“سيّدة المدينة”: بحث في صورة المرأة الكنعانية ودورها

 تكوين

مقدّمة

ما نرثه من فكر ثقافي يصل إلينا عن طريق الكلمة والصورة يختصر وجدان وبيئة من أبدع باللغة والفن منذ نشوء الحضارات حتى عصرنا الحاضر. إنّ قراءة معمّقة في لغة الأساطير ومدلولات النقوش وعناصر الصورة تشكّلُ أداة للتعامل مع الرموز وتفكيكها وتحليل معانيها، للولوج من الباب الواسع إلى الفكر الميثولوجي، الذي بناه الإنسان للإجابة على تساؤلاته الوجودية.

من هذا المنطلق نتناول فكرة الممالك التي تظهر وتزدهر ثمّ تضمحلّ بإرادة الهيّة، ترعاها آلهة متعدّدة الصفات والأسماء. لكل مدينة سومرية، أو بابلية، أو أشورية آلهتها الحامية. هذا التقليد استمرّ منذ تأسيس المدن الكنعانية من خلال موروث ثقافي يتكامل مع الرموز والسردية والمشهدية الخاصة بسيّدة المدينة. سنحاول، خلال عرض أهم المكتشفات الأثرية من نصوص أوغاريتية وتوراتية، ومن نقوش وصور للحكّام والآلهة تعود إلى الفترة الكنعانية، مقاربة صورة “السيّدة والربّة” قرينة اله المدينة، حامية للمدن وللملوك ومقارنة رموزها مع الفكر الميتولوجي لبلاد ما بين النهرين.

تتزامن الفترة الكنعانية مع العصر البرونزي في بلاد الشام والذي يتميّز بظهور المدن والثقافة الحضرية المتطوّرة. في ذلك الوقت اتّخذ الدين طابعاً سياسياً وارتبط  بشكل وثيق بالمدينة، وكانت الإلهة الأنثى تقترن تقليديّاً بشريك ذكر وتقوم بدور عالي الأهميّة من حيث قرّبها من الحكّام والملوك، إذ تكون مُلهمتهم وحاميتهم. وفقاً لذلك وَضعت كل مدينة نفسها تحت حماية الهة أنثى محدّدة تضمن للملك استمرارية الحكم وللمدينة الازدهار ولسكّانها الرخاء.

إنّ حماية معظم المدن الكنعانية بواسطة الهة راعية لا ينفصل عن سياق التقاليد الشرقية التي تعكس تداخلا بين عناصر التقليد المحليّ وقوّة النزعة الإقليمية ، بالإضافة إلى تأثير القوى المهيمنة، كما تُظهره تحاليل رموز الصورالتي تُجسّد الآلهة الحامية للمدن التي تحدّد الاتصال الوثيق والتأثير العميق القائم على الرمزية التصويرية في الفن المصري وفن بلاد الرافدين على حدّ سواء.

تولي التقاليد الكنعانية المحليّة أهمية بالغة للالهة عشترت (استاريته باليونانية) وتضعها في صميم السلطة الملكية. عشترت ترث نظيرتها السومرية والبابلية عشتار، الشخصية الأنثوية الأبرز في الميثولوجيا الشرقية، فهي الهة الحب وضامنة الخصوبة، الهة الحرب والصيد، هي أيضاً الإلهة السماوية المرتبطة بكوكب الزهرة، نجم الصباح والمساء وهي بلا منازع الهة المدن وحامية ملوكها. لم تكن صورة عشترت واحدة لا تتبدّل في الديانة الكنعانية، اذ  نراها تتجلّى بشخصيات، صورها مختلفة الاّ ان رموزها متماثلة لتصبح الهة الألف اسم والألف صورة: عشترت، اتارغاتيس، تانيت، عناة في الفترة الكنعانية والفينيقية، وهي افروديت وفينوس في الفترات اليونانية والرومانية.

صورة عن عشتار البابلية والسومرية

عشتار البابلية والسومرية تُجسّد الأمومة تتجلّى كإمرأة عارية وأعضاؤها التناسلية بارزة. غالبا ما تُصوّر رافعة لثدييها في إشارة إلى الخصوبة، مجسّدة قوّة الحياة والأمومة الالهية كما وثّقتها المكتشفات الأثرية في تلّ العجول، جنوب غزّة، التي تعود إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد. نذكر منها قلادة ذهبية تظهر الإلهة عشتار عارية وأخرى على شكل نجمة ذات ثمانية رؤوس التي تمثل إحدى سمات الإلهة. صورة أخرى لعشتار واقفة على أسد، وهو أحد رموزها، تمسكه بسلاسل وترتدي التاج الأسطواني يعلوه قرص على شكل نجمة مكتشفة في تلّ الأحمر، وهو موقع أثري سوري على الضفة اليسرى لنهر الفرات، حيث كان الأشوريون يُجلّونها كآلهة حرب. في بعض الأحيان تتجلّى الإلهة وهي تتمتّع بصفات تجمع بين الذكورة والانوثة، مثل كوكب الزهرة الذي يكون مؤنثاً كنجمة المساء ومذكرا بنجمة الصبح. إلاّ أن الصفة الحربية لها كانت أكثر طغيانا،ً فقد صوّرها ختم أسطواني آشوري نادر بمواجهة الإله (آمورو) كإلهة محاربة وهي تحمل سلاحا بيدها وتضع قدمها على حيوانها المفضل الأسد. في نصٍ أوغاريتي من “ملحمة بعل”، هناك نَشيدُ يسرد معركة ملحمية تقودها عناة، شقيقة وزوجة الاله بعل، في مواجهة الاله “يمّ” العدو اللدود لبعل، حيث تظهر عناة في المقطع الأوّل من النص الإلهة المحاربة الشرسة ، يليه مقطع آخر يسرد ما بعد المعركة حيث تعود عناة إلى بيتها لتصبح الإلهة البتول التي تُعيد ترتيب مملكتها وتُنعت “بيمامة السلام”.

” … ها هي عناة تقاتل في الوادي تصارع بين مدينتين، تقاتل شعب شاطئ يمّ تبيد الانسان … تتدحرج ارلؤوس كالجراد…. حين شبعت من القتال …. تغسل يديها البتول عناة اصبعها تغسل يمامة الشعب تغسل ….” (قراءة عمر حكمت الخولي المصدر: ترجمات ودراسات موقع دالت https://dalet.org/2024/11/07/anat_battle_ktu_1-3/)

خلال العصر الفارسي العيلامي، نلحظ أن الإلهة نارودي ترتدي تاجاً بثلاثة أزواج من القرون يعلو شعرها الصوفي المتدرّج ذو النمط السومري، وعند أسفل قدميها يظهر، أسدان مستلقيان يرمزان للالهة أنانا وتفصل بينهما باقة من الزهور.

تجدر الإشارة هنا إلى أن كل هذه التماثيل تمّ ذكرها في العهد القديم “كأصنام الأمم” في صموئيل ألاول 5:1. 

آلهة المدن الفينيقية

كانت آلهة الفينيقيين ذات بنية مشتركة ومميّزة. في الأعلى كان هناك زوجان يتكوّنان من بعل “سيّد” المدينة الذي تختلف هويّته حسب المركز، والهة “سيّدة” غالبا ما تكون “عشترت”. آلهة حماة لمنطقة شاسعة تتألف من عدّة مدن تتميّز كل منها بوجود نبع مياه ومعابد تعود للعصر البرونزي والحديدي (الألف الثالث والثاني ق. الميلاد) بما في ذلك معابد للالهة الراعية وزوجها.

في النقوش الفينيقية في مدينة جبيل التي تُعدّ أقدم المدن الفينيقية والتي كان لديها علاقات مُميّزة مع مصر تُذكرّ بعلت جبل ” سيّدة جبيل” الإلهة الأعظم والتي قد تمّ الربط بينها  وبين عشترت وعناة وأشير وأفروديت وايزيس وحاتور. كما أنّ البحث عن جذور اسمها يستند إلى فرضية أنّ “سيّدة جبيل” لا يمكن أن يكون اسم علم، نظراً لغموض معناه. إلاّ أنّ قواعد الكتابة في النقوش الجبيلية التي تميّز بين أسماء العلم والألقاب، تُثبت أنّ سيّدة جبيل كانت تعتبر بالفعل اسماً علماً لدى أهل جبيل القدماء. وفي الألفية الأولى  قبل الميلاد، كرّم ملوك جبيل الاهتهم “بلت جبل” باللقب نفسه “ربّة جبل”. وقد ذكرها يهوملك، ملك جبيل، في نذره لها: “صنعتُ لسيّدتي (ربّة) جبيل هذا المذبح البرونزي القائم في هذه الساحة وهذه البوابة الذهبيّة المقابلة لبوابتي والقرص الذهبي المُجنّح … وهذا الرواق بأعمدته وتيجانه وسقفه“.

على لوحة جبيل تظهر الإلهة، جالسة على عرش مرتدية زيّ ايزيس حاطور، على هيئة وسمات الإلهة المصرية الكبيرة. يعتلي رأسها قرص شمسي يحيطه قرني بقرتين. ترفع يدها اليُمنى مفتوحة في اشارة الحماية والمباركة بينما تُمسك بيدها اليسرى صولجاناً طويلاً من ورق البردى. من جهة أخرى يظهر الملك مرتدياً زيّ فارسي يُقدّم لها القرابين. يعلو المشهد بأكمله قرص مُجنّح وهو رمز شمسي.

يبدو أنّ الدراسات التي كشفت أنّ عشتار البابلية هي ذاتها “بعلت جبل” تفترض مسبقا أنّ الإلهة الكنعانية هي الأعظم، وترتبط احياناً بـ “بعل شميم” أي “اله السماوات” إلا أنها في فترات لاحقة اقترنت بزوج على شكل اله شاب يحمل لقب “السيّد”، “أدون” الذي اشتقّ منه اسم البطل “أدونيس” في المصادر اليونانية، وهو شبيه الاله أنكي السومري في دوره المخصب لكل شيء.

في مدينة صيدا، كانت عشترت قرينة أشمون اله الشفاء وبعل المدينة وكان الملوك يحملون لقب “كهنة عشترت”. يشير النص المكتوب بالأحرف الفينيقية على نعش اشمونعازار الثاني المصري الصنع، إلى ملك الاخمينيين زركسيس الأوّل “سيّد الملوك” الذي يذكر أنّ والدته كانت “كاهنة عشترت سيّدتنا” وأنّ سلالته شيّدت معابد “للالهة عشترت والاله بعل صيدا”.

أمّا في مدينة صور، فقد وُثقت عبادة عشترت لكن النصوص تشير إلى أنّ المدينة كانت تحت حماية الاله ملقرت ( Melqart) الذي “ينتصر على الموت ويُبعث من جديد”، ضامناً ازدهار الطبيعة ويلعب دور المؤسّس للمستعمرات الفينيقية، لذا انتشرت عبادته في أنحاء الحوض المتوسط. تظهر دوما عشترت قرينته إلى جانبه تقدّم دعماً فعّالاً لممارسة قرينها لوظائفه المَلَكية وحماية المدينة والسكان.

في السياق الديني للمدن الكنعانية تحت الحكم البطلمي، كانت عشترت تُعرف بأفروديت، وهذا ما يؤكدّه النقش اليوناني الذي وُجد في مغارة “وسطة” الواقعة بين صور وصيدا في لبنان والتي أطلق عليها الأثريون اسم “مغارةعشترت “. يذكر النص أنّ الإلهة ” تستمع بانتباه وتمنح النوايا” لاسيما تلك المتعلّقة بمسائل الخصوبة. في هذه الحالة يُعزّز وجود الالهة التقليدية المحليّة التي أوّلت أهميّة كبرى للحامية عشترت التي تُعتبر أساس السلطة الملكيّة.

يُشير فيلون الجبيلي في كتاباته إلى الآلهة أحياناً باللغة اليونانية وأحياناً بالكتابة الفينيقية، لكنّه يحرص على توضيح المطابقة في ذكر اسمين لنفس الاله باللغتين. يكتب عن “عشترت العظيمة التي وضعت رأس الثور كتاج على رأسها رمزاً للمَلَكية، إنّها وبينما كانت تجوب العالم، رأت نجماً يُحلّق بالسماء، فحملته معها لتُكرّسه في جزيرة صور المقدّسة،… عشترت بحسب الفينيقيين ليست سوى أفروديت”.

في هذا النص نرى عشترت العظيمة، السماوية، تحكم بقوّتها الالهية (ممثلة برأس الثور)، وتحرس مدينة صور ليلاً ونهاراً، ومن خلال هذه المشهدية، تسخّر عشترت كلّ قوّتها لحماية المدينة.

من بين الاكتشافات الأثرية على الساحل الفينيقي المتعلّقة بالإلهة، عروش منحوتة يبقى أشهرها العرش الذي وُجد في معبد أشمون قرب مدينة صيدا. من الشائع أن تخلو العروش النذرية من تمثال الإلهة الذي يُستبدل بالرموز الخاصة بعشترت، كالأسدين المُجنّحين بوجه إنسان ويعلو رأسيهما التاج المصري المُزدوج، كما الزخرف النباتي كالنخلة أو شجرة الحياة المنقوشة على واجهة العرش.

على أحد العروش النذرية المكتشفة في مدينة جبيل والمحفوظة في المتحف الوطني في بيروت، يبرزنقش لشخصين يرتديان ثوباً طويلاً منسدلاً، يواجهان بعضهما بعضاً، ويصبّان الماء في مشهدية “السكب والتنقية” المُعتمدة في الطقوس الدينية، حيث عملية التطهير تجري عبر استعمال الماء والنار. في القسم الأعلى من الصورة يتجلّى القرص المُجنّح المصري الذي أصبح رمزاً مقدّساً للعمارة الفينيقية رغم ارتباطه الوثيق بالمملكة الفرعونية إذ نجده في المعابد والمسلّات الكنعانية والذي كان إرنست رونان أوّل من وثّقه في عدّة مدن فينيقية.Ernest Renan, Mission de Phénicie, 1964))

تجدر الإشارة هنا إلى أنه من القرن الثامن إلى القرن الرابع قبل الميلاد، اتّخذت أقراص الشمس المُجنّحة في التراث الفينيقي طابعاً مصرياً تميّزت بأقراص مُجوّفة أو حلقيّة وأجنحة طائر مستطيلة ومفتوحة. من الواضح أنّ النموذج المُصمّم لاعتلاء رأس عشترت يتناسب مع هامة الإلهة، وفي معرضٍ آخر يكفي تصوير هذه الأقراص للدلالة على عشترت المُتوّجة.

في تجلٍّ آخرلعشتار تظهر الإلهة أتارغاتيس. يؤكد الباحث رونزفال أنّ “أتارا” هي ببساطة الشكل الآرامي لعشتار- استارتي. كلمة “تر” تعني الهة في الآرامية وتعني كوكب الزهرة. فتكون اتارجاتيس صيغة آرامية- يونانية موجودة منذ القرن السادس قبل الميلاد. هي “الإلهة السورية” الهة النباتات وحامية خصوبة الأرض وربما البحر أيضاً. تمثُل الإلهة بين وفرة الفاكهة وكروم العنب والنباتات الأخرى ويُتوّج رأسها نسر يرمز للاله “قَوس” اله العواصف والحرب لدى الأدوميين (قبائل سامية استقرّت في جنوب الأردن وفلسطين). كما انّ قطعاً نقدية إغريقية من هيرابوليس/بامبيك، مدينة منبج الحالية في شمال سوريا ، الصادرة بين عامي 342 و 331 قبل الميلاد، تُظهرتمثالاً نصفياً لأتارجاتيس، وهي ترتدي تاجاً، وإلى يسارها هلال ودائرة. في ظهور آخر على الوجه الخلفي لقطعة نقدية، نشهد الإلهة اتارجاتيس تمتطي أسداً وترتدي تاجاً جدارياً وتحمل بيدها صولجاناً.

أتارجاتيس الإلهة العظيمة لسوريا كانت تظهر على صورة “الراعي الالهي” أو “اله الآباء”، الروح الحامية للمدينة. وقد كان لكل قبيلة أو عائلة روحها الحامية التي تتجلّى كقوّة حامية تُرشد الأفراد. قد تمثّل صورة أخرى لافتة بعيون واسعة للالهة “تيكا” الهة الرخاء والحظ السعيد عند الإغريق ومن أهمّ وظائفها تأسيس المدن وحمايتها.

أتارجاتيس في مدينة نيحا البقاعية في الداخل اللبناني تمثّل على ثلاثة معالم تعود للفترة الرومانية إمرأة مغطّاة الرأس على غرار الآلهة الشرقية على غرار اتارجاتيس السورية المُتوّجة بتاج على شكل برج. فهي على غرار “تيكا” تحمي المدن وتفيض على سكانها خيرات وثروات.

العظيمة، الربّة

اتّسمت مدن الشرق الأدنى القديم بخصائص أنثويّة. فالمدينة تُصوّر كإمرأة، تنطلق من فكرة شرق أوسطية عن المدينة “العظيمة” أو “السيّدة” أو حتى “السيّدة العظيمة”، وأضحت أحد العناصر الأساسية لمفهوم “المدينة الشرقية”. هذا المفهوم تطوّر في الفترة الهلنستية مع الإلهة تيكا التي تمثّل مدينة مُحدّدة بصورة امرأة تجلس على عرش متوّجة بأبراج. في الأصل “ربّة” هو لقب كان يُطلق على ملكات رأس شمرا (أوغاريت) في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. كما نجده في فترة زمنية لاحقة في الألف الأوّل قبل الميلاد في كتاب العهد القديم المُقدّس حيثُ وُصفت عدّة مدن مهمّة بال “عظيمة” أي “الربّة”، “ربّت” (سيّدة، عظيمة) الصفة التي أطلقتها النصوص الأوغاريتية والفينيقية على الملكات والآلهة.

كل ما تقدّم هو ما ورثته “تيكا” الإغريقية حارسة مدينة “حامات” المذكورة كمدينة “عظيمة” في القرن الثامن قبل الميلاد. في مقلب آخر يُطلق على مدينة عمّان الأردنية في العهد القديم إمّا “ربّة” بمعناها المُطلق أو “ربّة بني عمّون” (حزقيال 25:5). كما ذُكرت بابل “العظيمة في سفر الرؤيا (18:2) حيث أعلن الملك ” سقطت، سقطت بابل العظيمة!”. وفي نصّ آخر تُشبّه بابل ببائعة الهوى وتنسب لنفسها صفتين أنثويتين: “أجلس هنا كملكة! أما أنا فأرملة ولن أعرف الحزن” (رؤيا يوحنا 18:7). أمّا صيدا فهي مذكورة عدّة مرّات كمدينة “كبيرة”: ” فضربوهم وطاردوهم إلى صيدون الكبيرة” (سفر يشوع 11:8).

نلحظ أن التماثيل الطينية للربّة الأم تعود إلى العصر الحجري الحديث. اكتُشفت في تل أسود الأثري، على بعد 30 كلم جنوب دمشق، وتعود للألف السادس والثامن ق.م. إنها رمز للخصوبة والعطاء، تظهر بوضعية الجلوس ويبرز فيها الثديان والحوض (متحف دمشق رقم 9 ومتحف الرقّة لقم 76). وفي تل كشكشوك (الحسكة/سوريا) تظهر الربّة الأم في الألف السادس ق.م. تضمّ نهديها تعبيراً عن الخصب والعطاء (المتحف الوطني في حلب رقم 1117 و 1118). يتبيّن، في النتيجة، أنّ الشكل المشخّص للربة الأم استمرّ في العصور التاريخية في تماثيل الربّة عشتار.

خلال العصر الكلاسيكي (اليوناني والروماني) كانت بلاد الشام تُصوّر أحياناً على هيئة نساء يرتدين تيجاناً مُتوّجة.كما تظهرها النقوش على القطع النقدية في بيروت تعود إلى العصر الهلنستي تحمل نقوشاً فينيقيية تذكر مدينة بيروت تحت اسم “لاذقية أم كنعان”.

 

خلاصة:

إذا أردنا أن نجمع الصفات المتعدّدة لسيّدة المدينة نستعرضها على النحو الآتي: إنها الإلهة الكبرى في مجمع الآلهة الكنعانية، الهة الحب والخصوبة، الهة الحرب والصيد، الأم الالهية، حامية المدن وملوكها. أما وظائفها المتعلّقة بالمدينة، فهي أساس السلطة الملكية، وراعية الملوك، وضامنة ازدهار المدينة، وهي كافلة لطول عهد الملوك، وواهبة للخصوبة، كما أنها تستجيب للدعاء.

بناءً عليه نشهد على تقديم الإلهة وفقاً لوظيفتها وصفتها فتظهر بدورٍ مُحدّدٍ يتناسب وطلب المؤمنين. فتتجلّى حيناً عارية مع أعضاء تناسلية بارزة، وحيناً آخر محاربة واقفة على أسد. أمّا في دورها كحامية المدينة وسيّدتها، فتظهر الإلهة جالسة على عرش، ترفع يدها اليُمنى مفتوحة في إشارة إلى الحماية والبركة، تحمل بيدها اليسرى صولجاناً طويلا في إشارة للسلطة والحكم. نجدها تتجلى مُكلّلة بتاجٍ يختلف شكله بين صورةٍ وأخرى، فيبدو حيناً اسطوانيّ الشكل يحتوي على هلال ودائرة، وحيناً آخر قرصاً نجميّ الشكل ذا أجنحة، وفي حالاتٍ أخرى نلحظ أن التاج يتألّف من ثلاثة قرون مزدوجة أوعلى هيئة جدار أو برج.

نشير هنا، بعد الدرس والتدقيق، إلى ما تمّت ملاحظته بخصوص أبرز الرموز التي تدّل على وجود الآلهة في النقوش الصورية من دون أي تجسيد لها، والتي يمكن أن نعدّدها وفق ما يأتي: النجمة ذات الثمانية رؤوس، الهلال مع الدائرة، الأسد، القرص المُجنّح، أبو الهول المُجنّح، الشجرة أو سعف النخيل، بالإضافة إلى جرم سماوي.

كذلك نشير إلى أن المدينة تجسّدت في هيئة بشريّة، كما لو أنّ تمثيل المدينة أو المفهوم المُجرّد قد تمّ تجسيده لإضافة مكانة رمزيّة ملموسة عليه. بالنسبة إلى القدماء لم تكن الألوهية موجودة إلاّ من خلال مظاهر قوّتها المتعدّدة والتي كانت تحدث من خلال الظواهر الطبيعية (الرعد والبرق والرياح …)، أو السلوك البشري (الغضب والعاطفة والتواضع والخوف …). انّ المفهوم المُجرّد لم يكن يحمل أي دلالة رمزية للجاحد، لذلك اتت الصفات المُستخدمة لوصف القوّة الالهية، مثل الصدفة والقدر والمصير والعدالة، مُرتبطة بشكلٍ وثيقٍ بتنظيم المدن ومصيرها.

نختم بالقول، انطلاقاً من كل ما تقدّم، إنه لا يُمكن ضمان حماية المدن وازدهارها إلاّ من خلال قوّة الهيّة سماوية أثيرية أمومية محاربة راعية للملوك، تستمع للدُعاء وتستجيب له، فتُصبح هي نفسها المدينة.

_______________________________________

المراجع:

د. خزعل الماجدي، الحضارات الساميّة المُبكرة، سلسلة تاريخ الحضارات، منشورات تكوين، الرافدين لبنان، 2020.

قاسم الشوّاف، ديوان الأساطير سومر وأكاد وآشور. الكتاب الأوّل اناشيد الحب السومريّة، دار الساقي 1996

بسّام جاموس، ميشيل المقدسي، عدنان البني ومنى مؤذن، المرأة السورية من خلال المكتشفات الأثرية، وزارة الثقافة المديرية العامة للآثار والمتاحف، 2003.

Bordreuil, Pierre 2010-2011. Hamatla Grande , Les Annales Archéologiques Arabes Syriennes, vol LIII- LIV, p. 59-64.

Briquel Cantonnet, françoise,  La religion des Phéniciens, sémitique et poliade

Iskandar, Amine Jules, 2023. L’art phénicien dans le triptyque de l’Occident , 2023.

Zernecke, Anna Elise, 2013, The lady of the titles: The lady of Byblos and the search for her true name”, Die Welt des orients, Bd. 43, H.2, pp. 226-242.

 

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete