تكوين
تقديم
إذا كانت السردية، من منظورنا، هي أكبر من البنية النصية ومن الخطاب؛ فهي بنيات وخطابات وتمثلات وتأويلات وحكي وتركيب… إذ السردية التي نقصدها في هذه الدراسة تتجاوز الاستعمالات التي تحصرها في الدراسات الأدبية وفي النقد الأدبي، وفي علم اللسانيات وفي علم الدلالة، وندرجها في إطار الدراسات الثقافية والنقدية التي تأخذ بالمنظور الموسع والمركب[1].
إن السردية أداة نقد وتحليل وتأويل؛ تأويل الدين، والمعرفة الدينية، والتاريخ، والواقع، وهي قراءة في النصوص وفي الخطابات… لبناء حكاية/سردية من خلال النظر في مجموع تلك الأفكار والأحداث والشخوص في الأمكنة والأزمنة المختلفة. إن السردية فوق ذلك تملأ نقصانا في التفسير/الفهم[2]. ويكون صاحب السردية ذا قدرة تجميعية وتحليلية ونقدية وتركيبية، يلعب دورا كبيرا في صياغة بنائها وغايتها ويحدد وجهتها. فهي مجموع جهود الكاتب سواء كان مخترعا لها، أو باحثا إثنوغرافيا في شخوصها وأحداثها وعناصرها. فإن من خصائصها التأسيسية: التكاملية، والنقدية، والتعدد المرجعي، والاستقلالية.
لذلك ذهبنا إلى أن متن الأستاذ عبد الجبار الرفاعي يشكل سردية؛ من حيث تكامل البعد الإنساني والفكري، وبسبب نزعته النقدية الكاشفة للبنيات العميقة للخطابات، ولانفتاحه المرجعي على أكثر من مدرسة فكرية قديما وحديثا، أو داخلية وخارجية، مع الحفاظ على مسافات بحثية موضوعية من المعارف والمدارس والمواقف التي يفحصها أو يشتبك معها، بما يساعده على التأسيس لخطاب معرفي/ يرقى بنظرنا ليكون سردية، بقدر ما هو مبدع وجديد، وبقدر ما هو مستقل ومتفرد في مجال الدراسات الدينية الحديثة. وسنتطرق إلى خصائص السردية الدينية الجديدة عند عبد الجبار الرفاعي من خلال العناصر الآتية:
- عبد الجبار الرفاعي الإنسان
- عبدالجبار الرفاعي المشروع الفكري
- عبدالجبار الرفاعي السردية الدينية الجديدة.
عبد الجبار الرفاعي الإنسان
لا يمكن أن يقرأ الإنسان نصَّ عبدالجبار الرفاعي ويدرسه من دون أن يلمس هالةً إنسانية متوثبة، وعمقا وجدانيا مملوءا بالمحبة، ومملوءا بالرحمة، ومملوءا بالتسامح. إنه نص يغويك بقراءته بسبب من هذه القيم المنغرسة في أعماق الذات الإنسانية، وبهذه المفاهيم المنشطة للحالة الوجودية في كل إنسان. إنه نصٌ فيه الكثيرُ من الحب، وفيه الكثيرُ من التسامح، وفيه كثيرٌ من الكثافة التواصلية مع القارئ. ولا يعني هذا التوصيف أنه نصٌّ بسيط، بل هو نصٌّ مكثّف في مستوى من مستوياته؛ فلغته لغة معتقة وعميقة. لذا تجذبك إلى هذا النصّ أيضا هذه اللغة الباذخة التي يكتب بها الرفاعي وتحضن أفكاره الثرية. تحسّ، عندما تتعمّق في هذه النصوص، بأن عبد الجبار الرفاعي، وبهذا المستوى وبهذا المنظور واستنادًا لهذه القيم، تحسّ بأن هذا الرجل يتخذ دمه وأنفاسه مداده، ويخفي في أعماقه تجربةً حياتيةً قاسيةً جداً؛ ربما في قرية المنشأ، وفي المدرسة، وفي الحوزة، وربما في التنظيم الحركي، وربما في الوطن، وربما في خارج الوطن في الغربة، نتيجة قسوة الوضع السياسي وقسوة الاستبداد، وقساوة الغربة في محطة فارقة من حياة الرفاعي.
أتصور بأنه كان من المفترض أن تنتج هذه القسوة نصًا قاسيًا، وإذا بها تنتج نصًا مملوءا بالتسامح، ومملوءا بالمحبة، ومملوءا بالكثافة المعنوية. لا يفوتني أن أذكر بأنني واحدٌ من الشباب المغربي الذين لعب نصُّ عبد الجبار الرفاعي دورا كبيرا في تحقيق مقصد كبير من مقاصد هذا المشروع الفكري لديهم وهو الإنقاذ؛ إنقاذ الإنسان أولا. ربما كان الرفاعي في البدء يبحث عن نصٍّ ينقذ به ذاته ويحرّر به عقله وعواطفه، لكن سرعان ما أصبح هذا النصُّ أيضا طريقا لإنقاذ وتحرير مجموعة من الشباب؛ إنقاذ الذات واسترجاع هويتها الإنسانية. فعندما بدأنا نقرأ كتابات عبد الجبار الرفاعي في نهاية تسعينيات القرن الماضي، من خلال مجلة قضايا معاصرة، والتي أصبحت مجلة قضايا إسلامية معاصرة، وخاصة المقدّمات العميقة والمركبة والمكثفة التي كان يكتبها بين يدي كلّ عدد من الأعداد، كمدخل للموضوعات المنشورة في محور العدد، كنا نحس بأنه لم ينقذ نفسه فقط، بل يسهم في إنقاذنا نحن أيضا.
فقد كانت الحالة التي كنا نعيشها في أواسط التسعينيات هي الحالة نفسها التي عاشها الرفاعي في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وهي التخلص من النزعة التنظيمية والحركية بكلّ قيودها، وبكلّ ضغطها، وبكل قسوتها على كلّ ما هو إنساني وعاطفي وروحي في الإنسان. لم نكن نعرف البنيات الباطنة والتجارب المخفية في نصوص عبد الجبار. وعندما التقينا به ازددنا ارتواء واستيعابا لسرديته الفكرية.
