، إذ رأى المستشرقون اليهود في العالم الإسلامي بديلًا مُمكنًا عن أوروبا ووضعهم المأساوي فيها لحظتئذٍ؟ قد لا يكون الحسمُ في هذا السؤالِ مُمكنًا بالفعل، غير أنَّ ما لا يمكن إنكاره أنَّ فرضيةَ “التأثير والتأثر” مَثَّلت مطيةً لإضفاء المشروعية على الحضورِ اليهودي في الإسلام، ولعلَّها كانت -بطريقة من الطرق- صدى لفكرةِ الأصول اليهودية للقرآن والإسلام. وإذْ لم يتجاوَز المستشرقون اليهود الأُوَلُ حدَّ الحديث عن التفاعل بين اليهودية والإسلام ورد بعض مناحي هذا الأخير إلى التأثيرات اليهودية السابقة له، فإنَّ المستشرقين الصهاينة سعوا في إثبات التأثير اليهودي، في المستوى الثقافي والحضاري، في كل أحقاب تاريخ الإسلام ومنوماته الفكرية والثقافية. وقد وجد “السَيِّدُ” في كتاب “توري”، الأصول اليهودية للإسلام، دليلًا واضحًا على هذا المنزع؛ فقد أوَّلَ التاريخَ الإسلاميَّ على ضوْءِ المسلَّمة الصهيونية التي تنظر إلى تاريخ العلاقة بين الإسلام واليهودية على أنه تاريخُ صراع وتدافع انتهى بانتصار اليهودية وتأسيس الدولة الصهيونية. لذلك طفق “توري” يُدافع عن وجود اليهود بالمشرق قبل الإسلام وتأثيرهم الكبير في نشأته، “وذلكَ، لو ثبت، يقول “السَيِّدُ”، يعطيهم حقًا في مشاركة راهنة في مصائر المنطقة”[109]. واضحٌ أنَّ أجْواءَ الصراع بين العرب واليهود التي خيمت على عشرينيات القرن العشرين وما بعدها، هي ما يقفُ وراء مثل هذه الفرضيات، وما كان صدفةً أن يمضي في الدفاع عنها مستشرقون صهاينة من اليهود مثل: (هرشبرغ ومن بعده غويتان) الذي يُعَدُّ -وَفْق “السَيِّد”- أوَّلُ من وظف مصطلح “الشرق الأوسط” ودافعَ، خلافًا لما سيَذهبُ إليه “برنارد لويس” فيما بعد، عن المصيرِ اليهودي العربي المشترك، وإمكان التعايش بين العرب واليهود.
مع قيامِ الدولة الصهيونية ما عاد من الممكن الحديث عن استشراق يهودي وإنما عن استشراق صهيوني فقط في نظر “السَيِّدِ”. يصعب أن نُفصل موضوعات هذا الاستشراق عن القضايا التي تناولها المستشرقون اليهود الكلاسيكيون؛ فهو يركز على إثبات دور اليهود في نشأة الإسلام، والتأزم الحضاري والاجتماعي للإسلام عبر مختلف، العصور وصولًا إلى العصر الحديث؛ ومشكلات علاقة العرب بالإسلام واليهود عبر العصور. ويبدو النقاش مع ممثليه عقيمًا اللَّهم إنْ هو اتخذَ صورَ ردٍّ وتسفيهٍ لمزاعمهم عن تاريخ العرب والإسلام. ولعل أطروحات “برنارد لويس” عن “طبيعة العرب” وتأثيرها السلبي في الإسلام وقابليته للديمقراطية، مقارنةً بالإسلام التُركي مثلًا، وموقفه السلبي من فكرة “الوَحْدة العربية” ومستقبل الديمقراطية والمجتمع المدني في المجتمعات العربية … يبقى خيرَ علامةٍ على ذلك.
