شذرات أنسانية من الفلسفة الإسلامية

أولا: مفتتح إشكالي:

تعد الفلسفة المجال المعرفي الأكثر فعالية لمناقشة قيم السلم والتسامح والحرية واحترام حقوق الإنسان، من خلال ذلك المبحث الحاضر بقوة في أعمال جل الفلاسفة منذ الفترة اليونانية ألا وهو مبحث الأخلاق والسياسة، فقد اشتغل بهذا المبحث كبار الفلاسفة كأفلاطون وأرسطو والقديس أوغسطين والفارابي والماوردي وإيمانويل كانط وجون لوك وبرتراند رسل وغيرهم كثير، وإذا حاولنا مقاربة منزلة هذا المبحث في الفلسفة الإسلامية عموما، فإن  أول ملاحظة يجب التوقف عندها، تتعلق بوضع الفلسفة عموما في العالم العربي الإسلامي، ومع أن هذا الوضع أو المكانة تختلف من بلد لآخر مثلما اختلفت من عصر لآخر، وهو وضع يحول دون القدرة على إطلاق حكم عام حول منزلة الفلسفة في كل العالم الإسلامي، غير أنه في المقابل يمكن القول أن هذه المكانة، ومهما كانت الاختلافات بين الدول والمجتمعات العربية المسلمة ليست بالمكانة المرموقة، خاصة إذا ما قارننا هذا الوضع بمنزلة الفلسفة في الدول الغربية المتطورة، كما أن المنتوج الفلسفي لمفكرينا ليس بالمنتوج الذي يمكن وصفه بالعالمي-باستثناء بعض المفكرين العرب والمسلمين الذين يعيشون في الدول الغربية وعددهم قليل جدا- من منطلق أن هذا المنتوج لم يستطع أن يترك أثرا مهما في فكر الآخر المختلف، والدليل على ذلك هو قلة الترجمات الخاصة بالنصوص الفلسفية العربية المعاصرة للغات الأجنبية، ونحن متيقنون أن الغرب لم يكن ليترك هذا النصوص غير مترجمة للغاته لو وجدها ذات قيمة فلسفية يمكنه الاستفادة منها.

هناك العديد من العوامل التي اجتمعت لتقزيم منزلة الفلسفة في المجتمعات العربية الإسلامية، فقد اعتبرت عبر التاريخ الإسلامي لدى الدوائر النافذة في توجيه البلاد والعباد؛ رأس العلوم الدخيلة، وأس السفه، ومسلكا من مسالك الزندقة والهرطقة..الخ، وانتهى أمرها بــــ”حكم التبديع والتكفير” الذي أطلقه أبو حامد الغزالي ضد الفلاسفة المشائين المسلمين من خلال مؤلفه الشهير “تهافت الفلاسفة”، الحكم الذي لا يزال يطال الكثير من المشتغلين بالفلسفة إلى يوم الناس هذا، ولم تجد الفلسفة في العالم العربي الإسلامي الحظوة إلا في فترات زمنية قصيرة ومتقطعة.

هناك عوامل عديدة مرتبطة بما سماه عالم الاجتماع الفرنسي جورج غورفيتش(1894-1965) الأطر الاجتماعية للمعرفة، وقد أسهمت كلها في تكريس هذه المنزلة الدونية التي حشرت فيها الفلسفة نصا وخطابا في السياق العربي الإسلامي، فأغلب المواقف المناهضة للفلسفة بنيت من خلال افتراض تنافس حول “الحقيقة” بين الخطاب الديني والخطاب الفلسفي، وهو افتراض يقزم الفلسفة باعتبارها خطابا نقديا عقلانيا شاملا لمختلف أبعاد الإنسان الأنطولوجية والإبستيمولوجية والأكسيولوجية والكوسمولوجية، جاعلا منها مجرد خطاب مناوئ للخطاب الديني، ومن ثم وجب دحضه واستبعاده نصرة للدين القويم.

غير أن هذا لا يعني أن المشتغلين بالفلسفة لا يتحملون قسطا من المسؤولية تجاه هذا الوضع، ومسؤوليتهم تكمن في عدم قدرة غالبيتهم على إقناع القارئ العادي بمدى فعالية الخطاب الفلسفي، وهذا قد يكون مرده توظيف أجهزة مفاهيمية يستعصي استيعابها على غير المتخصص بالنظر لإيغالها في التجريد، وهذا تماشيا مع نظرية الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز (1925-1995)الذي يعتبر وظيفة الفلسفة هي إبداع المفاهيم لا غير، وكذا مناقشة إشكاليات بعيدة عن الانشغالات اليومية والمشكلات التي تؤرق الإنسان العربي المسلم العادي ويرغب في إيجاد حلول فعالة وسريعة لها، ذلك أن الكثير من فلاسفة العرب لم يقتصر تأثرهم بالفلسفة الغربية عند مستوى المفاهيم والمناهج فقط، بل تعداه إلى مستوى الإشكاليات فتشعر أن كتاباتهم تناقش إشكاليات مستوردة، وبعيدة تماما عن المشكلات التي نعيشها في واقعنا.

إن هذا الوضع الحرج للفكر الفلسفي في السياق العربي الإسلامي لا يعني أن الفكر العربي الإسلامي ليس له أي أثر إيجابي في تاريخ الفلسفة، كما ذهب إلى ذلك العديد من المستشرقين، وتبعهم كثير من العرب والمسلمين، بل إن التاريخ يحتفظ بالعديد من الأعمال الفذة التي تعبر عن إضافات ثرية قدمتها الثقافة الإسلامية في مختلف المباحث المعرفية والتي يمكن أن توصف بالأعمال العالمية، حتى أن بعضها كان له السبق في تأسيس مباحث ورؤى فكرية جديدة، وقد قام مؤرخ العلوم المصري رشدي راشد(1936-  ) بعمل مهم جدا من خلال تحقيق وترجمة ونشر عشرات الأعمال العلمية التي تركها علماء الحضارة العربية الإسلامية خاصة في الرياضيات، وعلى خطاه يسير مؤرخ العلم الجزائري أحمد جبار الذي توج مؤخرا (2020) بجائزة  بجائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي في مجال التراث العلمي العربي الإسلامي، وقبلهما كان المفكر الراحل محمد أركون قد قدم في نهاية الستينات من القرن الماضي أطروحة دكتوراه بجامعة السوربون دافع من خلالها على فكرة جريئة ومهمة جدا ألا وهي وجود “أنسنة عربية” أو نزعة إنسانية في الحضارة العربية الإسلامية قبل ظهور النزعة الإنسانية في الفكر الغربي مع النهضة الأوروبية، هذه النزعة الإنسانية العربية رصدها أركون لدى جيل من الأدباء الموسوعيين الذين اشتهروا بين القرنين الرابع والخامس للهجرة، وعلى رأسهم الثنائي الشهير أبو حيان التوحيدي ومسكويه.

في خضم الصراعات المنتشرة في مختلف مناطق العالم، وما ينتج عنها من عنف وعنف مضاد يهددان حياة الكثير من البشر، وينشران اليأس واللاأمن والأفق المسدود للإنسانية نتيجة الخطر المحدق بها باستمرار ومن كل الجهات، تطرح العديد من الإشكاليات حول هذا الوضع البائس والخطير، على شاكلة: إلى متى ستستمر معاناة الإنسان؟ إلى متى سيبقى الإنسان يهدد الإنسان؟ هل من سبيل للخروج من هذه الصراعات وهذه الدوامة من العنف بكل أشكاله المادية والرمزية؟ هل يمكن أن نأمل في مستقبل آمن للبشر جميعا؟ إننا نلاحظ أنه رغم الدعوات المتكررة من هيئات عالمية وشخصيات بارزة إلى تغليب الحكمة والعقلنة والأنسنة وتدعيم الحريات والحقوق للبشر دون تمييز، وكذا الدعوات إلى الحوار بين الثقافات والحضارات والديانات، إلا أن الأوضاع ما فتئت تزداد خطورة والإنسان يزداد بؤسا وصورة العالم تزداد سوادا.

ضمن هذه الإشكالية سيتحرك هذا البحث مركزا على مقولة “الإنسان” في الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية من خلال أعمال التوحيدي ومسكويه، وربطها بالفكر الإسلامي المعاصر وتحديدا بأعمال محمد أركون وهدفنا من ذلك هو التنبيه إلى ثراء التراث الفلسفي العربي الإسلامي وتضمنه لنصوص يمكن وصفها بالسابقة لأوانها بالنظر لقيمة الأفكار التي تضمنتها، والتنبيه هنا لا يعني الاكتفاء برصد هذه الأفكار والتغني بها، بل إنه يعني الخطوة الأولى الضرورية من أجل العمل على تحيينها وربطها بالراهن قصد إحيائها وإثرائها حتى تظهر قيمتها الحقيقية، وما سنورده هنا ليس إلا بعض الشذرات من أعمال كثيرة يزخر بها تراثنا الغني، الذي يبقى –بالرغم من الأعمال الكثيرة التي اشتغلت عليه- ورشة مفتوحة بإمكاننا الاستفادة من كنوزها متى توفرت إرادة المعرفة والعمل الموضوعي الجاد بعيدا عن الرؤى الإيديولوجية الضيقة.

ثانيا: مسكويه والبحث عن قيم إنسانية عالمية:

لا شك أن القضايا التي تعني العالم ككل مثلما هي قضية مستقبل الإنسانية، ينبغي أن يسمع فيها لكل الأصوات وتشارك في صياغة الحلول المناسبة لها كل الأمم، ومن ثم فلا بد من البحث الدؤوب عن المشترك الإنساني والمعالم التي يمكن أن يتفق حولها البشر، ليستطيعوا تتبعها قصد السير بالعالم نحو الأمن والاستقرار،  والنظرة المتفائلة -والتي لا نملك إلا أن ندعمها- تقول أن هناك، فعلا، قواعد وقيم تشترك فيها الإنسانية جمعاء، يمكن بفضلها قيادة العالم نحو بر السلام، هذه النظرة نجدها لدى العديد من المفكرين المعاصرين، المناهضين للاستبداد والظلم والعنف، كما نجدها في تاريخ الفكر لدى فلاسفة وحكماء من مختلف الملل والنحل، ففي كل الأزمنة وجد عقلاء وحكماء دعوا إلى قيم إنسانية راقية ذات طابع كوني، يمكن تلمس هذه الدعوة في التراث العربي الإسلامي لدى كثيرين، فقد ظهرت العديد من التيارات الفكرية في التاريخ الإسلامي التي اهتمت بالإنسان فردا وجماعة، كائنا وهموما وأحلاما وسلوكا، مثلما تجلى ذلك في كثير من النزعات الصوفية، كما “برز تيار فكري تولد من رحم الدراسات الأدبية؛ يطلق عليه مجازا اسم الأدباء الفلاسفة. غلب على إنتاجه ما يوسم بالتفكير الفلسفي في نقد وتمحيص الواقع والنظر إلى الإنسان نظرة انتقادية، وقد أغنى هؤلاء القرن الرابع الهجريـ وأثروا مباحثه الفكرية الإنسانية بطابع ظل على مر الزمان شاهدا على واقعية التفكير وعقلانية الطرح”[1]، ومنهم أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب الخازن الرازي(240ه – 325هـ) المعروف بـ: مسكويه، خاصة من خلال كتابه الموسوم بـ: “الحكمة الخالدة” أو “جاويدان خرد”.

يعد مسكويه أحد فلاسفة الإسلام الموسوعيين، اقترن اسمه بذلك الجيل الذهبي الذي ظهر في الفكر العربي الإسلامي أبان العصر العباسي والذي ضم الجاحظ والتوحيدي وأبو سليمان المنطقي وغيرهم كثير، وبالرغم من أن مسكويه كتب في فنون وعلوم كثيرة كالتاريخ والأدب والفلسفة إلا أن اهتمامه الأكبر كان في بداية حياته منصبا حول الكيمياء، ثم تحول إلى الفلسفة خاصة الفلسفة العملية، وفلسفة الأخلاق بالتحديد وما تسعى إليه من غايات على رأسها الفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة، حتى أن أشهر كتبه وأكثرها تداولا بين الباحثين هو “تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق”، مع أنه ألف أزيد من 36 كتابا ورسالة.

وقد وصفه التوحيدي وصفا مزدوجا، جمع فيه الازدراء والثناء، إذ يقول:” وأما مسكويه ففقير بين أغنياء، وعيي بين أبيناء..”، وقد بنى موقفه هذا انطلاقا من عدم استفادة مسكويه من العلماء الذين عاصرهم واحتك بهم مباشرة، وكذا الفرص التي أتيحت له في حياته خاصة وأنه كان مسؤولا عن خزانة كتب ابن العميد أبا الفضل، دون أن تظهر عليه علامات النبوغ وعلو الكعب، ثم يستدرك التوحيدي، فيما بعد، ويثني على مسكويه مقرا أنه “ذكي، حسن الشعر، نقي اللفظ”[2]، ولعل موقف التوحيدي المزدوج هذا، يجعلنا نفهم توجه اهتمام مسكويه للفلسفة العملية دون الفلسفة النظرية التي لم يكن له فيها باع طويل.

وإذا كان جل اهتمام الباحثين بمسكويه انصب على كتابيه الشهرين :” تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق” في فلسفة الأخلاق، و”تجارب الأمم” في التاريخ، ونستحضر هنا أطروحة الدكتوراه المتميزة التي أنجزها المفكر الراحل محمد أركون والموسومة بـ: “مساهمة في دراسة نزعة الأنسنة العربية في القرنين الرابع والخامس للهجرة: مسكويه فيلسوفا ومؤرخا”، فإننا سنتطرق، هنا، لمضمون كتاب: “جاويدان خرد” أو “الحكمة الخالدة” الذي حققه وقدم له المفكر الراحل عبد الرحمن بدوي(1917-2002)، واصفا إياه بأنه “خير مرآة للروح الشرقية عامة وروح الحضارة العربية السحرية”[3]، والكتاب يعرف أيضا بعنوان: “آداب العرب والفرس”، ومسكويه لم يؤلف الكتاب كله، بل هو جامع ومتمم لكتاب فارسي كان في الأصل وصية ملك لولده وللملوك بعده، ترجمه إلى العربية الحسن بن سهل، وقد ذكره الجاحظ وأثنى عليه، مما أثار اهتمام مسكويه فأعاد كتابته مضيفا إليه ما رآه مناسبا لمحتواه وغايته، يقول عن ذلك: “..فرأيت أن أنسخ هذه الوصية على جهتها، ثم ألحق بها جميع ما التقطه من وصايا وآداب الأمم الأربع، أعني: الفرس والهند والعرب والروم”[4].

المطلع على الكتاب حتما سيعجب بمضمونه التثقيفي التربوي القيمي الرائع، من خلال الكم الهائل من الحكم والأمثال والعبارات والأبيات الشعرية المركزة بالمعاني والأخلاق الراقية التي احتواها، مثلما سيكتشف الموسوعية والانفتاح الذين اتسم بهما مسكويه وجيله من الأدباء العرب في العصر العباسي، وإذا تجاوزنا كون المؤلف عبارة عن تتمة لكتاب سابق وأن فيه الكثير من الحكم المنحولة أو المنسوبة لغير أهلها –كما وضح ذلك محقق الكتاب- خاصة ما أورده المؤلف من حكم الروم واليونان، فإن المسألة المهمة بالنسبة لنا في هذه الوقفة هي الغاية التربوية من هذا العمل والتي يعلنها مسكويه في مستهل الكتاب بقوله أنه جمع هذه الحكم ” ليرتاض بها الأحداث ويتذكر بها العلماء ما تقدم لهم من الحكم والعلوم، والتمست بذلك تقويم نفسي ومن يتقوم به بعدي..”[5].