إن مشروع عبد الجبار الرفاعي هو مشروع إنقاذ ومشروع تحرير، للروح والأخلاق والعقل، ومشروع استرجاع للنزعة الانسانية التي ضاعت في خضم تحويل الدين إلى دوغما وإلى أيديولوجيا كفاحية. فإذا كان الدين بالأصل قد جاء من أجل الإنسان، تكريما، وباعتباره الهدى، فقد أتاه حينٌ من الدهر ضمر فيه البعد الإنساني، حتى كادت أن تنطمس أو تنمحي النزعة الإنسانية فيه، لذا جعل الرفاعي كل همه “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين“، واسترجاع الذات الإنسانية للكائن البشري بالدين، بعدما استعمل الدين لإنهاك الإنسان، ومحو بعده وعمقه الإنساني، الدين الذي قام على التكريم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ) الإسراء/70. وغاص الرفاعي في أعماق الدين لاسترجاع هذه القيم المفقودة.
وبقدر ما نجد من التراحم في هذه السردية الجديدة في الخطاب الديني المعاصر عند عبد الجبار الرفاعي، بقدر ما نجد من اشتباك مع السرديات الأخرى. وأولى هذه السرديات هي السردية التراثية التي قامت على ركيزة أساسية ذات منزع كلامي فقهي، استلبت من خلاله المعنى الديني لذاتها وأخرجته على صورتها وتصورها، فأصبح الدين معادلة فقهية، ومعادلة قانونية، كما أصبح معادلة حلال وحرام. نقرأ هاجس التأسيس لهذه السردية في نصوص الرفاعي منذ منتصف الثمانينات الى الآن. فقد كان عبد الجبار الرفاعي، في بداية الثمانينات وما قبلها، يفكر ضمن السردية القديمة إلى حدّ ما، لكن بعد منتصف الثمانينات سنحسّ بأننا أما كاتب آخر هو عبد الجبار الرفاعي المتوتر المتجدّد. وظل منذ تلك الفترة يتنقل من طور فكري إلى آخر، يتجدّد ويتجذر ويتطور ويتغير باستمرار لكن على قواعد بارادايم عقلي وروحي وأخلاقي مؤطر لهكذا تحولات.
لقد اشتبك عبد الجبار الرفاعي مع السردية التراثية ومازال، بما أخذ منه وقتا طويلا، وأخذ منه جهدا كبيرا، وسبب له ومازال متاعب كثيرة. ولم يسع لحظة، بما تفصح عنه نصوصه، إلى أن يجامل أو يهادن أو يبحث عن الحلول الوسطى[3]. وما زالت المعركة مع السردية التراثية تحتاج إلى أعمال إضافية وإلى جهود مستمرة، لأنها سردية عميقة وقوية ومتجذّرة، وتحكم قبضتها على التمثلات وعلى التصورات وعلى الأفكار وعلى العقول. وأما السردية الأخرى التي اشتبك معها الرفاعي وأنقذ الشباب من أحابيلها وحرّرهم منها، في العالم العربي على الأقل، فهي السردية الحركية، بقسوتها، وبأيديولوجيتها، وبسطحيتها، وبتسييسها للدين. اشتبك معها عبد الجبار الرفاعي على أكثر من مستوى، وخصوصا ما يتعلق منها بتسييس الدين وترحيله من مجاله الأنطولوجي إلى مجال أيديولوجي بما يفقره وبما يهدر النزعة الإنسانية فيه[4].
السردية الأخرى هي السردية العلمانية وخاصة العلمانية المخاصمة للدين، ويعتبر البديل الذي يقدمه عبد لجبار الرفاعي هو اشتباك في حد ذاته مع السردية العلمانية، وإن لم يخصص لنقدها كتابا بعينه. فقد اشتبك عبد الجبار الرفاعي مع هذه السرديات كلها، برغم أنه يملك علاقات وطيدة مع أقطابها ومع رموزها الفكرية. فشبكة علاقاته واسعة جداً ومتنوعة ومختلفة، لكنه عندما يكتب لا يجامل، ولا يداهن، ويكون وفيا لصفة النقدية التي تعتبر الحجر الأساس في سرديته الجديدة.
وهناك سرديةٌ أخرى تحتاج إلى اشتباك خاص من عبد الجبار الرفاعي، وتحتاج أن يتناولها أيضا بالنقد وهي السردية الغربية، في إطار السعي للتحرير المعرفي. فقارئ عبد الجبار يحتاج إلى نص تحرري من مجموعة من المفاهيم والرؤى وزوايا النظر الغربية المرتبطة بالمعرفة الغربية المتحيّزة، بما لا يدعو للانغلاق، لكن بنقد تحيّزاتها، والكشف عن محدوديتا في تفسير الدينامية الاجتماعية وعلاقتها بالدين في سياقنا التاريخي والاجتماعي وفي سياقنا الحضاري. نحسّ بأن ظلال هذا النقد حاضرة في ثنايا سردية عبد الجبار، ظلال نقد وكشف عن التحيّزات الموجودة في النصّ الغربي؛ فهو يكرّر في كتاباته ضرورة “الاستيعاب النقدي للتراث والعلوم والمعارف الحديثة“، حتى إنه خصّص افتتاحية العدد الخاص بـ “التحيز والتمركز في المعرفة” من مجلة قضايا إسلامية معاصرة لبحث “الاستيعاب النقدي للتراث والعلوم والمعارف الحديثة”، أو قوله عند نقده للذين يتفلسفون ضد الفلسفة، ويبالغون، بنظره، في رفض الفلسفة الغربية:
“ولا أعني بذلك أن الفلسفة الغربية ينبغي أن تتسيد فتصبح مرجعية ناجزة ونهائية لكل تفلسف بشري، وإنما تمثل هذه الفلسفة مرحلة من مراحل تطور التفكير الفلسفي. ولن يتوقف هذا التفكير مادام هناك عقل يواصل مراكمة مكاسبه في مختلف حقول العلم والمعرفة.[5]“.