ومهما يكن من أمر، فإنَّ السردية الصهيونية إذْ تُعيد رسم صورة التاريخ الإسلامي العربي فإنها تفعل ذلك خدمة لمشروعها السياسي في حَيْدٍ تامٍ عن المعرفة “الموضوعية” و”العلمية”. وقد سبق “لإدوارد سعيد”، في تغطية الإسلام، أنْ سَلَّطَ الضوءَ على تسخير الآلة الدعائية الغربية لخدمة تلك السردية، “ورضوان السَيِّدِ” يُشدِّدُ بدوره على أنَّ دراساتِ الشرقِ الأوْسطِ تتغذى من المنظور الصهيوني ومنه تنهل كثيرًا من أحكامها عن العرب ووجودهم، وهو يرى أنَّ تكوينَ وعيٍ نقديٍ بالرؤية الصهونية ودراستها، يظلُّ حاجةً مُلحةً أمام تغوُّلها في العالم الغربي باسم معاداة السامية وسياسة القوى الغربية في الشرق الأوسط[110]. واضحٌ أنَّ الصدام مع الغرب لا يُمَثِّلُ التجليَ الوحيد لعلاقتنا المتأزمة به، وإنما هي تتجسَّدُ -بالمثل- في أزمة معرفته بنا، بالإسلام وتاريخه، كما في الصورة التي ما انفكَّ يرسمها الباحثون الغربيون المتأثرون بالصهيونية أو المحسوبون عليها، عن الحضارة العربية الإسلامية، وهذا ما يعني أنَّ إصلاح حقل الدراسات الإسلامية لا يعني الباحثين العرب والمسلمين فقط، وإنما هو يشملُ الباحثين الغربيين أيضًا، إذ هم مطالبون بتخطي المنظور الصهيوني وفرضياته المؤسسة التي تكرِّس فكرة الصراع والتدافُع بين الحضارات، والإنصات برُوح التفهم للإسلام وتاريخه.
خاتمة: بحثًا عن نموذجٍ مَعرفي في مَجال الإسلاميات.
لم نرمِ من هذه الدراسة -فقط- إلى التعريف بإسهام “رضوان السَيِّدِ” فيما بات يُعرف بخطاب نقد الاستشراق في الفكر العربي المعاصر، من موقعه بوصفه أحدَ أبرزِ العارفين بالاستشراق وتاريخه في الأوساط الأكاديمية العربية، وإنما كان غرضُنا -بالأحرى- التنبيهَ إلى أنَّ مراجعتَه تلكَ تبقى جزءًا من مشروعٍ نقديٍ يسعى في إعادة بناء حقل الدراسات الإسلامية، ومدُّ الفكر العربي المعاصر برؤية نقدية إلى التراث والفكر الغربي تُتيح له تجديد نفسه وجَبْه أسئلة راهنه المتأزِّم. لذلك يصعب الفصل، في خطاب “السَيِّدِ”، بين دور المثقف وعمل الباحث؛ فهو يستند في مواقفه الفكرية إلى نتائجَ اشتغالهِ المستمر على التراث وقضايا الفكر العربي المعاصر، وسرعان ما يلفي القارئ في متنه نفسه أمام خطاب مسكون بأسئلة راهنه ومَهووسٌ بمآل العالم العربي. من هذا المنطلق يُمكن أن نُدرج أعمال “السَيِّدِ” ضمن السياق العام للمشاريع الفكرية العربية التي وعى أصحابها الحاجة إلى تجديد الإسلاميات، ورأوا في ذلك شرطًا لا محيدَ عنه للخروج من “أزمة” الفكر العربي المعاصر. صحيح أنَّ جُلَّ اجتهاداتِ “السَيِّدِ” تركزُ على الحيّز السياسي من تلك الأزمة، غير أنَّ ذلك لا يمنع من الإفادة منها لبناء منظور منهجي ومعرفي تتأسس عليه الإسلاميات اليوم.
لا يريدُ “السَيِّدُ” للاستشراق الكلاسيكي (الفيلولوجي) أن يكونَ النموذجَ المعرفيَّ الذي عليه تتأسس الدراسات الإسلامية، لكنه لا يرى في الاستشراق الجديد، وأنثربولوجيا الإسلام، ودراسات الشرق الأوسط بديلًا فعليًّا عن الاستشراق الكلاسيكي. وفي الأحوال جميعها تبقى الإسلامياتُ مدعوةً إلى بناء نموذج معرفي قادر في البحث على تجاوز دوائر الاستشراق في مختلف صيغه، حتى تستَعيدَ زمام المبادرة في إعادة اكتشاف التاريخ الإسلامي وفهم الحاضر وتحدياته والانخراط الفاعل في الثقافة المعاصرة. تنتمي أعمالُ “السَيِّدِ” التي أفردها لدراسة التراث العربي الإسلامي، وللفكر العربي الحديث والمعاصر، إلى مجال “التاريخ المفاهيمي” الذي يعي خصوصية الإسلام ويقيم حوارية بين النص والواقع بدلًا من الانكفاء في البحث عن أصولٍ مفترضة له؛ كما أنه يُقيم صلةً متينة بين التراث وأسئلة الحاضر في خُطوة ترمي إلى تدقيقِ المفاهيمِ والكشفِ عن مختلف أشكال التوظيف السياسي والإيديولوجي للتراث. لا يكفي -وَفْق هذا المنظور- أن نحصر مُهمة التفكير في الاستشراق في فضح صلته بالمشروع الإمبريالي، ولا أن نُسلط الضوء على محدودية منظوره المنهجي الكلاسيكي، ولا حتى في أنْ نساجل عُتاة الحانقين من أعلامه على العالم العربي الإسلامي… وإنما الأهمُّ التفكير في مجاوزته بتأسيس منظور منهجي ومعرفي نقدي يطوي صفحة التراث الاستشراقي ويلغي صلاحيته، وهذا أمر لا يتم بالرد على المستشرقين وتسفيه مزاعمهم، بل بالإفادة من منجزهم، والاشتغال المتواصل والنقدي على أسئلة التراث والحاضر معًا.
[1] – عبد الإله بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، بيروت؛ مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، 2004، ص. 275.
[2] – عبد الإله بلقزيز، سياسيات الإسلام في الفكر العبي المعاصر، بيروت؛ منتدى المعارف، 2021، ص. 66.
[3] – رضوان السيّد، مفاهيم الجماعات في الإسلام، دراسة في السوسيولوجيا التاريخية للاجتماع العربي الإسلامي، بيروت؛ دار التنوير، 1984، ص. 6.
[4] – رضوان السيّد، أزمنة التغيير؛ الدين والدولة والإسلام السياسي، أبو ظبي؛ دار الكتاب الوطنية، 2014، ص. 220.
* – حول علاقة رضوان السيّد بالاستشراق، خاصة في جانبها المتعلق بسيرته الذاتية، انظر؛ احميدة النيفر، رضوان السيد وأسطورة الحضارة الخالصة، ضمن: الأمة والدولة والتاريخ، دراسات مهداة إلى الأستاذ رضوان السيد بمناسبة بلوغه الستين، بيروت؛ الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2011،ص. 561. وانظر كذلك السيرة الذاتية التي تضمنها هذا الكتاب، ص. 21. راجع أيضا؛ السيد، المستشرقون الألمان، النشوء والتأثير والمصائر، بيروت؛ دار المدار الإسلامي، 2016، ص. 80.
[5] – انظر على سبيل المثال؛ رضوان السيّد، الأمة والجماعة والسلطة: دراسات في الفكر السياسي العربي الإسلامي، بيروت؛ جداول، 2011، ص. 23. وأيضًا؛ رضوان السيّد، الجماعة والمجتمع والدولة؛ سلطة الإيديولوجيا في المجال السياسي العربي الإسلامي، بيروت؛ دار الكتاب العربي، 1997، ص.129.
* – صدرت لرضوان السيد ترجمات لنصوص المستشرقين منها؛ مفهوم الحرية في الإسلام لفرانز روزنتال (1979)، وصلاح الدين وريتشارد قلب الأسد والرحب الصليبية الثالثة لجيمس روستن الابن (2002)، وصورة الإسلام في العصور الوسطى لريتشاردسوذرن (2006)؛ روي متحدة، بردة النبي، الدين والسياسة في إيران، القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2004. (نشر في طبعة جديدة بدار الكتاب الجديد، بيروت؛ 2007)؛ رودي باريث، محمد والقرآن، شرق غرب للنشر، مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، 2008؛ سوزان مارشاند، الاستشراق الألماني في زمن الإمبراطورية، القاهرة؛ المركز القومي للترجمة، 2021.
[6] – السيد، المستشرقون الألمان، ص. 156.
[7] – إيف كيلفارون، إدوارد سعيد، الانتفاضة الثقافية، ترجمة محمد الجرطي، الإمارات العربية المتحدة؛ صفحات، 2017، ص. 146.
[8] – إدوارد سعيد، الاستشراق، المفاهيم الغربية عن الشرق، ترجمة محمد عناني، القاهرة؛ رؤية للنشر والتوزيع، 2006، ص. 177.
[9] – محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم، الجزء الأول؛ في التعريف بالقرآن، بيروت؛ مركز دراسات الوحدة العربية، 2006، ص. 21.
[10] – M. Arkoun, A B C de l’Islam, ou pour sortir des clôtures dogmatiques, Paris, Grancher, 2007, p. 15.
[11] – سعيد، الاستشراق، ص. 93.
[12] – رتشارد سوذرن، صورة الإسلام في أوربا في العصر الوسيط، ترجمة رضوان السيد، الطبعة الثانية، بيروت؛ دار المدار الإسلامي، 2006.
[13] – السيد، سياسيات الإسلام المعاصر؛ مراجعات ومتابعات، بيروت؛ دار الكتاب العربي،1997، ص324. انظر كذلك؛ عبد الإله بلقزيز، نقد الثقافة الغربية، في الاستشراق والمركزية الغربية، بيروت؛ مركز دراسات الوحدة العربية، 2017، ص.197.
[14] – السيّد، سياسيات الإسلام المعاصر، ص. 334.
[15] – عبد الإله بلقزيز، نقد الثقافة الغربية، في الاستشراق والمركزية الغربية، ص.197.
[16] – وائل حلاق، قصور الاستشراق، منهج في نقد العلم الحداثي، ترجمة عمرو عثمان، بيروت؛ الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019، ص. 39.
[17] – A, Abdel-Malek, « L’orientalisme en crise » Diogéne, no. 44 (1963), pp. 109-141.
[18] – Id.
[19] – جعيْط، أوروبا والإسلام، ص. 58.
[20]– عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، بيروت؛ المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 1999، ص. 152.
[21]– عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، بيروت؛ المركز الثقافي العربي، الطبعة الرابعة، 1998، ص. 118.
[22] – انظر مراجعة السيّد لمشروع أركون في: رضوان السيد، التراث العربي في الحاضر، أبو ظبي؛ دار الكتب الوطنية، 2014، ص.163.
[23] – M, Arkoun, Pour une critique de la raison Islamique, Paris, Edition Maisonneuve, 1984. p. 61. Voir aussi : M, Arkoun, Quand l’Islam s’éveillera, Paris, Albin Michel, 2018, p. 89.
[24] – السيّد، المستشرقون الألمان، ص. 13.
[25] – الصفحة نفسها.
[26] – رضوان السيّد، سياسيات الإسلام المعاصر، ص. 335.
[27] – نقرأ له قوله في هذا السياق؛ “..إنَّ هذا الذي تقدم عن أهداف المسلمين والعرب من وراء نقد الاستشراق، يجعلنا نفهم لماذا لم يستطع النقاد الإسلاميون للاستشراق الإفادة من محاولة جادّة كمحاولة إدوارد سعيد الشهيرة”. الصفحة نفسها.
[28] – E, Said, Culture et impérialisme, Paris, Fayard, 2000, p. 68.
[29] – E, Said, L’Orientalisme, op, cit, p. 32.
[30] – Ibid, 121.
[31] – Ibid, 122.
[32] – بلقزيز، نقد الثقافة الغربية، ص. 105.
[33] – ليلا غاندي، نظرية ما بعد الكولونيالية: مدخل نقدي، ترجمة لحسن أحمامة، المملكة لعربية السعودية، الصفحة 7، 2021، ص. 83.
[34] – يقول هشام جعيط معلقا على كتاب الاستشراق؛ “لم يُضف كتاب سعيد شيئا يذكر، لأنه لم يكن يعرف الدراسات الاستشراقية، وليس هذا اختصاصه، وكتابه كله مفعم بالإشارات إلى الأدب الإنجليزي ولا نرى فيه أية ابستيمولوجيا نقدية لآثار غودلتسيهر أو شاخت. انتقاداته وخياراته ذاتية، فهو مثلا يريد أن يحطم فقرة كتبها برنارد لويس، ولويس عالم متوسط الحجم، موسوعي تعليمي، وله خيارات صهيونية، فأهدى لنا قطعة تمثل حقًا أحسن تمثيل هذيان مركب الاضطهاد، وهي مضحكة، ولو لم تكن مأساوية. هذا الكتاب أخذ صدى عند المستشرقين الأمريكان، ليس لشيء سوى أن مؤلفه أستاذ في جامعة أمريكية، وبالتالي فهو يؤخذ بمأخذ الجد. وأخذ أكثر صدى عند المشارقة العرب، لأن مؤلفه فلسطيني الأصل، وكأن الانتماء إلى هذا الوطن المقهور يكفي ليجلب الإعجاب. وأخير فهؤلاء يستحبون جلد المستشرقين حبا في الجلد وليس في الحقيقة انظر؛ عبد الإله بلقزيز، الإسلام والحداثة والاجتماع السياسي (حوارات فكرية)، بيروت؛ مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، 2010، ص. 62.
[35] – M. Arkoun, Pour une critique de la raison islamique, op.cit, p. 32.
[36] – السيّد، الصراع على الإسلام؛ الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية، بيروت؛ دار الكتاب العربي، 2004، ص. 335.
[37] – السيّد، المستشرقون الألمان، ص. 84.
[38] – هاشم صالح، ؛ الاستشراق بين دعاته ومعاصريه، ترجمة هاشم صالح، بيروت؛ دار الساقي، 1994، ص. 21-22.
[39] – حول منجز الاستشراق الكلاسيكي انظر؛ عبد الرحمان بدوي، موسوعة المستشرقين، بيروت؛ دار العلم للملايين، 1993. وانظر أيضا: باريث، الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية؛ المستشرقون الألمان منذ تيودور نولدكه، ترجمة محمد ماهر، القاهرة؛ المركز القومي للترجمة، 2011، ص. 62.
[40] – رضوان السيد، التراث العربي في الحاضر؛ النشر والقراءة والصراع، أبو ظبي؛ دار الكتاب الوطنية، 2014، ص. 119.
[41] – السيّد، المستشرقون الألمان، ص. 84.
[42] – إدوارد سعيد، فرويد وغير الأوروبيين، بيروت؛ دار الأدب، 2004، ص. 77.
[43] – السيد، المستشرقون الألمان، ص. 147.
[44] – E, Said, L’orientalisme, p. 265-266.
[45] – انظر نقدًا لهذه العلاقة ولنتائج توظيفها من طرف سعيد في: سوزان مارشاند، الاستشراق الألماني في زمن الإمبراطورية، ترجمة رضوان السيّد، القاهرة؛ المركز القومي للترجمة، 2021، ص. 31.
[46] – M, Ali Amir-Moizzi et G, Dye, Le coran des historiens, Etudes sur le contexte et la genèse du Coran, Paris, 2019, p.24.
[47] – السيد، المستشرقون الألمان، ص. 144. [التشديد من عندي]
[48] – المصدر نفسه، ص. 148.
[49] – E, Said, Des intellectuels et du pouvoir, Paris, Seuil, 1996, p. 18.
[50] – عبد الإله بلقزيز، نهاية الداعية؛ الممكن والممتنع في أدوار المثقفين، بيروت؛ الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2010، ص. 46.
[51] – السيد، المستشرقون الألمان، ص. 149-150.
[52] – المصدر نفسه، ص.63.
[53] – يوليوس فلهاون، تاريخ الدولة العربية؛ من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة العربية، ترجمة عبد الهادي أبو ريدة، القاهرة؛ المركز القومي للترجمة، 2009.
[54] – انظر حول هذا التمييز، ومفعول الصورة في التمثلات الثقافية الآخر: نور الدين أفاية، الغرب المتخيّل؛ صورة الآخر في الفكر العربي الإسلامي الوسيط، الدار البيضاء؛ المركز الثقافي العربي، 2000، ص. 308. انظر أيضًا؛ عبد الإله بلقزيز، ما قبل الاستشراق؛ الإسلام في الفكر الديني المسيحي، بيروت؛ مركز دراسات الوحدة العربية، 2021، ص. 45. و؛ عبد الإله بلقزيز، نقد الثقافة الغربية، في الاستشراق والمركزية الأوربية، بيروت؛ مركز دراسات الوحدة العربية، 2017، ص. 23. وانظر في موضوع تجذر الاستشراق في الأحكام النمطية وصورتها المتخيلة عن الشرق؛ Norman Daniel, Islam and the west, the Making of an Image, Edinburgh, 1960, p. 7.
* – انظر في هذا الموضوع؛ رضوان السيّد، النشر التراثي العربي، ضمن كتابه: التراث العربي في الحاضر، أبو ظبي؛ دار الكتب الوطنية، 2014، ص. 73.
[55] – السيّد، المستشرقون الألمان، ص. 153.
[56] – I. Goldziher, Etudes sur la tradition Islamique, Paris, Maisonneuve, 1952.
[57] – مارشاند، الاستشراق الألماني في زمن الإمبراطورية، ص. 40.
[58] – عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص. 117.
[59] – انظر دراستي في موضوع الاستشراق الجديد: نبيل فازيو، قرآننا واستشراقهم: قرآن المستشرقين ومشكلة المرجعية، الرباط؛ مجلة النهضة، العدد 25/26، خريف-شتاء 2022، ص. 76.
[60] – السيد، المستشرقون الألمان، ص. 158.
[61] – حول علاقة التاريخانية بالفيلولوجيا راجع؛ عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، بيروت؛ المركز الثقافي العربي، الطبعة الرابعة، 2005، ص. 347 (وما بعدها).
[62] – M. Arkoun, Lectures du Coran, Paris, Albin Michel, 2015, p. 139.
[63] – مارشال هودجسون، مغامرة الإسلام؛ الضمي والتاريخ في حضارة عالمية، ترجمة أسامة غاوجي، بيروت؛ الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2021، المجلد الأول، ص. 112.
[64] – السيّد، التراث العربي في الحاضر، ص. 122. وانظر أيضًا؛ رودي باريث، الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية؛ المستشرقون الألمان منذ تيودور نولدكه، ص. 14- 15.
[65] – السيّد، المستشرقون الألمان، ص.117.
[66] – أندرو ريبين، الدراسات الأكاديمية والقرآن، ضمن مرجع أكسفورد في الدراسات القرآنية، ص. 103.
[67] – Mohammed Arkoun, Penser l’espace Géopolitique Méditerranéen, Rabat, Rives Méditerranéennes, 2019, p. 29.
[68] – السيّد، المستشرقون الألمان، ص. 94.
[69] – المصد نفسه، ص. 94.
[70] – Lorenzo Valla, Refutacion de la donacion de Constantino, Madrid, Akal, 2011, p. 40.
[71] – Jean Greisch, Le Buisson ardent : l’invention de la philosophie de la religion, T.1, Paris, CERF, 2011, p. 221.
[72] – السيّد، المستشرقون الألمان، ص. 95.
[73] – G, Dye, «Le corpus coranique : contexte et composition ». Dans : M, Ali Amir-Moizzi et G, Dye, Le coran des historiens, Etudes sur le contexte et la genèse du Coran, Paris, 2019, p. 744.
[74] -Ibid, p.24.
[75] – ثيودور نولدكه، تاريخ القرآن، ترجمة جورج تامر، بيروت؛ منشورات الجمل، 2004، ص. 148.
[76] – R, Blachére, Introduction au Coran, Paris, Maisonneuve, 1947, p. 9.
[77] – السيّد، المستشرقون الألمان، ص. 113.
[78] – المصدر نفسه، ص. 115.
[79] – سيقدم غوستاف فايل G. Weil (1808-1889)، في كتابه المدخل التاريخي-النقدي للقرآن، فحصًا للأفكار اليهودية والمسيحية الموجودة في القرآن، وهو ما أتاحه له الاعتداد بالمنهج التاريخي الفيلولوجي. وقد سار في هذا المنحى البحثي كلٌّ من كلير تيسدال Clair Tisdall (1859-1928) في كتابه مصادر الإسلام، وهيرشفلد Herschfeld في كتابه بحوث جديدة حول تركيب القرآن وتفسيره (1902). في الفترة نفسها أخضع إغناس غولدسيهر بعض المسلمات الإسلامية، لاسيما منها المتعلقة بالحديث النبوي والبدايات الأولى للإسلام، لمراجعة نقدية جذرية، وخاصة في كتابة دراسات محمدية، الذي أفْرَد حيِّزًا مُهِمًا منه لنقد الحديث ومسارات تشكله. وهي الخطوة عينها التي سيقدم عليها لامانس (1862-1937) وجوزيف شاخت (1902-1969) الذي درس دور الفقهاء في بناء ذاكرة جماعية حددت صورة الإسلام الناشئ، وحكمت عملية تأليف السيرة وجمع القرآن. (شاخت، مدخل إلى الفقه المحمدي). أما نولدكه فقد قدم في تاريخ القرآن نموذجًا آخر لفهم القرآن انطلاقًا من فرضية صدق النبي محمد، لكن ذلك لم يمنعه من تسجيل ما اعتبره تهافتًا في تأويل القرآن للكتاب المقدس. وقد كان لدراسته أثرها الكبير في اللاحقين عليه، سواء تعلق الأمر بتلامذته كشفايلي F. Schwally (1893-1941)، وبيرغشتراسر G. Bergstrasser (1886-1833)، وأوطو برزل Otto Prezl (1893-1941)، أو ببحث موير W. Mouir (1819-1905)، ومن بعده جون بروطون J, Burton (1921-2005)، بل وإلى حدود أونجليكا نوفيرد A, Neuwith (1943-……) وهارالد موتسكي H, Motzki (1948-2019). في هذا المقام لابد من الإشارة إلى أعمال تور أوندريا Tor Andrae حول المسيحية وأصول الإسلام. حيث دافع عن أطروحة تأثر الإسلام بأشكال مختلفة من المسيحية، خاصة نساطرة اليمن، والتقوية السوريانية، ومونوفيزيولوجيو إيثيوببيا. كان السؤال الذي طرحه هذا المستشرق هو؛ لماذا لم يعتنق محمد، بكل بساطة، النصرانية إن كان متأثرًا بها إلى هذا الحدّ؟ لا يعنينا جواب هذا المستشرق بقدر ما يُعنى الباحثون بالسؤال في حدّ ذاته. وهذا غوتر لولينغ، يزعم في كتابه “في القرآن الأصلي” أن القرآن تكوَّن على نحوٍ جزئي في شكل “ترانيم مقطعية استخدمت كليتورجيا من قبل مسيحيي مكة”. بل ويذهب هذا الباحث إلى حدّ القول إنَّ النبي محمدًا كان مجرد عضو في مجموعة مسيحية [نصرانية!] قبل “أن يتخاصم مع آخرين ناصروا عقيدة التثليث؛ لقد نقح نصوصهم الليتورجية ليشطب منها المفاهيم الثالوثية ويصوغ نصّ القرآن الذي نعرف”. من نافل القول إن غاية لولينغ هي البحث عن أصول أولى مسيحية للقرآن، وهو بذلك يسعى إلى ردّه إلى المسيحية [النصرانية]. وهذا الغرض نفسه نجده عند لوكسنبيرغ في كتابه القراءات السريانية-الآرامية، عندما عمل على تصحيح وتقويم قراءة مجموعة من مقاطع النص القرآني [آيات وسور] للوصول إلى النص القرآني الأصلي. ويعتبر هذا المستشرق أنَّ القرآن الأصلي لم يكتب، منذ بدايته، وبرمته، باللغة العربية، وإنما تضمن فقرات ومقاطع بالسريانية، نسيها التراث اللاحق أو حاول أن يقنِّعها بقراءتها على أنها عربية. أمَّا دليله على ذلك فهو أن اللغة السريانية كانت اللغة الرسمية للدولة الإسلامية الأولى، وأن عملية التعريب لم تتم إلاَّ في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. ويبقى بحث غايغر، اليهودية والإسلام، أو ما الذي أخذه النبي محمد من اليهودية، علامة فارقة على حضور فرضية الأصول اليهودية للإسلام عند المستشرقين.
[80]– نيل روبنسون، القرآن والمسيحية، ضمن؛ مرجع أكسفورد في الدراسات القرآنية، ترجمة حسام صبري ومصطفى الفقي، بيروت؛ مركز نهوض للدراسات والبحوث، 2024، ص. 331. وانظر أيضًا: Tor Andrae, Mahomet, Sa vie et sa Doctrine, Paris, Maisonneuve, 1984, p. 59.
[81] – السيّد، المستشرقون الألمان، ص. 115.
[82] – Shoemaker, The Death of a Prophet, p. 146. Cité par : Le coran des historiens, op, cit, p. 763.
[83] – انظر تعليق السيّد على مشروع الإسلاميات التطبيقية لأركون في؛ السيّد، التراث العربي في الحاضر، ص. 161.
[84] – ماكيل كوك، محمد نبي الإسلام، ص. 106.
[85] – كرون وكوك، الهاجريون، ص. 28.
[86] – G, Dye, Le Corpus coranique : contexte et composition, op, cit, p. 756.
[87].- يقول شوماخر في هذا المعرض؛ “إنَّنا نشدد ، بالأحرى، على أنَّ ما يعتبره التقليد العالِم المتحدّر من البارادايم النولدكي معطياتٍ صلبة البناء وبديهية، ليس مؤسسًا في الواقع على فحصٍ للقرآن، بقدر ما يسلِّمُ مسبقًا بالروايات الإسلامية. ليس المقصود اتهام علماء الماضي بعدم التعمق في دراسة القرآن، فمن المؤكد أنهم درسوه بحذرٍ واضح، وإسهامهم العلمي ذو أهمية كبرى من جهاتِ متعدِّدة. لكن منظور القراءة الذي أعملوه في دراسة القرآن واختيار المناهج التي تعتبر مشروعة في حسبانهم، إنما مردُّه إلى صورةٍ معينة، إلى تصور مسبق، يقدمه النص عن نفسه. من هذا المنظور، فإنَّ رفضهم إخضاعَ القرآن لأدوات النقد [المعتمدة في] الدراسات الإنجيلية إنما هو مبنيٌ على مسلمات أكثر منه على وقائع” Shoemaker, The Death of a Prophet, p. 146. Cité par : Ibid, p. 763.
[88] – Ibid, p. 754.
[89] – فرانسوا ديروش، المخطوطات والتقاليد الأثرية: براهين مادية، ضمن؛ مرجع أكسفورد في الدراسات القرآنية، ص. 357. وانظر كذلك دراسته ضمن كتاب قرآن المؤرخين بعنوان؛ F, Déroche, L’étude des manuscrits coraniques en occident, dans, Le Coran des historiens, op, cit, p.655.
[90] – السيّد، المستشرقون ألألمان، ص. 101.
[91] – الصفحة نفسها.
[92] – الصفحة نفسها.
[93] – السيّد، المستشرقون الألمان، ص. 108.
[94] – يقول هشام جعيْط في سياق نقده للاستشراق الجديد؛ “أما عن محمد، فكتاب كوك مقبول وكذرٌ سوى خرافته عن مكة، وأنها كانت موجودة في فلسطين اعتمادا على تفسير خاطئ لآية قرآنية ينم عن عدم فهمه للمعجم القرآني، زيادة على كون هذا محض خيال لا يتماشى مع مجرى التاريخ. وهذه فكرة استقاها من باتريسيا كرون، وهي لا تمثل سوى عدم الشعور بالمسؤولية العلمية (..) إن ما نعيبه عن الاستشراق الجديد انفلاته من عقاله وابتعاده عن الصرامة المنهجية التاريخية بتعلَّة الصرامة ذاتها أو حبا للجديد”، هشام جعيط، تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، بيروت؛ دار الطليعة، 2007، ص. 14.
[95] – السيّد، المستشرقون الألمان، ص. 158.
[96] – عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص. 118. وأيضًا؛ بلقزيز، نقد الثقافة الغربية، ص.188.
[97] – إدوارد سعيد، تغطية الإسلام، ترجمة محمد عناني، القاهرة؛ رؤية للنشر، 2008، ص. 11.
[98] – السيّد، المستشرقون الألمان، ص. 111.
[99] – عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص. 129.
[100] – السيّد، الصراع على الإسلام، ص. 113.
[101] – المصدر نفسه، ص. 117.
[102] – السيّد، الجماعة والمجتمع والدولة، ص. 14.
[103] – أبراهام غايغر، اليهودية والإسلام، ترجمة نبيل فيّاض، بيروت؛ الرافدين، 2018، ص. 87.
[104] – السيّد، سياسيات الإسلام المعاصر، ص. 321.
[105] M, A, Amir et G, Dye, Histoire du Coran : contexte, origine, rédaction, Paris, Cerf,2022, p. 22.
[106] -غايغر، اليهودية والإسلام، ص. 77. انظر أيضًا؛ السيّد، سياسيات الإسلام المعاصر، ص. 304.
[107] – السيّد، سياسيات الإسلام المعاصر، ص. 306.
[108] – المصدر نفسه، ص. 307.
[109] – المصدر نفسه، ص. 311.
[110] – المصدر نفسه، ص. 320.