تكوين
(6) خصوصية خطاب القص الفلسفي في “قصة نفس”: نسيج الخطاب وأنماطه
يتألف نسيج الخطاب السير ذاتي في سيرة “قصة نفس” من ثلاثة أنماط رئيسية يشكل كل منها خطابًا فرعيًا مُسهمًا في تشكيل بنية “قصة نفس” بوصفها كتابة لسيرة الذات في إطار نمط من القص الفلسفي. وهذه الأنماط هي:
- خطاب الوقائع “الحقيقية”
- وخطاب “الترميز”
- وخطاب “التمثيل”.
ولعل خطاب الوقائع “الحقيقية” التي عرضها زكي نجيب محمود من وقائع حياته، يعد نوعًا من الخطاب المرجعي بالمعنى المتواتر في درس الشعريات البنيوية. وهذا النوع من الخطاب كان الكاتب يُخضع اختياراته منه وتفضيله لطريقة عرضه وتقديمه للمتطلبات الفنية والفكرية الثقافية المتصلة بأدواره في سياقات السيرة الداخلية أو النصية. ومن ثم فقد تشكل هذا الخطاب في صيغ متعددة. وأمَّا خطاب “الترميز” الذي يعتمد فيه الكاتب على وقائع حقيقية بأحداثها وأشخاصها لكنه يخفي أسماءَ الأشخاص ويستعيضُ عنها بأسماء أخرى، كما يُجري تعديلاتٍ في بعض عناصر تلك الوقائع كي تنبهمَ على المعاصرين الذين شاركوا في تلك الوقائع أو المعاصرين الذين يعرفون حقيقتها. وذلك ما يعني أن “الوقائع” قد عرَّض الكاتب صيغتها في “قصة نفس” لتغييرات متعددة كي يتخذ منها “رموزا” إلى الوقائع الحقيقية والأشخاص الحقيقيين الذين يعدون معًا “مرجعا” بالمعنى المتواتر في الدراسات الشعرية البنيوية. وأمَّا النمط الثالث فهو خطاب “التمثيل” الذي يتألف من مجموعة من “التمثيلات” التي تنتشر في ثنايا نص “قصة نفس” وسياقاته المختلفة.
ولكن فاعلية هذا النمط تتجاوز هذا الإطار؛ إذ إن عديدًا من التجليات المندرجة في إطار الخطابين الأولين قد مستْها أنسجة خطاب “التمثيل”، بل إن عديدًا من نتاجات خطاب “الترميز” قد اندرجت في طوايا خطاب “التمثيل” ذاك، وهذا ما يتيح للقارئ وصفَ خطاب “التمثيل” ذاك بأنه المكوِّن والمؤثر الفاعل في تشكيل مختلف الخطابات الفرعية في “قصة نفس”. بل ثمة إمكانية لقراءة “سيرة نفس” على أنها كلَّها صياغةٌ لخطاب سردي تمثيلي بما يجعل مختلف خطابات النص الفرعية وعناصر تشكيله وبنائه عناصر هادفةً إلى تدعيم المنحى التمثيلي الذي جعله الكاتب منحى تسري أنسجتُه في مختلف عروق هذا النص. وستتناول الفقرات التالية من هذه الدراسة كل نمط من تلك الأنماط الخطابية وتحلل طبائعَه ووظائفَه في أنسجة “قصة نفس”.
(6/1) الخطاب المرجعي المستعاد: طبائعه ووظائفه وأبعاده التمثيلية
يتشكَّل الخطاب المرجعي المستعاد في أنسجة “قصة نفس” من مجموعات من الوقائع “الحقيقية” التي مرَّ بها الكاتب في حياته الفعلية. ولعل من المتاح للقارئ أن يستوثق من “تاريخية” تلك الوقائع؛ إذ يستطيع مقارنتَها بالوقائع التي حكاها زكي نجيب محمود نفسه عن حياته في أكثر من موضع؛ ومنها سيرته الذاتية الموجزة التي أملاها بنفسه على واحدة من محرِّرات كتاب “أعلام الأدب العربي المعاصر“(1996)(48)، أو سيرته التي سجَّلها غالي شكري (1935-1998) ودوَّنها كما هي، ثم حلَّلها في كتابه “المثقفون والسلطة“(1991)(49). فهذان النصَّان لسيرته يتضمنان عديدًا من الوقائع والأحداث والأشخاص كما يضم النصُّ الثاني منهما خاصةً آراء وتفسيراتٍ لعديدٍ من مواقفه وقدرًا من “الشهادة” على بعض الأشخاص الذين اتصل بهم في مسيرته الحياتية والثقافية.
ولكن صياغة زكي نجيب محمود هذه الوقائع في نص “قصة نفس” هذا لا يعني، بحالٍ من الأحوال، أنه قدَّمها كما هي مادة خاما؛ فمن المؤكَّد أنه اصطفى منها مجموعةً من الوقائع التي رآها وثيقة الصلة بما يودُّ تناولَه في إطار رؤيته لأهدافه من كتابة سيرته الذاتية، كما أنه قد اختار المواضع التي يعيد فيها تقديمَ تلك الوقائع المختارة في سياقاتها داخل متن “قصة نفس”؛ وهذا المسلك يشير إلى المنحى الفني الضمني في عملية الاختيار تلك، كما أن الكاتب قدَّمها في إطار عدد من الأنماط منها نمطُ التقديم المباشر الذي كان يعيد فيه تقديمَ تلك الوقائع سواءٌ رواها بضمير المتكلم أو رواها بضمير الغائب، وذلك وفق رؤيته الفنية لطبيعة السياق الذي استعادها ووضعها في إطاره. ففي سياق حديث الراوي عن طفولته روى عن التحاقه بالمدرسة الأولية (50) كما روى بقدرٍ من الاستفاضة “المحسوبة” عدةَ وقائع باقيةً في ذاكرته من إقامته طفلا بالسودان عدة سنوات بصحبة أسرته حيث عمِل أبوه لسنوات في “وكالة حكومة السودان“(51)؛ فقد استعاد واقعة تعرُّضه للعقاب بالفلَقَة على يد شيخ الكُتَّاب الذي تلقى على يديه بالخرطوم تجربةَ التعلم الأولي كاشفًا عن بعض جوانب تلك الواقعة ساردًا أنه: (حدث ذات صباحٍ أن وجدتُ المقعدَ خاليًا من شيخه، ورأيتُ القُلَّتين تلمعان بما يبلِّل سطحيهما من ماء، فأخرجتُ من جيبي قلمًا من أقلام “الكوبيا” وطفقتُ أخطُّ به على القُلَّتين، ولم أكنْ أتوقَّعُ أن أجدَ هذه المتعةَ كلَّها في التخطيط بالقلم “الكوبيا” على سطحٍ مبتلّ، فانطلقتُ أرسمُ الأشكالَ وأكتبُ الحروفَ، فتسيحُ الخطوطُ وتتشابكُ في زخرفٍ جميل، وهنة “طبَّ” الشيخُ فجأةً، فأخذته صاعقةٌ لما رأى، وأمر فمُدَّت “الفلَقةُ” ورُبِطتْ فيها قدماي، وطُرحتُ على الأرض ظهرًا، ورُفعتْ القدمان مزمومتين في شقَّي الفلَقة، والفلَقةُ يحملُها ولدان أمسكها كلٌّ منهما بطرف، والشيخُ الدريري يهوِي بالسوط في غير رحمةٍ كأنَّما نسِي أنهما متصلتان بكائنٍ حي، وعدتُ إلى البيت متورِّمَ القدمين)(52). ليكون هذا الموقف واحدًا من التجارب القليلة التي احتفظت بها ذاكرة الكاتب من أولى مراحل حياته في مرحلة الطفولة. ولاريب أن استعادة كُتَّاب السيرة الذاتية المحدثين جوانب من تجاربهم في التعلم، لا سيما في مراحلهم الأولى فيه، تعد عنصرا من العناصر الأساسية المتكررة في نصوصهم مما يجعلها تؤدي وظائف متنوعة حسب المنحى الغالب على خطاب كلٍّ منهم (53).
وثمة نمطٌ آخر قام فيه الكاتب بإعادة صياغة بعض الوقائع التي عرضها ليحافظ على عدد من عناصرها الرئيسية لأنها تشكل متنَ الواقعة التي يستعيدها، لكنه كان يتخفَّف من مجموعةٍ من التفاصيل التاريخية التي يرى أن سياق تقديم الواقعة في “قصة نفس” لا يتطلَّبها؛ لأنه سياقٌ محكومٌ بمتطلبات الفن وليس بمقتضيات التوثيق التاريخي الذي يتطلَّب تسجيلَ مختلف تفاصيل الواقعة. ومن ذلك واقعة توليه رئاسة تحرير مجلة “الفكر المعاصر” بين عامي 1965 و1968، وهي الواقعة المعروفة جيدًا في مسيرته الفكرية والمهنية. وهو يقدمها بهذه الكيفية بصوت الراوي المستند إلى ضمير الغائب في إيحاء قوي للقارئ بأنه يحكي بقدر من “الموضوعية” و”الحيادية” عن شخصٍ ما آخر تخصُّه تلك الواقعة؛ إذ يقول:
(عرضتْ عليه وزارةُ الثقافة بمصر أن يُنشئَ لها مجلةً للفكر، وأن يتولَّى رئاسةَ تحريرها، فاختار للمجلة أن تختصَّ بأفكار عصرنا الذي يقلُّنا على أرضِه بكل ما تتفجَّرُ به من قنابل، ويُظلُّنا تحت سمائه بكل ما تُنزلُه علينا تلك السماءُ من سهام الدمار، لكنه عصرُنا، ويستحقُّ منَّا أن نحيا به وفيه، ليحيا هو بدوره بِنا وفينا، وعلى بركة الله وبمشيئته صدرَت المجلة تحملُ في كل عددٍ من أعدادها صوتًا مسموعًا لصاحبنا إبراهيم في إهابه الجديد. ينادي في الناس بألَّا يكونَ الفيصلُ في الفكر إلا النضجَ والعمقَ والصدقَ، ولنترك سوانا من عُبَّاد الساسة ليمرحوا في العراك بين يمينٍ ويسار)(54).
وهو يبني على تصويره الموجز لهذه الواقعة تقديمَه مجموعةً من اللقطات الموجزة الكاشفة عن بعض وجوه الاضطراب الإداري في إدارة شئون وزارة الثقافة المصرية في ستينيات القرن العشرين(55) ليفضي السرد بذلك الراوي إلى التحول من ضمير الغائب، الذي أوحى استخدامه للقارئ بموضوعية ما رُوي له، إلى ضمير المتكلم ليروي توقيتَ تسلُّمه دعوةً من جامعة عربية للعمل: (وكانت المصادفة اللافتة أن رأسَ السنة الهجرية الجديدة ورأسَ السنة الميلادية سيلتقيان معًا في يومٍ واحد، ثم كانت إرادةُ الله سبحانه وتعالى هي أن تردَ إليَّ رسالةٌ من إحدى الجامعات العربية تدعوني إلى التعاقد معها على العمل أستاذًا للفلسفة؛ فلم أترددْ لحظةً واحدة، وأسرعتُ على جناح البرق لأجيبَ بالقبول وبهذا أجدُ الفرصةَ التي أنجو فيها بنفسي من الأزمة النفسية التي أوقعني فيها الأمينُ العام للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، ومن التوتُّر العصبي الذي أصابني عندما أراد المسئولون في وزارة الثقافة بأن يوحوا إليَّ بأنني لا صاحبَ رسالةٍ ثقافية ولا يحزنون، وإنما أنا عاملٌ بالأجر القليل، يدارُ له أمرُه ويشرفُ الرؤساءُ على شئونه)(56). وإذا كان للقارئ أن يشير إلى أن سرد الراوي تلك الواقعة يندرج في إطار متابعته تقاليد سرد السيرة الذاتية من تعويل على سرد اللحظات الفارقة في مسيرة المترجَم له الحياتية(57) فله أن يشير أيضًا إلى أن سرد الراوي هنا لا يصرح باسم تلك الجامعة العربية التي دعته للعمل بها، وهي كما نعرف من سيرة زكي نجيب محمود أنها جامعة الكويت، كما نعرف منها أيضًا أنه عمِل بها لمدة خمس سنوات (1968-1973). وكانت تلك لحظةً فارقة في مسيرته الثقافية إذ أتاحت له الفراغَ لقراءة التراث العربي في مختلف مجالاته وعلومه مما أدى به إلى إحداث تعديلٍ في وجهته الفكرية؛ فبدلا من الدعوة إلى تبنِّي “ثقافة الغرب” وعلومه كما غلب عليه من قبلُ صار هدفُه تعديل صياغة مشروعه الفكري والثقافي الجديد بسبب عمله على بلورة موقفه الثقافي الجديد الذي يحاول فيه الجمعَ، في نسيجٍ واحد، بين موروث الثقافة العربية الذي ينتقي منه ما يراه ملائما للحاضر العربي وحصيلته الثقافية من “ثقافة الغرب”؛ فيكون بهذا الجمع، كما وصف نفسه، عربيًا ومعاصرًا في آنٍ معًا(58).
وثمة نموذج آخر بالغ الأهمية من حيث تجليته لطبائع “الخطاب المرجعي المستعاد” وما كان يخضع له من تغييرات في سياقات “قصة نفس”؛ ففي الفصل الأخير من “قصة نفس” الذي يحمل عنوانَ “شفق الغروب” يعمل الراوي “فوزي الراوي“، الصوت الرئيسي الذي يسرد وقائع هذا الفصل، على إيهام القارئ أن شخصيتي “رياض عطا“، أو “الأحدب”، قد امتزجت بشخصية “إبراهيم الخولي” عندما صارا في الستين من عمريهما فأصبحا شخصًا واحدًا أطلق عليه الراوي اسم “إبراهيم الأحدب”، وقد امتزجت في نفس “إبراهيم الأحدب” (العاطفة والفكرة في كيان واحد)(59).
ولكي يوجز زكي نجيب محمود التحولَ في مسيرته الفكرية فإنه جعل من “إبراهيم الخولي” تمثيلا للجانب الفكري في نفسه، ووصف الراوي “إبراهيم الخولي” بأنه كان أميلَ إلى التجريد في فكره؛ بمعنى أنه لم يكن يصبُّ فكرَه المنطقي الصارم على مشكلات حقيقية مما يعترضُ الناسَ في حياتهم،
(ولذلك فكثيرًا ما وصفه الواصفون بالصورية التي لا تنفعُ الناسَ ولا تشفعُ لهم، ولعل تلك الصوريةَ البادية في نهجه الفكري عندئذٍ قد جاءت من حرصه على منطقية الفكر حتي يصبحَ كأنه معادلاتٌ رياضية، ذلكَ من ناحية، ومن ناحية أخرى فلعلَّ تلك الصوريةَ قد أحدثها عنده بعدُه عن الناس وهُمْ في مَعْمَعان العيش ومشكلاته)(60).
وللقارئ أن يرى أن “إبراهيم الخولي” يعد حينئذ “تمثيلا” دالا لزكي نجيب محمود نفسه، ومن ثم فليست تلك “الصورية” بما نتج عنها من آثار في مسلكه الفكري إلا نتيجة مباشرة من نتائج تخصِّصه في تدريس المنطق حين التحق بالعمل بقسم الفلسفة بكلية الآداب من جامعة القاهرة كما أشار هو نفسه إلى ذلك في “قصة عقل“(1983)(61) وتركيزه في توجُّهه الفلسفي على التحليل اللغوي للعبارات.
كما كان “إبراهيم الخولي” حتى الخمسين من عمره يتمسَّك بالفكرة القائلة بضرورة محاكاتنا الغربَ في كل شيء معلِّلا ذلك بقوة الغرب ووعيه وثرائه. ولكنه في الخمسين من عمره اكتشف أن الغرب المتقدم يمتلك حضارةً واحدة وثقافةً موحَّدة الأصول، أمّا نحن فلدينا حضارتان مختلفان: الحضارة المصرية والحضارة العربية. كما تنبَّه إلى حقيقة أنه يتكلم العربيةَ! وأدرك بوعيه التحليلي “الصارم” أن اللغة – في مفرداتها وفي طرائق بناء تلك المفردات في جملٍ-
(إنما تنطوي في الوقت نفسه على أغوارٍ ثقافيةٍ لبثتْ تزدادُ عمقًا كلما ازدادت الشعوبُ المتكلمةُ بها خبرةً بالحياة وممارسةً لها؛ فكلُّ لغةٍ فيها إلى جانب كونها رموزًا تشير إلى مسمياتٍ، جانبٌ آخرُ هو العمقُ الشعوريُّ “…” لم يعد إبراهيمُ يشكُّ في أنَّه إلى جانب مصريته، فهو عربيُّ الوجدان وليس له في ذلك خيار)(62).
ومن هنا صار عليه أن يبحث عن حل لمشكل:
(كيف السبيلُ إلى حياةٍ نوفِّقُ فيها بين الحضارتين وبين الثقافتين، فنعيشُ الموروثَ العربيَّ في مناخ العصر وعلومه وفنونه؟)(63).
وقد وجد “إبراهيم الخولي” في عمله بإحدى الجامعات العربية فرصةً لقراءة التراث العربي قراءات مُعمَّقة وموسَّعة ليصطفي من أفكاره وقيمه ما يصلح للحياة العربية المعاصرة وليضمَّه إلى ما أخذه العرب المحدثون من الحضارة الغربية ومن الثقافة الغربية. وقد أخرج “إبراهيم الخولي” نتاجَ محاولته الفكرية تلك في مجموعة من الكتب التي عرض فيها تفاصيلَ صيغته الفكرية أو مشروعه الفكري الذي يوفِّقُ فيه بين الموروث الذي اختاره من الثقافة العربية من ناحية، والمأخوذ من الثقافة الأوربية العصرية من ناحية أخرى؛ وذلك ما تؤكده كتب زكي نجيب محمود من مطلع سبعينيات القرن العشرين بدءًا من كتابه “تجديد الفكر العربي“(1971)، وكتابه “المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري“(1972) ثم في مختلف كتبه حتى وفاته حيث كان شاغله الفكري الرئيسي تحليلَ مجموعة من الأفكار والمواقف الفكرية والفلسفية سواءٌ من التراث العربي أو من الثقافة الأوربية؛ وذلك لبيان وجوه الحاجة إليها وإمكانات الإفادة منها في صياغة رؤية فكرية وثقافية معاصرة. مؤمِّلًا أن يذكره الناسُ إن ذكروه بعدئذ (بما أنتجَه في ضوء الشفق- شفق الغروب)(64).
أي أن يتذكره الناس بموقفه الفكري الأخير في مسيرته الفكرية والثقافية الطويلة. وليست هذه الجوانب المتعددة التي حكاها الراوي عن أفكار “إبراهيم الخولي” وتحولاته الفكرية إلا إشارات موجزة وإحالات مركَّزة إلى وقائع من السيرة الحقيقية لزكي نجيب محمود الذي شاء بوصفه كاتبًا يعتمد آليات “التمثيل” في صياغته سيرته الذاتية أن يجعل من شخصية “إبراهيم الخولي” تمثيلا للجوانب الفكرية والمكونات الفكرية والثقافية في شخصيته الحقيقية، ولهذا يدرك القارئُ حينئذٍ أن التحول في مسيرة “إبراهيم الخولي” الثقافية ليس إلا تمثيلا للتحول في مسيرة زكي نجيب محمود الثقافية، كما يدرك أيضًا أن العلامات الزمنية المباشرة التي كان الكاتب حريصًا على تسجيلها في ثنايا سرده ذلك الموقف – مثل مرحلة الأربعين ومرحلة الخمسين في حياة “إبراهيم الخولي”- ليست إلا من قبيل “الترميز” الذي يحيل القارئ مباشرةً إلى ما يناظره أو ما يقترب منه في سيرة زكي نجيب محمود الحقيقية. ومن ثم يتفهَّم القارئ كون شخصية “إبراهيم الأحدب” ذي الستين عامًا ليست إلا تمثيلا مباشرا لشخص زكي نجيب محمود بموافقه الفكرية ومسالكه الثقافية.
(6/2) خطاب الترميز وثنائية التعريض والتصريح
تأسَّس خطاب “الترميز” في “قصة نفس” على منحى ذي خصوصية ألمح إليه زكي نجيب محمود في مقدمة الطبعة الثانية من “قصة نفس” حيث أكد أنه اضطُرَّ إلى عدم ذكر الأشخاص بحقائقهم وأسمائهم، كما اضطُرَّ أيضًا على عدم تصوير الأحداث كما وقعت بالفعل، ومن ثم فقد كان لجوؤه إلى الترميز وسيلةً لتجنب العقبات الثقافية بأبعادها الاجتماعية المتصلة بتلقي القراء خطاب السيرة الذاتية على أنه خطابٌ يقدم لهم حقيقة شخصية صاحب السيرة كما كانت بالفعل وعلى وجه الحقيقة كائنةً ما كانت. وقد خشي الكاتب أن يؤدي ذلك المنحى الرمزي إلى كثافة دلالات عناصره أمام القارئ مما يحجبُ عنه مقاصدَه، ومن ثم فقد اضطُرَّ إلى أن يسوق، في إطار سياقات ذلك الترميز، اسمًا ما أو حادثةً ما بحقيقتها التاريخية الصحيحة حتى يتيح للقارئ تبيُّنَ دلالات ما يسرده وما يعرضه.
ولعل قارئ “قصة نفس” بمكنته أن يرصد عددًا من النماذج التي قامت على تفعيل خطاب الترميز ذاك بما جعل من الرمز وسيلةً جامعة بين التعريض من ناحية والتجلية من ناحية أخرى. ولعل أبرز نموذجين دالين على فعالية هذا التوجه هما: عرض زكي نجيب محمود لأدواره في “لجنة التأليف والترجمة والنشر”، وتناوله للجانب العاطفي في حياته كما عرضها في سيرته. ففي صياغته لتلك الأدوار يلحظ القارئ اختلافا دالا بين الصيغتين اللتين صاغ فيهما سيرتَه الذاتية في طبعتين؛ ففي الصيغة الأولى ورد تناوله لهذا الجانب في صيغة ترميزية؛ فالأحدبُ في لقاء له مع “مصطفى” ابن حبيبته “سميرة” ينصحه بألا يتواضع
(لأحدٍ في هذا البلد، حتى لو كان المجالُ مجالَ علمٍ يقضي بأن يتواضع العلماء)(65).
ولكي يقنعه بأهمية تلك النصيحة يحكي له حكاية بدء نشر مقالاته الأدبية في مجلةٍ لجمعية أدبية تسمى “جمعية القلم”، ويصفُ له كيف رحَّب به أعضاء الجمعية، ثم كيف دعاه رئيسُها إلى مشاركته في إخراج مجموعة من الكتب يكون أساسُها عرضًا لكتب إنجليزية في الموضوع المختار للكتابة فيه عرضًا لا يتقيد بالترجمة بل يفسح المجالَ للشرح. وبعد أن أتمَّ الراوي أو “الأحدب” إعدادَ الكتابَ الأول وسلَّمه لذلك الرئيس الذي كتب مقدمة الكتاب ونشره باسمه بوصفه مؤلِّفًا، واكتفى بالإشارة في مقدمته إلى أن “الأحدب” أو “زكي نجيب محمود” قد عاونه (معونة مثمرة)، ولم يقف عند هذا الحد: كتابة من “الأحدب” ومقدمات من ذلك الرئيس، بل أخذ ذلك “الرئيس” يتعالى على “الأحدب” حتى ثار ذلك “الأحدب” (ثورةً شديدةً للكرامة المُهدَرة)(66). وفضَّ هذه (الشركة الأدبية)، وصار كما يقول
(إنما أصبُّ السخطَ والنقمةَ على نفسي أولًا قبل أن أوِّجهَ اللومَ إلى سواي، فها أنا ذا مضطَرٌّ إلى مضاعفة جهودي أضعافًا مضاعفةً لكي أنفق بعضَها في محو التصغير الذي لحقَنِي، وأكسبَ ببعضها الآخر خطوةً إلى الأمام)(67).
وقد اعتمد الكاتب في صياغته تلك الوقائع على منحى الترميز في خطابه السردي؛ إذ سرد واقعةً حدثت له بالفعل في مرحلة بدء نشر كتاباته الأدبية، لكنه وضع مسميات غير المسميات الحقيقية لعناصرها وأشخاصها لأن عددًا من أولئك الأشخاص كانوا أحياء عند نشره الطبعة الأولى من “قصة نفس”(68). وأمَّا في الطبعة أو الصيغة الثانية فإنه قد أعاد حكي الوقائع ذاتها لكنه حول معظم “الترميزات” أو “الرموز” إلى حقائق بأن قدَّم الأسماء الحقيقية فذكر أن المجلة هي “مجلة الرسالة” وبيَّن أن إدارتها كانت في غرفة “لجنة التأليف والترجمة والنشر”، وذكر أن رئيس اللجنة كان “الأستاذ أحمد أمين”، ثم سرد واقعة مشاركته للأستاذ الكبير في إخراج مجموعة من الكتب. وحكى بذلك(69) معظمَ التفاصيل التي أوردها من قبلُ في الطبعة أو الصيغة الأولى ذاكرًا أسماء عدد من المثقفين الذين تواصل معهم في ذلك الموقف، ثم أضاف إضافات لها أهميتُها في إطار السياق الجديد لعرض تلك الواقعة؛ إذ قدم صياغةً مركَّزةً لخبرة استخلصها الراوي من تجربته تلك، وهو يقدمها إلى القارئ في صيغة نصيحة مؤداها أن
(التواضع صفةٌ جميلةٌ إذا وقف عند حد معقول، وإلا فسرعان ما ينقلب على صاحبه ضعةً وقلةَ قدرٍ وتفاهةَ قيمة)(70).
كما أنه قدم إضافة جذرية في هذا السياق الجديد تمثلت في خطاب الاعتراف الذي علت نبراتُه كاشفةً عن ضربٍ من ضروب الصراع التي ثارت في نفسه جرَّاء تلك الواقعة:
(ولستُ أُلقي الذنبَ على أحدٍ في كل تلك المحنة النفسية التي طالت معي أعوامًا ليست بالقليلة، لستُ أُلقِي الذنب إلا على التركيب المضطرب المتناقض الذي رُكِّبت عليه نفسي، فبينما أواصل الليلَ بالنهار جهدًا وجهادًا في سبيل أن أميِّز نفسي بما كانت تستحقُّ أن تتميزَ به، تراني أجفلُ من اتخاذ الخطوة المناسبة أو العبارة الملائمة في المواقف التي تستدعي تلك الخطوةَ أو هذه العبارة فيضيع منِّي ما رجوتُ كسبَه من تقدم)(71).
ولعل جانبًا من جوانب أهمية هاتين الإضافتين: خطاب النصيحة وخطاب الاعتراف يعود إلى كونهما من الخطابات الرئيسية في تكوين الخطاب السير ذاتي بوصفه خطابا استعاديًا يُفترضُ صدورُه عن شخص حقَّق مكانةً متميزةً في مسيرته الحياتية بما يجعله قادرا، من ناحية، على تجلية “حقائق” ما يحكي عنه فيصدر عنه “خطاب الاعتراف”، ومُهيَّأً من ناحية أخرى لتقديم خبراته للآخرين كي تكون موجِّهةً لهم؛ فيصدر عنه “خطاب النصيحة”.
وأمَّا تناول زكي نجيب محمود للجانب العاطفي في مسيرته الحياتية فقد برزت فيه توجهاتُ الترميز؛ إذ عرض الكاتب في الصيغة أو الطبعة الأولى مجموعة من العلاقات الاجتماعية التي جمعت بين عدة رجال وعدة نساء، وسمَّى هؤلاء الأشخاص أسماء، كما حلَّل طبائعَ كل منهم ومنهن من منظور أن كلًّا منهم يرمز، من ناحية، إلى واحد أو واحدة من الأشخاص الذي التقاهم الكاتب في حياته بالفعل لكنه أطلق عليهم أسماء مختلفةً عن أسمائهم وأسمائهن الحقيقية حفاظا على واحدٍ من تقاليد كتابة السيرة الذاتية. كما أنه اتخذ من كلٍّ منهم، من ناحية أخرى، نموذجًا لفكرة أو عاطفة أو توجُّه أو موقف ما ممَّا جعله يضع سلوكَه موضع التحليل. وقد استبعد الكاتب في صيغته الثانية عدةَ فصول وأجزاء من بعض الفصول التي تناول فيها تلك “النماذج، لكنه أفاد من بعض عناصرها في الصيغة الثانية فقدمها في مواضع مختلفة أو متنوعة(72). ولعل الكاتب بهذا المنحى قد فعَّل المبدأ الذي أشار إليه في مقدمة الصيغة الثانية من “قصة نفس” من استبعاده الجوانب التي لم يكبحها من خفايا نفسه في الصيغة الأولى من “قصة نفس”.
وثمة مواضع أخرى برز فيها تفعيلُ الكاتب خطابَ الترميز منها إشارتُه إلى ما حدث بعد حصول “إبراهيم الخولي” على جائزة الدولة التقديرية في الآداب من مسالك سلبية من عدد من أصدقائه وزملائه الذين وصفهم بأنهم كانوا يضمرون نحوه رغبةً في الإطفاء والإخفاء وطمس المعالم وضيق الصوت، (وكانت وسيلتُهم في ذلك هي الصمت الأليم عن كل ما يتصلُ بعملٍ أنجزتُه في علمٍ أو أدب)(73). دون أن يصرح بأسمائهم أو يشير إلى وقائع تجلِّي مسالكهم السلبية تلك تجاهه.
لقد كان خطاب “الترميز” متكئًا أتاح للكاتب الانتقال في سرده لمجموعة من المواقف “الحقيقية” في مسيرته الحياتية بين توجهي “التلميح” و”التصريح” طبقًا لرؤيته طبائع السياقين الخارجيين اللذين قدم فيهما الصيغتين المختلفتين من “قصة نفس”.
(6/3) خطاب “التمثيل” وأنماطه: بين التعدد وتجلية الهوية
لعل انتماء نص “قصة نفس” إلى القص الفلسفي هو الذي يفسر اتكاء الكاتب على الخطاب التمثيلي الذي صار واحدا من الخطابات الرئيسية في بنية هذا النص. ويستند هذا الخطاب إلى مفهوم التمثيل بوصفه صيغةً بلاغية تقوم على الجمع بين طرفين أو حالتين مختلفين يقيم المبدع وجوهَ شبَهٍ أو تشابهٍ بينهما معتمدًا في هذا على التأمل والتدقيق والفكر بما يعني استنادَه إلى مبررات عقلية لتعليل تلك الوجوه من الروابط بينهما، كما يحتاج المتلقي إلى الاستناد إلى مبررات عقلية أيضًا لقبول “التمثيل” لأن جوهر التمثيل (يتحقَّق من خلال بُعده عن التشبيه الظاهر الصريح، وكلما ازدادت مسافةُ هذا البعد أصبحت الصورة تمثيلا)(74). فعلاقاتُ التشابه أو المقاربة بين طرفي “التمثيل” تستند إلى كون ذلك “التمثيل” نشاطًا عقليًا سواءٌ على مستوى الإبداع أو على مستوى التلقي؛ وذلك بدءًا من التمييز بينه وبين التشبيه بكون “التمثيل”(يعتمد على التأول العقلي، ومرورًا بوضع هذا التأول العقلي في درجاتٍ متفاوتة تتوقف على بُعد العلاقة بين طرفي التمثيل الذي يترتب عليه تعقُّدُ التركيب النحوي الذي يقع فيه التمثيل. فكلما بعُدت هذه العلاقة كان المبدع حاذقًا لأنه يدفع المتلقي إلى شحْذ الذهن لمزيدٍ من التفكير والتأمل للوصول على الشبه بينهما، فالعقلُ هو المرجعُ في إبداع التمثيل وهو المرجعُ أيضًا في تلقيه)(75). ولعل هذا ما يعني أن ابتداع “التمثيل” من لدن المبدع وقبوله من لدن المتلقي يتأسسُ على “الافتراض العقلي” الذي يستند إليه كلٌّ منهما افتراضًا لازمًا يقوم على تغليب منحى منطقي في إدراك العلاقات وإثباتها بين طرفي التمثيل أو أطرافه المتعددة. ولعل هذا يشير إلى أن “المنحى العقلي” في ابتكار “التمثيل” وفي فهمه وتأويله يعد مقومًا أساسيًا في هاتين العمليتين(76).
ولقد استند الخطاب التمثيلي في “قصة نفس” إلى ثلاثة أنماط من “التمثيلات”؛ فثمة تمثيل جزئي لفكرة أو لموقف أو لصنف أو تصنيف ما، وثمة تمثيل جزئي سردي لفكرة أو لموقف ما أو لنمط سلوكي أو إنساني ما، وثمة تمثيل سردي كلي لنمط إنساني يتبنى موقفًا أو فكرةً يؤسِّسُ عليها سلوكه. ولعل فاعلية هذه الأنماط تنجلي، على نحوٍ بالغ الأهمية، في النمطين الثاني والثالث اللذين يعدان عناصر محورية وشديدة الفعالية في بناء “قصة نفس” وفي صياغة دلالاتها المختلفة، لأنهما نمطان سرديان ثريان بما يكتنزانه من طبائع سردية وتمثيلية جعلتهما معًا مؤثرين نوعيين ذويْ تأثيرات دامغة في مختلف أبنية “قصة نفس” وعناصرها ومكوناتها مما أكسبها خصوصيةً من ناحية، وبما يتيح للقارئ، من ناحية ثانية، إمكانيةَ قراءة “قصة نفس” على أنها قص تمثيلي يكتسب سماته المحايثة من تأثيرات تقنيات “التمثيل” المتعددة. وذلك ما يتجلى في عديد من وجوه خصوصية خطاب “قصة نفس” بوصفه خطابا سير ذاتي يعتمد على فعالية التمثيلات السردية التي تسهم عبر امتدادها في النص في تحقيق العلاقات بين عناصره من ناحية، وبين مستوياته البنائية والدلالية من ناحية أخرى.
(6/3/1) نمط التمثيل الجزئي: طبائعه ووظائفه
تبدو التمثيلات الجزئية المنتشرة في فضاء “قصة نفس” وسيلةً لتقريب عدة أفكار أو تعيينها ماديًا، أو تجليةِ مواقف فكرية جزئية تتعلق بأمر ما أو صنف أو منحى ما. ولعل من أبرز الشواهد لفعالية آلية التمثيل الجزئي تلك ما يتجلَّى في بيان الكاتب رؤيته لحقيقة “النفوس الفقيرة” التي وصفها الكاتبُ بأنها نفوسٌ تحمل خواءً داخليا تعوِّضه بقتل من يصادفها في الطريق ممتلئًا بدفعة الحياة، وهي نفوسٌ عاجزة ويعزِّيها عن عجزها أن ترى العجزَ في الآخرين. ولكي يدلل على طبائع تلك “النفوس الفقيرة” فإنه اعتمد على “التمثيل” الجزئي الذي مكَّنه من تصنيف أنماط ذلك الفقر عبر تفعيل آلية “المماثلة” بين خواء عناصر الطبيعة من ناحية وخواء تلك النفوس من ناحية أخرى مما يجعل من وجوه فقرها تتبدى كياناتٍ ملموسةً في إدراك المتأمِّل لمسالكها لاسيما حين يلحظ- ذلك القارئ- ربطَ الكاتب بين تقنيتي “التمثيل” و”المفارقة” ليتخذ من تفاعلهما معًا وسيلةً لتجلية طبائع الفقر في تلك النفوس، كما أنه ربط بين تفعيل هاتين التقنيتين – بما تقدمانه من صور مادية – والسياق الذي وجد “إبراهيم” نفسَه فيه وهو يمارسُ حياتَه العملية بعد عودته من بعثته الدراسية بإنجلترا؛ إذ رأى (أن للفقر صورًا شتَّى: فمنها اليبابُ القفرُ الذي تلتهبُ رمالُه بوقدة الشمس، ومنها الصخرُ الأجردُ الذي صلد صدرُه وتصلَّبت أطرافُه، ومنها السماءُ لا تجودُ بالغيث، ومنها الوردةُ تذبلُ وتقوى، ومنها الحبوبُ تخلو من الماء… ولكن لا اليبابُ القفر، ولا الصخرُ الأجرد، ولا السماءُ اليابسة، ولا الوردةُ الذابلة، ولا الجدولُ غِيضَ ماؤه، ولا الجيوبُ الخالية من المال، بمستطيعةٍ أن تصوِّرَ الفقرَ بأقوى مما تصوِّره النفوسُ الفقيرة، ولقد وجد إبراهيم نفسَه محوطًا بزُمرةٍ من تلك النفوس التي لا تملك الخصوبةَ لنماء الزرع فتفتكُ بكل زرعٍ تراه ناميا، وهي نفوسُ جماعةٍ من الكبار الصغار: كبار الأجسام والأعمار صغار الهمَّة صغار الأحلام)(77). ولقد جعل الكاتب من خمسة صور جزئية لخمسة من عناصر الطبيعة الخالية من أي مظهر من مظاهر الحياة – من قبيل الصخر الأجرد صلْد الصدر ومتصلِّب الأطراف، والأرض القفر التي تلتهب رمالُها بحرارة الشمس الحارقة، وغيرها- تمثيلات جزئية لأنماط “النفوس الفقيرة” بما تنطوي عليه من مجافاةٍ لحقيقة الحياة ومن مخاصمة عنيدة لأية رغبةٍ في الحياة، وبذلك صارت تمثيلات “فقر النفوس” كاشفةً – في سياقها السردي- عن وجوه المعاناة الهائلة التي واجهها “إبراهيم” في بدء حياته العملية.
وقد اتخذ الكاتب من هذا النمط من “التمثيل” الجزئي وسيلةً فعالة لتجلية رؤيته لعددٍ من أنماط المثقفين الذين اتصل بهم في مصر في خمسينيات القرن العشرين وستينياته .وقد اتخذ من الجمع بين السرد السير ذاتي والخطاب التمثيلي وسيلة للكشف عن رؤية نقدية له تتصل بعددٍ من أنماط هؤلاء المثقفين في مصر في تلك المرحلة؛ إذ يشير الراوي وهو يسرد العقدين الأخيرين من حياته إلى أنه قد راجع بنفسه كثيرًا من كتابات “الأحدب” كي يقع على بِّينات تكشف عما يتعلق بما كان يهتمُّ به ذلك “الأحدب” وما كان يحفِّزه ويثيره، فوجد أن “الأحدب” كان يدعو إلى قيمتي “العدل” و”الحرية”، كما كان يوجِّه اهتمامَه إلى نسيج حياتنا ليكشفَ عمَّا فيها من ثقوبٍ وعيوبٍ وعن وجوه الخلل الكامنة فيه، وقد أدى به هذا البحثُ إلى إدراك أن الريادة الثقافية تتناسب تناسبًا عكسيا مع الإنتاج الثقافي مما يؤكد غلبةَ الخلل الشديد في الحياة الثقافية آنذاك. ولكي يدلل الكاتب على رؤيته تلك وضع قطعةً أدبية كتبها “الأحدب” في هذا المعنى، ووصفها بأنها (رائعة من روائعه). وهي مقالة زكي نجيب محمود “قرصنة في بحر الثقافة” التي لم يُشرْ إلى تاريخ نشرتها الأولى، ولكن القارئ المعاصر يستطيع تبينَ أن الكاتب قد نشرها للمرة الأولى بمجلة “الفكر المعاصر” في عدد يناير 1968، ثم أعاد نشرها في كتابه “في فلسفة النقد”(1979) وأضاف إليها عنوانًا فرعيًا هو (تصوير رمزي لجانب من حياتنا الثقافية)(78). وهي مقالةٌ تنهض على مجموعة من “التمثيلات” التي يجسد الكاتبُ بواسطتها رؤيتَه للأوضاع المختلة في السياق الثقافي الذي عاشه في الخمسينيات والستينيات، متخذا لتجسيدها وسيلة تمثيلية فنية هي اصطناع حكاية عثور عالم آثار صديق له على بردية لكاهن اسمه “حريحور” من معبد آمون في مدينة طيبة. وما تقدمه هذه الحكاية لا يُنسب – في حقيقة الواقع التاريخي- إلى “حريحور” الذي كان كبيرا لكهنة آمون في عهد رعمسيس الحادي عشر، وكان له نفوذ ديني وسياسي كبير جعله أهلا لتولِّى مجموعة من الوظائف العليا حتى استطاع أن يكون “الكاهن الأكبر” الذي يضارع الفرعون في نفوذه إلى أن صار هو نفسه “الفرعون” وأول حاكم فيما وصفه سليم حسن(1886-1961) بأنه “عصر دولة الكهنة بطيبة”(79). وتسجل الحكاية التي وصفها الكاتب بأنها كانت على بردية، ولكنها، على الحقيقة، حكايةٌ وضعها الكاتب نفسه لتكون قناعًا يحمل رؤيته لوضعية من وضعيات الخلل في سياقه الثقافي. والحكاية مدونة على بردية للكاهن “حريحور” من معبد آمون في مدينة طيبة يسجل فيها معركةً كلامية دارت بينه وبين كاتب قليل الشأن؛ بسبب ادعاء ذلك الكاتب، قليل الشأن أو المغمور، أن “حريحور” قد نسب إلى نفسه واحدةً من قصائد ذلك الشاعر “المغمور” وأذاعها بين الناس على أنها من إبداعه، وقد حضر ذلك الشاعر المغمور يطلب من “حريحور” تصحيحَ ذلك الخطأ الذي يظنُّ أنه قد وقع منه على سبيل السهو. ومن ثمة يأخذ “حريحور” في الدفاع عن موقفه وتبرير نسبة القصيدة إليه متخذًا من مقارنة هذه الوضعية (أي سرقة الأدباء الكبار لأعمال صغار الأدباء ونسبتها إلى أنفسهم) بوضعية قراصنة البحار الذين يستولون على السفن ويغنمون ما فيها من بضائع، ضاربا بذلك التمثيل بالتجارة والقرصنة (إن هؤلاء العاملين الصغار عليهم تحميلُ السفن بأثقالها، ولنا نحن الكبار حقُّ القرصنة لنأخذ الأحمالَ مُعبَّأةً ومُجهَّزةً؛ وبالقرصنة لا بالتجارة بُنيت دولٌ وأقيمت عروش)(80). وليس وضع هذا الافتراض الذي يصوِّر “كبار الكتَّاب” في استيلائهم على كتابات “صغار الكتَّاب” في “القراصنة” الذين يسطون بالقهر والغلبة على صنيع “صغار العاملين” الذين يحمِّلون السفنَ بأثقالها، فيحصل “القرصنة” على ناتج عمل “صغار العاملين” بالسرقة والغصب إلا تمثيلا ذهنيا لوضعية استيلاء كبار الكتَّاب على النتاج الإبداعي لصغار الكتَّاب بما يدلل على “المماثلة” بين وضعتين مختلفتين تلتقيان في دلالتهما عند تجسيد الخلل الشديد في العلاقة بين “العمل” وصانعيه من ناحية ومن يحصلون على ثماره ويستثمرونها من ناحية أخرى. وتنعكس دلالة هذا “التمثيل” على وضعية العلاقة بين “كبار الكتَّاب” و”صغار الكتَّاب” في السياق الثقافي لمرحلة ستينيات القرن العشرين في مصر حسب رؤية زكي نجيب محمود مما يكشف للقارئ عن المنحى النقدي الحاد الذي تجسده تلك الرؤية؛ لاسيما حين يتذكر القارئُ تاريخَ النشرة الأولى لمقالة “قرصنة في بحر الثقافة”. كما يلحظ أيضا أن معاودة النظر في بنية ذلك “التمثيل” عند الكاتب تكشف عن غلبة المنحى الحجاجي وسيطرته على خطاب “حريحور” الراغب في تبرير مسلكه غير الأخلاقي ذاك فما كان منه إلا تقديم “تمثيل” آخر بوصفه وسيلة حجاجية تسهم في دعم حجَّته: (إن ثمرات التين الناضجة لها الحلاوةُ كلُّها، صُنعت لها ولم تصنْعها لنفسها؛ صنعتها لها الجذورُ والأوراقُ والفروعُ، فهل نقول في نهاية الأمر إنها حلاوةُ التين، أو ترانا نَنسب الحلاوةَ إلى صانعيها؟ ألا فليعلمْ هؤلاء الصغار أن الكتَّاب يكتبون والملوكَ يوقِّعون، وتلك هي الحياةُ كما أراد الله أن تكون على هذا الكوكب الأرضي)(81). وبذلك يصير هذا التمثيل الإضافي الذي قدمه “حريحور” تعليلا لمسلكه غير الأخلاقي إلى تجلية تبريرًا لموقف “كبار الكتَّاب” الذين يسطون على أعمال “صغار الكتَّاب” وينسبونها إلى أنفسهم في سياق تلك الحكاية المصطعنة؛ مما يتيح لقارئ هذا المشهد في “قصة نفس” تبيُّنّ أن دلالات “التمثيل” التي تحملها تلك الحكاية تنصرف إلى تجلية وجهٍ من أبرز وجوه الخلل في السياق الثقافي الذي كتب فيه زكي نجيب محمود ذلك المقال في ستينيات القرن العشرين. وهذا ما يؤكد المنحى النقدي الحاد الذي يرسِّخُه هذا “التمثيل”. ولعل تلك الدلالة تتصل بقوةٍ بما قدمه زكي نجيب محمود في موضع آخر في “قصة نفس” من تمثيل لوضعية علاقته ببعض كبار الكتَّاب في ثلاثينيات ذلك القرن وأربعينياته بتمثيل “الكاتب الظل”؛ ذلك التمثيل الذي قدمه في فصل كامل في الصيغة الثانية من “قصة نفس”(82)؛ مما يدلل على حيوية ذلك التمثيل في خطابه السير ذاتي.
وثمة تمثيل جزئي آخر اتخذ منه الكاتب وسيلة لتجلية ما يترتب على استناد منظور تقييم الإنسان – أي إنسان- إلى الآخرين على كون دقة أو صحة نتيجته، أو عدمها، أو افتقادها يقوم على مدى “التجرد” في النظر أو الاستجابة في النظر إلى العادات المرتبطة بممارسة عملية النظر مما يحوِّلها إلى “عادات آلية” يغفل الناظرُ عن رؤية تأثيراتها السلبية فيما يُقيمه بنظرته تلك. وقد بناه على حكاية تمثيلية عن مفكرٍ يستخدم منظارًا خاصا يقرِّب الأشياء التي ينظر إليها كما يبعدها أيضا. ومن ثمَّ تبدو الأشياء عبر ذلك المنظار إمَّا هائلة وضخمة وإمَّا صغيرة. وقد أخذ ينظر إلى الرجل الواحد نظرتين؛ فهو يبدو في الأولى عظيمًا بينما يبدو في الثانية قزمًا. ويؤكد الكاتب أنه يرى أن هاتين النظرتين صحيحتان إذا كانتا تقومان (على نظرة مجردة مُنزَّهة من انحراف عدسات المنظار)(83)، وأمَّا إن قامتا على العادات الآلية التي خلقتها فينا عدساتُ المناظير فهما دالتان على رؤيتين بعيدتين عن “الصواب” وعن “الموضوعية”. وذلك ما يجعل من واقعة النظر تلك حكاية تمثيلية لحال الرؤية الذاتية البعيدة عن “الصواب” و الخالية من القدرة على “الإقناع العقلي”. وقد اتخذ الكاتب من هذا التمثيل وسيلةً لتحويل “الذاتي” إلى “موضوعي” إذ أورده في سياق بيان حديث الراوي عن أن “إبراهيم الخولي” كان حين ينظر إلى نفسه مقارنةً بالآخرين، في المرحلة الأخيرة من حياته، يرى أنه (عملاق بين أقزام) فيسعى الراوي إلى بيان ذلك بتقديم مقالة قرأها لإبراهيم الخولي عنوانها “حارة الأقزام”، وهي مقالة لزكي نجيب محمود نشرها في صحيفة قبل أن يعيد نشرها في كتابه “مجتمع جديد أو الكارثة”(1978)، وهو يقدم المقالة كاملة لأنها قائمة على تجلية طبائع ذلك التمثيل(84).
ولعل تلك النماذج المتعددة من نمط التمثيل الجزئي تدلل على تنوع وظائفه في سياقات “قصة نفس”، كما تؤكد انغراس هذا النمط التمثيلي بصيغه المختلفة في أنسجة كثير من مواقف “قصة نفس”.
(6/3/2) نمط التمثيل السردي الجزئي: طبائعه ووظائفه
يعتمد نمط التمثيل السردي الجزئي على السرد والوصف، ويتشكل في وقائع سردية، ومن ثم يعد عنصرا من عناصر تشكيل الشخصية وتفسير مسلكها أو بعض مسالكها في الحكاية التي يشكلها الكاتب سرديا. وقد اعتمد عليه الكاتب في تفسير أو بناء ملامح أساسية في شخصية “الأحدب” خاصة، لاسيما أن هذا الملمح ظل السمة الأساسية التي تُجلِّي هوية ذلك “الأحدب”؛ فلكون شخصية “الأحدب” هي الشخصية المحورية في نص “قصة نفس” وهي التي تقوم بالأدوار المحورية والرئيسية فيه؛ فقد حرص الراوي الضمني في بدايات السرد على أن يصف عددًا من الملامح الخارجية لذلك “الأحدب” بما يتيح للقارئ الاقترابَ من تلك الشخصية. وقد حرص الكاتب على أن يقدم لها خاصة بعض الملامح الخارجية التي تقنع القارئَ بكونها شخصيةً قريبةً في مظهرها الخارجي بما يراه ويعايشه في واقعه، وذلك ما يبرز تحديدًا في وصف الراوي الضمني للملامح الخارجية للأحدب؛ إذ وصف ملامحه الخارجية بالثبات والغلظة ثم أبرز تفاصيل تلك الملامح الصغرى مازجًا وصفه هذا ببعض الدلالات النفسية التي يعرفها ذلك الراوي الضمني جيدا: (حاجبان قويان عريضان أسودان، وأنفٌ طويلٌ مليء، وشفتان مزمومتان، ولحيةٌ وشاربٌ كثيفان، شعرُهما سميكٌ غليظٌ اختلط أسْودُه بأبيضه: ملامح تدل كلها على المضاء والحدَّة والبأس الشديد، لولا أن عينيه تفضحانه فضيحةً كبرى، إذ تنطقان بأجلى بيانٍ أن الرجل هادئٌ وادعٌ مستسلمٌ مستكين)(85). وقد حرص الكاتب على أن يصور “الأحدب” وهو يمارس حركته ومسلكه وسط عددٍ من الشخصيات التي تمارسُ مجموعةً من الأنشطة المختلفة من تعليم وعمل ومعاملات اجتماعية مختلفة. كما ربط هذه الشخصيات بمجموعة من العلاقات الاجتماعية التي تجمعها معًا من ناحية أو تربط بينها أو بين بعضها والشخصيات الأخرى. وإذا كان الكاتب قد عدَّل في الصيغة الثانية من كتاب “قصة نفس” فلعل أبرز تلك الجوانب حذفُه لثلاثة من الفصول التي كانت تعرض تجارب حياتية عاشتها شخصيات ثلاث تمثل مراحل ومواقف لشخصية “الأحدب”. وقد ظلت شخصية “الأحدب” الشخصية الرئيسية في عالم “قصة نفس”، ولكن مفتاح شخصية “الأحدب” كما يقدمه الراوي الذي يعرضه بوصفه اكتشافًا توصَّل إليه من لقائه بالأحدب عدة مرات ومن تأمله لمسالك “الأحدب” في مواقف مختلفة سواءٌ كان ذلك الراوي مشاركًا أو غيرَ مشارك فيها لكنها يراها ويتابعها فيتأمِّلًها. ويقدم الراوي ذلك المفتاح شارحًا بما يكشف للقارئ عن فاعلية آلية “التمثيل”؛ فهذا الشرح وسيلة لتفسير غلبة صفة “الحدَب” التي هي صفة جسدية في هيئة “الأحدب” الخارجية تلك، على أن ذلك “الحدَب” الجسدي تجسيدٌ لمعاناة نفسية هائلة يشعر بها ذلك “الأحدب”؛ إذ يقول الراوي: (وأمَّا أنا فقد ازددتُ يقينًا أنَّني وقعتُ على المفتاح؛ فها هو ذا رجلٌ قد شُدَّ بصرُه منذ الطفولة نحوَ الممكن لا نحوَ الواقع، فكلَّما حدثَ واقعٌ وتحقَّق، توقَّعَ ما وراءه وهو يائسٌ، وكلَّما قصرت قدرتُه مرةً دون بلوغ الممكن – ولا بدَّ أن تقصر إذ “الممكنُ” ما ينفكُّ يتراجعُ أفقُه خطوةً فخطوةً إلى الوراء – تكوَّنتْ على ظهره طبقةٌ رقيقةٌ من الهمٍّ، ولبثتْ الطبقاتُ تتراكم على مرِّ السنين، فإذا هذا القتَبُ الذي يحملُه فوق ظهره مشحونًا بهموم حياته كلِّها لا يُخفِّفُ منه ما يصيبُه من نجاحٍ، لانَّ عينيه لا تنظران أبدًا إلى ما قد تحقَّق، إنما تمتدان إلى ما لم يتحقَّقْ والذي كان من الممكن أن يكون)(86). ولعل هذا تمثيل دال لوضعية زكي نجيب محمود بوصفه فيلسوفًا، أو لعله أيضا تمثيل لوضعية الفيلسوف في حلمه الملازم له بتحقيق مثل أعلى منشود في حياة الناس، و هذا المثل الأعلى المنشود يعدُّ بالنسبة له إمكانًا يمكن تحقيقه في حياة الناس أي في الواقع، وتحقُّقُ أمرٍ ما كان ينشدُه أو يحلَم بحدوثه يعني، بالنسبة له، توقَّع أن يحدث ما بعده؛ أي ما يؤدي إلى الصعود إلى درجة أعلى نحو الاقتراب من “المثل الأعلى” المنشود، ولكن هذا الحدث “المنشود” لم يقع، ولعل تكرار عدم الوقوع ذاك أمرٌ متواتر متكرر ودائم لديه؛ فيقلُّ حدوث ذلك “الممكن” فتتكوَّن طبقةٌ جديدةٌ من الهمِّ تليها طبقة أخرى فتتراكمُ الهمومُ، من ثمَّ، في صدره لتتحوَّلَ إلى قتَبٍ على ظهره يزداد ثقلا به! فزيادةُ ذلك القتَب على ظهره تعني ازدياد تقلُّص مساحة “الممكن” في الواقع؛ أي ضيق مساحة الأمل في نفسه في مقابل زيادة مساحة اليأس! وحين يقرن القارئ هذا “التمثيل” لصفة “الحدب” تلك ويتذكر التفسيرَ الذي قدمه الكاتب لها ثم يقرن هذا بما أنبأ به الراوي القارئَ قرب نهاية وقائع “قصة نفس”، في صيغتها الأولى، من بيان لبقاء صفة “الحدب” تلك في جسد “الأحدب” في نهايته تجربته، بازدياد حدبه ليفسره بازدياد أعباء حياته، يدرك القارئ حينئذٍ عددا من دلالات ذلك “التمثيل” التي تأتلف حول كون ذلك “القتَب” دالا على تراكم الهموم على ظهره بسبب قلة تحقق أمانيه وآماله، كما يدرك أيضًا أن هذه الوضعية تجسد “قدر” ذلك المفكر أو الفيلسوف أو قدر أي مفكر أو فيلسوف معنيٍّ بالتفكير في حياة أفضل لبني البشر! وفي الصيغة الثانية من “قصة نفس” ظل “الأحدب” يشعر خلال مرور الأحداث بالخذلان(87) لعجزه عن تحقيق “المثل الأعلى” الذي يؤمن به. وبذلك ظل التمثيل السردي الجزئي وسيلةً لتجلية الخصيصة الأساسية لشخصية “الأحدب” التي هي الشخصية الرئيسية في “قصة نفس”. وحين يتذكر القارئ في نهاية معايشته أحداث “قصة نفس” أدوار “الأحدب” فيها ومسالكه إزاءها والنهاية التي انتهى إليها يدرك جيدا أن العالم السردي الذي صنعه الكاتب صنعًا إنما كان تمثيلا لرؤيته لمسيرته هو نفسه بوصفه فيلسوفا يحلم بتغيير العالم؛ ومن ثمة تنتسج عدة خيوط دلالية تجسد شعورًا بالتشاؤم في وجدان ذلك القارئ.
(6/3/3) التمثيل السردي الكلي ومشكل الهوية
تنطوي صياغة أية سيرة ذاتية على جِلاء لمشكل “الهوية” أي هوية ذات الكاتب التي تشكلت عبر مواقف الحياة التي عاشها أو تعايش معها في الواقع فتجعل منها موضوعًا للتحليل والتأمل بما يمكنها من استجلاء عناصر تكونها وتشكلها وتجلية كيفية تفاعلها معًا في إطار زمني يغلب أن يُبنى على مراحل حياة ذلك الشخص في تواليها. ولمَّا كان زكي نجيب محمود قد اتخذ من منحاه الفلسفي أساسا يبني على ضوئه صياغته “قصة نفس” فإن قد جعل من المقوم التمثيلي مقومًا أساسيًا في بنائه سيرته الذاتية تلك. وإذا كان قد اتخذ من التمثيل الجزئي والتمثيل الجزئي السردي أداتين من أدوات بناء خطابه السردي والتحليلي فإنه جعل من التمثيل السردي الكلي العنصرَ الأساسي في بناء سيرته بوصفها سيرة ذاتية تمثيلية بمعنيين، وهما: تمثيل ذاته التاريخية التي تشكلت عبر مراحل حياته المختلفة وعبر مختلف ما مرَّ بها من لحظات، وتمثيل “الذات الإنسانية المفكِّرة” في وجودها المطلق بما يجعل من ذاته التاريخية هذه تجليا لتلك “الذات الإنسانية المفكِّرة”. ولمَّا كان المنحى التحليلي هو المنحى المهمين على موقفه من هاتين الذاتين فقد كان مسلكه البنائي وسيلةً لتجلية مشكل الهوية على النحو الذي يراه هو. ومن ثمة كانت عنايته باتخاذ العناصر السردية والعناصر التمثيلية وسائل لتجلية رؤيته لمشكل الهوية. وهو ما عمل على معالجته عبر اتخاذه من ثلاثة أشخاص وهم: “الأحدب”، و”رياض عطا”، و”إبراهيم” أو “إبراهيم الخولي” ثلاثة تمثيلات سردية لمكونات هويته وأبعادها المختلفة. وهو التمثيل الجذري الذي وجَّه مسلك كلًّا منها في مختلف المواقف التي عاشتها أو مرَّت بها في إطار عالم “قصة نفس”، وقد بنى هذا التمثيل “الجذري” على أساسين، وهما: “الافتراض”، وتعليل سمتي “الوحدة” و”التنوع” أو “التعدد” في وجود ذلك الكائن الكلي الذي بدا من بداية أحداث السيرة إلى نهايتها؛ هذا الكائن أو الشخص الذي حمل اسمَ “الأحدب” والذي بدت لنا، في فقرة سابقة، الدلالةُ التمثيلية التي تحملها تلك الصفة التي لُصِقت بهذا الشخص من بدء الأحداث وظلت مرتبطةً أو ملتصقةً به في مختلف الحوادث والمواقف التي مرَّت به، بل إن شدة لصوقها به في نهاية نص “قصة نفس” وازديادها رسوخًا في ذلك الموضع يؤكد تلك العلاقة “اللازبة” بينهما.
وقد تجلى منطق الافتراض من البداية في افتراض أن كلًّا من الشخصيات الرئيسية “رياض ” أو “الأحدب” و”إبراهيم الخولي” و”فوزي الراوي” يجسد كلٌّ منهم بفكره وبسلوكه فكرة ما أو سمة ما؛ فالأحدبُ يمثل العاطفة والنظرة العاطفية للأشياء والأشخاص، و”إبراهيم الخولي” يمثل “العقل” و”الفكر” و”المنطق العقلي”. وهذا الافتراض قد حوَّل كلَّ شخصٍ منهم إلى تمثيل لفكرة، أو عاطفة، وما يترتب على أي منهما من موقف سلوكي تتجلى آثاره فيما يقوم به ذلك الشخص في حوادث “قصة نفس” ممَّا جعل من مجموع مسالك ذلك الشخص تجليات متعددة لهذا التمثيل. ولذلك اتخذ الكاتب من تحليله لتلك المسالك وسائل لتجلية الأبعاد “التمثيلية” لذلك “الشخص من ناحية و”النموذج” الذي يمثله من ناحية، ومن ثم يستطيع القارئ بمراجعته مسالك ذلك “الشخص” وتحليلات الكاتب والراوي له أن يقف على الأبعاد المختلفة لذلك النموذج مما يتيح له إمكانيَة تمثل مختلف الدلالات التي تحملها تلك الأبعاد. ومن هذه الزاوية في القراءة والفهم يتحول كلٌّ من “الأحدب” و”رياض عطا” و”إبراهيم” -عبر إسهام كل منهم في حوادث “قصة نفس” – إلى تمثيلات؛ أي تجسيدات عينية لما يمثله كلٌّ منهم من مواقف إزاء الحياة وما ينجلي عن تلك المواقف من مسالك. وهذا ما يعني أن منطق “التمثيل” قد تجلى في أنماط سردية؛ فصار هؤلاء الأشخاص تمثيلات سردية كبرى لعبت أدوارا متعددة في عالم “قصة نفس”.
وثمة بعدان آخران يتصلان بالأبعاد والمستويات الدلالية لهذه التمثيلات السردية الكبرى، وأولهما بُعدٌ يتصل بالدلالة الزمنية لكلٍّ منهم في إطار المرحلة العمرية التي مرَّت بها شخصية “الأحدب”، ويتصل ثانيهما بأبعاد العلاقة بينها ودلالاتها المتعددة أو الكلية. وفيما يتعلق بالبعد أو الجانب الأول يمثل كلُّ شخص منهم مرحلةً من مراحل حياة الشخصية التي يتمُّ تحليل تكوينها عبر آلية أو أداة التمثيل؛ ف”الأحدب” يمثل مرحلة الطفولة بما فيها من تغليب لجانب العاطفة، على حين يمثل “رياض عطا” مرحلة الشباب بما فيها من إقبال على الحياة يراوح بين الاستجابة للعاطفة أو الاستجابة لنداء العقل، بينما يمثل “إبراهيم” المنحى العقلي الذي اكتسبه “الأحدب” و”رياض” خلال مسيرة التعلم في مرحلة الشباب وما بعدها. ومن ثمة يمكن للقارئ أن يتفهم دلالة تمثيل جزئي قدمه الكاتب ليفسر به العلاقةَ بين هؤلاء الأشخاص الثلاثة؛ إذ أشار ساردًا إلى أن (المصادفة المُبصرِة) قد جمعت الثلاثة معًا لأول مرة وذلك بعد فترة قصيرة من عودة “إبراهيم” من بعثته في إنجلترا؛ فلم (يطلْ بينهم إجراءُ التعرُّف بعضهم إلى بعض، لأنهم أحسُّوا جميعًا – وفي لمحة خاطفة- أنهم إن لم يكونوا إخوةً توائم، فهم كالإخوة التوائم، يختلفون فيما بينهم اختلافًا بعيدا، لكنهم يتفقون على محاور رئيسية)(88). فتقبُّلُ القارئ مثلَ هذا الافتراض يجعله يتساءل عن كيفية تحقيق “التكامل” بينهم، وهو ما قدم له الكاتب إجابة مباشرة تستند إلى منطق “التمثيل” حين يصف هؤلاء الثلاثة بأنهم مجتمعون على أن تكون لهم وقفةٌ واحدة؛ كلٌّ في مجاله وفي حدود كيانه، (وهي الوقفة التي تحتمي في حصنها وتهاجمُ على الورق. ومن هنا جاء التكاملُ بين التوائم الثلاثة: إذا كتب الأحدب بنبرته الحادة الساخرة، وإذا كتب إبراهيم التحليلات الهادئة العلمية الموضوعية، وإذا سلكتُ أنا في مسالك الحياة العملية منخرطًا في قوالبها، فالصورُ الثلاثةُ كلُّها تنطوي على جوهرٍ واحدٍ قوامُه العملُ على التغيير بالثورة الصامتة، أو هو المهاجمة من أبراج القلاع التي يلفُّها الضباب)(89). وهذا ما يعني أن العمل على تغيير الواقع بالثورة الهادئة التي تتجلى في الكتابة والمسلك العملي “الهادي” دون ضجيجٍ، أو الانطلاق في الهجوم أو ممارسة نقد الواقع من علٍّ حيث لا يتبين المهاجَمون موقعَ المهاجِم أو الناقد الذي يلفُّه الضبابُ يشير بوضوح إلى أن مختلف المسالك التي سلكها هؤلاء الثلاثة تلتقي في المنطلق وتتلاقي في الهدف أيضًا مما يجعل “التكامل” بينها تكاملا مُقنعًا أو مؤسَّسا على منحى منطقي. ومن ثمة كان اندماج كل هذه الشخوص معًا لتصير شخصًا واحدًا هو “إبراهيم الخولي” تأكيدا لكونه تمثيلا لتلاقي هذه التوجهات والمواقف المختلفة معًا، ولهذا لم يكن غريبًا أن يحدث هذا التلاقي في المرحلة الأخيرة من حياة “الأحدب”؛ إذ أشار الراوي إلى تلاقي كل من “الأحدب” و”إبراهيم الخولي” عندما اقتربا من الستين ليصيرا شخصًا واحدًا هو “إبراهيم الأحدب” الذي صار كما وصفه “فوزي الراوي” امتزاج كلٍّ من “إبراهيم” و”الأحدب” (في هوية واحدة: فالفكر ذو أعماقٍ وأبعاد، والانفعالُ ذو حرارةٍ ووجدان)(90). ولكن هذا التلاقي لم يقض قضاءً تاما على بقايا مختلف المراحل السابقة في نفس “الأحدب” أو في شخصه؛ بما يفسر للقارئ ما يمكن أن يلحظه أحيانًا من امتداد آثار بقايا تلك المراحل السابقة في مسلك “الأحدب” أحيانًا.
ولعل بقاء آثار المراحل السابقة على المرحلة الأخيرة في حياة “إبراهيم الخولي” أو “الأحدب” يعد خيطا دالا على سمة أساسية تميز ذلك الشخص، وهي سمةُ وحدة الهوية مع اختلاف عناصرها من ناحية، ومن إمكان تغلُّب واحدٍ منها على العناصر الأخرى سواءٌ في مرحلة ما أو في لحظة ما من ناحية اخرى؛ بمعنى أن كلَّ واحد من هؤلاء الشخوص الثلاثة كان يسلك طريقًا مختلفًا عن طريقَيْ الآخريَن لكن (الطرق الثلاثة كانت تلتقي عند رأس واحد)(91). كما كان لكل منهم نشاطُه الخاص، ومن ثمة دعا الراوي القارئَ إلى أن يفترض أنهم ثلاثة رجال أو أنهم (رجل واحد في ثلاثة شخوص، فالقول سيَّان)(92). ورغم ما يلحظه القارئ من “اضطراب” ما أحيانًا في إشارات الكاتب لأسماء هؤلاء الشخوص الثلاثة الذين صاروا في عديد من مواضع “قصة نفس” “الأحدب” و”إبراهيم” أو “إبراهيم الخولي” و”فوزي الراوي” فإن الكاتب كان حريصًا – لاسيما بعد عرض مواقف متعددة كاشفة عن وجوه الاختلاف بين هؤلاء الشخوص – على أن يؤكد أنهم (“متواصلون” “مترابطون” على نحوٍ حيوي عجيب.. فقُلْ عن شئتَ إنه نوعٌ من التكامل بحيث تتألَّفُ من ثلاثتهم وحدةٌ واحدةٌ كان يمكنُ أن تتوافرَ للفرد الواحد لو أنه جاء فردًا متزنَ الفطرة والسلوك)(93). ولعل هذا التكامل مظهرٌ حيوي دال على حضور ضمني لسمة الوحدة التي تميزت بها تلك النفس التي قصَّ زكي نجيب محمود قصتها في “قصة نفس”؛ فهو علامة تهيئ للقارئ تمثل صياغة الكاتب رؤيته عناصر “الوحدة” في تلك النفس.
اتخذ الكاتب إلى من سعيه تأكيد تحقق هذا التكامل بين هؤلاء الأشخاص الثلاثة وسيلة لإقناع القارئ بتواصل هؤلاء الثلاثة. ومن ثم اتجه في خاتمة الصيغة الثانية من “قصة نفس” نحو تجلية عناصر “الوحدة” في تلك النفس التي سرد حكايتها متخذًا من افتراض أن كلا من “فوزي الراوي” الذي ظهر صوتُه جليًا في مضمار السرد والشرح في تلك الخاتمة، و”رياض عطا” و”إبراهيم الخولي” إنما هم (بمثابة نفسٍ واحدةٍ لإنسانٍ واحدٍ، انقسمت على ذاتها ثلاثة جوانب)(94). ومن ثمة فقد أخذ يدلل على وجود تلك “الوحدة” المفترضة بين هذه الجوانب أو النفوس الثلاثة؛ وجعل من ملامح متعددة فيها سمات دالة على تحقق “الوحدة”؛ أي وجود الهوية المُميِّزة لها بوصفها كائنًا يسلك وسط سياق اجتماعي وفي عصر ما. فكانت السمة الأولى لها أنها نفسٌ (في خصومة دائمة مع نفسها، وقلَّما وجدتْ من حياتها لحظةً تصالحتْ فيها مع ذاتها. وحسبُنا في هذا الصدد أن نتذكرَ بأنها نفسٌ مثلثةُ الأركان لكل ركن منها طبيعةٌ تنافرت مع طبيعة الركنين الآخرين)(95). ومن هنا يجعل من كلِّ نفسٍ منها تمثيلا لنمط من النفوس الثلاثة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم؛ فالنفس الأمَّارة يمثلها “الأحدب” أو “رياض عطا”، والنفسُ اللوَّامة يمثلها “إبراهيم الخولي”، وأمَّا النفس المطمئنة ففوزي الراوي أو الكاتب نفسه هو الذي يمثلها. ولعل عديدًا من دلالات ذلك “التمثيل” لا تخفي على قارئ كتابات زكي نجيب محمود والعارف بتفاصيل مسيرته وحياته الفعلية؛ فبإمكانه رصدَ كثير من الشواهد من كتاباته ومواقفه في مسيرة حياته مما يرجِّجُ كون “فوزي الراوي” تمثيلا ملائما لشخص الكاتب والمفكر والفيلسوف؛ أي زكي نجيب محمود.
ولقد كان منحى اصطناع “التغريب” بين الكاتب بوصفه راويًا من ناحية وبوصفه مرويًا عنه من ناحية أخرى دافعًا للكاتب إلى اتخاذ خطاب الشهادة وسيلة لإضاءة صفات تلك النفس التي تشكلت من ثلاثة نفوس فرعية؛ أي “الأحدب” أو “رياض عطا”، و”إبراهيم الخولي”، و”فوزي الراوي”؛ ومن ثم يرى أن صفات “الأحدب” قد كانت لها الغلبةُ الطاغية على هذه النفوس الثلاثة، ومن ثمة صارت السمات العامة التي اتصفت بها شخصيةُ “الأحدب” هي السمات المُميِّزة لذلك الثالوث في أعين المشاهدين أو من اتصلوا به. وهي سمات أربع أولاها: (الانطواء الشديد الذي هو أقرب إلى الفرار من دنيا الناس العامة إلى حيث تحيط به جدران بيته)(96)، وثانيتها: الاتصاف (بالجبن في الحياة العامة وفي زحمة الناس. لكن انظر إليهما (يقصد: إبراهيم والأحدب) فيما يكتبانه وينشرانه تجد الجرأةَ والشجاعةَ والعلانيةَ الصريحة كلٌّ منهما في ميدانه؟ فكأنهما وهما يلوذان بمأمن البيت، فما ذلك إلا ليزداد شجاعة على الورق)(97). وأما السمة الثالثة فهي (سرعة الانتقال من البِشر والبشاشة إلى الجهامة والعُبوس؛ فما هي إلا لحظة خاطفة، حتى ترى الأحدب – بصفة خاصة- قد وثب من عالم الضحك والفكاهة إلى دنيا الصرامة والجِد)(98). وأمَّا السمة الرابعة فهي (شدة التواضع الذي كثيرًا ما يُسرفُ في حق نفسه فيبدو للآخرين ضعةً لا تواضعًا)(99)، وهو يصفُه بأنه ليس تواضعًا غيرَ مشروط، ولكنه مقيدٌ بظروفه(100). ولعل بيان الكاتب سمات تلك النفس بطريقة مباشرة يعد نوعًا من المكاشفة التي تجلت في خطاب الشهادة على الذات؛ بما يوحي للقارئ – لاسيما حين يلحظ حرص الكاتب على تجلية بعض الصفات السلبية لنفسه أو لشخصه التاريخي – بحرص الكاتب على المنحى التحليلي الذي كان أداة محورية اعتمد عليها في جلاء كثيرٍ من طبقات تلك النفس التي اتخاذها من البدء موضوعًا وموضعًا للتحليل.
ولعل ثمة إمكانية للنظر إلى تلك الشخوص الثلاثة التي حللها كاتب “قصة نفس” على أنها تعد- من زاوية ما – تمثيلات سردية كبرى لأنماط إنسانية عامة، كما تعد علاقات هذه التمثيلات السردية الكبرى معًا، بما تكشف عنه من تلاقٍ وتحولٍ وصراع، إنما تقدم مستوى دلاليا ذا منحى تجريدي يتخذ من تلك “التمثيلات السردية الكبرى” قاعدتَه الأساسية. وهذه الوضعية تشير في دلالتها الأخيرة إلى اقتدار السيرة الذاتية “قصة نفس” على أن تكون تمثيلا سرديا ذا منحى شمولي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
(48) انظر: روبرت كامبل(إعداد): أعلام الأدب العربي المعاصر: سير وسير ذاتية، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، بيروت، 1996، ص – ص 1188-1191.
(49) انظر: غالي شكري: المثقفون والسلطة في مصر، مطابع أخبار اليوم، 1990، ص – ص 279-279. وترد في نهاية هذه الشهادة إشارة إلى أنها دُوِّنت من 29 نوفمبر إلى 5 ديسمبر 1985. وانظر أيضا الفصل العاشر من هذا الكتاب، وعنوانه “العقل المراوغ”، ص – ص 299-311، حيث يحلل غالي شكري هذه الشهادة.
(50) انظر: قصة نفس، ص- ص 48-49.
(51) أشار زكي نجيب محمود إلى أن أباه عمل محاسبًا بوكالة حكومة السودان التي وصفها بأنها (حكومة مصرية – بريطانية. ولم تكن لها سفارة بمصر، وإنما وكالةٌ تقوم بالشئون الخاصة بالسودان. وفي هذه الوكالة بدأ والدي حياتَه الوظيفية. وبعد بضع سنواتٍ نُقل جميع العاملين في هذه الوكالة إلى الخرطوم، فانتقل أبي إلى هناك، وانتقلتُ معه)، شهادة زكي نجيب محفوظ المنشورة في كتاب غالي شكري “المثقفون والسلطة”، ص 279. وانظر: قصة نفس، ص – ص 52-66 حيث يعرض جوانب من حياته بالسودان طفلا.
(52) قصة نفس، ص 53.
(53) انظر: تيتز روكي: طفولتي: دراسة في السيرة الذاتية العربية، ترجمة طلعت الشايب، الطبعة الثانية، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2009، ص – ص 156-166 حيث يعرض نماذج من تناول عدد من أصحاب السير الذاتية المحدثين ما يتعلق بأنماط التربية والتعليم التي تلقوها.
(54) قصة نفس، 223.
(55) انظر: قصة نفس، ص – ص 223-226 حيث يعرض الكاتب جوانب متعددة من تفاصيل ذلك الاضطراب. ولعل من اللافت لانتباه القارئ أن عديدًا من نقاد الستينيات قد كتبوا في تلك الفترة عن مظاهر متعددة لهذا الاضطراب، ويمكن -على سبيل المثال- مراجعةُ مجموعة من مقالات لويس عوض في كتابه “الثورة والأدب”، روز اليوسف، 1971. وهي مقالات نشرها لويس عوض في جريدة “الأهرام” في الستينيات قبل أن يعيد نشرها في كتابه هذا.
(56) قصة نفس، ص 227.
(57) حول أهمية سرد اللحظات الفارقة في أنماط من كتابة السيرة الذاتية انظر: سامي سليمان أحمد: سرد سيرة الناقد الذاتية المختزلة: المكونات السردية والمهام الثقافية، ضمن كتاب “في بلاغة الأشكال الوجيزة”، تنسيق محمد مشبال وعلي البوجديدي، الطبعة الأولى، دار كنوز المعرفة، الأردن، 2020، ص – ص 264-270.
(58) انظر: قصة نفس، ص 227 حيث يصف زكي نجيب محمود موقفه ذاك بأنه (موقف ثقافي جديد، أحاول فيه أن أجمع بين عنصرين معًا في نسيج واحد: موروث الثقافة العربية وحصيلتي من ثقافة الغرب، فأكونُ بهذا الجمع عربيًا ومعاصرًا في آنٍ معًا).
(59) قصة نفس، ص 221.
(60) قصة نفس، ص 228.
(61) انظر: زكي نجيب محمود: قصة عقل، الطبعة الثانية، دار الشروق، 1988، ص 101 حيث يشير إلى ما كان يدرسِّه عند عمله بقسم الفلسفة بكلية الآداب، جامعة القاهرة.
(62) زكي نجيب محمود: قصة نفس، ص 230.
(63) قصة نفس، ص 230.
(64) قصة نفس، 231.
(65) قصة نفس(1965)، ص 146.
(66) قصة نفس(1965)، ص 148.
(67) قصة نفس(1965)، ص 148.
(68) نشير إلى أن أحمد حسن الزيات (1885-1968) أحد الأدباء لذين تناولهم زكي نجيب محمود في سرده تلك الواقعة كان على قيد الحياة عند نشر الطبعة الأولى من “قصة نفس”.
(69) انظر: قصة نفس(1983)، ص – ص 142-144.
(70) قصة نفس، ص 144.
(71) قصة نفس، ص 143.
(72) نمثّل لهذه الظاهرة بتعامل الكاتب مع عناصر العلاقات العاطفية؛ ففي تناوله لهذا الجانب الذي أعطاه مساحة ملحوظة في الصيغة الأولى من “قصة نفس” كما في الفصل الخامس من الطبعة الأولى الذي حمل عنوان “رماد يشتعل” حيث عرض ص – ص 118-136 جوانب من لقائه بسميرة ووصفها هي وزوجها، كما عرض أيضًا لقاءً بين هذه الشخصيات الثلاث بحضور “الأحدب” (انظر ص – ص 136-138). وقد حذف مجموعة من عناصر هذين اللقاءين في الصيغة الثانية من “قصة نفس”. وكذلك عرض في الصيغة الأولى حوارًا في لقاء بين الراوي و”سميرة” وزوجها مدارُه عمل ذلك الراوي بالثقافة مما جعل الحوار يتطرق إلى “مصطفى” ابن “سميرة” الذي يحب الثقافة ويعمل بالتدريس؛ مما يجعله شبيهًا بالراوي في عدد من صفاته. وهذا الموقف بصفحاته المختلفة استبعده الكاتب تمامًا من الطبعة الثانية.
وهناك أيضا لقاء ثانٍ قدمه الكاتب في الصيغة الأولى يعرض فيه لقاءً ثانيا بين الراوي و”سميرة” و”زوجها” ص – ص 139-149، استبعده الكاتب من الصيغة الثانية وإن أبقى منه جانبا واحدا يتعلق برؤية الراوي التي أبداها في هذا اللقاء، وهي ليست إلا رؤية الكاتب نفسه.
(73) قصة نفس، ص 242. وانظر أيضًا ص – ص 242-243 حيث يشير الكاتب بإيجاز بالغ إلى بعض مسالك زملائه بأنه(التنكر الشديد الذي انطبع به موقفُ الزملاء وما يزال ينطبع به)، كما يسرد مسلك أحد أصدقائه الذي وصفه بعد حصوله على جائزة الدولة التقديرية في الآداب بأنه (رجلٌ بلا قيمة)، كما عيَّره ببصره المفقود. وكان ذلك فيما يقرر الراوي: (تتويجًا منه “لصداقة” دامت بيننا أكثرَ من ثلاثين عامًا)!
(74) ألفت الروبي: بلاغة التوصيل وتأسيس النوع، سلسلة كتابات نقدية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2001، ص 225. ونشير إلى أن عنوان هذا الفصل الذي اقتبسنا منه هو “المثل والتمثيل في التراث النقدي والبلاغي”.
(75) ألفت الروبي: بلاغة التوصيل وتأسيس النوع، ص 239. ونشير إلى وضع كلمة التمثيل بين قوسين في هذا النص هكذا في الأصل
(76) نحيل هنا إلى دراسة ألفت الروبي: المثل والتمثيل في التراث النقدي والبلاغي، ص – ص 199-247حيث يتكرر في مواضع كثيرة منها رؤى البلاغيين العرب القروسطيين لهذا الجانب.
(77) قصة نفس، ص – ص 201-202، ونشير إلى أن النقط داخل النص المقتبس هكذا في الأصل.
(78) انظر: زكي نجيب محمود: في فلسفة النقد، الطبعة الأولى، دار الشروق، 1979، ص – ص 192-200.
(79) انظر: سليم حسن: مصر القديمة، الجزء الثامن، الهيئة المصرية العامة للكتاب،2000، ص 606،609، 611-613، 652-654.
(80) قصة نفس، ص 206.
(81) قصة نفس، ص – ص 206-207.
(82) انظر: قصة نفس، ص – ص 136-154.
(83) قصة نفس، ص 237.
(84) انظر: زكي نجيب محمود: مجتمع جديد أو الكارثة”، الطبعة الأولى، دار الشروق،(1978)، ص – ص 277-282. وهو يقدم المقالة كاملة في “قصة نفس” ص – ص 234-239.
(85) قصة نفس، ص 7.
(86) قصة نفس، 32.
(87) انظر: قصة نفس، ص 106 حيث يتحدث “الأحدب” إلى صديقه “الراوي الضمني” مخبرا إياه بالعسر الشديد الذي كان يلقاه عند محاولته تحقيق “المثل الأعلى” الذي كان ينشده، ويتخذ من هذا الإخفاق وسيلة لتبرير شعوره بالخذلان” فيقول: (فهل عرفتَ يا صديقي سرَّ الشعور بالخذلان الذي اعاني منه حتى ظهرت آثارُه على بدني؟ لقد رأيتُكَ تسعى لاهثًا لكشف السرِّ، ولعلي قد أرحتُكَ في كثيرٍ ممَّا أردتَ أن تكشف عنه الستار”.
(88) قصة نفس، ص 200.
(89) قصة نفس، ص – ص 200-201.
(90) قصة نفس، ص 241.
(91) قصة نفس، ص 127.
(92) قصة نفس، ص 128.
(93) قصة نفس، ص 216.
(94) قصة نفس، ص 250.
(95) قصة نفس، ص 251.
(96) قصة نفس، ص 252.
(97) قصة نفس، ص 253. ونشير إلى أن التوضيح داخل النص المقتبس في المتن من وضعنا.
(98) قصة نفس، ص – ص 253-254. ونشير إلى أن زكي نجيب يفسر هذه السمة بكونها (طابع المصري).
(99) قصة نفس، 254.
(100) يقدم الكاتب تجلية لبعض نماذج هذا التواضع؛ فيقول: (هو تواضعٌ بلا حدودٍ أمام الضعفاء غير الأدعياء، وأمَّا إن صادفتْها شخصيةٌ معتدية، لجأت على الانسحاب حتى لا تضعفَ أمامها فتُؤكل، وقلَّما لجأت إلى مواجهة اعتداء باعتداء، ولا يكون ذلك عن عفَّةٍ بقدر ما يكون عن شعورٍ بالنقص والعجز)، قصة نفس، ص 255.