وتوجد أبحاث نقدية أخرى في أكثر من عدد من مجلة قضايا إسلامية معاصرة، بما يوحي بوعي الرفاعي بضرورة الاشتباك النقدي مع المعرفة الغربية، من حيث مفاهيمها، ومناهجها، وأطرها النظرية، وأشكالها التطبيقية، وإمكانات توظيفها في حياتنا الفكرية وفي ممارساتنا اليومية[6].
وكان عبد الجبار الرفاعي جريئا في نقد النزعات الطائفية في العالم الإسلامي، بما هي عامل محبط ومعيق لأي تحرّر، ومكبِّل لأي انتماء إسلامي خارج الطائفة. فعندما كنا نقرأ قضايا إسلامية معاصرة لم نكن نستطيع تصنيف المجلة وكذا مديرها عبدالجبار الرفاعي؛ فقد استطاع تذويب النزعات الطائفية داخل نقاش فكري ومعرفي يشترك فيه باحثون بمختلف معتقداتهم، ومسلمون من السنة ومن الشيعة خارج التصنيف داخل الهوية المذهبية. فعبد الجبار الرفاعي باحث ومفكر لا يشعرك بمذهبية ولا بطائفية، بل يشعرك بعمقه المعرفي والفكري والنقدي وبأفقه الإنساني، في إطار مايسميه بـ ( الإيمانية الإنسانية).
عبد الجبار الرفاعي: المشروع الفكري: معادلة العرض والنقد
يمتد مشروع الرفاعي الفكري بين العرض والنقد والتركيب؛ فقد تعرفنا من خلال كتابات عبد الجبار الرفاعي على أطروحاتٍ مشاريع فكرية لم تكن متاحةً للباحث العربي، وكذا للمثقف الديني الإسلامي؛ تعرفنا على الخصوص على النقاش الديني المعاصر في المشهد الثقافي والديني في إيران؛ واكتشفنا كتابات مصطفى ملكيان ومحمد مجتهد شبستري وداريو شايغان وعبد الكريم سروش من خلال مجلة قضايا معاصرة، أو من خلال كتاب قضايا إسلامية معاصرة، أو من خلال منشورات مركز دراسات فلسفة الدين، أو من خلال مؤلفات عبد الجبار الرفاعي نفسه، خصوصا مدونته الفكرية الخماسية[7].
كما حفلت المجلة بكتاباتٍ نقدية معاصرة من الفضاء الفكري السني؛ فظهرت فيها أبحاث لمحمد عابد الجابري، وطه عبد الرحمن، ومحمد أركون، وعبدالمجيد الشرفي، وأبو القاسم حاج حمد، ورضوان السيد، وطه جابر العلواني، وحسن حنفي، وسيف الدين عبد الفتاح، وعلي حرب، وأبوبكر باقادر، ووجيه كوثراني، وحسن الترابي، وجمال الدين عطية، وطارق البشري، ومحمد عمارة، وتوفيق الشاوي، ومحمد سبيلا، وفتحي المسكيني، واحميدة النيفر، وغيرهم… فتعرفنا على أطروحات فكرية من الفضاء الإيراني لم تكن متاحةً لنا في الفضاء العربي إلى جانب أطروحات في الفضاء الفكري العربي.
لقد كان عبد الجبار الرفاعي قنطرة تواصل فكري، وكان جسراً ثقافياً أساسيا للربط بين هذه المجالات التداولية الثقافية وبين اللغات المختلفة التي كتب بها التراث المعرفي الإسلامي، وخاصة العربية والفارسية. ربما لا تظهر آثار هذا التماس الثقافي الذي أحدثه الرفاعي في واقعنا الفكري والسياسي والاجتماعي الذي نعيش فيه اليوم، ولم يتنبه كثيرون للقيمة التواصلية لهذا الإنجاز الذي قام به على أكثر من مستوى فكري وثقافي. ولكن في السنوات القادمة سنعرف بأن هذا الرجل قام بدور كبير جداً في خلق أجواء حوار وتواصل ونقاش، سيكون أرضية للتواصل بين شعوب المنطقة وربما دولها في بلاد العرب وفي بلاد الفرس، بعدما يهدأ الضجيج السياسي، ويضعف التحريش الدولي بين شعوب المنطقة وبين دولها، من خلال استثمار عناصر التنافر الطائفي والمذهبي وكذا المصالح السياسية العابرة.
لقد ساهم الرفاعي بمشروعه الفكري، وسيساهم أكثر مستقبلا، في تخليص وإنقاذ شباب حيارى وتائهين ومعذبين ومقهورين من ضيق الطائفة إلى سعة الدين والإنسانية، وإخراجهم إلى فضاء فكري إنساني أكثر فسحة. لم يكن بإمكاننا أن نتعرف مثلاً في المغرب على كتابات مصطفى ملكيان أو محمد مجتهد شبستري أو عبد الكريم سروش أو أحمد فرديد أو غيرهم، فكانت قضايا إسلامية معاصرة نافذةَ ضوء ومنتدى فكريا إسلاميا متميزا يسوده الحوار والنقاش الرحب، بين مختلف الحساسيات الفكرية المنتمية إلى الفكر الإسلامي المعاصر.
ولم يكتف الرفاعي بعرض المشاريع الفكرية وحسب بل اشتبك مع أطروحاتها في خضم عرضها؛ فقد انتقد أطروحات كانت في أوجها، وكانت في قمة تألقها، عند الشيعة وعند السنة؛ فلم يكن أحد يجرؤ على نقد أطروحة علي شريعتي مثلا، وهو المفكر والثائر والقديس، وهو ملهم الثورة في إيران، والمثقف الرسولي وملهم الكثير من الثوار الإسلاميين في أكثر من مكان. انتقده الرفاعي من منظور معرفي ونقدي، وفكك أطروحته، وعدّها نوعا من أدلجة الدين، وحالة من حالات إفقاره، وأداة من أدوات تعميق الظمأ الوجودي إلى الدين[8].
ولم يفرط الرفاعي، في المقابل، بالقيمة الفكرية والتاريخية والعلمية والنضالية للأستاذ علي شريعتي، رحمه الله، كمثقف ديني وعضوي. وكما كان الرفاعي جريئا حين انتقد علي شريعتي، وهو يعرف بأن له أتباعا وعشاقا، فقد نقد أيضاً أطروحة أخرى كانت في قمة تألقها وعطائها في تسعينيات القرن الماضي وهي أطروحة (إسلامية المعرفة) التي حمل لواءها المعهد العالمي للفكر الإسلامي. وقد كان لعبد الجبار الرفاعي السبق في نقدها وفي نزع الهالة العاطفية والمسحة المعرفية التي كانت تحيط بها؛ فقد قدّم ورقة نقدية في المؤتمر الدولي المنعقد في اسطنبول 2006 للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، أثارت انزعاج فريق المعهد والمتعاطفين معه. ونشر عدة فصول في نقد أطروحة (إسلامية المعرفة) في مؤلفاته[9].
لم يكن الرفاعي جالساً في بيتهِ ببغداد ويكتب نقدا لأطروحة إسلامية المعرفة، بل كان ينتقدها في مؤتمراتها، وأمام رموزها؛ بحضور طه جابر العلواني وعبد الحميد أبي سليمان وغيرهما من فريق مؤسسي المعهد، كما انتقد شريعتي من داخل المشهد الثقافي الإيراني، وبين تلامذته ومريديه. وعرّف الرفاعي بمن كان ينتقد أطروحة إسلامية المعرفة، ممن تعرضوا للتهميش من بعض مؤسسي المعهد، ومورس نوع من التعتيم على إنتاجهم العلمي، برغم تقاطعاته الجزئية أو الكلية مع الأطروحة؛ مثل كتابات المفكر السوداني محمدأبي القاسم حاج حمد(2004)، بوصفه صوتا نقديا ناقش الأطروحة من مداخل فلسفية وتحليلية خارج بارادايم العلوم الشرعية الإسلامية الكلاسيكية، بعمق معرفي وفكري مميز.
ويرجع الفضل الأكبر للرفاعي في تعريف القارئ العربي والإسلامي بمتن فكري كان مهمّشا، كتبه أبو القاسم حاج حمد، وهو كتاب “العالمية الإسلامية الثانية” الذي صدر سنة 1979 وأهمل. وهو كتاب في فلسفة الدين، ويبحث جدل الغيب والإنسان والطبيعة، ويستند إلى مرجعية القرآن الكريم، مع توظيف محترف، بتعبير الرفاعي في تقديمه للكتاب، لأدوات العلوم الإنسانية الحديثة، والإفادة من معطياتها المنهاجية. وقد استطاع حاج حمد بنظر الرفاعي المساهمة في تفكيك المعرفة التراثية وفي غربلتها وفي دمجها بعناصر أخرى، وصياغة مقولات جديدة ومفارقة لها منهجيا ومعرفيا، إن جزئيا أو كليا، مع احتضانها لروح التراث وعناصره الحية. وكانت محاولة حاج حمد من منظور الرفاعي نقدية وإبداعية وجريئة، بما يساهم في انبثاق السؤال اللاهوتي الجديد. لذلك كان الرفاعي ميالا إلى إبراز الجدة والعمق في أطروحة حاج حامد من خلال التركيز على عنوان الكتاب الفرعي وهو: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، وعدم الحماس للعنوان الأصلي للكتاب: العالمية الإسلامية الثانية. مع أن العنوان الأصلي للكتاب هو في حد ذاته مفهوم تفسيري عند الحاج حمد، يطرح تنامي الدورات الدينية ضمن أربع مراحل[10].
وبرغم ماقد يوحي به العنوان الرئيس للكتاب؛ أي: العالمية الإسلامية الثانية، من نفس دعوي ودعائي، وربما قد يلتبس في ذهن بعض القراء مع أطروحة المفكر السوداني محمد محمود طه (1985)، والمعنونة ب: الرسالة الثانية من الإسلام، فقد حرص الرفاعي على إبراز البعد المنهجي والنقدي في أطروحة حاج حمد، من خلال دراسات كثيرة وحوارات لحاج حامد في مجلة قضايا إسلامية معاصرة. وقد تم بالفعل تكريس الطابع المنهجي لأطروحة حاج حمد باعتبارها معاناة معرفية ومنهجية لايجاد الرابط المفهومي بين جدليتين محتلفتين هما (جدلية الغيب) و(جدلية الطبيعة)، بناء على منهجية القرآن في ربطه بين عالمي الغيب والشهادة في إطار جدلي كوني واحد. وقد استطاع الرفاعي تجاوز التهميش الذي تعرض له الكتاب والكاتب من طرف مدرسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي رغم حرص طه جابر العلواني، رحمه الله، في تقديم طبعته الثانية، 1996، على ربط مشروع حاج حمد بمشروع إسلامية المعرفة؛ إذ قال:
” فوجدت في الكتاب وفي الرجل قاعدة أساسية، نحتاج إليها في بناء إسلامية المعرفة. فالرجل من خلال اتصاله بالقرآن العظيم وتعامله معه على ذلك المستوى المعرفي العالي يشكل إضافة إلى مدرسة إسلامية المعرفة لا يمكن لها أن تجدها في شخص آخر فيما أعرف ويعرف إخواني، فسارعت إلى دعوته إلى الانضمام إلى هذه المدرسة المباركة، وإلى ممارسة جهده في إطارها ومن خلالها، وقد كان[11].”
ولا نعرف ماذا كان؟ في ما قاله الأستاذ طه جابر العلواني؛ إذ ازداد ابتعاد رواد المعهد عن أطروحة حاج حمد، فلم يدخل حاج حمد إلى الأطروحة بل خرج منها طه جابر العلواني نفسه[12]، أو قل بدأ يبتعد عنها تأثرا بأطروحة حاج حمد، والتي مهما حاول طه جابر العلواني، رحمه الله، استيعابها داخل أطروحة إسلامية المعرفة، فإن الأطروحتين مختلفتان، في المدخل وفي المفاهيم وفي المنهج. وهذا ما تأكد في الكتابات الأخرى لحاج حمد، خصوصا في كتاب: منهجية القرآن المعرفية: أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية، أو في كتاب: إبستمولوجية المعرفة الكونية: إسلامية المعرفة والمنهج، وهما كتابان عمل عبد الجبار الرفاعي على نشرهما ضمن منشورات مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ودار الهادي في بيروت.
فقد لعب إذن الرفاعي دورا كبيرا في التعريف بأطروحة حاج حمد وسعى إلى تصحيح أخطاء المعهد العالمي في التعامل مع مفكر وفيلسوف كبير وهو الحاج حمد؛ فبعد أن كلف المعهد حاج حمد بإنجاز دراسة تحليلية ومنهجية لتجديد أطروحة إسلامية المعرفة، كما يحكي حاج حمد في كتاب إبيستمولوجية المعرفة الكونية، امتنع المعهد عن تبنيها، بل عقد لها مناقشة في القاهرة هي أقرب إلى المحاكمة، ثم تخلص من حاج حمد ومن أفكاره المزعجة. وقد تحدث حاج حمد عن أطوار هذه المناقشة/المحاكمة بمرارة شديدة في كتاب إبيستمولوجية المعرفة الكونية[13]. وربما أزعج جماعة المعهد العالمي أن حاج حمد يعتبر نفسه أقرب إلى صاحب الأطروحة الأصلية لإسلامية المعرفة، وصاحب السبق إلى الفكرة، لكن من منظور معرفي معاصر يتقاطع مع أطروحة حاج حمد وهو الفيلسوف الماليزي محمد نقيب العطاس، وكذا حديث حاج حمد عن التهميش الذي تعرض له العطاس، وكذا انتحال أفكاره دون الإحالة عليه[14].
كل هذه الأسباب ذات الخلفية الأيديولوجية وكذا التنافسية كانت مبررا لاستبعاد أي صوت نقدي من داخل أطروحة إسلامية المعرفة التي تبناها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مع سطوة مسحة تراثية/عقائدية على الأطروحة مما حد من فعاليتها، ومن قدرتها الإبداعية، فبقيت في حدود ردود الفعل على التطور المعرفي الغربي، وعلى المشاريع الفكرية والنقدية من داخل المجال التداولي العربي الإسلامي على الخصوص. وفي خضم هذا التنافس المحموم الذي عرفته ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، تعرض حاج حمد للتهميش بعدما صعب دمجه في أطروحة إسلامية المعرفة ببارادايمها التأسيسي المحدود. وجاءت الأقدار بعبد الجبار الرفاعي ليعرف به، وهو الذي يتقاطع مع أطروحته في أكثر من مستوى، كما تبرز ذلك خماسيته الفكرية.
ونشر عبد الجبار الرفاعي ضمن منشورات مركز فلسفة الدين ببغداد (2003) أهم نص نقدي بنظرنا في المشروع الفكري لحاج حمد، وهو كتاب: منهجية القرآن المعرفية: أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية. وكان الرفاعي أشجع الكتاب في التعريف بحاج حمد نشرا ودراسة. فلا يفوت فرصة دون مساعدة القارئ على استخراج الأصول المعرفية والمنهجية التي يتأسس عليها المشروع، وهي عادة الرفاعي في التعريف برموز الفكر الديني المغمورين والمهمشين بسبب من ضباب الحركات الإسلامية السياسية وضجيجها، في العالم العربي أو في إيران على الخصوص.
لقد كان الرفاعي واعيا بالقوة الإبداعية والنقدية في فكر حاج حمد، وكان مدركا لاستلهامه ميراث ابن عربي والمتصوفة. وكان واعيا بقدرة الجمل النقدية لحاج حمد بمساعدة الفكر الإسلامي المعاصر على عبور النفق الذي أغرقه فيه منظرو الجماعات الإسلامية السياسية، ثم بفضل شجاعته النفسية وتحرره من الفوبيا المعرفية من المعرفة المعاصرة ومن عتادها المنهجي ومنجزاتها التحليلية. لقد كان للرفاعي دور منهجي كبير في تثمين فكر حاج حمد، وفي تقديمه مادة نقدية خارج انتظارات الحركات الإسلامية السياسية، وخارج همومها اليومية وصراعها السياسي مع الأنظمة أو مع خصومها الأيديولوجيين. لذلك وجد الرفاعي نفسه يتقاطع مع حاج حمد، وهو الذي، أقصد الرفاعي، قضى فترة مهمة من حياته ضمن هذه الحركات (حزب الدعوة العراقي).
فقد صادف الرفاعي متنا نقديا قادرا على تحرير الفكر الإسلامي المعاصر من المواقف المناهضة للميراث العقلي والروحي الأخلاقي في الإسلام. وتميز الرفاعي بقدرة تعبيرية ورشاقة فكرية فائقة في تقريب مفاهيم حاج حمد إلى القارئ من خلال مقدمته للطبعة الثانية من كتاب منهجية القرآن المعرفية؛ فوضح رؤية حاج حمد المفارقة لعموم الكسب التراثي ومفاهيمه التفسيرية في تطبيق الحدود والقصاص والديات، و الدولة العلمانية في المجتمع المسلم، والحاكمية الإلهية المباشرة، وحاكمية الكتاب، وشريعة الإصر والأغلال التوراتية، وشريعة التخفيف والرحمة القرآنية، ومفهومه الجديد للجهاد، وشرعة السيف، والأرض المحرمة، وغيرها من المفاهيم التي سماها بالنظام المعرفي القرآني، والذي خرج فيه على مشهور وإجماع الفقهاء.
وسلك الرفاعي هذا المسلك التعريفي التركيبي مع متون فكرية ومواقف معرفية كانت تعاني التهميش من طرف القوى المهيمنة على خريطة الفكر الإسلامي المعاصر؛ فعرف بأحمد فرديد[15]، وداريوششايغان[16]، وحسين نصر[17]، وعبد الكريم سروش[18]، كما جعل القارئ العربي ينفتح على رموز الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر في شبه القارة الهندية، وعلى إشكالات النقاش الديني في هذه المنطقة المهمة من الجغرافيا الدينية والثقافية والسياسية للإسلام؛ فكتب عن وحيد الدين خان[19]،وولي الله الدهلوي[20]، وسيد أحمد خان[21]، ومحمد إقبال[22]، وفضل الرحمن[23]… وقدمهم إلى الوسط الثقافي الإسلامي العربي الذي لم يكن يعرفهم بحكم أن أغلبهم يكتب بغير العربية، خاصة الفارسية والأوردية والإنجليزية، وعاشوا في إيران والهند ومابينهما. فأخرج أفكارهم إلى الضوء، وعرضها بمنطق منهجي، وبروح نقدية فاحصة. لذلك قال الرفاعي عن حواراته مع حاج حمد في (دير كيفا) في جنوب لبنان، في تقديمه لكتاب منهجية القرآن المعرفية: “كنا نستغرق في النقاش، ربما صدمتني وجهات نظره، فأغضب وأمضي في رفضها ومحاججتها، لكنه يتعاطى معي بأدلته المقابلة، وهكذا يتواصل حوارنا، من دون أن نتفق على رأي مشترك أحيانا، لكن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية عند حاج حمد.” فخاصية النقدية التي وصفنا بها سردية عبد الجبار الرفاعي كانت حاضرة في كل المستويات العرضية والتحليلية والتركيبية.
عبد الجبار الرفاعي: الحوار أرضية للسردية الدينية الجديدة
أسس عبد الجبار الرفاعي سرديته الدينية الجديدة على الحوار بلا حدود وبدون شروط بين مختلف ألوان الطيف الفكري الديني. لذا نجد في مجلة قضايا إسلامية معاصرة كتابات حاج حمد، وطه جابرالعلواني، وحسن حنفي، وعبد الكريم سروش، ومصطفى ملكيان، ومحمد مجتهد شبستري، وعلي حرب، ومحمد سبيلا، وعبد المجيد الشرفي، الى جانب مفكرين آخرين من تيارات متعدّدة. قام الرفاعي بدور لا يمكن أن يقوم به إنسان عادي، حين عمل على خلق فضاءٍ مشترك للحوار والأنشطة الفكرية من خلال المجلة/ المنتدى الفكري. فقد أسس سرديته على الفكرة والفكرة المقابلة، وعلى الأطروحة وعلى نقيضها، وهو ما نلمسه في كل أعداد المجلة، والتي تجسد جانب من سردية الرفاعي وهو الجانب الحواري؛ إذ تقدم المجلة دروسا بليغة في احترام الآخر وفي تثمين التنوع الفكري والتعددية الدينية. كما تتجسد سرديته في مستوى نصوصها حوارا بين نصوص مختلفة وبين طبقات بعضها فوق بعض.
وعمق الرفاعي سرديته بخاصية الاستقلالية؛ إذ لم يقحم نفسه داخل أية مذهبية فكرية، كما لم يكن صوتا لأية حساسية طائفية، أو أطروحة فكرية مشخصنة. كان مستقلا بتفكيره ومواقفه، مع انفتاحه على كلّ الأفكار بمختلف المستويات. إن نصّ عبد الجبار الرفاعي نص متعدد؛ فيه لمسة إنسانية لكنها إنسانية مؤمنة، وفيه لمسة حركية لكنها غير مسيسة، وفيه لمسة عرفانية لكنها ليست صوفية طرقية، وفيه لمسة علمانية لكنها صديقة للدين ومغموسة في بحره. إنه نص مركب يعبر عن شخصية مركبة، لذلك فهو فوق النص العادي بل وفوق الخطاب، لذلك سميناه سردية. هذه التركيبة هي التي يجمعها عبد الجبار الرفاعي ليؤسّس بها مفهوما محوريا ومركزيا في هذا المشروع، والذي تكلّم عنه في كتبه، وهو ما يسميه “الإنسانية الإيمانية“. فلما كان واعيا بأزمة الوعي الديني في الغرب والرغبة الملحاحة للأكاديميا الغربية في كنسه وطرده من الفضاء العام ومن الحياة، وكان واعيا برحلة المفهوم(Humanism) في الثقافة الغربية وفي متنها الفلسفي والديني، مما انتهى به إلى إنكار الدين في البدء وفي النهاية، والتمركز المدمر واليائس حول ( الأنا)، وإعلان موت الإله، أو القول باختفائه في أكثر التقديرات قربا من الدين، اجترح الرفاعي طريقا ثالثا للإيمانية يجمع بين النزعة الإنسانية والنزعة الإيمانية. وهو يذكرني بكتاب: الطريق الثالث الذي كتبه عالم الاجتماع الإنكليزي (أنطوني كدنز) وكتابه: بعيدا عن اليسار واليمين: مستقبل السياسات الراديكالية.
هذا الربط الذي قام به عبد الجبار الرفاعي فيه من العمق وفيه من الإبداع الذي نراه في كل ّكتبه. فهو يمتلك قدرة على التركيب بين الثنائيات المتخاصِمة، وهي ثنائيات جعلتنا نؤدي ثمن خصوماتها؛ بين الدين وبين الفلسفة، وبين الدين وبين العلم، وبين الماضي وبين الحاضر، وبين العقل وبين النقل… لذا تساهم سردية الرفاعي في بناء نص مزدوج؛ نصٌّ ديني وفلسفي في الوقت نفسه، ونص ديني ولكنه يحتفي بالعقل ويحتضنه ويطلق عنانه. هو نص إذا نزعت منه الفلسفة يفقد الكثيرَ من مقوماته، وإذا نزع منه الدينَ فقد الكثيرَ الكثير من مقوّماته، إذا همش فيه العقل تحول إلى خرافة. إنه ربط بين الدين وبين الفلسفة، وربط بين العقل وبين الروح.
تقدم سردية الرفاعي تركيبا كيميائيا/ معرفيا ومنهجيا بين البعد الديني والبعد الفلسفي، بما يثري أطروحتين تلقيناهما على أنهما أطروحتان متناقضتان؛ أطروحة ابن رشد (فصل المقال) في الصلة بين الحكمة والشريعة، وأطروحة الغزالي في (مقاصد الفلاسفة وفي تهافتهم)، مع أن الغزالي هو أيضاً كان يسعى للربط بين الفلسفة والدين من خلال الربط بين المنطق وبين أصول الفقه، كما في (المستصفى).
إن سردية عبد الجبار الرفاعي هي مقترح جديد لإعادة بناء العلاقات بين الإنسان وبين الله. إعادة بناء هذه العلاقة من خلال تصحيح صورة الله في الأذهان، من الله العنيف، الله المعذِّب، الى الله الرحمة، الله المحبة. وهي فكرة تدور عليها مدونته الخماسية. كما يسعى الرفاعي ليعيد القيمة والقوة للدين كلازمة من لوازم الحياة وليس كأيديولوجيا. هذه السردية التي تنطلق من الكلام الجديد في الدين.
يمكن أن نستنتج في الأخير أن سردية عبد الجبار الرفاعي تتقوم على المزج الذكي والعميق والمكثَّف بين الفلسفة والعرفان والكلام الجديد. ويميزها نصٌّ تنصهر فيه نصوصٌ كثيرة؛ فنصُّ الرفاعي ليس نصا واحدا، إذا تأملت فيه وتعمّقت فيه وأعدت قراءته، ستجد بأنه عبارة عن عملية عجن وجمع وتركيب لنصوص كثيرة، تنمّ عن نظرٍ ثاقب في الذات الإنسانية، وأيضا عن تبحر في النصِ الديني وفي تاريخه. وهو نص/بؤرة في سردية تصالح المثقف في العالم العربي والإسلامي أولاً مع الدين بعد خصومة، وهو أيضا أرضية تؤسّس لمشترَك بين مثقفين يساريين وعلمانيين وإسلاميين ومسلمين وغير مسلمين، ويُخِرج الدين من نفق التمثل التقليدي السائد، وهو الذي يرى الدين حالةَ صراع أيديولوجية، وعنصرَ تأزيم وتفرقة. وتأتي سردية الرفاعي لتحوله إلى عنصر تزكية روحية وسمو أخلاقي وتواصل وبناء مشترَك.
وعندما نطرح مفهومَ الدين كمحدِّد أساسي لهذه “السردية الدينية الجديدة” ومفهوم الإنسان فيها، وعندما نطرح مفهومَ الدين في جدلية الغيب والشهادة، وأيضا مفهوم الإنسان في جدل الكرامة والعبودية، يبقى سؤال معلق: أين يوجد التاريخ، فالتاريخ له مكرُه وله أثره، بمعنى أين موقع التاريخ في هذه السردية؟ أخاف أن يكون المشروع من دون استحضار التاريخ حالةَ استعادةٍ دائرية لتجارب نعيشها، مثل بعض التجارب الموجودة في آسيا وفي والهند وفي باكستان وفي إيران وفي اندونيسيا وفي ماليزيا وفي الأناضول. أتصور بأنه حتى لا يقع نوعٌ من المصير الدائري ونعودُ الى الدرجة الصفر لانطلاق المشروع، نحن بحاجة الى وضعه داخل سياق تاريخي، بمعنى جدل التاريخ، واكتشاف موقعه في التاريخ. أقول إذا كان باومان في نقد ما بعد الحداثة قد تكلم عن أن الحداثة خرجت من الصلابة الى السيولة، أعتقد بأنه عندنا وقع الأمر نفسه بمعنى سقط الدين في حالة سيولة وجاء عبد الجبار الرفاعي ليرجعه الى الحالة الصلبة التي يتأسّس عليها بأسس واضحة. هذه الحالة الصلبة هي التي وضعت مشروع الرفاعي في سياقه التاريخي، عندما أسسها على الايمان بالوحي والقرآن الكريم والنبوة والتوحيد، وهي الأصول المحورية التي تحمي المسلم من التشتت والضياع، وتحمي الدين من السيولة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1]-Anna L. peterson, Religious Narratives and Political Protest, Journal of the American Academy of Religion, Vol. 64.1 (Spring, 1996), pp. 27-44.
[2]– لتعميق مفهوم السردية وعلاقتها بالحكي والتاريخ والذاكرة والتأويل، خصوصا تأويل المعرفة الدينية، ينظر: بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق د. جورج زيناتي، منشورات دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى، بيروت، 2009، التمثل والسرد، ص359-374.
[3]– ينظر: عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، منشورات دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الرابعة، بغداد، 2022، الفصل الخامس، التدين السلفي يفقر الحياة الروحية والأخلاقية والعقلية، ص199-211.
[4]– ينظر: عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، الفصل الثالث، التجربة الدينية الظمأ الأنطولوجي، ص125-155.
[5]– عبد الجبار الرفاعي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي،منشورات مركز دراسات فلسفة الدين ودار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، بيروت، 2019، ص152.
[6]– يرجع إلى أعداد من مجلة قضايا إسلامية معاصرة: العدد الخامس عشر 1422/2001، محور: الاتجاهات الجديدة في علم الكلام، الجزء الثاني، والعددان 24-25، صيف وخريف 2003م1424، محور: التباسات المفاهيم في الفكر الإسلامي المعاصر، الجزء الأول، التباس مفهوم الليبرالية، والعدد26، شتاء2004/1424، محور: التباسات المفاهيم في الفكر الإسلامي المعاصر، الجزء الثاني، والعدد 51-52، صيف وخريف 2012/1433ن محور: رهانات الدين والحداثة، الجزء السادس، الإيمان والتجربة الدينية، والعدد57-58، شتاء وربيع 2014/1435، محور: الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية، الجزء الثاني. كما يمكن الرجوع إلى عبارة عن حوارات حرره عبد الجبار الرفاعي بعنوان: الدين وأسئلة الحداثة: محمد أركون ومصطفى ملكيان وعبد المجيد الشرفي وحسن حنفي، منشورات دار التنوير ومكتبة الفكر الجديد، وكتاب: الهرمنيوطيقا والتفسير الديني للعالم، وكتاب: الايمان والتجربة الدينية.
[7]– ونقصد بها: الدين والنزعة الإنسانية (2018)، و: الدين والاغتراب الميتافيزيقي (2019)، و:الدين والكرامة الإنسانية (2021)، و: مقدمة في علم الكلام الجديد (2021)، و: الدين والظمأ الأنطولوجي (2023). وكلها من منشورات مركز دراسات فلسفة الدين مع ناشرين /شركاء مختلفين، بين بغداد وبيروت.
[8]– عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، منشورات دار الرافدين، ومركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، الطبعة الرابعة، الفصل الرابع، المثقف الرسولي علي شريعتي، ترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا، ص157-197، وكتاب: الدين والنزعة الإنسانية، ص73-93.
[9]– عبد الجبار الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، إسلامية المعرفة أيديولوجيا وليست معرفة، ص155-170. و: مفهوم التحيز والتمركز المعرفي في التفكير الديني الإيراني المعاصر، ص289-300. و: المرجعيات الكلامية للفقيه وأثرها في توجيه عملية الاستنباط، ص95-109. وكتاب: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، عندما يتجاوز الدين حدوده، ص129-153.
[10]– هي دورة آدم، ويسميها حاج حمد: الدورة العائلية، ودورة بني إسرائيل، ويسميها: الدورة القبلية، ودورة الأمية، ويسميها: العالمية الإسلامية الأولى، التي شملت غير الكتابيين، مابين المحيطين: الأطلسي غربا والهادي شرقا، منطلقة من (الوسط) في العالم القديم. ودورة العالمية الشاملة، ويسميها: العالمية الإسلامية الثانية. ويقصد بها الهدى ودين الحق على مستوى العالم كله، فيستوعب ويتجاوز كافة الأنساق الحضارية والدينية والمناهج المعرفية لما تبقى من الشعوب الأمية غير الكتابية وتلك الكتابية. ينظر: محمد أبو القاسم حاج حمد، جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، العالمية الإسلامية الثانية، منشورات مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ودار الهادي، الطبعة الأولى، بيروت، 1425ه/2004م، ص8.
[11]– محمد أبو القاسم حاج حمد، العالمية الإسلامية الثانية، جدلية الإنسان والغيب والطبيعة، منشورات دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، بيروت، 1416ه/1996م، المجلد الأول، ص10.
[12]– وهو أمر انتبه له حاج حمد عندما قال في كتابه: إبستمولوجية المعرفة الكونية، إسلامية المعرفة والمنهج: ” أما المعهد العالمي للفكر الإسلامي في ولاية فرجينيا، فلم تكن أفكاري في موضع الإجماع ولو النسبي بالنسبة للقائمين عليه باستثناء الأستاذ الدكتور طه جابر العلواني الذي تخلى عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، بحمد الله، ولكن بعد أن كان أضفى على دراسته مسحة من التجديد النوعي (…) فهو الوحيد وبمعية زوجته الأستاذة الدكتورة الفاضلة منى أبوالفضل من وقف إلى جانبي حتى أنني عينت في فترة من الفترات مستشارا لذلك المعهد.” منشورات مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ودار الهادي، الطبعة الأولى، 1425ه/2004م، ص27-28.
[13]– حاج حمد، إبستمولوجية المعرفة الكونية، ص84-87.
[14]– حاج حمد، إبستمولوجية المعرفة الكونية، ص81.
[15]– عبد الجبار الرفاعي، أحمد فرديد: فيلسوف ضد الفلسفة، مجلة الكوفة، السنة2، العدد3، صيف2013، ص9-22.
[16]– عبد الجبار الرفاعي، الفيلسوف المغمور داريوششايغان: من (الذاكرة الأزلية) إلى ( الهوية أربعين قطعة)، مجلة الكوفة، السنة1، العدد2، شتاء2013، ص35-62.
[17]– عبد الجبار الرفاعي، حسين نصر: الجسد للغرب-الروح للشرق، مجلة الكوفة، السنة3، العدد1، شتاء2014، ص9-26.
[18]– نقل عبد الجبار الرفاعي في مجلة قضايا إسلامية معاصرة النقاش الحاد الذي عرفه المشهد الثقافي الإيراني حول تكامل المعرفة الدينية، والذي كان يحمل عنوانا بارزا؛ وهو: القبض والبسط النظري للشريعة، والذي سيكون أحد الكتب الأساسية للمفكر الإيراني عبد الكريم سروش. وقد تفجر النقاش أول مرة في مجلة ( كيهانفرهنكي= العالم الثقافي)، سنة 1988، وكان نقاشا دينيا مشحونا بين المحافظين والإصلايين في الفكر الديني. وجمع سروش أفكاره في كتاب سنة 1991، وتجاوزت الردود عليه سبعين كتابا ومقالة. وأصبح اسم عبد الكريم سروش عنوانا لضجة فكرية في إيران، وأصبح مقروءا بشكل كبير جدا داخل إيران وخارجها، خصوصا وأنه انشق عن نسق الثورة الإسلامية، ووجه سهام نقده إلى رجال الدين وإلى المعرفة الدينية. ونقل عبد الجبار الرفاعي أجواء هذا النقاش/ الاشتباك إلى القارئ العربي، تعريفا ونقدا.( ينظر: مجلة قضايا معاصرة، العدد الخامس عشر، 1422/2001). وظل عبد الكريم سروشا حاضرا بأفكاره في المجلة، بل اشتبك معه الرفاعي نفسه في أفكاره الأخيرة، ونشر مقالات نقدية له بعنوان: مناقشة الرؤى الرسولية لعبد الكريم سروش، نشرها أكثر من منبر ومن موقع، وضمنها الرفاعي أحد كتبه. بما يعني أن الرفاعي كان ينشر لكتاب يختلف معهم جزئيا أو كليا، ولكنه كان مشبعا بروح الحوار والنقاش واحترام المختلف. ( ينظر: عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، منشورات دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين، الطبعة الثالثة، بغداد، يناير 2023، مناقشة الرؤى الرسولية لعبد الكريم سروش، ص146-158.)
[19]– عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، ص166-169.
[20]– عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، ولي الله الدهلوي: الوحي ثمرة القدرات العقلانية وعون الملاك، ص170-173.
[21]– عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، سيد أحمد خان: الوحي هو العقل الإلهي في النفس، ص173-178.
[22]– عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، محمد إقبال: ختم النبوة يعني استغناء العقل عن النبوة، ص179-185.
[23]– عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، فضل الرحمن: القرآن بتمامه كلام الله، وبتمامه كلام محمد، ص185-189.