وهو يرى أن هذه الحكم التي جمعها والقيم التي تتضمنها غير مقترنة بأمة من الأمم دون غيرها، ولا هي مقتصرة على شعب دون غيره، بدليل اشتراك الأمم التي جمع حكمها (الفرس، الهند، العرب، الروم) في كثير من القيم، وإن اختلفت صيغ التعبير عنها -وهذا ما يبرر التكرار الذي نلاحظه في الكتاب، فالعديد من الحكم والقيم وردت لدى مختلف الأمم وإن بصيغ تعبيرية متباينة- فذلك دليل على أن العقل الإنساني واحد، لا جغرافية تفرقه، والقوانين التي توجه السلوك القويم مستمدة من أصول مشتركة بين الناس، فكأنها الفطرة الإنسانية، أو النقاء البشري الأصلي، أو قل: إنها –بلغة الفلاسفة-الإرادة الخيرة التي جبل عليها الإنسان، وهي فكرة مهمة، وعابرة للعصور، يمكننا الاستفادة منها الآن وغدا مثلما استفاد منها غيرنا من قبل.

ومما يؤكد اقتناع مسكويه بهذه الفكرة ورسوخها في مذهبه الفكري، جوابه عن المسألة التي طرحها عليه أبو حيان التوحيدي في الكتاب المشترك بينهما الموسوم بالهوامل والشوامل التي تتعلق باشتراك الناس في استحسان القيم الفاضلة على اختلاف مللهم وعقائدهم، وقد صاغها التوحيدي كما يأتي: “ما الذي حرك الزنديق والدهري على الخير وإيثار الجميل، وأداء الأمانة، ومواصلة البر، ورحمة المبتلى، ومعونة الصريخ، ومغوثة الملتجىء إليه، والشاكي بين يديه؟ هذا وهو لا يرجو ثوابا ولا ينتظر مآبا، ولا يخاف حسابا..”[6]، فكانت إجابة مسكويه بأن رد الفضائل إلى الفطرة الإنسانية، واعتبرها بمثابة قبليات أو توجهات فطرية جبل عليها الإنسان من حيث كونه إنسانا بغض النظر عن دينه أو مذهبه أو عرقه، يقول: “للإنسان –بما هو إنسان- أفعال وهمم وسجايا وشيم قبل ورود الشرع، وله بداية في رأيه، وأوائل في عقله لا يحتاج فيها إلى شرع؛ بل إنما تأتيه الشريعة بتأكيد ما عنده، والتنبيه عليه، فتثير ما هو كامن فيه، وموجود في فطرته(..) فكل من له غريزة من العقل، ونصيب من الإنسانية، ففيه حركة إلى الفضائل، وشوق إلى المحاسن لا لشيء آخر أكثر من الفضائل والمحاسن التي يقتضيها العقل، وتوجبها الإنسانية..”[7]. وهذا النص يقترب كثيرا في معناه العميق من مذهب كانط في الأخلاق والقائم على الإرادة الخيرة والواجب الصوري.

تأسيسا على هذه القناعة من أن الإنسان يميل بفطرته إلى الفضائل والمحاسن فإن اهتمام مسكويه بجمع حكم الأمم التي اطلع عليها، لا يستهدف الوقائع الجزئية التي صيغت فيها هذه الحكم، إنما يستهدف اكتشاف القوانين العامة التي صدرت عنها هذه القيم، وهي قوانين تشمل الإنسانية جمعاء، يؤكد ذلك قوله:” إني لم أطمع في استيعاب جميع الحكم الجزئية، وكيف أطمع في ما لا نهاية له، وإنما أطمع ويطمع العاقل في الأصول والقوانين التي تجمع الفروع وتحتوي على الجزئيات بالقوة..”[8]، نفهم من ذلك أن الكتاب ليس مجرد تجميع لمقولات وحكم وأشعار بلا خيط ناظم، بل إن المؤلف يحاول التنبيه إلى مسألة جوهرية في فلسفة القيم، مفادها أن الاختلاف في الجزئيات لا يعني عدم الاتفاق إطلاقا، بل إن هذه الجزئيات على تفرقها وما قد يظهر من تباين بينها، ترتد إلى أصول مشتركة وقواعد عامة يمكن اكتشافها من خلال رد الجزئيات إلى الكليات التي انبثقت عنها، ويوضح هذه المسألة أكثر بقوله: “والقصد من ذلك أن تعلم أن عقول الأمم كلها تتوافى على طريقة واحدة ولا تختلف باختلاف البقاع، ولا تتغير بتغير الأزمنة ولا يردها راد على الدهور والأحقاب”[9].

ومعنى ذلك أن هناك طريقة مشتركة تسير بها كل العقول، تلك الطريقة هي الخضوع للقواعد العامة والمشتركة بين البشر، وهذه القواعد هي ما يمكن دعوته بالقيم الإنسانية العالمية أو الكونية -وما أحوجنا إليها في زماننا هذا- والتي لو استرشدت بها الإنسانية لاستطاعت تجاوز الكثير من الخلافات والصراعات المدمرة للإنسان، وأسهمت في تعزيز السلم بين الأمم والتقارب بين البشر وعززت الأمل في مستقبل آمن للجميع.

من المؤكد أن القارئ غير الطلع على الكتاب سيتساءل عن ماهية هذه القيم العالمية، وهو سؤال مشروع، طبعا، ولكني بدل الإجابة عنه، سأتركك أيها القارئ تحتك مباشرة بالكتاب وتتعرف إليه معنى ومبنى عبر هذا النص الطويل نسبيا والمقتطف من آداب الفرس والذي يتضمن بعض هذه القيم، فإليك النص:

” قال: أي الأخلاق أكرم؟ قلت: التواضع ولين الكلمة.

قال: أي العبادة أحسن؟ قلت: الوقار والتؤدة.

قال: أي السير أرضى؟ قلت: العدل.

قال: أي الأعوان أحضر نفعا؟ قلت: الزهادة في الدنيا.

قال: أي الأمور أملك: الأدب أم العفاف أم الطبيعة؟

قلت:الأدب زيادة في العفاف، والطبيعة معدنهما وحاملتهما، ولكل آفات، فأعظمها منفعة أسلمها من الآفات(…).

قال: أي الزمان أفضل؟ قلت: ما لم تكن الغلبة فيه والاستئثار للأشرار واللئام.

قال: أي الملوك أفضل؟ قلت: أرأفهم بالرعية، وأعظمهم عفوا، وأحرصهم على المعروف.

قال: أي الرجال أفضل؟ قلت: أحسنهم في السراء والضراء خلة ومواساة(….)

قال: أي المساعي خير صحبة؟ قلت: صحبة العلماء والأخيار.

قال: أي الأشياء أروح؟ قلت: صالح الزمان.

قال: أي السرور أفضل؟ قلت: سرور العواقب.

قال: أي العيش أرغد؟ قلت: رضا المرء بحظه واستئناسه بالصالحين.

قال: أي الأشياء أجفى وأصعب؟ قلت: السلطان العاتب ذو القلب القاسي.

قال: أي الأمور أخبث عاقبة؟ قلت: التماس رضا الأشرار.

قال: أي التعب أدوم؟ قلت: صحبة السلطان السيء الخليقة[10].

ثالثا: الإنسان أشكل عليه الإنسان: من أبي حيان التوحيدي إلى محمد أركون

كثيرا ما تحدث محمد أركون(1928-2010) عن إعجابه الكبير بأبي حيان التوحيدي، بل يذهب في إحدى حواراته إلى أنه لم يتأثر بأي مفكر مثلما تأثر بالتوحيدي، فهو يصفه بالأب والأخ التوأم والأخ في الفكر والروح…، غير أن هذا التأثر لا يعني استعادة أفكاره أو بعثها، بل هو تأثر بالصورة أو الشكل لا المضمون، يقول في ذلك:” هكذا تري أني قد سميت لك في نهاية المطاف اسم شخص أثر علي (ليس كعلم، كمعلومات) وإنما كنموذج وكقدرة”[11]، فما جعل أركون يحب التوحيدي ويتضامن معه وينخرط في خطه هو نزعة التمرد وإرادة المعرفة والجرأة في السؤال، والأهم من ذلك كله الدفاع عن الإنسان الذي هو محور بحثنا. وكثيرا ما ردد أركون تلك العبارة العميقة والخصبة التي ختم بها التوحيدي إحدى مسائله في الكتاب المشترك بينه وبين مسكويه “الهوامل والشوامل”، أقصد عبارة: “الإنسان أشكل عليه الإنسان”، حتى أنه عنون أحد كتبه الصادر قبيل وفاته عام 2010، بـــــ: “الهوامل والشوامل: حول الإسلام المعاصر”.

يشترك الكتابان –الهوامل والشوامل للتوحيدي والهوامل والشوامل لأركون- في كونهما عبارة عن محاورة أو مقابلة؛ أسئلة وأجوبة، ويختلفان في الغرض من المحاورة في حد ذاتها، ففي حالة التوحيدي ومسكويه، يتفق كل من محقق النص وهو المفكر المصري أحمد أمين، وأركون -في دراسة خصصها للكتاب- على أن غرض التوحيدي كان محاولة التقرب من مسكويه طمعا في ماله ومركزه وفي علمه أيضا، بينما كان غرض مسكويه هو الحاجة لأن يفرض نفسه كأستاذ وكفيلسوف أمام التوحيدي بالدرجة الأولى، خاصة وأمام أدباء تلك الفترة عموما، لأنه لم يعترف به كقامة علمية وفلسفية من قبل أقرانه، ولأنه اهتم في بداية حياته بالكيمياء فقد كانوا ينظرون إليه كمجرد كيميائي مبتذل لا كأديب أو فيلسوف مقتدر، و”قد كان يعرف أن الرد على أسئلة مفكر في مثل ثقافة التوحيدي ورهافة حسه قد يفيده كثيرا في  تكريس شهرته الفلسفية الخاصة بالذات”[12]، بينما الوضع مختلف تماما في حالة أركون، فكتابه “الهوامل والشوامل” الذي هو ترجمة للقسم الأول من كتاب: : ABC de l’Islam  Pour sortir des clôtures dogmatiques  وهو طبعة معدلة ومنقحة ومزادة عن كتابه: l’Islam approche critique   والذي ترجم إلى العربية أول الأمر بـــــــ: الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، وهو كتاب موجه بالدرجة الأولى للقارئ الغربي، لأن الأسئلة التي يتضمنها تثير أهم القضايا التي يطرحها الآخر-الغرب- عن الإسلام، ومن ثم فالهدف من الكتاب هو محاولة خلخلة الرؤية السلبية التي يرسمها المخيال الغربي عن الإسلام والتي كانت سببا رئيسا فيما يسمى بالإسلاموفوبيا، أو الخواف من الإسلام، يقول أركون عن تجربته مع المحاورات وأهميتها في نقل الفكرة بصورة بسيطة وفعالة: “قد حصلت لي سابقا تجربة أولى مع الصحفي الإيطالي ماريو أروسيو في مجال المقابلات*، وأقنعتني هذه التجربة بفائدة أسلوب المقابلة كطريقة في العمل، لأن لائحة الأسئلة المحضرة جيدا تشتمل على أنواع الفضول المعرفي والتساؤلات المتكررة للجمهور الواسع، وهي تشكل محرضا على التفكير، وتتطلب الإيجاز والوضوح في الوقت الذي تجدد فيه فهم المادة عن طريق إدخال تساؤلات متينة وقيمة، ولهذا السبب بالذات، فقد قبلت أن أكرر التجربة نفسها مع السيدين دانيال بيرينياك وآلان غونيت، وسيلاحظ القارئ أن الأسئلة المطروحة تستعيد الموضوعات المشكلة للمتخيل الغربي عن الإسلام”[13]. هكذا نلاحظ أن الغرض من التأليف والجمهور المستهدف في حالة التوحيدي ومسكويه مختلفان تماما عن حالة أركون ومحاوريه.

في كتاب الهوامل والشوامل الأول -إن جازت التسمية- طرح التوحيدي على مسكويه أزيد من 175 مسألة (الهوامل) –في الأصل طرح عليه 180 مسألة غير أن 5 مسائل سقطت ولم تظهر في الطبعة الجديدة للكتاب- متعددة المواضيع؛ شملت الأخلاق والسياسة والطبع والشخصية والتاريخ والطبيعة والإلهيات..إلخ، وبالرغم من تعدد هذه القضايا وتشعبها إلا أنها تلتقي في مشكلة كبرى هي مشكلة الإنسان؛ الإنسان الباحث عن المعرفة، عن الفهم، عن الطمأنينة، وعن السعادة، قيم بدت للتوحيدي غائبة أو مستعصية على التحصيل-وهي في الحقيقة تعبر عن جزء كبير مما كان يعانيه شخصيا من القهر والفاقة والبؤس- ذلك ما نفهمه من نبرة الأسئلة بما فيها من تردد بين الحدة والجرأة أحيانا، والضعف والاستسلام أحيانا أخرى، وهو تردد يعيشه أي إنسان يمارس حريته في التفكير والسعي للمعرفة في أعلى وأدق تجلياتها؛ إذ تتنازعه إرادتان: إحداهما تجذبه نحو طلب الزيادة والفهم لكل ما حوله، وإرادة أخرى تضغط عليه للتوقف والاكتفاء والركون لما تقرره سلط أخرى غير عقله، بالنظر لما في هذا التوقف من توازن نفسي وطمأنينة داخلية ولو بصورة مؤقتة.

في المقابل تكشف إجابات مسكويه عن إنسان مختلف تماما عن إنسان التوحيدي، فإنسان مسكويه متجاوز للتردد والشعور بالضياع الذي يعيشه إنسان التوحيدي، لأن إنسان مسكويه منطقي، عقلاني-طبعا العقلانية كما هي في زمنه أي العقلانية القروسطية- يؤمن بانتظام الأشياء وقابلية هذا النظام للتعقل، ومن ثم جاءت الإجابات(الشوامل) ملتزمة بطرق الاستدلال والبرهان الموصلة إلى نتائج ضرورية تلزم عن مقدماتها، دون أي تردد أو اضطراب أو شعور بعدم اكتمال المعنى، كما جاءت الشوامل -في الغالب– مؤطرة تأطيرا أخلاقيا، بحكم الاهتمام الكبير لمسكويه بالأخلاق، فمفاهيم: الفضيلة، السعادة، الكمال، وكل ما سار في فلكها مهيمنة على إجاباته تصريحا أو تلميحا، لأن الأخلاق هي أولوية الأولويات في منظومته الفكرية، ومما يروى عن لقائه بالطبيب الفيلسوف ابن سينا أن هذا الأخير دخل عليه وكان في حلقة درس، ويبدو أن ابن سينا لم يلتزم بآداب الدخول، ودون مقدمات رماه بجوزة وقال له: “ابن لي مساحة هذه الجوزة بالشعيرات، فألقى إليه مسكويه أوراقا –والغالب أنها من كتابه تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق- وقال له: أصلح بهذه أخلاقك حتى أجيبك إلى بعض ما تريد”.[14]

أما العبارة المهمة التي سبقت الإشارة إليها، أي عبارة: “الإنسان أشكل عليه الإنسان”، فقد ذكرت تحديدا في المسألة 68 من الهوامل، والتي يثير فيها التوحيدي قضية النفس الإنسانية؛ منزلتها، غايتها ووجه علاقتها بالإنسان، هذا المفهوم الملتبس لدرجة الأشكلة، حيث يقول :

“ما ملتمس النفس في هذا العالم؟

وهل لها ملتمس وبغية؟

(..)ولولا أن يتسع النطاق لسألت: ما نسبتها إلى الإنسان؟

وهل لها به قوام أو له بها قوام وإن كان هذا فعلى أي وجه هو؟

وأوسع من هذا الفضاء حديث الإنسان؛ فإن الإنسان قد أشكل عليه الإنسان“.[15]

في إجابته حول هذه المسألة ينطلق مسكويه من الاعتراض على توظيف كلمة “الالتماس” التي يراها غير مناسبة لهذا السياق-قضية النفس-ليقرر أن ما ينبغي أن نعتقده حول غاية النفس أنها “تظهر آثارها في كل مزاج بحسب قبوله، وتستعمل كل آلة طبيعية بحسب ملاءمتها في كل ما يمكن أن تستعمل فيه، وتنهيه إلى أقصى ما يمكن أن ينتهي إليه من الفضيلة وهذا الفعل من النفس لا لغرض أكثر من ظهور الحكمة وذلك أن ظهور الحكمة من الحكيم لا يكون لغرض آخر فوق الحكمة؛ لأن أجل الأفعال ما لم يرد لشيء آخر، بل لذاته(..) النفس تكمل في هذا العالم بقبولها صور المعقولات لتصير عقلا بالعفل بعد أن كانت بالقوة، فإذا عقلت العقل صارت هي هو”.[16] فتكون بذلك غاية النفس –ملتمسها كما عبر عنه التوحيدي في سؤاله- هي الفضيلة المؤدية إلى الحكمة التي تنتهي إلى تعقل العقل، لتنتقل النفس-العقل من مرتبة الوجود بالقوة إلى مرتبة الوجود بالفعل، أي الغاية القصوى المطلوبة لذاتها لا لغرض آخر؛ منفعة كان أو شهرة، أو ملكا أو غير ذلك.

أما عن علاقة النفس بالإنسان فيجيب مسكويه بأن “الإنسان” لفظة موضوعة للدلالة على “الشيء المركب من نفس ناطقة وجسم طبيعي؛ لأن كل مركب من بسيطين أو أكثر يحتاج إلى اسم مفرد يعبر عن معنى التركيب، ويدل عليه كما فعل ذلك بالصورة التي تجتمع مع مادة الفضة فتسمى خاتما (…)فالإنسان هو النفس الناطقة إذا استعملت الآلات الجسمية التي تسمى بدنا لتصدر عنها الأفعال بحسب التمييز”[17]. وهكذا نلاحظ الفرق الكبير بين حرارة السؤال وبرودة الجواب، فالتوحيدي لم يوظف عبارة الأشكلة إلا لأنه يعانيها فعلا، وبدرجة كبيرة، فالإنسان يمثل بالنسبة للتوحيدي عالما غامضا معقدا متقلبا مستعصيا على الفهم، بينها جاءت الإجابة بسيطة متكئة على ما أقرته الفلسفة اليونانية، من أن الإنسان مركب نفس وجسم-مجموعة آلات-وغاية النفس الفضيلة لذاتها لا لغرض آخر، وطريق ذلك توظيف آلات الجسم والارتقاء في التعقل حتى تعقل العقل، فقد أجاب مسكويه عن المسألة دون أن يعير اهتماما ولا أن يعلق على عبارة التوحيدي حول كون الإنسان أشكل عليه الإنسان، مما يعني أن لا إشكالية في مفهوم الإنسان بالنسبة له.

تلقف أركون عبارة التوحيدي “الإنسان أشكل عليه الإنسان” وكررها في أكثر من موضع ضمن أعماله[18]، واصفا إياها بالعبارة الحديثة شكلا ومضمونا، ولأنها عميقة وحبلى بالمعاني، فقد وظفها للدلالة لا على المعنى الذي طرحه التوحيدي فقط، أي استعصاء فهم علاقة النفس بالإنسان، وإنما للدلالة على معنى أوسع ووضع أعقد وأكثر أشكلة، كما أنه لم يهتم بجواب مسكويه، لأن موقف هذا الأخير يرتد إلى الميتافيزيقا الأرسطية ويبتعد تماما عن الإنسان المحسوس، الإنسان-الشخص الذي يعاني في الواقع، لذلك فأركون يسحب العبارة لطرح إشكالية علاقة الإنسان بالإنسان الآخر، وحقوق الإنسان على الإنسان، ضمن منظور فكرة الأنسنة التي دافع عنها منذ أطروحته للدكتوراه حول مسكويه وجيله، يقول موضحا: “أنا اعتقد بقوة هذه العبارة، بقوة هذا التساؤل الذي تنطوي عليه، التساؤل المطروح هو التالي: كيف يمكن أن نصالح الإنسان مع نفسه بطريقة عملية، ملموسة، أقصد بطريقة معاشة على أرض الواقع، كما وتتجسد في نظام اقتصادي أيضا فيه شيء من العدالة والمساواة في الفرص والحظوظ(..)هذه هي الإنسية والنزعة الإنسية الحقيقية والفلسفة القائمة على الإنسان واحترام الإنسان واعتباره أغلى وأعز شيء في الوجود، أما الكلام المعسول..”[19].

فالأنسنة كما فهمها وجسدها التوحيدي في زمانه، وكما نظر لها أركون في زماننا، تثور على الإنسان حينما يصبح العدو الأخطر للإنسان، كما هو الوضع في أيامنا هذه حيث الإنسان يموت كل يوم بقنابل يطلقها عليه إنسان آخر في جميع مناطق الدنيا وجميع البيئات الاجتماعية[20]، مشاكل الإنسان كلها بسبب الإنسان، الإنسان سبب تعاسة الإنسان، ولن يستقيم حال الإنسان مادام قد أشكل عليه الإنسان، ومادام الإنسان يقف أمام حرية الإنسان وطموحه وإرادته ومن ثم سعادته، وما فائدة الفكر إذا لم يؤد إلى إسعاد الإنسان؟ ثم ما فائدة الدعوات بكل اللغات ومن كل الطوائف والملل والنحل وكل التقاليد والعقائد المتنافسة وكل واحدة منها تقدم نفسها على أنها السبيل إلى الفضيلة والإنسان الفاضل؟ فيم تعمل في الواقع بصورة أو بأخرى على الحد من إنسانية الإنسان.

بمثابة خاتمة:

تأسيسا على ما سبق يمكننا القول أن الإنسان كان ولا يزال محور اهتمام العديد من الفلاسفة العرب المسلمين سواء تعلق الأمر بالمرحلة الكلاسيكية أو الفترة المعاصرة، هذا الاهتمام تجلى من خلال العديد من النصوص المهمة التي حاولت أشكلة مقولة الإنسان منتبهة إلى أهمية هذا السؤال وعمقه، وقدمت هذه النصوص إجابات على قدر كبير من الأهمية، وكل ما تحتاجه هذه الإجابات في الوقت الراهن هو تحيينها وإثرائها من خلال دمجها ضمن المعطيات الجديدة، بغية الاستفادة منها في فهم الحاضر والتنظير للمستقبل، ففكرة مسكويه عن القيم الإنسانية القبلية التي تمثل مشتركا إنسانيا متجاوزا لحدود الملة والعرق والقوة، يمكن استثمارها في مناقشة فكرة العولمة التي تفرض نفسها علينا اليوم، بحثا عن نموذج عولمي إيجابي قائم على هذه القيم الكونية المشتركة حتى يكون أكثر إنسانية وأكثر قابلية لاستيعاب فكرة العيش المشترك والتعايش الآمن بين البشر، كما أن عبارة التوحيدي “الإنسان أشكل عليه الإنسان” تمثل شذرة عميقة عابرة لزمنها، حتى أننا لازلنا نشعر في راهننا-كما شعر التوحيدي في زمنه- أن مشكلة الإنسان الكبرى هي الإنسان، ولعل قيمة هذه العبارة تكمن في فتحها لآفاق الاختلاف والنسبية وتعبيرها عن تعقد الظواهر الإنسانية وصعوبة الوصول إلى معرفة يقينية بشأنها، وبالتالي فهذه العبارة تفضح اليقين الزائف الذي توظفه بعض الأطراف كنوع من احتكار الحقيقة الذي يتحول إلى رأسمال رمزي هدفه الهيمنة على الآخرين.

هذه مجرد وقفة تنبيهية على بعض الشذرات الموجودة في التراث الفلسفي العربي الإسلامي، ولو تتبعنا أشباه هذه الشذرات في هذا التراث لاستطعنا إيجاد فلسفة إنسانية شاملة ضمن هذا التراث، غير أنها فلسفة تبقى تنتمي لعصرها الذي نشأت فيه، وهي تجيب عن أسئلة ذلك العصر بلغة ذلك العصر، ومن ثم فهي بحاجة إلى تحيين وإثراء للتمكن من الاستفادة منها ضمن معطيات راهننا.

 

بيبليوغرافيا:

1/ مسكويه: الحكمة الخالدة – جاويدان خرد، تحقيق وتقديم: عبد الرحمن بدوي، دار الأندلس للطباعة والنشر، ط2، 1980.

2/ أبوحيان التوحيدي ومسكويه: الهوامل والشوامل، نشره أحمد أمين والسيد أحمد صقر، القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 2009.

3/محمد أركون: الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ت: هاشم صالح، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ط1،1993.

4/ محمد أركون: معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية، ت: هاشم صالح، بيروت: دار الساقي، ط1، 2001.

5/ محمد أركون: الهوامل والشوامل، حول الإسلام المعاصر، ت: هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، ط1، 2010.

6/ زرارقة عطاء الله: تجليات النزعة الإنسانية في الفكر العربي، الجزائر: المطبعة العربية، غرداية، 2007.

[1]  زرارقة عطاء الله: تجليات النزعة الإنسانية في الفكر العربي، الجزائر: المطبعة العربية، غرداية، 2007، المقدمة، ص أ .

 مسكويه: الحكمة الخالدة – جاويدان خرد، تحقيق وتقديم: عبد الرحمن بدوي، دار الأندلس للطباعة والنشر، ط2، 1980،  ص 16.[2]

                                                                                                                                      نفسه، ص 10.[3]

 نفسه، ص ص 5-6.[4]

 نفسه ص 6.[5]

 أبوحيان التوحيدي ومسكويه: الهوامل والشوامل، نشره: أحمد أمين والسيد أحمد صقر، القاهرة:الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2009، ص 186[6]

 المصدر نفسه، ص 187.[7]

 مسكويه: الحكمة الخالدة، ص 375.[8]

 نفسه، ص ص 275-276.[9]

 نفسه، ص ص 32-36[10]

 محمد أركون: الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ت: هاشم صالح، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ط1، 1993، ص 250.[11]

 محمد أركون: معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية، ت: هاشم صالح، بيروت: دار الساقي، ط1، 2001، ص 100[12]

L’Islam religion et société, paris, ed : Cerf, 198 2 صدر الكتاب باللغة الإيطالية عام 1980 أولا ثم صدرت الترجمة الفرنسية :*

 اركون: الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص 32.[13]

 أبوحيان التوحيدي ومسكويه: الهوامل والشوامل، نشره أحمد أمين والسيد أحمد صقر، القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 2009، ص 11.[14]

 نفسه، ص 175.[15]

 نفسه، ص 176[16]

 نفسه، ص 177.[17]

 انظر مثلا: معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية، ص 127، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص 259.[18]

 محمد أركون: الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص 259[19]

 محمد أركون: معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية، ص ص 09-10.[20]

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete